يوسف الشاهد: ما حققته حكومة الوحدة الوطنية غير كافٍ إذا قارناه بانتظارات الشعب

رئيس الحكومة التونسية أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق إلا بطفرة اقتصادية

يوسف الشاهد (رويترز)
يوسف الشاهد (رويترز)
TT

يوسف الشاهد: ما حققته حكومة الوحدة الوطنية غير كافٍ إذا قارناه بانتظارات الشعب

يوسف الشاهد (رويترز)
يوسف الشاهد (رويترز)

قال يوسف الشاهد، رئيس الحكومة التونسية، إن بلاده ستعرف انطلاقة اقتصادية مهمة خلال الفترة المقبلة، وعزا الاحتجاجات الاجتماعية الحالية والخلافات الحادة بين الحكومة ونقابة العمال إلى تخلي الحكومة خلال السنوات الأولى، التي تلت ثورة 2011، عن الملفات الاقتصادية، وتوجيه الاهتمام أكثر نحو إرساء المؤسسات الدستورية.
واعتبر الشاهد، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في تونس العاصمة، أن المشكل الرئيسي، الذي تواجهه تونس في الوقت الراهن، مشكلة البطالة وتوفير الشغل للتونسيين. ودعا المستثمرين في الخليج العربي إلى استئناف استثماراتهم في تونس خلال المنتدى الدولي للاستثمار المنتظر عقده يومي 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، مؤكدا أن الحكومة هيأت الظروف المناسبة للاستثمار من خلال وضع ترسانة من القوانين ذات الطابع الاقتصادي. وفيما يلي أهم ما جاء في الحوار.
* كيف تقيمون اليوم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في تونس؟
- يمكن اختصار الإجابة في كلمة «لا بأس». فبعد أكثر من سنوات من اندلاع الثورة، استكملنا بنجاح عمليات البناء المؤسساتي، وأرسينا ركائز العمل الديمقراطي، وكان العمل الأساسي متمحورا حول الجوانب السياسية والأمنية.
لكن بعد ذلك استفقنا لنكتشف أن هذه الجوانب، ورغم أهميتها الكبيرة، لا تكفي لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، خصوصا أن الملفات الاقتصادية تركت جانبا طوال السنوات الماضية، ولذلك جاء الآن الدور عليها، رغم أنها متشعبة ومعقدة للغاية. لكن لدينا أمل كبير في تجاوز هذه الظروف الاستثنائية في تاريخ تونس.
* هل تعتبر أن المشكل الرئيسي في تونس حاليا سياسي أم اجتماعي واقتصادي؟ أم مشكلات متداخلة؟
- كما قلت، فقد نجحت ثورة 2011 في ضمان الانتقال السياسي، ولكن تبقى الرهانات الاجتماعية والاقتصادية ذات أهمية مضاعفة، على اعتبار أن التونسيين بحاجة إلى تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتحسين الخدمات الحياتية، وهي كلها قضايا كبرى تتطلب إمكانات مالية ضخمة.
* ألهذه الأسباب أنتم مقدمون على تنظيم منتدى دولي لجلب الاستثمارات الخارجية إلى تونس؟
- بالفعل. فنحن نعمل منذ فترة تسلمنا أعباء السلطة على ترسيخ صورة جديدة عن تونس لدى مختلف الأطراف الاقتصادية الفاعلة، سواء على مستوى محلي أو دولي. ونحن على يقين بأن تونس تملك اليوم مختلف عوامل النجاح الاقتصادي والاجتماعي، بعد النجاح في تأمين الظروف السياسية والأمنية المناسبة، تماما مثل ما هو موجود في معظم الدول الديمقراطية.
* لكن ما الذي يميز الوجهة التونسية عن غيرها من دول المنطقة؟ وهل بلغت تونس مرحلة الاستقرار السياسي الفعلي الذي يشجع المستثمرين على التوجه إليها باطمئنان؟
- أنا لا أقول إن تونس حققت الاستقرار الكامل، لكنها تبقى وجهة تنافسية مهمة على مستوى القارة الأفريقية، وذلك بفضل اليد العاملة المتخصصة، والقرب الجغرافي من أوروبا، وتوافر المنتجات ذات الجودة. ولهذه الأسباب هناك أكثر من ثلاثة آلاف مؤسسة استثمارية أجنبية تنشط في تونس. أضف إلى كل هذا فإن تونس باتت اليوم وجهة ديمقراطية بالنسبة للمستثمرين، الذين يجدون فيها ضمانات ضد التعسف والتسلط واستغلال النفوذ.
