ضجة في أميركا بعد اتهام بوتين بضلوعه في قرصنة الانتخابات الرئاسية

تقارير استخباراتية: الرئيس الروسي كان على علم بالهجمات الإلكترونية وأعطى الضوء الأخضر لتنفيذها

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب خلال لقائه مع عدد مع المسؤولين عن شركات تعمل في القطاع التكنولوجي في برج دونالد ترامب في نيويورك أول من أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب خلال لقائه مع عدد مع المسؤولين عن شركات تعمل في القطاع التكنولوجي في برج دونالد ترامب في نيويورك أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

ضجة في أميركا بعد اتهام بوتين بضلوعه في قرصنة الانتخابات الرئاسية

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب خلال لقائه مع عدد مع المسؤولين عن شركات تعمل في القطاع التكنولوجي في برج دونالد ترامب في نيويورك أول من أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب خلال لقائه مع عدد مع المسؤولين عن شركات تعمل في القطاع التكنولوجي في برج دونالد ترامب في نيويورك أول من أمس (إ.ب.أ)

تسود الدوائر الأميركية حالة من الترقب والشكوك وتبادل الاتهامات بعد صدور تقارير استخباراتية تشير إلى تدخل مباشر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعطائه الضوء الأخضر للقيام بهجمات إلكترونية والتلاعب بالانتخابات الرئاسية الأميركية.
وأكد مسؤولون استخباراتيون لشبكة «سي بي إس نيوز» أن بوتين كان على علم بالهجمات الإلكترونية التي بدأت منذ يوليو (تموز) 2015، فيما يجري حاليا تحقيق رسمي حول هجمات إلكترونية استهدفت اختراق الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالحكومة الأميركية والجيش والتنظيمات السياسية.
وجاءت أولى محاولات القرصنة الروسية لتعطيل الانتخابات على شكل برمجيات خبيثة وتصيد واختراق، مكن القراصنة من الدخول إلى البريد الإلكتروني الخاص باللجنة الوطنية الديمقراطية (DNC)، وقد أكدت مصادر بالاستخبارات الأميركية أن هذا النوع من القرصنة السيبرانية لا يمكن أن يحدث دون مباركة وضوء أخضر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبهذا الخصوص قال مسؤول استخباراتي لشبكة «سي بي إس»، إن «الأوامر بالقيام بهذا النوع من القرصنة الاستخباراتية يجب أن تأتي من أعلى مستوى».
واستغرق الأمر عدة أشهر حتى اكتشف المحققون الفيدراليون ومسؤولو اللجنة الوطنية الديمقراطية وقوع اختراق إلكتروني للحزب الديمقراطي. وبهذا الخصوص قال مايكل ماكول، سفير الولايات المتحدة السابق لدى روسيا، لشبكة «إن بي سي»، إن دوافع روسيا لهذا الاختراق الإلكتروني متعددة، وتشمل الثأر من هيلاري كلينتون، والرغبة في تسليط الضوء على الفساد في السياسة الأميركية وإحداث انشقاق.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتهمت الحكومة الأميركية رسميا روسيا بالقيام بحملة من الهجمات السيبرانية ضد المنظمات الأميركية قبل الانتخابات، لكن البيت الأبيض لم يفعل شيئا في مواجهة تلك الاختراقات، وقد حذر الرئيس أوباما نظيره الروسي فلاديمير بوتين من عواقب الاختراق، وأمر الأسبوع الماضي بمراجعة تقارير وكالات الاستخبارات الأميركية كافة حول تلك الاختراقات.
ويشير محللون إلى أن أوباما يريد الحصول على التقرير المتعلق بهذه الاختراقات قبل أن يترك منصبه الشهر المقبل، ومن المتوقع أن يشكل التقرير بمجرد إصداره تحديا للرئيس المنتخب دونالد ترامب.
وعلى أثر ذلك بدأت لعبة توجيه الاتهامات من كل صوب داخل الدوائر السياسية الأميركية، حيث اتهم البيت الأبيض الرئيس المنتخب دونالد ترامب بعلمه بتورط روسيا في القرصنة على الانتخابات الأميركية، إذ قال جوش إرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، إنه «كانت هناك أدلة متوفرة ومعروفة قبل وقت طويل من إجراء الانتخابات، وقبل شهر أكتوبر»، مضيفا أن هذا قد يكون مؤشرا على أن ترامب كان على علم بالموضوع، بناء على حقائق أو مصادر توفرت لديه، وأكد أن روسيا متورطة، وأن تورطها سيكون له تأثير سلبي على حملة منافسته هيلاري كلينتون.
من جانبه، نفى الرئيس المنتخب المزاعم بتورط الرئيس فلاديمير بوتين في عمليات اختراق أجهزة الكومبيوتر الخاصة باللجنة الوطنية الديمقراطية، بهدف التأثير على الانتخابات. وهاجم ترامب البيت الأبيض، قائلا في تغريدة عبر «تويتر»: «إذا كانت روسيا أو أي كيان آخر قام بالقرصنة فلماذا انتظر البيت الأبيض واستغرق الأمر وقتا طويلا للتصرف؟ ولماذا يشكو الآن فقط بعد أن خسرت هيلاري كلينتون؟».
