إيران «جزيرة الثبات» المزعومة.. غارقة في الأزمات الاجتماعية

الفقر والأمراض والإدمان تهدد بانهيار المجتمع الإيراني من الداخل

ظاهرة عمالة الأطفال من تبعات تفشي الفقر.. ثلاثة ملايين طفل محروم من الدراسة في إيران (وكالة مهر) - المدمنات على المخدرات في إيران يشكلن 10 % من المدمنين
ظاهرة عمالة الأطفال من تبعات تفشي الفقر.. ثلاثة ملايين طفل محروم من الدراسة في إيران (وكالة مهر) - المدمنات على المخدرات في إيران يشكلن 10 % من المدمنين
TT

إيران «جزيرة الثبات» المزعومة.. غارقة في الأزمات الاجتماعية

ظاهرة عمالة الأطفال من تبعات تفشي الفقر.. ثلاثة ملايين طفل محروم من الدراسة في إيران (وكالة مهر) - المدمنات على المخدرات في إيران يشكلن 10 % من المدمنين
ظاهرة عمالة الأطفال من تبعات تفشي الفقر.. ثلاثة ملايين طفل محروم من الدراسة في إيران (وكالة مهر) - المدمنات على المخدرات في إيران يشكلن 10 % من المدمنين

بموازاة إعلان وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنة، كسر المعدل القياسي في تصدير 2.4 مليون برميل من النفط الخام يوميا، يواصل تدهور الوضع المعيشي نسقه المثير للقلق في إيران مع استمرار قصف الإحصائيات الصادمة للشارع الإيراني.
ويرى كثير من المحللين أن السلطات التي تبرر تدخلاتها في الدول الأخرى تحت شعار إيران «جزيرة الثبات» في منطقة مشتعلة بالأزمات على رأسها جماعة «داعش» تتجاهل عدوا أخطر من (داعش) على المستوى الداخلي هي الأزمات الاجتماعية الخانقة التي تواجه النظام الإيراني.
وفي 2005 مع وصوله للرئاسة، وعد أحمدي نجاد بوصول فوائد النفط الإيراني إلى مائدة الأسرة الإيرانية وانتهت وعود نجاد بدخول إيران في أصعب مرحلة إثر تحديها إرادة المجتمع الدولي، وعقب نجاد بشر روحاني الإيرانيين بامتلاكه مفاتيح لكل المشكلات لكن مع اقتراب العام الأخير ثبت أن مفاتيحه غير فاعلة لفتح أقفال أغلال أزمات المجتمع الإيراني.
وبعد طول تكتم على وجود أزمات خضعت السلطة الإيرانية لتوصية علماء الاجتماع بالسماح لنشر إحصائيات كانت محرمة على وسائل الإعلام قبل أن يبلغ الوضع الاجتماعي الإيراني مستويات متأزمة. وبحسب الخبراء، حرمان النظام عمل جمعيات المجتمع المدني وتهميش المواطنين وتلبية الحاجات المعيشية والصحية والاجتماعية والثقافية وتجاهل الخصوصية الثقافية لمختلف المناطق في إيران أدى إلى تفجر أزمات اجتماعية ستحمل لإيران في طياتها تعبات خطيرة أخطر من تلك التي تحملها الحروب الأهلية المدمرة.
وفي أحدث الصدمات هذا العام، التي تلقاها الإيرانيون، ووردت على لسان ثلاثة مسؤولين كبار في الحكومة الإيرانية، تؤكد أن الإيرانيين الأكثر حزنا بعد العراقيين في العالم بسبب تحديات كثيرة يعاني منها المواطن الإيراني نتيجة فشل سياسات النظام الداخلية في تلبية حاجات المواطنين خلال السنوات الأخيرة.
والصدمة جاءت نتيجة مقارنة بسيطة بين معاناة العراقيين من حروب مستمرة على مدى الأربعة عقود الماضية، وكان آخرها تنظيم داعش، بينما لم تشهد الأراضي الإيرانية أي حرب منذ نهاية حرب الخليج الأولى في 1988.
وجاءت هذا الأسبوع تصريحات مساعد مركز الأبحاث في وزارة الصحة ورئيس هيئة الإمداد مساعدة رئيس الاتحاد الطبي الرياضي لتكون مدخلا لإثارة النقاش حول ما يتردد عن تفاقم المخاطر الاجتماعية ودخول إيران مرحلة متأزمة تتطلب تدخل كل أركان النظام الإيراني.
وحذر مساعد مركز الدراسات في وزارة الصحة الإيرانية، رضا ملك زادة، في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، من تفشي الأمراض النفسية والمزمنة نتيجة الضغوط الاقتصادية على المواطنين وكشف عن إصابة نحو 10 في المائة من ثمانين مليون إيراني بمرض السكري متوقعا أن يرتفع العدد إلى 25 في المائة خلال السنوات العشر المقبلة.
