وزير خارجية جيبوتي: لا تعارض بين الوجود العسكري الأميركي والصيني على أراضينا

محمود علي يوسف أكد لـ «الشرق الأوسط» ابتعاد بلاده عن «متاهات» إيران.. ورحب باستضافة قاعدة عسكرية وبحرية للسعودية

محمود علي يوسف وزير الخارجية الجيبوتي («الشرق الأوسط»)
محمود علي يوسف وزير الخارجية الجيبوتي («الشرق الأوسط»)
TT

وزير خارجية جيبوتي: لا تعارض بين الوجود العسكري الأميركي والصيني على أراضينا

محمود علي يوسف وزير الخارجية الجيبوتي («الشرق الأوسط»)
محمود علي يوسف وزير الخارجية الجيبوتي («الشرق الأوسط»)

في نبرة واثقة بالمستقبل داخل مكتبه الحكومي البسيط المطل على القرن الأفريقي ذي الأهمية الاستراتيجية، يتحدث محمود علي يوسف، وزير خارجية جيبوتي، عن محاولات بلاده التعاون مع إيران وفقا لسياسات واضحة كما هو معتاد مع باقي دول العالم، إلا أنه يقول، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن جيبوتي استشعرت منذ البداية أن التعاون مع طهران ظهر فيه كثير من اللبس، وفيه أمور «ربما تدخلنا في متاهات، فابتعدنا عنها شيئا فشيئا»، وأنه حين جاء الاعتداء على الشرعية في اليمن وعلى المصالح العربية، قررت جيبوتي أن تقطع علاقاتها مع إيران.
وبينما كانت أشعة الشمس الأفريقية تسطع على جدران مكتبه، قدم الوزير يوسف تحليلا لأسباب تشكك بلاده في نيات طهران، معربا عن اعتقاده أن القرارات السياسية في إيران تتخذ على مستويين؛ مستوى عقول سياسية، ومستوى عقول دينية تفرض رأيها باستمرار على المستوى الآخر. وأضاف أن السياسات المكشوفة لإيران، من مصادر «التعصب الطائفي»، وأن هذه السياسات تعود إلى عهد المرشد السابق وليست وليدة الساعة، و«ما زال النظام الإيراني يستمر على هذا النهج»، مما يسبب عدم استقرار في دول المنطقة كلها.
وأكد وزير الخارجية الجيبوتي عمق العلاقات التاريخية بين بلاده والمملكة العربية السعودية. وقال، إنه بعد أن أعلن خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، عن تأسيس وتشكيل التحالف العربي للتصدي للانقلابيين الحوثيين في اليمن، كانت جيبوتي سبَّاقة للانضمام إلى هذا التحالف.
وإلى نص الحوار..
* حول ما يتعلق بالعلاقات الخارجية مع الدول المهمة في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية، إلى أي مدى تطورت العلاقات مع المملكة خلال الفترة الأخيرة؟
- منذ أن نالت جيبوتي استقلالها عام 1977، توجهت بقوة نحو الدول العربية. رأت قيادة جيبوتي، وقت ذلك، أن مستقبل ومصير الدولة يندرج تماما في المحيط العربي. وضعنا السياسات المطلوبة لكي ننضم أولا إلى الجامعة العربية. ثم بدأنا نؤسس لعلاقات قوية متينة مع الدول العربية بشكل عام، ولكن بالتحديد مع المملكة العربية السعودية. أولا بسبب القرب الجغرافي. وثانيا لا تنس أن السعودية ومصر والجزائر وعددا آخر من الدول العربية، ساهمت بشكل كبير في دعم جيبوتي لنيل استقلالها. طبعا هذا شيء تاريخي يذكر، وهذه الدول تشكر عليه. نحن بالطبع نكن لها كل التقدير والاحترام لهذا الدعم المستمر في وقت النضال. وبعد الاستقلال بدأت جيبوتي تنخرط في مشروعات وبرامج تنموية، والدول التي كانت تتوفر لديها الإمكانات، وعلى رأسها السعودية، دعمت جيبوتي بتمويل بعض مشروعات البنية التحتية، وحتى دعم الميزانية في السنوات الأولى. هذا طبعا تاريخ ولكن هو الأساس.
* وماذا عن الوضع الراهن؟
- جيبوتي، ومن خلال انتمائها إلى الأمة العربية، تتفاعل دائما، في إطار الجامعة العربية وفي المحافل الأخرى، مع جميع القضايا التي تشغل بال العرب. مؤخرا، وعندما تعرضت السعودية للاستهداف من قبل قوى مدفوعة من إيران، نحن وقفنا وقفة قوية مع المملكة. لقد كانت جيبوتي من الدول الأولى التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران. وبعد أن أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عن تأسيس وتشكيل التحالف العربي للتصدي للانقلابيين الحوثيين في اليمن، كانت جيبوتي سبَّاقة للانضمام إلى هذا التحالف. وفتحنا مجالنا الجوي والبحري لكي نساهم في دحر الانقلابيين وإعادة الشرعية والحكومة الشرعية إلى صنعاء.
* بعض التقارير تتحدث عن تطور في التعاون العسكري مع المملكة وأن السعودية بصدد إقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي، هل مثل هذا التعاون العسكري ما زال نظريا، أم أن هناك خطوات عملية قد بدأت بالفعل؟
