هل يقف الناتو حجر عثرة لتركيا في محاولتها اقتناء منظومة «إس 400» من روسيا؟

سعيها السابق لاقتناء منظومة صينية قوبل بالرفض لأسباب أمنية

سفينة حربية روسية لدى عبورها مضيق البوسفور في طريقها إلى ميناء طرطوس السوري الشهر الماضي (أ.ف.ب)
سفينة حربية روسية لدى عبورها مضيق البوسفور في طريقها إلى ميناء طرطوس السوري الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

هل يقف الناتو حجر عثرة لتركيا في محاولتها اقتناء منظومة «إس 400» من روسيا؟

سفينة حربية روسية لدى عبورها مضيق البوسفور في طريقها إلى ميناء طرطوس السوري الشهر الماضي (أ.ف.ب)
سفينة حربية روسية لدى عبورها مضيق البوسفور في طريقها إلى ميناء طرطوس السوري الشهر الماضي (أ.ف.ب)

أفصحت تركيا عن رغبتها في امتلاك منظومة للدفاع الجوي تتلاءم مع ما هو موجود في حلف شمال الأطلسي «ناتو» التي هي عضو فيه، وأنها قد تحصل عليها من روسيا وتحديدا منظومة «إس 400» وهو ما اعتبر بمثابة رسالة قوية للحلف الذي عرقل من قبل محاولات تركيا لامتلاك منظومة للدفاع الجوي من الصين حتى لا تكون لديها الفرصة للاطلاع على تقنيات الناتو. ثم أعلنت تركيا أنها ستقتني منظومتها الخاصة حيث تعاني دفاعاتها الجوية من ضعف واضح على الرغم من كون الجيش التركي هو ثاني أكبر الجيوش في الناتو.
وأعلن وزير الدفاع التركي فكري إيشيك، الجمعة، أن بلاده ترغب في امتلاك منظومة دفاع جوي تتلاءم مع المنظومات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، وأن تركيا لن تدير ظهرها للعرض الروسي في هذا الصدد.
وقال إيشيك، الذي كان يتحدث في احتفالية تسلم القوات المسلحة التركية منظومة صواريخ «الإعصار 302 ميلليمتر الموجهة» من شركة «روكيتسان» التركية في العاصمة أنقرة، إن المساعي التركية لامتلاك منظومة دفاع جوي بعيدة المدى لا تزال مستمرة على مختلف الأصعدة، موضحًا أن اللقاءات من أجل هذه المسألة لا تتم مع روسيا من أجل امتلاك منظومة «S 400» فقط، ولكن تتم مع كل دولة لديها منظومة دفاع جوي.
وأثنى الوزير التركي على الموقف الروسي في هذه المسألة ووصفه بأنه إيجابي، معربًا عن أمله في أن تكون الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أكثر حماسة في هذه المسألة. وأكد إيشيك أن الهدف النهائي من امتلاك منظومة الدفاع الجوي هو تصنيع تركيا لمنظومتها الدفاعية الخاصة بها.
وتسلم الجيش التركي من شركة «روكيتسان» التركية الجمعة منظومة صواريخ الإعصار، ويصل مداها إلى 120 كيلومترا، وهي صواريخ موجهة تصيب أهدافها بدقة.
ولفت وزير الدفاع التركي إلى أن المنظومة طورت بالكامل محليًا، وستستخدم لاحتياجات الجيش التركي، وستُباع للدول الصديقة.
ولم تمض ساعات، حتى كشف رئيس هيئة التعاون العسكري الفني بين روسيا وبلدان العالم ألكسندر فومين، النقاب عن أن اجتماع اللجنة الوزارية الروسية التركية المشتركة، سيبحث تزويد أنقرة بمنظومات دفاع جوي صاروخية روسية.
وقال فومين، أمس السبت، إن «روسيا ستستضيف اجتماعا للجنة الوزارية الروسية التركية المشتركة في أقرب وقت».
وعما إذا كان الاجتماع المُنتظر سيتناول مناقشة موضوع توريد منظومات دفاع جوي روسية من طراز «إس 400» لتركيا، أجاب المسؤول الروسي بـ«نعم».
وكان الرئيس فلاديمير بوتين قد بحث مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان التعاون في مجال التسليح والتصنيع العسكري، خلال لقائهما الأخير في إسطنبول على هامش القمة العالمية للطاقة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، إن بوتين بحث مع نظيره التركي احتمال تزويد أنقرة بأنظمة دفاع جوي روسية، مضيفا: «تطرقا بالذكر إلى عدة أنظمة مضادة للصواريخ.. يمكن أن تدرس روسيا توريدها بأنواع مختلفة إذا رغب الجانب التركي».
وكان نائب رئيس الوزراء الروسي، ديمتري روجوزين قد أعلن في وقت سابق، أن روسيا تعتزم توريد أنظمة «إس 400» المتطورة إلى الصين والهند فقط بشكل استثنائي، باعتبارهما شريكتين استراتيجيتين لموسكو.
