هولاند.. الاستثناء في الجمهورية الفرنسية الخامسة

طوى صفحة التنافس لولاية ثانية.. ورئيس حكومته يتأهب لانتخابات اليسار

هولاند.. الاستثناء في الجمهورية الفرنسية الخامسة
TT

هولاند.. الاستثناء في الجمهورية الفرنسية الخامسة

هولاند.. الاستثناء في الجمهورية الفرنسية الخامسة

منذ زمن طويل، لم تلق قرارات الرئيس الفرنسي تجاوبا من الرأي العام. فلا سياسته كانت موضع تقدير ولا شعبيته كانت بمستوى طموحاته وتليق بالوظيفة التي يشغلها منذ أربعة أعوام وسبعة أشهر. وفي معمعة التحضير للانتخابات الرئاسية، كانت استطلاعات الرأي تفيد أن فرنسوا هولاند سيحل في إحدى المرتبات الأخيرة، حيث لم تتجاوز نسبة الراغبين بالاقتراع لصالحه الخمسة في المائة، وهي نسبة لم يعرفها من قبل رئيس سابق. لكن الأمور انقلبت ليل أول من أمس رأسا على عقب. وبعد أن أعلن الرئيس الحالي أنه سيمتنع عن خوض السباق الرئاسي لولاية ثانية، فإن استطلاعا للرأي بينت أن 82 في المائة من الفرنسيين يؤيدون قراره، بمعنى أنهم لا يريدونه مرشحا ولا رئيسا، بينما رأى 4 في المائة فقط العكس. ووصلت نسبة المؤيدين لعدم ترشحه إلى 86 في المائة لدى محازبي اليسار و86 في المائة لدي مناصري اليمين. وبالطبع، أتاحت الرحلة التي قام بها هولاند أمس من باريس إلى أبوظبي والتي تدوم ست ساعات ونصفا الفرصة للرئيس المغادر أن يتأمل تقلب الرأي العام ومطبات السياسة وخصوصا أن يستحضر فيلم السنوات التي أمضاها في قصر الإليزيه ليرى أين تكمن الأخطاء التي أوصلته إلى هذه النهاية المحزنة.
كانت الساعة الثامنة تماما عندما أطل هولاند على شاشات التلفزة مع شحوب الوجه وضعف الصوت. وبتأثر بالغ أخذ يعرض ما حققته ولايته من إنجازات اجتماعية واقتصادية وما قام به لمحاربة الإرهاب والحفاظ على أمن المواطنين واستمر في تعداد إنجازاته حتى الدقيقة السابعة «من أصل الدقائق العشر لكلمته» التي عندها لفظ الجملة الرئيسية التي كان الفرنسيون متلهفين للتعرف على مضمونها. جملة من عشر كلمات: «لقد قررت ألا أكون مرشحا للانتخابات الرئاسية». بذلك يكون هولاند قد أسدل الستارة على مسلسل من التشويق والتأجيل عنوانه الكبير: هل سيترشح أم أنه لن يترشح؟
كثيرون من صفوف اليسار يعتبرون أن هولاند «خان الأمانة» أي أنه لم ينفذ البرنامج الاقتصادي - الاجتماعي الذي انتخب على أساسه والذي يمكن وصفه ببرنامج «تقدمي - يساري» ولم يستطع أن يحقق الوعود التي أغدقها على ناخبيه. فلا البطالة تراجعت ولا القدرة الشرائية للطبقات الدنيا والوسطى ارتفعت كما أنه انتهج منذ عام 2014 سياسة ليبرالية لصالح أرباب العمل أكثر منها لصالح الموظفين فخفف الضرائب عن الشركات، فيما زادت الضرائب على الشرائح الوسطى في المجتمع. وقبل شهور، أصدر قانونا جديدا للعمل رأى فيه اليسار تراجعا عن مكاسب العمال التي تحققت بفضل سنوات النضال الطويلة والمضنية أكان ذلك بخصوص سن التقاعد أو الحماية التي يتمتع بها الموظف والعامل أو الضمانات والتعويضات الاجتماعية. وخلال شهور، نزل الموظفون والعمال والطلاب إلى الشوارع وتزايدت الإضرابات. ثم جاء اقتراح نزع الجنسية عن الأجانب الذين يتبين أنهم على علاقة بنشاطات إرهابية ليحدث شرخا في المجتمع الفرنسي وخصوصا داخل صفوف اليسار فتشكلت مجموعة برلمانية من خمسين نائبا حاربت المشاريع الحكومية. ومع الأيام، انفض التحالف الذي كان يدعم هولاند فخرج البيئيون «الخضر» من الحكومة واستقال وزراء الاقتصاد والثقافة ثم وزيرة العدل والأخيرة بسبب مشروع نزع الجنسية. ثم استقال وزير آخر للاقتصاد: «إيمانويل ماكرون» الذي جاء به هولاند إلى قصر الإليزيه مستشارا ومساعدا لأمينه العام ثم وزيرا للاقتصاد. وتراجعت «هيبة» الرئيس أولا بسبب كتاب أصدرته رفيقة دربه السابقة فاليري تريرفايلر التي دخلت معه قصر الإليزيه بعد أن اكتشفت علاقته بالممثلة جولي غاييه وخيانته لها وبعد نشر صور هولاند ممتطيا دراجة نارية للالتحاق بعشيقته على مسافة أمتار من الإليزيه. وأخيرا جاءت الضربة القاصمة قبل شهرين عندما نشر صحافيان في جريدة «لو موند» كتابا هو عصارة ستين لقاء مع هولاند، وفيه يتحدث هولاند بكل صراحة عن رأيه بالمحيطين به وبعدد من كبار المسؤولين والوزراء ويكشف عددا من الأسرار التي لا يتعين على رئيس الجمهورية كشفها بتاتا، ما أثار موجة من الانتقادات لا بل دعوات إقالته من منصبه.