- يوجد تشاور وتحاور في هذا الموضوع بين القيادتين العسكريتين في كل من البلدين. تبادلنا بعض الزيارات لمسؤولين عسكريين. وأيضا وضعنا مشروع مسودة اتفاق أمني وعسكري واستراتيجي. وما زال هذا المشروع تحت الدراسة. وجرت زيارة استكشافية لقيادات عسكرية سعودية في بعض المناطق الجيبوتية التي سوف تستضيف هذا الوجود العسكري السعودي. نحن طبعا مبدئيا وافقنا على ذلك. ولا تردد في هذا الموضوع. ولكن إذا استغرق استكمال هذه الإجراءات بعض الوقت فهي لأسباب فنية فقط. نحن نتوقع أنه في القريب العاجل سيتم التوقيع على هذه الاتفاقية. لقد جرى تحديد بعض المواقع في الساحل الجيبوتي لاستضافة هذه القاعدة، إذا سُميت قاعدة عسكرية وبحرية. ولكن ليس هناك أي سبب سياسي وراء هذا التأخير. فقط أمور فنية، وهذه الأمور في حاجة إلى بعض التطبيق. ونحن، كما قلت وأكرر، وافقنا.. وحتى شجعنا أن يكون للمملكة ولأي دولة عربية وجود عسكري في جيبوتي، نظرا لما يحدث هنا في المنطقة. هذا الوجود الأمني والعسكري العربي، في بلد عربي آخر، لا نرى فيه أي تناقض ولا نرى فيه أي تهديد لأمننا القومي ولا لمصلحتنا العليا. على هذا الأساس جيبوتي وافقت عليه سياسيا وما زالت هذه الموافقة موجودة.
* بذكر موضوع القواعد، خصوصا القواعد الأجنبية.. هذا الأمر ارتبط، وبخاصة في فترة الستينات والسبعينات، بالاستعمار والهيمنة، لكن بعض الخبراء العسكريين في الوقت الراهن يقولون: إن مسألة القدرات العسكرية موجودة ومن الممكن أن يُطلق صاروخ من دولة إلى دولة أخرى على بُعد آلاف الأميال. وبالتالي فمسألة وجود قواعد عسكرية بدأ البعض يربطها بمرحلة جديدة من الأمن وحماية المصالح.. هل تتوافقون مع هذا التوجه؟
- هناك فعلا عولمة للأمن، بمعنى أن هناك تهديدات دولية سواء بفعل مجموعات إرهابية أو غيرها. هذا الأمن الجماعي يحتاج إلى مقاربة جماعية، وعلى سبيل المثال الولايات المتحدة الأميركية لديها 180 قاعدة عسكرية منتشرة في العالم. البعض سيقول إنه لحماية مصلحتها، ولكن مصلحتها ترتبط ارتباطا وثيقا بمصلحة الآخرين. خليج عدن ومضيق باب المندب هما فعلا عنق الزجاجة بالنسبة لهذا الأمن الجماعي. إذا تم تهديد هذا الاستقرار الأمني في تلك المنطقة الحساسة فإن جميع الدول سوف تتضرر بعدم الاستقرار في مضيق باب المندب، والدول العربية على رأسها.. جيبوتي والصومال والسودان والسعودية ومصر. بالطبع هذا دفعنا، كجيبوتي، أن نتدبر الأمر ونخرج من التفكير الضيق الذي كان يعتبر أي تعاون عسكري بين دولتين وإقامة معسكرات أو قواعد، إعادة للاستعمار إلى هذه الدول. نحن خرجنا من هذه الرؤية الضيقة إلى رؤية واسعة تضم هذه المقاربات الأمنية الشاملة للمجتمع الدولي بشكل عام. عندما وقعت الأعمال الإرهابية في نيويورك في 2001، جاءت الولايات المتحدة الأميركية وعدد من الدول التي كانت حليفة لها وقتذاك، إلى جيبوتي، وطلبت منها أن تستضيف تحالفا يسمونه تحالف ضد الإرهاب. طبعا نحن أدركنا قبل ست عشرة سنة أنه فعلا هناك تحول كبير في العلاقات الدولية خصوصا في مجال الأمن. وبدأنا نفكر في كيفية المساهمة في هذا التحول، رغم صغر حجمنا ومحدودية إمكانياتنا. واستضفنا في ذلك الوقت هذا التحالف الدولي ضد الإرهاب. واستمرت هذه الوتيرة إلى أن ظهرت في المنطقة ظاهرة القرصنة والإرهاب والتجارة في البشر والتجارة في السلاح. أي مصائب لا حدود لها تهدد، مباشرة، الملاحة الدولية في محيط مضيق باب المندب. نحن تدريجيا أدركنا أيضا أنه لا بد أن نغض البصر عن المصالح المتناقضة والتركيز على المصالح المتكاملة بين الدول العظمى أو الدول الكبرى، لأن هذه الدول لها مصالح مشتركة، ولها مصالح متكاملة في مناطق أخرى في العالم. هم يقومون بتدريبات عسكرية بعضهم مع بعض، ويشاركون في أمور كثيرة، في المجال الأمني ويتبادلون المعلومات الاستخباراتية. هذا التعاون الموجود في مناطق أخرى من العالم لماذا لا يكون فعلا واقعا ملموسا أيضا في هذه المنطقة التي هي بالفعل، كما قلت، منطقة حساسة ينظر الجميع إليها باعتبارها منطقة مهمة في الحفاظ على الأمن الدولي والاستقرار الدولي. نحن لم نتردد، وما زلنا نؤمن إيمانا راسخا، بأن أمن مضيق باب المندب هو لمصلحة الجميع. وإذا كانت هناك قواعد عسكرية تستضيفها جيبوتي لحماية هذا الأمن، فنحن ما زالت لدينا قناعة بأن هذه القواعد تحمي هذا الأمن الدولي، ولهذا الغرض نحن لم نتردد يوما ما في هذا الأمر.
* البعض قد يقول إن هذه المواقع أو القواعد العسكرية يمكن أن تؤثر على السياسة الداخلية للدولة؟
- لا يوجد تأثير لهذا الأمر على سياسة الدولة وسيادتها. لا تأثير إطلاقا، لا من قريب ولا من بعيد.
* هناك معلومات تتحدث أيضا عن استعدادات صينية لإقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي، هل هذا صحيح؟
