الوثائق البريطانية تظهر صدمة الأميركيين والروس من استقالة ثاتشر

كشفت عن مخاوف لندن من ألمانيا عقب توحيد شطريها

مارغريت ثاتشر في لقطة مع ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفياتي قبل انهياره عام 1987 .. ومع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عام 1981 (غيتي)
مارغريت ثاتشر في لقطة مع ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفياتي قبل انهياره عام 1987 .. ومع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عام 1981 (غيتي)
TT

الوثائق البريطانية تظهر صدمة الأميركيين والروس من استقالة ثاتشر

مارغريت ثاتشر في لقطة مع ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفياتي قبل انهياره عام 1987 .. ومع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عام 1981 (غيتي)
مارغريت ثاتشر في لقطة مع ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفياتي قبل انهياره عام 1987 .. ومع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عام 1981 (غيتي)

اتصل هنري كيسنجر هاتفيا ليقول إن خبر الاستقالة جاء «صادما أكثر من خبر وفاة أحد أفراد عائلته»، في حين وصف سفير الاتحاد السوفياتي الخبر بالمرعب. وكشفت الوثائق البريطانية التي أُفرج أول من أمس أن استقالة مارغريت ثاتشر من منصبها كرئيسة وزراء بريطانيا جعلت الدموع تنساب من العيون في واشنطن وموسكو.
وأجرى كيسنجر اتصالا هاتفيا وهو في حالة نفسية سيئة بمكتب ثاتشر بـشارع «داونينغ ستريت» وقال: إن وقع خبر استقالتها «جاء أسوأ من خبر وفاة أحد أفراد عائلته»، في حين أبلغ تشارلز باول، كبير مستشاري ثاتشر، مستشار الأمن القومي الأميركي، بارنيت سكوكروفت، أن استقالتها «جاءت كحدث أليم بالمعايير السياسية».
وشمل ملف الوثائق البريطانية الذي حمل عنوان «استقالة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر» تعليقات معبرة عن الاحترام والتقدير من مختلف قادة العالم، ومذكرة إحاطة من صفحتين صادرة عن سكرتارية مجلس الوزراء توضح أسباب عدم الحاجة لإجراء انتخابات عامة عاجلة، بالإضافة إلى «خطة لمرحلة ما بعد الاستقالة» وجدول عمل ليوم 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990 المشؤوم.
وشملت الوثائق أيضا دحضا من جون واكيمان، وزير شؤون مجلس الوزراء في ذلك الحين، لمزاعم أثيرت عام 1991 عن أنه كان سببا في دفع ثاتشر للتعجيل بتقديم استقالتها بعد أن كان «أول وزير في طابور طويل من الوزراء» أبلغوها كل على حدة بأنها لن تفوز في الانتخابات المقبلة أمام منافسها، مايكل هسلتاين، حسبما ورد في كتاب من المتوقع صدوره قريبا عن الصحافي الآن واتكنز. وتركت ثاتشر موقعها لتمهد الطريق أمام جون ميجور ودوغلاس هيرد لخوض النزال أمام هسلتاين، الذي وثقته صحيفة «الغارديان» في ذلك اليوم تحت عنوان «معركة التصدي للمغتصب». وشملت الملفات التي توثق لعامي 1989 و1990 والتي أفرجت عنها هيئة الوثائق البريطانية بمنطقة كيو الجمعة الماضي محضر آخر اجتماع حضرته ثاتشر لمجلس الوزراء والذي قالت خلاله إن «مشاورتها مع الزملاء أشارت إلى أن الجميع كانوا يدعمونها، لكن الغالبية رأوا أن احتمال فوزها بالانتخابات بات ضعيفا». واشتمل المحضر على «الملاحظة بالغة الحزن التي عبرت عنها رئيسة الوزراء».
وتضمنت الوثائق أيضا مستندات صدرت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1989 عن استقالة مستشارها نايغل لاوسون، والتي أظهرت نصيحة سكرتيرها الخاص، أندرو تيرنبول، لها بأنها تستطيع الاستفادة من استقالته التي تقدم بها بأن تكشف سياسته التي حاول بها إدخال عملة الجنيه الإسترليني إلى منظومة العملة الأوروبية لكن من خلال الأبواب الخلفية بالسير خلف المارك الألماني على الرغم من معارضتها لذلك. وتسببت حالة الاستياء العام مما يعرف بـضريبة (بول تاكس) في التعجيل باستقالة ثاتشر، وكان ينظر لهذه الضريبة كمحاولة لنقل عبء الضرائب من على كاهل الأغنياء لكاهل الفقراء وكمثال لنموذج فاشستي متنامٍ في القيادة.