سياسيا، لم تكن الأمور أفضل حالا بالنسبة لهولاند. فمع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، تم التوافق بداية الصيف على أن يتنافس الراغبون في الترشح للانتخابات الرئاسية للفوز بترشيح الحزب الاشتراكي بداية، وهو ما جرى في الانتخابات الماضية وهو ما قام به اليمين وأفضى إلى فوز رئيس الوزراء السابق فرنسوا فيون بترشيح اليمين والوسط. لكنها كانت المرة الأولى التي يلزم بها رئيس جمهورية يمارس صلاحياته بـ«النزول» إلى حلبة الانتخابات التمهيدية، بل العرف أن يكون المرشح «الطبيعي» الذي لا يحتاج لموافقة من أحد. والحال أن هولاند قبل قواعد اللعبة، معتبرا أن الانتخابات التمهيدية ستكون مفيدة له لجهة إعادة تأكيد شرعيته كرئيس ومرشح. لكن ما حصل أن سبعة مرشحين قرروا خوض المنافسة بينهم اثنان من وزرائه السابقين «أرنو مونتبورغ وبونوا هامون»، وهما ينتميان إلى الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي. والأسوأ من ذلك أن هولاند لم يكن متأكدا من الفوز في الانتخابات التمهيدية ولا من قدرته على لملمة أشلاء الحزب الاشتراكي. ولو فرضنا جدلا أنه قد فاز بها، فإن استطلاعات الرأي تبين كلها أنه سيعجز عن الوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، حيث عليه أن يتنافس مع مرشح لليسار المتشدد و«بطله» جان لوك ميلونشون ومع وزيره اقتصاده السابق إيمانويل ماكرون ومع مرشحين آخرين إضافة إلى مرشحين من «الوزن الثقيل» وهما فرنسوا فيون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان.
يقول المثل: اللهم احمني من أصدقائي أما أعدائي فإنا كفيل بهم: فبعد «خيانة» ماكرون الذي ترك الحكومة وأسس حركة سياسية اسمها «إلى الأمام» وأعلن ترشيحه رسميا متحديا بذلك سلطة هولاند، عانى الأخير من رئيس حكومته مانويل فالس الذي مارس أقسى الضغوط عليه ليمنعه من الترشح لولاية ثانية وذهب إلى حد الإعلان أنه قد يترشح ضده في انتخابات اليسار التمهيدية. وحجة فالس أن هولاند بالغ الضعف وأن ترشحه في هذه الحالة ستكون نتيجته الفشل الذريع وسيدفع إلى تشظي الحزب الاشتراكي وإلى خروج هولاند من السياسة من بابها الضيق ذليلا، إذ سيكون أول رئيس للجمهورية يفشل في التأهل للجولة الثانية من الرئاسيات. وبعد استشارات موسعة، اختار هولاند أن ينكفئ وأن يكرس ما تبقى من ولايته لإدارة شؤون الدولة وليس للاهتمام بالانتخابات الرئاسية. وكانت النتيجة، كما أسلفنا، أن أكثرية ساحقة من الفرنسيين أيدت قراره.
جاءت ردود الأفعال على قرار هولاند، كما كان متوقعا، متناقضة. فاليمين رأى فيها اعترافا بالفشل. وقال المرشح اليميني فرنسوا فيون في بيان له إن رئيس الجمهورية «فهم أن فشله الذريع (في إدارة شؤون فرنسا) يمنعه من الذهاب أبعد من ذلك، حيث إن عهده ينتهي في حال من الفوضى السياسية وتهافت السلطة». وأضاف فيون أن «تبدل السلطة واستنهاض فرنسا يتعين أن يتما على أسس صلبة». أما الوزير ة السابقة والمرشحة اليمينية السابقة فقد اعتبرت أن الفرنسيين «لم يعد يرغبون بفرنسوا هولاند ولا بسياسته». وقال برنار أكوايه، أمين عام حزب «الجمهوريون» اليميني فقد اعتبر ا: «إنسحاب هولاند المبكر وغير المسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة اعتراف بالفشل لما قام به خلال عهده» وهو ما قالته مارين لوبن. أما في الجهة المقابلة، فقد اعتبر اليسار أن بادرة هولاند «نبيلة» للأنه يفضل المصلحة العامة على مطامحه الشخصية. وقال مانويل فالس في بيان إن ما قام به هولاند هو «خيار رجل دولة» معبرا عن «تأثره واحترامه ووفائه» لـهولاند فيما وصف ماكرون خطوة الرائيس بأنها «شجاعة ولائقة». أما المرشح الاشتراكي مونتوبورغ فقد رأى فيها فرصة للحزب الاشتراكي لكي «يحضر مستقبله».
ما هي التتمة؟ الجميع ينتظر أن يعلن إيمانويل فالس عن استقالته من رئاسة الحكومة ليتفرغ تماما لترشيحه المفترض أن يكشف عنه في الأيام القليلة القادمة. لكن خبراء السياسة في فرنسا يرون أن مهمة فالس ستكون صعبة إزاء تفتت الحزب وتضارب الطموحات، فيما المهمة الأصعب هي التمكن من الوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الربيع القادم.