- لعلمك.. قبل أن نأتي إلى الحديث عن الوجود العسكري الصيني.. نحن استضفنا، أولا، الولايات المتحدة الأميركية. ثم جاء الاتحاد الأوروبي من خلال ما يسمونه عمليات «أتلانتا لمكافحة القرصنة». ثم جاء الإيطاليون. لديهم أيضا قاعدة في جيبوتي. وكذلك اليابانيون.. في إطار مكافحة القرصنة. اليوم الصينيون طلبوا منا أن نفتح لهم المجال. ونحن وافقنا. طبعا البعض يعتقد أن هناك تناقضا في المصالح.. أو قد يكون هناك احتكاك سلبي إذا كانت هذه الدول كلها موجودة في المكان نفسه، لكن إلى حد الآن ليس هناك أي تناقض يذكر أو أي احتكاك بين هذه الدول في مسألة الوجود في هذا البلد.
* ألم تتعرضوا لبعض المطالب السياسية أو حتى الأخوية من بعض الدول، مثل أميركا.. على الأقل يمكن أن تقول لكم: لماذا أتيتم بالصينيين؟
- نحن ننطلق من مفهومنا وقناعتنا الراسخة بأن جيبوتي دولة مستقلة تتمتع بسيادة كاملة في أراضيها، ولا أحد يستطيع أن يملي عليها مَن هو الضيف المفروض أن تستضيفه ومن هو الضيف الذي ترفض استضافته. هذه المسألة سيادية لا جدل حولها ولا كلام في هذا الموضوع. طبعا نحن نحاول أن نراعي هذا التوازن. نحن نعلم أن هناك، لا نقول صراعا، ولكن نوعا من التنافس في المصالح بين هذه الدول في مناطق أخرى من العالم.. لكن من باب الحكمة والتوازن، الذي نسعى أن نخلقه في هذا البلد، أننا وضعنا بعض الأسس والشروط والأطر التي نتفاعل ونتعامل من خلالها مع هذه الدول. هذه الأطر واضحة جدا.. يتم وضعها من خلال اتفاقيات. وطبعا لا نترك المجال، أو أي فراغ، أو أي ثغرة قد يتسلل إليها شك أو يتسلل من خلالها نوع من عدم التوازن في العلاقات التي تربطنا بهذه الدول.
* تبدو عملية معقدة.. صحيح؟
- هي عملية صعبة بالفعل، ولكن تحتاج إلى تنبه دائم من جانبنا، وتتطلب توخيا للحذر، وأن نقنع الجميع أنه ليست لدينا مواقف آيديولوجية.. نحن ننطلق فقط من أسس عامة ومبنية على المصالح المشتركة، وهي بالدرجة الأولى تقوم على الأمن.. الكل يعمل لتعزيز وتقوية شروط الأمن في هذه المنطقة.
* ماذا تقول لإيران في ظل الأوضاع التي تراها اليوم؟ أي ماذا ينبغي على إيران أن تقوم به حتى تدخل في منظومة التعاون بين شعوب ودول المنقطة من أجل المستقبل؟
- أعتقد أن مصدر التعصب الطائفي هذا يأتي بسبب سياسات مكشوفة لدولة إيران. وهذه السياسات تعود إلى عهد المرشد السابق.. وليست وليدة الساعة. هذه أمور قديمة وما زال النظام الإيراني يستمر على هذا النهج.. طبعا هذا النهج، إذا أراد النظام أن ينفذه على أرض الواقع، فستكون له انعكاسات، ويسبب فعلا عدم استقرار في دول المنطقة كلها. انظر إلى البحرين وإلى اليمن.. توجد تدخلات سافرة وواضحة من إيران في الشؤون الداخلية في تلك الدول، ناهيك بسوريا والعراق اللذين أصبحا فعلا ساحة معركة للحرس الثوري الإيراني، وهذا أمر مكشوف لا يحتاج إلى تأويلات كثيرة. إيران لها أجندة فعلا.. أجندتها بالنسبة لتحليلنا لهذا الوضع هو أولا الاستمرار في الخط الثوري الإيراني الصفوي نفسه الذي بدأ من سنة 1979، ثم هذا النهج يستمد كل آيديولوجيته ومفهومة من إعادة المجد الفارسي في المنقطة. هذه أمور أصبحت راسخة في عقول وأذهان القيادات في هذا البلد. مع الأسف الشديد من الصعب أنه نتوقع أي تغيير إذا لم يتخل هذا النظام أو هذه القيادات الإيرانية عن هذه الآيديولوجيات والمفاهيم التي أصبحت مكشوفة. طبعا أحيانا تكون هناك حاجة إلى براغماتيكية أو نوع من قراءة الواقع بشكل ربما يخدم مصالحهم. هي دولة منذ 30 سنة تحت الحصار وفرضت عليها عقوبات كثيرة، ومفروض أن تنظر القيادات السياسية الإيرانية إلى المصالح العليا للبلد من منظور براغماتيكي.. ولكن يبدو أن هناك خطين للقيادة.
* كيف؟
- أعتقد أن القرارات السياسية في هذا البلد تتخذ على مستويين. مستوى عقول سياسية ومستوى عقول دينية تفرض رأيها باستمرار على المستوى الآخر. هذا يخلط الأوراق خصوصا بالنسبة للدول العربية التي تحاول أن تخطط وتتوقع شيئا من البراغماتيكية أو الأرضية المشتركة التي يمكن أن تدفع إيران للتعاون مع الدول العربية بشكل مختلف.. ولكن مع الأسف الشديد هناك عدم وضوح في الرؤية التي قد تساعد الجميع للوصول إلى هذه الأرضية المشتركة. كأن هناك مستويين (إيرانيين) لاتخاذ القرار.. مستوى يريد أن يكون براغماتيكيًا وقراءة واقع من منظور المصالح الآنية، ومستوى آخر ديني روحي آيديولوجي يربك باستمرار هذا التيار الآخر. هكذا عودتنا إيران في أثناء التعامل معها. ولهذا السبب أيضا جميع الدول التي حاولت أن تنشئ علاقات طبيعية مع إيران، تجد نفسها في نوع من الحيرة.. نحن كيف نتعامل معهم؟ هذا السؤال يكرر نفسه دائما عندما تحاول دول الجوار أو الدول العربية أو حتى الدول العظمى، أن تغير سياساتها أو مواقفها من إيران، مع الأسف.. هذه قراءتي للواقع الإيراني.