واستقال جيفري هاو من منصبة كنائب لرئيس الوزراء في منتصف نوفمبر اعتراضا على سياساتها الأوروبية، وفي كلمة مؤلمة أمام مجلس العموم قال: إن الوقت قد حان لزملائه في الحزب كي «يقرروا موقفهم بشأن صراع الولاءات الدرامي، الصراع الذي ناضلت أنا شخصيا لفترة طويلة كي أتغلب عليه». بعد ذلك دخل مايكل هسلتاين في نزال معها على زعامة حزب المحافظين ليشعل منافسة حامية دفعتها إلى الانسحاب. وأظهرت الوثائق البريطانية أيضا أنه رغم النظر إلى استقالة ثاتشر كتصوير لحادث سيارة بالحركة البطيئة قام به أعضاء البرلمان، فقد قوبلت الاستقالة بحالة من الاستغراب في العالم. وفي المكالمة الحزينة التي أجراها كيسنجر عقب نبأ الاستقالة مباشرة، أبلغ مستشارها للسياسة الخارجية، تشارلز باول، أنها «كانت أعظم الشخصيات في العصر الحديث، وأن لا أحد خارج بريطانيا – أو بالأصح لا أحد خارج ويست مينستر – استطاع فهم سبب إقدام رفاقكم في حزب المحافظين على فعل ذلك». كان الإحساس أشد مرارة في موسكو حيث سلم السفير السوفياتي رسالة شخصية إلى مارغريت من ميخائيل غورباتشوف قال فيها إن حالة من «الرعب» من مجريات الأحداث سادت هناك. وحسب باول: «فقد طلب غورباتشوف من وزير خارجيته شيفرنادزه الخروج من اجتماع رفيع المستوى بالكرملين للرد على مكالمته ليعرف منه سبب ما يحدث وكيف له أن يتصور أمرا كهذا». وأضاف باول «قال السفير السوفياتي إنه وجد أنه من الصعب جدا شرح سبب ما يحدث، في الحقيقة، كانت هناك مفارقة، فمنذ خمس سنوات كانت هناك انقلابات داخل الحزب بالاتحاد السوفياتي وانتخابات في بريطانيا، لكن ما يحدث الآن هو العكس تماما».
وقال بيان صادر عن المكتب الإعلامي حول رد فعل الصحافة الإيطالية إن الكثير من الصحف هناك شبهتها بالملكة إليزابيث الأولى والملكة فيكتوريا وإن «الانطباع العام هو أنها كانت قائدة عظيمة لكن ما خذلها هو عنادها الشخصي». ورأت صحيفة «بانوراما» الإيطالية الأسبوعية أنه على الرغم من أن الاقتصاد المحلي و«ضريبة الرؤوس» وأوروبا كلها كانت أسبابا هامة لتراجع شعبيتها: «فقد وجد غالبية الساسة البريطانيين أنه من غير المحتمل أن تستمر امرأة في قيادتهم».
وردت رسائل تعبر عن التقدير لشخصها أيضا من قادة الأجهزة الأمنية، حيث عبر باتريك ووكر، مدير جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية (إم 15)، عن امتنانه لدعمها المتواصل خاصة في «قضية بيتاني» التي أدين فيها أحد ضباط الجهاز (بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفياتي في الثمانينات) وما أعقب ذلك من تداعيات، وأيضا موقفها من الملحمة البطولية لضابط الاستخبارات بيتر رايت.
وتظهر وثائق الأرشيف الوطني البريطاني أيضا أنه في الوقت الذي أغدق فيه قادة العالم بالمديح على ثاتشر، لم يكن زملاؤها بمجلس الوزراء البريطاني بنفس القدر من الحماسة. وتكشف الوثائق أيضا عدم تحمس ثاتشر إزاء فكرة توحيد شطري ألمانيا لم يكن أمرا مخفيا على أحد، لكن مدى قوة معارضتها لهذه الفكرة فعليا كشفت عنها النقاب وثائق سرية لم يفرج عنها إلا أول من أمس. فقد نشر الأرشيف الوطني البريطاني اليوم سلسلة من الوثائق الحكومية الداخلية التي تعود إلى ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وتبين من هذه الوثائق أن مستشاري ثاتشر تمكنوا بصعوبة من إقناعها بالنظر إلى ألمانيا الموحدة على أنها دولة حليفة، بحسب وكالة الأنباء الألمانية. وكتب أحد المستشارين الخاصين إفادة للسيدة الحديدية تتضمن توصيات قبل لقائها السفير الألماني في لندن في الثالث من أكتوبر 1990. وجاء فيها: «من الضروري استخدام كلمات صديق وحليف وشريك بقدر استطاعتك».
وكشفت الوثائق أيضا أنه كان هناك تشكك كبير في بريطانيا مما إذا كانت ألمانيا الموحدة ستعود إلى سياستها العدوانية التي كانت تنتهجها في النصف الأول من القرن العشرين. ولم تتمكن مجموعة خبراء بريطانية من الاتفاق خلال أحد الاجتماعات في مارس (آذار) 1990 على رأي في هذا الأمر. وجاء في محضر الاجتماع أن «الطريقة التي يتبعها الألمان حاليا في فرض
إرادتهم دون هوادة واستخدام ثقلهم داخل الاتحاد الأوروبي تشير إلى أن كثيرا من الأمور لم تتغير». ورغم ذلك اختتم الخبراء محضر الاجتماع بتوصية مفادها: «يتعين علينا التعامل بلطف مع الألمان».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...