«كوم دو غارسون» في متحف المتروبوليتان بنيويورك

اختيار راي كاواكوبو موضوعًا لمعرضه المقبل.. يفتح جدلاً فكريًا وفنيًا

من عرض قدمته  عام 2002 -من تشكيلتها لربيع وصيف 2015 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017
من عرض قدمته عام 2002 -من تشكيلتها لربيع وصيف 2015 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017
TT

«كوم دو غارسون» في متحف المتروبوليتان بنيويورك

من عرض قدمته  عام 2002 -من تشكيلتها لربيع وصيف 2015 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017
من عرض قدمته عام 2002 -من تشكيلتها لربيع وصيف 2015 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017 - من عرضها الأخير لربيع وصيف 2017

لم يكن اسم راي كاواكوبو، مؤسسة ماركة «كوم دي غارسون» أول من يخطر على البال عندما يُذكر معرض متحف المتروبوليتان للفنون. ليس لأنها لا تستحق، بل العكس تماما، لكن لأنها من جهة، جد نخبوية بتصاميمها الجانحة نحو الفنية السوريالية أحيانًا، وبالتالي لا تخاطب العامة، ومن جهة ثانية فإن المتحف يتبع سياسية غير معلن عنها بعدم تسليط الأضواء على مصمم لا يزال على قيد الحياة تفاديا لأي التباسات أو استغلال تجاري. لكن المصممة اليابانية راي كاواكوبو، على ما يبدو، لا تتبع أية قاعدة، لهذا استُثنِيَت لتكون ثاني مصمم بعد إيف سانت لوران في عام 1983، يحتفل به المتحف وهو على قيد الحياة.
والحقيقة أن الاسم لم يكن متوقعًا، لكن الإعلان عنه لم يكن مفاجئًا، إذ سبقته شائعات تتردد منذ شهر أغسطس (آب)، وكان مصدرها موقع «ويمنز وير دايلي». فقد تنبه الموقع، خلال أسبوع باريس للموضة الأخير، إلى حضور أندرو بولتون، أمين معهد الأزياء في «المتروبوليتان» مع آنا وينتور، رئيسة مجلة «فوغ» النسخة الأميركية، والرئيسة المشاركة في تنظيم هذه الفعالية السنوية، عرض «كوم دو غارسون». كان من الممكن أن يمر هذا الحضور مر الكرام لولا أن أنا وينتور لا تحضر عروض الماركة بانتظام، كونها ليست قوة إعلانية كبيرة.
ما إن أعلن الخبر حتى توالت التساؤلات حوله وما إذا كان اسم راي كاواكوبو سيستقطب الناس أم لا. فهي ليست مصممة عادية تجري وراء الأضواء، إضافة إلى أن أسلوبها يجنح نحو الفني أكثر من التجاري، إلى حد يجعل الأغلبية لا تتخيل أنه مناسب للاستعمال في أرض الواقع. أندرو بولتون، أمين المتحف والمسؤول عن تنظيم المعرض الذي يرافق الحفل الكبير، له رأي مخالف. فهي بالنسبة له خيار مثالي، لأنها تنتمي إلى شريحة نادرة من المصممين المعاصرين الذين لا يزالون «يحافظون على سياق فني في أعمالهم»، حسب رأيه. فهي بالنسبة له واحدة من قلة غيرت مسار الموضة باقتراحها أفكارًا جريئة ودفعها بالتصميم إلى أقصى حدود الابتكار، وهو ما يوافقه عليه الكل. فهي بالفعل مصممة لا تهتم بالقيود والمتعارف عليه، ومما نذكره قولها في عام 2004 بعد عرضها في باريس «كنت أحاول في هذه التشكيلة عدم تصميم أزياء». وفي عرضها الأخير، قالت إنها كانت تريد تشكيلتها أن تكون عبارة عن «ملابس خفية»، وغيرها من التصريحات التي تشي بميول فلسفية أكثر منها لمصمم يسعى لبيع منتجاته. مما يُذكر أيضًا أنها صممت تشكيلة مصنوعة بالكامل من أكمام، وأخرى تمحورت حول التنورة في أكثر من 35 نسخة وشكل وهلم جرا من الأفكار الغريبة التي حولتها إلى تصاميم لا تقل غرابة لكنها تجد دائما طريقها لخزانة زبائن نخبويين يعشقون فنها وأسلوبها الفريد. هذه القطع ستكون جزءا أساسيا في معرض «المتروبوليتان» المقبل، لأنها حسب أندرو بولتون تُعبر عن «مصممة قوضت كل الافتراضات التقليدية عن الجمال والجسد».
والمتابع لمسيرتها يلاحظ أن تطورها كان لافتًا، لأنها لم تظل سجينة لمتطلبات السوق، ولم تلهث وراء التجاري، بل العكس تمامًا.