* لكن كان هناك تعاون جيبوتي إيراني.. مثلا إيران قدمت قرضا ماليا لبناء مجلس النواب. يبدو أن الأمور سارت على ما يرام لبعض الوقت مع الجانب الإيراني؟
- نعم.. حاولنا، لكننا اصطدمنا بمثل هذا التناقض في مستويي القرار الذي أشرت إليه. دائما كنا نريد أن نبتعد عن هذه السياسة التي عودتنا عليها إيران.. أي أنها تقوم بالتعاون مع الدول لكن في الوقت نفسه هذا التعاون يكون مصحوبا بشيء من الفكر والآيديولوجيات والأمور التي نعرفها جميعا.
* مثل ماذا؟
- على سبيل المثال.. الهلال (الأحمر) الإيراني كان يحاول أن يكون له وجود هنا، وبعد ذلك وجدنا محاولة لتوفير المنح الدراسية، كما يقال، حتى يستقبلوا من خلالها الطلاب الجيبوتيين في جامعة قم. أشياء كثيرة نحن تنبهنا إليها منذ البداية. حاولنا في البداية أن نقيم علاقات طبيعية.. علاقات تعاون اقتصادي مع إيران، ولكن عندما شعرنا أن هذا التعاون كان دائما فيه كثير من اللبس وفيه كثير من الأمور التي ربما تدخلنا في متاهات مع إيران، ابتعدنا شيئا فشيئا عنها. ثم جاء هذا الاعتداء على اليمن وعلى المصالح العربية، وعليه قررت جيبوتي أن تقطع علاقاتها مع إيران.
* على ذكر اليمن.. هناك بعض المواقع الإخبارية الأجنبية تحدثت عن أن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي قام بزيارة سرية إلى جيبوتي تتعلق ببحث أموال الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في بنوك جيبوتية.. ما حقيقة هذا الأمر؟
- أنا أيضا قرأت ذلك في بعض المواقع، ولكن قبل نشر هذا الخبر، كانت هناك بعثات من الأمم المتحدة قد جاءت للقيام ببعض التحقيقات في هذا الجانب، ولكن لم يجدوا شيئا. قيل إن البنك الفلاني تابع للرئيس السابق (صالح).. وأيضا بدأوا في التحقيق في ذلك ولم يجدوا شيئا. ولكن أنا أعتقد أن هذه المعلومات ليس لها أي أساس من الصحة. ولم يتطرق إليها الرئيسان الجيبوتي واليمني (هادي). هذا ما أؤكده. ما كان مطروحا للحوار بين الرئيسين هو موضوع النزوح واللاجئين والأمن والاستقرار. وكل هذه الأمور التي تتعلق بالظروف التي يعيشها اليمن اليوم. كما أنها كانت زيارة رسمية وليست سرية.
* علاقات جيبوتي مع إثيوبيا والصومال تبدو طيبة، لكن العلاقة مع الجارة إريتريا لا يبدو أنها بهذا الشكل، لماذا؟
- لأسباب منها اعتداء إريتريا على جيبوتي في 2008، واحتلال جزء من أراضيها في شمال البلاد. نحن سعينا لحلحلة هذه الأزمة مع إريتريا بالطرق الدبلوماسية والسلمية. ولجأنا إلى الوساطة القطرية. ذهبنا أمام المؤسسات الدولية حتى نجد طريقا لحل هذه المشكلة بالطرق الودية، ولكن يبدو أن دولة إريتريا لم تكن بالمستوى نفسه من الاستعداد لحل هذه المشكلة، لأنها كانت تربط خلافها الحدودي مع جيبوتي بالخلافات التي كانت قائمة بينها وبين إثيوبيا وبينها وبين اليمن. كان هناك خلط للأوراق من قبل الحكومة الإريترية. نحن حاولنا أن نقنع القيادة في هذا البلد بأننا دولة مسالمة صغيرة لا تريد أي مشكلة مع جيرانها، ولكن يبدو أن إرتيريا لم تستجب إلى هذا الاستعداد الجيبوتي لحل المشكلة. طبعا نجحت قطر بوساطتها إلى حد ما في إعادة عدد من المفقودين والسجناء الجيبوتيين الذين كانوا في السجون الإريترية، ولكن ترسيم الحدود لم يتم بعد. ونحن ما زلنا نعول كثيرا على هذه الوساطة القطرية ونأمل في أن يتم ذلك قريبا. وما زال هناك عدد من المفقودين العسكريين الجيبوتيين. نعتقد أنهم ما زالوا في السجون الإريترية. عددهم 13 جنديا.. رغم ذلك سياسة جيبوتي مع دول الجوار كانت دائما سياسة هادئة، وتسعى لتأسيس علاقات جوار قوية متينة تعتمد على أسس، منها تنمية التجارة وتنمية الاقتصاد وتقوية المصالح المشتركة والقواسم المشتركة. هذه كانت دائما سياسات جيبوتي، وما زلنا نعمل مع الدول الأخرى، الصومال وإثيوبيا واليمن على هذه الأسس. طبعا إريتريا ليست لها مشكلة مع جيبوتي فقط.. عندها مشكلة مع إثيوبيا. وكانت فترة من الفترات عندها مشكلة مع اليمن. أيضا لديها مشكلة مع المجتمع الدولي. إريتريا ما زالت تحت الحصار أو العقوبات التي فرضت عليها من الأمم المتحدة، حتى إنه أُعيد فرض هذه العقوبات قبل أيام في مجلس الأمن من خلال قرار اتخذ بالإجماع تقريبا. هذا يدل طبعا على أن سياسة إريتريا في المنطقة غير محمودة، وغير مقبولة أصلا من المجتمع الدولي. وكثير من أسباب عدم الاستقرار في الصومال، في فترة من الفترات، كانت إريتريا تقف وراءه. نحن نناشد الإخوة في إريتريا أن يغيروا من هذا النمط، وأن يغيروا من هذه السياسات التي لا تساعد في خلق مناخ إيجابي في هذه المنطقة.



مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

اتفقت مصر وليبيريا على «تنسيق أولويات القارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي». وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزيرة خارجية جمهورية ليبيريا سارة نيانتي خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مستجدات الأوضاع الإقليمية في القارة الأفريقية.

وتبادل الوزيران الرؤى بشأن الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية، لا سيما في ضوء عضوية ليبيريا غير الدائمة بـ«مجلس الأمن» وبما يسهم في دعم أولويات القارة الأفريقية والدفاع عن مصالحها داخل المجلس، وكذا التنسيق إزاء تطورات الأوضاع في أفريقيا.

كما ناقش الاتصال سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وأكد الوزيران «الحرص على مواصلة الارتقاء بمسارات التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والتنموية وبناء القدرات، بما يعكس متانة العلاقات السياسية بين البلدين، ويحقق المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وتحدث وزيرا خارجية البلدين، الجمعة، عن أهمية مواصلة التشاور بين الجانبين واستكشاف آفاق جديدة للتعاون، والاستفادة من الخبرات والقدرات المصرية في دعم جهود التنمية في ليبيريا.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أكد عبد العاطي خلال لقاء نيانتي على هامش فعاليات «قمة الاتحاد الأفريقي» عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين مصر وليبيريا، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع ليبيريا عام 1957».

وأشار حينها إلى حرص بلاده على تعزيز العلاقات مع ليبيريا في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية، مؤكداً «أهمية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم دول منطقة الساحل».

وشهد اللقاء وقتها توقيع الوزيرين على مذكرة تفاهم بين «معهد الدراسات الدبلوماسية» التابع لوزارة الخارجية في مصر و«معهد الخدمة الخارجية» الليبيري لتعزيز التعاون في مجال بناء القدرات الدبلوماسية، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب الدبلوماسي، وتأهيل الكوادر، وتنظيم برامج تدريبية مشتركة.