تاريخ رؤساء الجمهورية الخامسة
* هولاند جاء بسابقة، إذ إنها المرة الأولى التي يمتنع فيها رئيس للجمهورية الخامسة عن الترشح لولاية ثانية.
- الجنرال شارل ديغول، مؤسسها في عام 1958، ترشح لولاية ثانية وفاز بها.
- جورج بومبيدو خليفة ديغول في قصر الإليزيه لم ينه ولايته الأولى لأنه توفي في الإليزيه بمرض السرطان.
- فاليري جيسكار ديستان الذي سعى للفوز بولاية ثانية لكنه أخفق في التغلب على المرشح الاشتراكي فرنسوا ميتران الذي بقي 14 عاما في المقر الرئاسي.
- وبعده جلس مؤسس حزب التجمع من أجل الجمهورية على الكرسي الرئاسي في عام 1995 لولايتين: الأولى من سبع سنوات والثانية من خمس سنوات. وسلم شيراك الأمانة ليميني آخر هو نيكولا ساركوزي.
- ساركوزي أخفق في الفوز مرة ثانية في عام 2012 ليحل مكانه فرنسوا هولاند.
- لكن هذا الأخير وجد نفسه في موقع لا يتيح له الترشح، فرأى بعد كثير من المماطلة والتأمل وخصوصا بعد أن نظر في ميزان القوى بين اليمين واليسار وداخل الحزب الاشتراكي أن من الأجدر له أن يصرف النظر عن ولاية جديدة سيكون من الصعب جدا الفوز بها.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...