ورفض ترامب وفريقه الانتقالي التقارير التي تشير إلى حدوث قرصنة روسية، واعتبروها مجرد اتهامات «سخيفة»، متهمين الديمقراطيين بالاستياء من فوز ترامب بالانتخابات على مرشحتهم هيلاري كلينتون.
ورد البيت الأبيض على اتهامات ترامب بالانتظار وقتا طويلا لإثارة القضية بالقول إن «هذا الانتظار كان محاولة للتأكد من أن تلك المعلومات لن تظهر باعتبارها موجهة سياسيا».
وأشار مسؤولو الاستخبارات المركزية الأميركية إلى أن الهدف من الهجمات الإلكترونية كان منحصرا في مساعدة ترامب على الفوز في الانتخابات الرئاسية، وأبلغوا مجموعة من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي أول من أمس أن الاختراق الروسي كان يهدف إلى مساعدة ترامب، موضحين أن متسللين روسيين استطاعوا اختراق أنظمة البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي منذ يوليو 2015، وفعلوا ذلك بأوامر من الكرملين. لكنهم شددوا في الوقت نفسه على أن مثل هذا الهجوم لا يمكن أن يحدث دون موافقة من الرئيس بوتين. لكن مكتب الاستخبارات الوطنية ومكتب التحقيقات الفيدرالي اعترضا على هذا التقييم.
ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية المشاركة في جلسة استماع لإطلاع لجنة الاستخبارات بمجلس النواب على تفاصيل ادعاءات القرصنة الروسية، التي كان قد تقرر إقامتها ظهر أمس. وأشار مسؤولو الوكالة إلى أنهم يقومون بتنفيذ طلب للرئيس أوباما يقضي بتوفير جميع التفاصيل حول الموضوع، موضحين أنهم سيقومون بتقديم تقرير شامل إلى الرئيس فور الانتهاء من استكماله.
وقال جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، في بيان أمس، إن «وكالة الاستخبارات المركزية لن تقدم تعليقا إلى الكونغرس حتى الانتهاء من التقرير الذي سيستعرض محاولات التدخل الأجنبي في العملية الانتخابية الأميركية منذ عام 2008». وشدد البيان على أن نتائج التقرير ستكون متاحة للجمهور مع حماية مصادر المعلومات وطرق جمعها بمجرد اكتمال المراجعات في الأسابيع المقبلة.
واستنكر عدد من أعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس النواب رفض وكالة الاستخبارات المركزية تقديم إحاطة عاجلة حول التدخل الروسي في الانتخابات، خصوصا بعد أن نشرت وسائل الإعلام الأميركية تقارير تشير إلى حدوث تلك القرصنة، بهدف تعزيز فرص الرئيس المنتخب دونالد ترامب.
وهاجم النائب الجمهوري بيتر كينغ وكالة الاستخبارات، بالقول إنها تعمل بهذه الخطوة على إطالة حملة تضليل تهدف إلى التشكيك في شرعية انتصار ترامب، في الوقت الذي يستعد فيه لتولي منصب رئيس الولايات المتحدة. وقال كينغ لشبكة «فوكس نيوز»، إن «اعتذار وكالة الاستخبارات عن عدم المشاركة في جلسة لمناقشة الأمر وإطلاع لجنة مجلس النواب على أحدث النتائج التي توصلت إليها بشأن التدخل الروسي في الانتخابات، أمر شائن ويخالف جميع البروتوكولات، ويبدو الأمر وكأن جميع العاملين في مجتمع الاستخبارات ينفذون حملة تضليل ضد الرئيس المنتخب».
وانتقد ديفن نانز، رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، رفض وكالة الاستخبارات الاستجابة لطلب عقد جلسة اطلاع، وقال في بيان إن «اللجنة تعرب عن قلقها العميق من رفض تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الكونغرس، ما سيمكن من التلاعب بالمعلومات الاستخباراتية لأغراض سياسية»، مضيفا أن «اللجنة سوف تبحث بقوة في التقارير حول الهجمات الإلكترونية خلال الحملة الانتخابية للتأكد».
من جهته، أعلن السيناتور بوب كروكر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، عقد جلسة مغلقة وأخرى علنية خلال شهر يناير (كانون الثاني) المقبل لمناقشة الأمر. فيما أعلن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش مأكونيل، أن لجنة الاستخبارات بالمجلس ستجري تحقيقا حول تلك الهجمات الإلكترونية. كما أعلن رئيس مجلس النواب بول رايان أنه سيدعم هذا التحقيق.
من جانب آخر، اتهم السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام الروس باختراق حساب البريد الإلكتروني الخاص بحملته الانتخابية، وقال في تصريحات لشبكة «سي إن إن» أمس، إن الروس قاموا باختراق حسابات اللجنة الوطنية الديمقراطية، متهما روسيا بمحاولة زعزعة استقرار الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.