الخبير الروسي في الشؤون العسكرية فيكتور ليتوفكين قال إنه من الممكن تزويد الجيش التركي بمنظومة الدفاعات الجوية الروسية، بعد نشر هذا السلاح في جميع الوحدات العسكرية الروسية.
وجاءت تصريحات الخبير الروسي في معرض تقييمه لتصريحات وزير الدفاع التركي فكري إيشيك الذي قال إن تركيا ترغب في امتلاك منظومة دفاع جوي تتلاءم مع المنظومات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، مضيفًا أن تركيا لن تدير ظهرها للعرض الروسي في هذا الصدد.
وأوضح ليتوفكين أن منظومة «إس 400» ستُباع أولاً للصين ومن ثم الهند، لكن موعد تزويد أنقرة بهذا النوع من السلاح غير معروف حاليًا.
وتابع: «تذكرون أن تركيا طرحت مناقصة لشراء منظومات دفاع جوية في وقت سابق، وتنافس في هذه المناقصة كل من روسيا والصين والولايات المتحدة، والأتراك فضّلوا حينها الأسلحة الصينية التي تشبه إلى حد كبير منظومتنا الصاروخية، وتعلمون أن الأسلحة الصينية لم تصل بعد إلى تركيا».
وأضاف: «علينا ألا ننسى أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومن المتوقع أن تمارس الولايات المتحدة ودول الناتو ضغوطًا على تركيا من أجل منعها شراء الأسلحة الروسية».
وسبق أن مارس الناتو والولايات المتحدة ضغوطا على تركيا عندما قررت اقتناء أسلحة صينية، ما دفعها لإعلان أنها ستصنع منظومتها الخاصة بنفسها.
واستأنفت تركيا وروسيا تعاونهما العسكري مجددا بعد انتهاء أزمة إسقاط القاذفة الروسية على الحدود التركية السورية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وتوقع ألكسندر فومين، مدير الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري والتقني، أن تعقد اللجنة الحكومية المشتركة المعنية بهذا التعاون اجتماعا قبل نهاية هذا العام، موضحا أن الجانبين ينسقون حاليا موعده ومكان عقده.
وأكد فومين أن روسيا وتركيا «تستأنفان التعاون العسكري والتقني بعد تجميد كل الاتصالات في هذا المجال إثر الأحداث المعروفة».
وأورد المسؤول أن البلدين قد أجريا محادثات أولية تمهيدية، مشيرا إلى أن موضوع توريد منظومات روسية مضادة للطيران لأنقرة يمكن أن تبحثه اللجنة الحكومية المشتركة بين موضوعات أخرى. وأضاف: «عندما يدور الحديث عن منظومات كبيرة مضادة للجو، فيمكن اعتبارها منظومات مضادة للصواريخ».
وبحسب موقع «غلوبال فاير بور» أحد أشهر مواقع تصنيف الجيوش عالميًا، جاء الجيش التركي في المرتبة العاشرة عالميًا، كما أنه يعتبر ثاني أقوى الجيوش في الناتو، إلا أنه لا يزال يفتقد إلى منظومة متطورة للدرع الصاروخي لمواجهة اختراقات الطائرات واحتمال تعرض الأراضي التركية لهجمات صاروخية من محيطها المضطرب.
وتتهم أنقرة الحلف بإهمال أمن تركيا وابتزازها في أصعب الظروف الأمنية التي عاشتها، وبخاصة خلال السنوات الأخيرة، حيث لم ينشر الحلف سوى عدد قليل جدًا من بطاريات صواريخ الباتريوت في تركيا حتى عندما تعرضت الأراضي التركية لتهديدات بالغة بسبب الأزمة السورية.
وعقب قيام طائرات حربية تركية بإسقاط مقاتلة روسية على الحدود مع سوريا، نهاية العام الماضي، والدخول في أزمة سياسية وعسكرية حساسة مع موسكو، أقدم الحلف على سحب إحدى بطاريات الباتريوت التي كان ينصبها في تركيا، وترك أنقرة تواجه مصيرها مع روسيا رغم الدعم بالتصريحات الذي تلقته من قادة الدول الكبرى في الناتو، الأمر الذي أثار غضب الحكومة التركية وأعاد النقاش الداخلي حول ضرورة الحصول على منظومة متقدمة للدرع الصاروخي لا تقع تحت إمرة قيادة الناتو. جميع هذه التطورات تأتي في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الأميركية والغربية بشكل عام والناتو توترًا غير مسبوق مع روسيا، كما تأتي في ظل توتر مستمر في العلاقات التركية مع واشنطن على خلفية رفض الأخيرة تسليم الداعية فتح الله غولن الذي تتهمه السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي.