* لكن ثمار التحول السياسي لم تظهر بعد على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وما زالت البلاد تعيش على وقع الاحتجاجات والمطالب المتكررة بالزيادة في الأجور؟
- كل ما أنجزناه من قوانين مشجعة على الاستثمار والاستقرار سيعطي ثماره في القريب العاجل، وربما يمثل المنتدى الدولي للاستثمار المزمع تنظيمه نهاية هذا الشهر انطلاقة فعلية للملفات الاقتصادية. لقد هيأنا كل ظروف النجاح، على غرار القانون الجديد للاستثمار، وقانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وقانون دفع النمو الاقتصادي، ولكل هذه الأسباب لا نظن أن النتائج الإيجابية ستتأخر كثيرا. ونحن نعترف أننا بددنا وقتا طويلا في الانتقال السياسي الذي ركزنا عليه كثيرا، ولكن تلك ضريبة الانتقال من نظام سياسي إلى نظام آخر أكثر عدالة ومساواة.
* وهل هناك بوادر مشجعة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي رغم أن ميزانية 2017 لا تزال موضوع تجاذب قوي مع نقابة العمال؟
- لاحظنا خلال الأشهر الماضية عودة القطاع السياحي إلى الانتعاش، واسترجاع إنتاج مادة الفوسفات لبعض مؤشراتها الإيجابية، وهذا أمر مشجع وستظهر ثماره قريبا. وأعتقد أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن تحقيقه إلا بطفرة اقتصادية فعلية تغير حياة التونسيين.
* وماذا عن دور الاستثمارات الخليجية في دفع التنمية في تونس، خصوصا أن كثيرا من المستثمرين الخليجيين أبطأوا نسق استثماراتهم بعد ثورة 2011 في انتظار ضمان الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي؟
- دعونا رجال الأعمال الخليجيين إلى المشاركة الفعالة في المنتدى الدولي للاستثمار، واليوم نرى أن دولة قطر أصبحت من بين الشركاء في الإعداد وتنظيم هذه المناسبة الاقتصادية الدولية. وقد قابلت مؤخرا عددا من المستثمرين من دول الخليج العربي الذي أعربوا عن دعمهم لتونس. وخلال الفترات الأخيرة توجه وزير الخارجية التونسي إلى بعض دول الخليج، وعلى رأسهم السعودية والإمارات وقطر، وقد لاقت زيارته اهتماما كبيرا من قبل المستثمر الخليجي.
* ما حقيقة علاقة تونس بصندوق النقد الدولي في ظل الانتقادات الكثيرة الموجهة إلى الحكومة بتنفيذ تعليمات هذه المؤسسة المالية الدولية بما يهدد الاستقرار الاجتماعي؟
- علينا أن نعرف أن كل الدول تتعاون مع صندوق النقد الدولي، باعتبارها أعضاء مساهمين في هذا الهيكل المالي، ومن حقها الانتفاع بمزاياه عند الاقتراض والبحث عن تمويلات مالية. وما نراه من حوار اجتماعي بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل (كبرى نقابات العمال) أعتبره عنصرا إيجابيا يؤكد انفتاح تونس على مكوناتها كافة، وأنا متفائل كثيرا بالتوصل إلى حلول للخلافات الحاصلة بين مختلف الأطراف.
لقد ساهمت نقابة العمال طوال تاريخها في الحراك الاجتماعي، وساهمت بفاعلية في ضمان الانتقال السياسي في تونس، ومن المنتظر أن تبعث برسائل إيجابية لإيجاد حل لمشكلات الزيادات في الأجور، التي لم نلغها. ولكن دعونا إلى تأجيلها إلى حين انفراج الوضع الاقتصادي.
* تحدثتم كثيرا عن بوادر تحسن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، لكن هناك نحو 630 ألف عاطل عن العمل، مع نسبة نمو اقتصادي ضعيفة لا تزيد على 5.1 في المائة، فكيف يمكن الخروج من هذه الوضعية؟