صحيح أن تصاميمها في بداية مسارها المهني، كانت أكثر واقعية مما هي عليه اليوم، إلا أنها كانت ولا تزال تتضمن أفكارًا فلسفية، وليس أدل على هذا من عرضها في عام 2005، الذي كان بعنوان «العروس المكسورة». قالت إنها حرصت فيه على أن يأتي مناهضًا للنهج المحافظ والتقليدي، وكان مزيجا رومانسيا حداثيا استعملت فيه قماش التول والشرائط الكثيرة المتدلية، الأمر الذي يؤكد أن عروضها كانت ولا تزال تثير مشاعر شتى يتباين أغلبها بين الدهشة والإعجاب. لكنها قلما تثير الرغبة في الحصول عليها أو الظهور بها في مقابلة عمل أو حفل كبير أو أي مناسبة أخرى مهمة. وربما هذا ما تهدف إليه: أن تبتعد عن إملاءات الأسواق العالمية وتنأى بنفسها عن العادي والتجاري. وإذا كان هذا هدفها، فقد نجحت في تحقيقه، لأنها اليوم من أهم المصممين المعاصرين والمستقلين، حيث أثبتت أنه بإمكان المصمم أن يستخدم الموضة كفكرة ينطلق منها لاستكشاف المجهول وخلق حوارات فكرية وفنية.
ورغم كل إيجابياتها، فإن اختيار متحف «الميتروبوليتان للفنون» لها لتكون نجمة هذا العام يبقى خطوة مهمة وجريئة في الوقت ذاته. مهمة لأن أعمالها تستحق دخول المتاحف، وجريئة لأنها مصممة تحمل اسمًا غير مُتداولٍ على المستوى الشعبي في الأسواق. فالعامة لا يعرفون الكثير عنها وبالتالي قد لا يجذبهم اسمها لحضور المعرض، مثلما ما حصل مع أسماء سابقة، مثل «الجمال المتوحش» لألكسندر ماكوين الذي شهد نجاحا لا مثيل له شجع على نقله إلى عواصم أخرى، كذلك معرض «الصين: عبر زجاج الرؤية» في العام الماضي، أو «مانوس × ماكينا» في العام الحالي. غني عن القول إن زيادة الإقبال تعني زيادة المداخيل التي يحتاج إليها المتحف الآن أكثر من أي وقت مضى، كونه يعاني من أزمة مالية استدعت عملية عاجلة لخفض عجز ميزانيته، كما أعلن أخيرا عن احتمال اضطراره لتسريح عدد من موظفيه. وهذا تحديدا ما يجعل اختيار راي كاواكوبو نوع من المجازفة وخطوة شجاعة في الوقت ذاته.
من جهة أخرى، فإن قبول راي كواكوبو أن تكون موضوع المعرض، أيضًا يثير التساؤل. فالمعروف عنها أنها ليست من النوع الاجتماعي الذي يسعى نحو الأضواء والتغطيات الإعلامية، بدليل أنها لم تحضر أي حفل لمتحف المتروبوليتان من قبل، ولم تسعَ في يوم لمغازلة النجوم والمشاهير. ففي حملات «كوم دو غارسون» الإعلانية، مثلا، تستعمل الطيور، والأسماك والفواكه وأي شيء باستثناء الاستعانة بممثل أو نجمة، في رسالة واضحة أنها تفرض الفكرة من الأساس. الطريف أيضًا أن أنا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ» لا تحضر عروض «كوم دو غارسون» بشكل منتظم، لأنها ليست قوة إعلانية، عليها أن تحرص على نيل رضاها بأي شكل. فهي تحضر هذه العروض كلما سمح لها وقتها تاركة هذه المهمة لمحررات المجلة.
ومع ذلك، عندما اقترح اندرو بولتون اسمها عليها، لم تتردد في مباركة الخطوة وتقديم دعمها الكامل لها. وشرح بولتون أنها قد «لا ترتدي أزياء من (كوم دو غارسون)، وربما لا ترى نفسها فيها، لكنها تُدرك مساهماتها الفنية وأهميتها بالنسبة لعالم الموضة».
عندما يتردد أن المصممة لم تركب الموجة التجارية وترفضها بشدة، قد يتساءل البعض كيف صمدت في عصر يتطلب مخاطبة كل الأذواق والأسواق؟ الجواب ببساطة أنها فيما حافظت على خطها الخاص نخبويا يعبر عن رؤيتها الفنية الخاصة، فإنها تطرح خطوطا أخرى تحقق لها الربح الذي يكفل لها الاستمرارية، مثل «كوم دو غارسون بلاي»، وهو خط يضم الأساسيات ويتميز بشعار يمثل قلبا بعيون، وخط «كوم دو غارسون شيرت»، وكما يدل اسمه يركز على القمصان. فقد تكون تعمل من بُرج عاجي، لكنها تُدرك أهمية أن تكون الموضة للاستعمال اليومي، وبالتالي برهنت على قدرة للموازنة بين الفني والتجاري لحد الآن، فيما تحرص أن على استعمال عروض الأزياء للتعبير عن أفكار أو شرح تطور عملية الإبداع في مخيلتها معتمدة على الأحجام والتركيبات الهندسية. وهذا تحديدا ما سيُركز عليه متحف المتروبوليتان للفنون، من خلال نحو 120 قطعة يمتد تاريخ بعضها من 1981، عندما بدأت كواكوبو المشاركة في أسبوع باريس للموضة، إلى الآن. ولن يتجاهل المعرض الجانب التجاري الذي سيعرض في متجر ملحق بالمعرض، لأنه مهم لتسليط الضوء على جانب موازٍ من شخصيتها وعملها. ولا شك أن هذا ما سيميز معرض هذا العام عما تم عرضه في السنوات الماضية. فمعارض «الصين»، و«مانوس × ماكينا» مثلاً، فتحت نقاشا شعبيا حول الموضة من خلال تسليط الضوء على نهضة الشرق الأقصى، والهوس بالتكنولوجيا، بمباركة ومشاركة بيوت أزياء عالمية كبيرة، يعرفها أغلبية الناس. ولا يخفى على أحد أن أغلبية هذه البيوت الكبيرة تسهم في دعم المعرض ماديا، لأنه يمثل بالنسبة لها منبرًا مهمًا لاستقطاب زبائن جديد. فخلال الحفل يحضر الضيوف بصحبة المصممين، وهم يرتدون فساتين من تصاميمهم، إلى حد أن الحفل أصبح بمثابة أوسكار الموضة، يتم فيه اختيار أجمل فستان وأكثره جرأة، وبالطبع يتم تغطيته إعلاميًا بشكل مفصل يُغني عن عشرة إعلانات في مجلة براقة.
السؤال هو كيف سيكون عليه الأمر في شهر مايو (أيار) المقبل، حين ستقف أنا وينتور إلى جانب راي كواكوبو على سلالم المتروبوليتان للترحيب بضيوف الحفل؟ هل سترتدي رئيسة الحفل قطعة من تصميم المصممة، ربما لأول مرة، أم ستبقى وفية لـ«شانيل»؟ وهل سينجح فاريل ويليامز، وكاتي بيري اللذان في أندرو بولتون. يأمل أن يحتذي الحضور بالمغنية كايتي بيري، التي ستقدم الحفل مع فاريل ويليامز، لما تتمتع به من جرأة في اختيار أزيائها ووفائها لأسلوبها الخاص.
وشرح وجهة نظره قائلا: «آمل أن يختار الجميع أزياءهم بأنفسهم وبطريقة تعبر عنهم»، في إشارة إلى الاتجاه الذي ساد في السنوات الأخيرة وأصبح فيه النجوم يُستخدمون كلافتات إعلانية لبيوت الأزياء الشهيرة. الفكرة هذا العام أن تكون الأزياء جريئة، من ناحية فنيتها وحداثتها، بغض النظر عما إذا كانت ستثير الإعجاب أم لا بالمفهوم التقليدي والكلاسيكي.
لا يخفي بولتون إعجابه بالمصممة اليابانية، ولا يخفي بأنه يفكر في تقديمها منذ انضمامه إلى المتحف عام 2002. ما أوقفه عن تنفيذ فكرته، اكتشافه سياسة غير معلنة، وغير رسمية، تم إرساؤها بعد معرض سان لوران، الذي آثار كثيرًا من الجدل والاتهامات باستعماله المعرض لأغراض تجارية، لا تشجع على تركيز الأضواء على مصممين أحياء. وقوفه لم يستمر طويلاً، لأن بولتون لم ينسَ فكرته الأصلية بأن «الموضة فن حي» وظل يعمل عليها إلى أن تحققت أخيرًا وكله أمل بأن يدحض الفكرة التي كانت سائدة قبل ذلك. فمنذ خمس سنوات وهو يجمع قطعا من «كوم دو غارسون» بمعدل قطعة أو قطعتين في العام، حتى تكونت لديه مجموعة دائمة في المتحف.. فبالنسبة له «نحن في مرحلة يتم النظر فيها إلى الموضة، ومصممي الأزياء كشخصيات يتم التخلص منها بعد استخدامها. وأردت التركيز على إنسانة كرّست حياتها بشكل فريد للرؤية الإبداعية، وذلك لتذكير الجميع بقيمة كل ذلك».
لكن راي كاواكوبو، وما تمثله في ساحة الموضة حاليًا من استمرارية وعوم ضد التيار السائد، ليست التغيير الوحيد الذي سنشهده هذا العام، فبدلاً من راعي واحد، دخلت على الخط مجموعة من «الداعمين الممولين» نذكر منهم «أبل»، و«إتش أند إم»، و«كونديه ناست»، و«فالنتينو»، في إشارة ضمنية إلى أن عالم الموضة يتغير بسرعة مخيفة، ولا بد من وقفة للتأمل.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.