وعلى الرغم من أن روسيا وتركيا لم توقعا بعد على اتفاقية المنظومة، فإن المعطيات تشير إلى أن أنقرة عازمة على شراء المنظومة من موسكو في أقرب وقت ممكن، وذلك بهدف تأمين الأراضي التركية التي تتعرض لتهديدات متزايدة من الخارج وتوجيه رسالة قوية لحلف الناتو، بأن تركيا لديها خيارات أخرى من أجل تأمين أمنها القومي بعيدًا عن ابتزاز الحلف، كما تقول وسائل الإعلام التركية.
وإذا تم توقيع الاتفاقية بين أنقرة وموسكو ستكون تركيا قد دخلت في مواجهة جديدة غير مسبوقة مع الناتو الذي يرفض بقوة هذا الأمر ويعتبره تهديدًا لدول الحلف، حيث رفض سابقًا مساعي تركية لشراء نظام درع صاروخي من الصين واضطرت تركيا لإلغاء الاتفاقية الأولية بعد انتقادات وضغوط هائلة تعرضت لها من الناتو. ويبرر الحلف رفضه بأن أي منظومة أخرى غير الباتريوت تشكل تهديدًا على تماسك أعضاء الحلف والتكامل بينهم، ويصعب ربطها بالباتريوت، وفي حال ربطها يشكل ذلك تهديدًا على أمن وسرية المعلومات، وبخاصة إن كانت المنظومة الأخرى تديرها الصين أو روسيا.
ومن الناحية النظرية تعتبر تركيا مشمولة ضمن منظومة الباتريوت التي يعمل على نشرها الناتو في دوله للتصدي لأي هجمات صاروخية محتملة على دول الحلف، حيث بإمكان صواريخ باتريوت أن تدمر في الجو صواريخ باليستية تكتيكية وصواريخ مجنحة وطائرات، لكن عمليًا، بدأ في عام 2012 تشغيل رادار واحد للإنذار المبكر، وأشرف الجيش الأميركي على تشغيل إحدى وحدات المنظومة من مدينة مالاطيا شرق تركيا، ولحقتها وحدات تم تشغيلها من قبل الجيش الإسباني والألماني، وهو جزء صغير من المنظومة يؤكد محللون عسكريون أنه غير كاف لحماية الأراضي التركية من هجمات محتملة.
ووسط المشكلات التي عاشتها تركيا مع روسيا وسوريا في السنوات الأخيرة، سحبت واشنطن إحدى وحدات المنظومة التي نشرتها عام 2013 في مدينة غازي عنتاب، قبل أن تتمكن تركيا وبضغط كبير من إقناع ألمانيا بعدم سحب منظومة أخرى كانت تنشرها في الأراضي التركية مقابل بذل تركيا مساعي أكبر لوقف تدفق اللاجئين، وهو ما فُسر على أنه استخدام للمنظومة من قبل الناتو بوصفها ورقة ضغط وابتزاز ضد تركيا.
ومنذ سنوات، أعلنت تركيا فوز شركة صينية للصناعات الحربية بعطاء لبناء منظومة الدفاع الصاروخي الخاصة بتركيا، وقالت أنقرة إنها ستبدأ مشاورات لبحث تفاصيل العقد مع الشركة الصينية التي رست عليها مناقصة شراء منظومة «HQ 9» للدفاع الصاروخي، بعد منافسة مع منظومة باتريوت الأميركية، ومنظومة الاتحاد الأوروبي، ومنظومة «إس 300» الروسية.
وفضلت تركيا آنذاك المنظومة الصينية التي تعتبر نسخة معدلة من منظومة «إس 300 بي» الروسية بتكلفة قاربت 3 مليارات دولار، وهو أقل بمليار دولار من العروض الأخرى التي تم تقديمها، إضافة إلى أن الشركة المصنعة كانت ستعمل بشكل مشترك على الأراضي التركية من أجل نقل التقنية إلى الخبراء الأتراك، وهو الأمر الذي شددت عليه أنقرة ورفضته العروض الأخرى.
وكان العقد ينص على تزويد الصين لتركيا بمحطات رادار وصواريخ مضادة للطائرات قادرة على تدمير الطائرات والصواريخ، تتوزع في 4 منظومات للدفاع الصاروخي مكونة من 288 صاروخا في 12 وحدة إطلاق. لكن جميع هذه المساعي تجمدت بشكل كامل دون الإعلان عن فشلها نهائيًا وذلك بفعل قوة الضغوط التي مارسها الحلف على أنقرة.
وعقب ذلك، بدأت أنقرة مفاوضات لشراء منظومة صواريخ «تي - سامب» من إنتاج فرنسي - إيطالي مشترك، حيث جرت زيارات عسكرية تركية لمقر الشركة وجرت اختبارات بالذخيرة الحية، دون الإعلان عن التوقيع على اتفاق نهائي.
وسعت تركيا أيضا منذ عام 2006 لبناء منظومة محلية خاصة بها، ووقعت الحكومة عقدًا مع إحدى شركات الصناعات الدفاعية التركية، لكن هذه المحاولات تجري ببطء شديد بسبب نقص الخبرة والإمكانات الفنية، حيث تستمر التجارب على صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى لا تفي بكامل الاحتياجات الدفاعية التركية، ولا تستطيع - على سبيل المثال - مواجهة الصواريخ بعيدة المدى التي تمتلكها إيران والنظام السوري، وهو الهدف الذي تسعى تركيا من أجله لاقتناء منظومة للدفاع الجوي أو درع صاروخية لحماية حدودها من أي تهديدات.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.