كما أعربت وزيرة خارجية ليبيريا حينها عن تقديرها للدور المصري الداعم لبلادها، مؤكدة تطلعها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة ودعم جهود التنمية والاستقرار في القارة الأفريقية.


جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

تتسع تداعيات التصعيد العسكري الذي تقوده الجماعة الحوثية في اليمن لتطال القطاع الصحي والسكان في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد انتقادات من داخل البيئة المحسوبة عليها، على خلفية ما يصفه ناشطون ومقاتلون سابقون بـ«استغلال الفقر لتجنيد الشباب، والمتاجرة بدماء المقاتلين، وتوجيه الموارد لخدمة الحرب على حساب الاحتياجات المدنية».

وفي العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر طبية «الشرق الأوسط» بأن ما تُسمى وزارة الصحة التابعة للحوثيين أصدرت خلال الأيام الماضية توجيهات بالحدِّ من استقبال الحالات المرضية الحرجة في عدد من المستشفيات الحكومية، مع تخصيص وحدات العناية المركزة وأقسام الطوارئ وأقسام طبية أخرى لاستقبال جرحى الجماعة القادمين من جبهات القتال.

وقالت المصادر إن الإجراءات شملت مستشفيات الثورة، والجمهوري، والشرطة، والمستشفى العسكري، والقدس، و48، والكويت، وهي من أبرز المنشآت الطبية في العاصمة؛ ما أدى إلى تقليص قدرتها على التعامل مع الحالات المدنية، خصوصاً المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة أو رعاية في وحدات العناية المركزة.

مستشفى الكويت في صنعاء يكتظ بالجثامين... والحوثيون يضعونها في حاويات تبريد (إكس)

وتزامنت هذه الإجراءات مع وصول أعداد كبيرة من القتلى والجرحى الحوثيين إلى صنعاء، عقب المعارك في عدد من الجبهات اليمنية.

ووفق العاملين في القطاع الصحي، باتت المنشآت المشمولة بالإجراءات تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين، مع تخصيص أسرَّة وأجهزة وأقسام طبية للحالات القادمة من مناطق القتال، بما فيها الإصابات التي تتطلب عمليات جراحية أو عناية مركزة.

ضغط على المستشفيات

تفرض الجماعة الحوثية إجراءات أمنية مشدَّدة حول عدد من المنشآت الطبية، مع منع وسائل الإعلام من الوصول إليها، وسط تكتم على بيانات المصابين القادمين من الجبهات وهوياتهم. ويقول عاملون في القطاع الصحي إن تدفق الجرحى أدى إلى زيادة الضغط على الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتقليص المساحة المتاحة أمام المرضى المدنيين.

وقال أحمد، وهو قريب أحد المرضى في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته واجهت صعوبة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المستشفى الجمهوري، واضطرت إلى البحث عن بديل خارج المستشفى؛ بسبب عدم توفر الإمكانات المطلوبة للتعامل مع حالة قريبه.

واتهم أحمد الحوثيين بتوجيه الموارد الطبية المتاحة لخدمة المجهود الحربي، محذراً من أن ذلك يضع المدنيين، خصوصاً الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، أمام مخاطر إضافية.

قتلى وجرحى حوثيون خلال وصولهم إلى بوابة أحد المستشفيات في صنعاء (فيسبوك)

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه النظام الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين من تداعيات سنوات الحرب، وتراجع التمويل ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر الطبية، إلى جانب تضرر منشآت صحية وخروج بعضها عن الخدمة.

ولا يقتصر تأثير الضغط على مستشفيات صنعاء على سكان العاصمة وحدهم؛ إذ تستقبل المنشآت الطبية الرئيسية فيها عادةً حالات محولة من محافظات ومناطق أخرى، ما يجعل تراجع قدرتها الاستيعابية مؤثراً على نطاق أوسع من السكان الخاضعين لسيطرة الجماعة.

انتقادات داخلية

بالتوازي مع الضغط الذي يفرضه التصعيد الحوثي على القطاع الصحي، برزت انتقادات متزايدة من شخصيات وناشطين محسوبين على الجماعة، ركزت على التكلفة البشرية للحرب، وأوضاع المقاتلين وأسر القتلى والجرحى، فضلاً عن طرق التجنيد واستغلال الظروف الاقتصادية.

وفي أحدث هذه الانتقادات، شنَّ الناشط والمقاتل السابق في صفوف الجماعة، عبد الله شرف المهدي، هجوماً على قيادات ومشرفي الحوثيين، متهماً إياهم بالمتاجرة بدماء المقاتلين، وتهميش أسر القتلى والجرحى لتحقيق مصالح شخصية.

طفل جنَّدته الجماعة الحوثية يحرس إحدى فعالياتها في صنعاء (غيتي)

وقال المهدي إن المقاتلين وأسرهم يتحملون تكلفة الحرب، بينما يحصل المسؤولون والمشرفون، وفق روايته، على امتيازات تشمل العقارات والاعتمادات المالية، عادّاً أن المعركة تحولت إلى وسيلة لخدمة مصالح مجموعات داخل الجماعة.