- إن الهدف من الدعوة إلى تأجيل الزيادات في الأجور، والرفع من مساهمات بعض المهن على مستوى الجباية، هو تحسين الموازنات المالية العمومية، ومن ثم الالتفات إلى مشكلات البطالة والتنمية والتفاوت بين الجهات. ولتحقيق هذه الانطلاقة الاقتصادية سعينا خلال المنتدى الدولي للاستثمار إلى تقديم مشاريع ذات جدوى اقتصادية، وأجرينا دراسات دقيقة لعدة مشاريع، أهمها مشاريع البنى التحتية والطاقات المتجددة، ونحن ننتظر تفاعلا إيجابيا معها من قبل المستثمرين العرب والأجانب.
* لكن تجربة تونس مع الوعود الدولية في مجال الدعم الاقتصادي لم تكن إيجابية بعد ثورة 2011، حيث تلقت عدة وعود لكنها بقيت حبرا على ورق.
- هذا صحيح، غير أن المناسبة الجديدة ستكون مختلفة، ذلك أن الحكومة التونسية ستتقدم بمشاريع مشتركة بين القطاعين العام والخاص، وستركز على المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، ونحن ننتظر إمضاءات وإعلانات صريحة بتمويل تلك المشاريع من قبل المشاركين في المنتدى الدولي للاستثمار، ولدينا ثقة تامة بنجاح هذا المنتدى في جلب استثمارات مهمة إلى الاقتصاد التونسي.
* توليتم رئاسة الحكومة قبل نحو ثلاثة أشهر، ما تقييمكم لنتائج هذه الفترة؟
- واجهت حكومة الوحدة الوطنية كما هائلا من الصعوبات، واعتمدت لغة الحوار في علاقتها مع الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية، ومرت كل مؤسسات الدولة بفترة صعبة. لكن لدينا ثقة كبرى في تجاوز هذه الصعوبات.
* نفيتم قبل تسلمكم رئاسة الحكومة ترشحكم لهذا المنصب، لكنكم قبلتم به عندما كلفكم الرئيس التونسي بصفة رسمية، ما الذي دفعكم إلى القبول؟ وهل ندمتم على توليكم هذه المهمة الصعبة؟
- لولا وجود تلك الصعوبات لما جاءت حكومة الوحدة الوطنية، التي أشركت أكثر من طرف سياسي ونقابي في تركيبتها. لقد كنت خلال تلك الفترة وزيرا للشؤون المحلية ومنضما للعمل الحكومي والسياسي، وقد لبيت الواجب نظرا للوضع الصعب الذي تمر به تونس، ولمصلحتها ومن أجلها دخلنا العملية السياسية وقبلنا التحدي، ولن نندم أبدا على قرارنا خدمة تونس.
* لكن فترة توليكم الحكم عرفت عدة انتقادات، بما يوحي أن حكومة الوحدة الوطنية لم تحقق الشيء الكثير.
- هناك انتقادات، ولكن بالتوازي مع ذلك هناك صعوبات جمة. ونحن نعتقد أننا حققنا كثيرا من النتائج الجيدة. فقد أعدنا إنتاج الفوسفات في مناجم المظيلة (جنوب غربي) بعد أشهر طويلة من انقطاع الإنتاج، وتوصلنا عبر الحوار إلى حلول مع عدد من الاحتجاجات الاجتماعية، على غرار اعتصام شركة «بتروفاك» البريطانية العاملة في مجال المحروقات، كما عالجنا مشكلة النظافة، وعملنا على تحسين عدة مؤشرات اجتماعية واقتصادية. لكن هذه النتائج غير كافية إذا قارناها بمستوى انتظارات التونسيين.
لقد واجهنا صعوبات مختلفة، ولكن ما يهمنا اليوم هو عدم توقف آلة الإنتاج، من خلال اعتماد الحوار في المقام الأول، وتطبيق القانون في حال عدم نجاح الحوار. لقد حققنا ما نقدر عليه، وهو مهم مقارنة مع حجم التحديات.
* برأيكم ما أهم مشكل تعاني منه تونس؟
- اهتمامنا منصب حاليا على التشغيل، لأنه المشكل الأساسي والأهم، وأعتقد أنه أكثر أهمية من أي خلاف سياسي أو اجتماعي في البلاد. ونحن على وعي كبير بأن حل معضلة البطالة في صفوف الشباب سيقينا كثيرا من المشكلات والمصاعب والإفرازات غير المحبذة، ومن بينها ظاهرة الإرهاب والانحراف السلوكي بمختلف درجاته.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.