وأعلن المهدي ندمه على السنوات التي قضاها في صفوف الحوثيين، رافضاً تقديم الدعم للجماعة مستقبلاً، في موقف يعكس انتقال بعض الانتقادات من الاعتراض على السياسات إلى التشكيك في دوافع استمرار الحرب نفسها.

ولم تقتصر الانتقادات على مقاتلين سابقين؛ إذ اتهم عضو البرلمان الخاضع للجماعة في صنعاء، عبده بشر، الحوثيين بتجاهل معاناة اليمنيين والاستمرار فيما وصفها بالحروب «العبثية»، داعياً إلى تحييد الملفَين الاقتصادي والإنساني عن الصراع.

وطالب بشر بصرف المرتبات وإطلاق المعتقلين وفتح المطارات، محذراً من أن استمرار ما وصفه بـ«التلذذ بسفك الدماء» سيؤدي إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وداعياً الجماعة إلى اتخاذ خطوات تخفف معاناة السكان أو «الانصراف عن المشهد».

أسيران من عناصر الحوثيين في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

في السياق نفسه، انتقد الناشط والكاتب الحوثي، زيد الكبسي، أساليب الجماعة في استقطاب الشباب واليافعين، قائلاً إن الحوثيين يستفيدون من الفقر وتدهور الظروف الاقتصادية لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال.

واتهم الكبسي الجماعة باستخدام الخطاب الديني والطائفي وشعارات «الجهاد والاستشهاد» في عمليات التجنيد، في وقت تعاني فيه أسر كثيرة من تدهور قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وبحسب روايته، يعتمد بعض المجندين على مبالغ محدودة يحصلون عليها من الجماعة لإعالة أسرهم، بينما يواجهون مخاطر القتل والإصابة في الجبهات. وقال إن كثيراً من هؤلاء من الشباب اليافعين الذين لم تتح لهم فرصة بناء حياتهم وتكوين أسرهم، لتتحمل عائلاتهم لاحقاً تبعات فقدانهم أو إصابتهم.


اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)

كثفت الحكومة اليمنية تحركها الدبلوماسي على المستويين الدولي والإقليمي، في محاولة لوضع التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في صدارة الاهتمام الدولي، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع امتد إلى الساحل الغربي ومناطق أخرى من البلاد، وتحذيرات أممية وغربية من أن تداعيات المواجهة لم تعد محصورة داخل اليمن.

وتزامن هذا التحرك مع جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لبحث التصعيد الحوثي، شهدت مواقف أميركية وبريطانية وفرنسية حازمة حيال الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والملاحة البحرية، في حين حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، من أن عودة الحرب باتت واقعاً، وأن تداعياتها يمكن أن تتجاوز الحدود اليمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وخلال جلسة مجلس الأمن، جددت الولايات المتحدة دعمها للحكومة اليمنية في جهودها لإنهاء ما وصفته بإرهاب الحوثيين المدعومين من إيران وإحلال الاستقرار والسلام، كما أكدت وقوفها إلى جانب السعودية وحقها في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها.

مسلحون حوثيون في صنعاء خلال فعالية للحشد والتعبئة (أ.ب)

وقالت المندوبة الأميركية إن هجمات الحوثيين تمثل جزءاً من أساليب ترهيب اليمنيين، مشيرة إلى قصف المدن وما نجم عنه من نزوح آلاف الأسر وسقوط مدنيين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بميناء المخا وبنيته التحتية الحيوية. وعدّت هذه الهجمات تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الإقليمي والعالمي.

وربطت واشنطن بصورة مباشرة بين التصعيد الحوثي والدعم الإيراني، معتبرة أن الجماعة تسعى إلى تعطيل الممرات البحرية الحيوية، ومنها مضيق باب المندب، وتهديد حرية الملاحة وحركة التجارة العالمية. كما أشارت إلى هجمات نفذها الحوثيون في 5 سبتمبر (أيلول) ضد 4 مدن سعودية، وأسفرت عن إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن هجمات سابقة على منشآت مدنية وسفن في البحر.

ودعت الولايات المتحدة، مجلس الأمن، إلى تشديد تنفيذ القرارات الصادرة عنه، وحرمان الحوثيين من الموارد التي تمكنهم من تنفيذ هجماتهم، مؤكدة ضرورة أن يتحدث المجلس بصوت واحد تجاه التصعيد، وأن يتحمل الداعمون له مسؤولية تبعاته.

تحذيرات غربية وأممية

من جهتها، أكدت فرنسا تمسكها بوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ودعمها للحكومة اليمنية بوصفها الجهة المخولة ممارسة سلطة الدولة. وقال رئيس مجلس الأمن، المندوب الفرنسي جيروم بونافون، إن الشعب اليمني وحده صاحب الحق في تقرير مستقبله، ولا ينبغي أن يظل رهينة للسياسة الإيرانية المزعزعة للاستقرار.

وأدانت باريس بشدة الهجمات الحوثية في اليمن والسعودية، مؤكدة أن استهداف المدنيين لا يمكن تبريره، وأن التصعيد الراهن يمثل أخطر أزمة يشهدها اليمن منذ هدنة 2022.

وفي الشق البحري، قالت فرنسا إن هجمات الحوثيين تهدد الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة ضرورة الحفاظ على الأمن البحري وحرية الملاحة، ومشيرة إلى استمرار التزامها بهذا المسار عبر العملية الأوروبية «أسبيدس» ذات الطابع الدفاعي، وبالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من المقاتلين لخوض المعارك في الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

أما بريطانيا فأدانت استئناف الحوثيين الحرب في اليمن واستمرار هجماتهم على السعودية، مؤكدة حق البلدين في الدفاع عن أمنهما وسيادتهما، وفق القانون الدولي. وحذرت لندن من أن استئناف الحرب يعرض اليمنيين الأكثر ضعفاً لمزيد من المخاطر ويعمق الأزمة الإنسانية، مشيرة إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليوناً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

وربطت بريطانيا كذلك بين التصعيد وتهديد حرية الملاحة وطرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، مؤكدة أهمية التنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن 2140 و2216، بما في ذلك منع نقل الأسلحة والدعم العسكري والمكونات ذات الاستخدام المزدوج التي تمكن الحوثيين من تنفيذ هجماتهم.

وجاءت إحاطة غروندبرغ أمام مجلس الأمن لتضيف بعداً أممياً إلى التحذيرات الغربية؛ فقد قال إن تحذيره السابق من أن اليمن بات أقرب من أي وقت مضى منذ هدنة 2022 إلى العودة لنزاع واسع النطاق تحول إلى واقع، مع اشتداد القتال على جبهات عدة، خصوصاً الساحل الغربي.

وقال غروندبرغ إن هذا التطور يمنح الجماعة الحوثية وجوداً مباشراً على الممرات المؤدية إلى أحد أهم المضائق البحرية في العالم، مع استمرار القتال وإمكان تغير الوضع الميداني.

وحذّر غروندبرغ من أن عودة الحرب لا تعني فقط احتمال انزلاق اليمن إلى صراع طويل، وإنما تنطوي أيضاً على خطر جر البلاد إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما قد تكون له تداعيات عالمية.

تحرك يمني متعدد المسارات

في موازاة التحرك داخل مجلس الأمن، وسعت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة، اتصالاتها مع القوى الدولية، في مسار يبدو أنه يستهدف بناء موقف دولي أكثر وضوحاً تجاه البعد البحري للتصعيد الحوثي.

وخلال اتصال مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، أكدت الزوبة أهمية الدور البريطاني بوصف المملكة المتحدة حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن الملف اليمني، ودعت إلى حشد موقف دولي واضح تجاه التهديدات التي تطال المدنيين ودول الجوار والبحر الأحمر وباب المندب.

وزيرة الخارجية في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة (أ.ب)

وقالت إن التهديد الحوثي تجاوز الداخل اليمني إلى الأمن الإقليمي والممرات البحرية، وإن معالجة مصادره تتطلب تعزيز قدرة الدولة اليمنية على حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، إلى جانب الحد من تدفق السلاح والتكنولوجيا والتمويل إلى الحوثيين.

وفي لقاء مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن وسفراء الدول الأعضاء، ركزت الوزيرة على محاولات الحوثيين التمدد باتجاه باب المندب، معتبرة أن حماية الدولة لسواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية ليست قضية يمنية داخلية فحسب، وإنما ركيزة لأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

كما طرحت أمام الجانب الأوروبي الحاجة إلى تعزيز قدرات القوات البحرية وخفر السواحل وتأمين الموانئ ومكافحة شبكات تهريب السلاح والتمويل، بحيث يبقى باب المندب ممراً آمناً للتجارة الدولية، ولا يتحول إلى ورقة ضغط بيد جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة.

وفي اتصالها مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، دفعت الزوبة بالطرح ذاته، مؤكدة أن حماية السفن بعد وصول التهديد إلى الممرات البحرية تظل إجراءً ضرورياً، لكن المعالجة الأكثر استدامة تبدأ من تمكين الدولة اليمنية من حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية.

كما بحثت الوزيرة مع السفير الروسي يفغيني كودروف، أهمية الحفاظ على موقف دولي متماسك تجاه اليمن، مستفيدة من عضوية موسكو الدائمة في مجلس الأمن، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد التأييد لتنفيذ القرارات الدولية، ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة.

وتوجت الحكومة اليمنية هذا المسار برسالة وجهتها الزوبة إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن التطورات العسكرية في تعز والحديدة، ومخاطر التحركات الحوثية باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.

وأكدت الرسالة أن التحركات الحوثية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تحركاً عسكرياً محلياً معزولاً، وإنما في سياق مسعى أوسع لفرض واقع عسكري جديد يمكن أن يعزز قدرة الجماعة وداعميها الإيرانيين على تهديد الملاحة الدولية والتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وطالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بموقف واضح وحازم تجاه التصعيد، وإدانة استهداف المدنيين ومخيمات النازحين والأعيان المدنية، إلى جانب اتخاذ تدابير لوقف تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتمويل إلى الحوثيين.