وفي إشارة إلى الفقر المتزايد بين الإيرانيين حمل ملك زادة تراجع المؤشر الصحي على الأوضاع النفسية وحرمان الإيرانيين من نظام غذائي صحي مسؤولية تزايد الأمراض بين الإيرانيين. وقال إن أكثر من 50 في المائة يصابون بأمراض ضغط الدم عند بلوغ الخمسين من العمر مشيرا إلى أن 50 في المائة من حالات الوفاة في إيران نتيجة الإصابة بجلطات دماغية أو قلبية.
وأضاف ملك زاده أن 12 في المائة من الإيرانيين يتعاطون المخدرات، مضيفا أن تعاطي المخدرات يعد من بين أهم الأسباب في تفشي أمراض السرطان والإيدز في إيران.
في أبريل (نيسان) الماضي، ذكر موقع «سلامت نيوز» أن واحدا من بين أربعة إيرانيين يعانون من اختلالات نفسية بسبب الأزمة الاقتصادية والمشكلات المعيشية وتبعا لذلك زادت الأزمات الاجتماعية وفقدان الأمل في العيش بين الإيرانيين. ويحذر الخبراء من تأثير للمشكلات المتفاقمة التي تواجه الإيرانيين مما ينعكس على نشاطهم في المجتمع وعلى الأمن القومي الإيراني.
تأكد ذلك عندما كشف الرئيس الإيراني حسن روحاني تفاصيل الاجتماع المغلق بين المرشد الإيراني علي خامنئي وكبار المسؤولين خلال خطابه البرلماني الثلاثاء الماضي لدى تقديمه ثلاثة وزراء جدد للحصول على ثقة البرلمان. ونقل روحاني عن خامنئي قلقه العميق من الأوضاع الاجتماعية المتأزمة في إيران ونقل عنه قوله إن «مكافحة المخاطر الاجتماعية تتطلب تدخل الجميع في إيران بما فيهم من لا يؤمن بالدين والإسلام». وهي دعوة مشابهة للانتخابات البرلمانية الماضية التي دعا فيها خامنئي مشاركة «حتى من لا يؤمن بنظام ولاية الفقيه في الانتخابات» وأرسلت الدعوة انطباعا على خشية خامنئي على مشروعية النظام.
من جانبه، قال رئيس هيئة الإمداد الإيراني، حسن موسوي تشيلك، إن دخول خامنئي على خط المخاطر الاجتماعية يظهر تأزم الوضع الاجتماعي في إيران، لافتا إلى أن الإيرانيين هم الأكثر حزنا بعد العراقيين بين شعوب العالم.
ويرى علماء اجتماع إيرانيون أن سبب الظاهرة هو تفاقم البطالة والأزمة الاقتصادية التي تعاني منها إيران خلال السنوات الخمس الماضية.
ويعاني ثلثا المجتمع الإيراني من الفقر النسبي وهو ما يفوق 60 مليون إيراني بينما يرزح 15 مليونا تحت خط الفقر أو تحت «خط الموت» على حد تعبير بعض الصحف الإيرانية. انطلاقا من ذلك تشير الدراسات إلى أن المشكلات المتزايدة لم تترك مجالا أمام المواطن الإيراني للتفكير بما يفرحه.
خلال الآونة الأخيرة ذكرت وزارة الصحة الإيرانية أن أكثر من عشرة ملايين إيراني هاجروا من القرى إلى هامش المدن الكبيرة بسبب أزمة البطالة وتهميش المناطق الفقيرة ويعد سكان الصفيح الأكثر تضررا في المجتمع الإيراني من المخاطر والتهديدات الاجتماعية.
وتعد المرة الأولى التي يعترف فيها مسؤول إيراني بإحصائية مؤسسة «غلوب» العالمية قبل ثلاثة أعوام وهو ما أثار جدلا واسعا في الإعلام الإيراني نظرا لتغطية وسائل الإعلام الحكومي لأوضاع في العراق واعتبار إيران في مراحل أمنية واجتماعية أفضل مقارنة بالعراق.
وأعرب موسوي تشيلك من مخاوفه إزاء تحول مؤشر الإدمان من الرجال إلى النساء في السنوات المقبلة. أحدث إحصائية نشرتها صحيفة «شهروند» يوليو (تموز) الماضي أشارت إلى أن النساء يشكلن 10 في المائة من مجموع مدمني المخدرات. وبحسب المسؤول الإيراني فإن بلاده توازي الهند في عدد المدمنين في حين أنه تعدادها السكاني يفوق إيران بنسبة 15 ضعفا.
في أغسطس (آب) الماضي كشفت شرطة طهران عن وجود ست الآف مدمن مشرد في العاصمة الإيرانية. ووفق قائد الشرطة، اللواء حسين ساجدي، فإن 1500 امرأة مدمنة على المخدرات مشردة في شوارع طهران.
في غضون ذلك، كشفت أبحاث جديدة عن تراجع أعمار الدعارة في إيران إلى نحو عشر سنوات وفق موسوي تشيلك، الذي اعتبر أن بلاده تواجه أزمة مصير في السنوات القليلة المقبلة بسبب اتساع الأزمة الاجتماعية الحالية.
وعن الاضطرابات النفسية قال موسوي إن 35 في المائة من الإيرانيين يعانون من اضطرابات نفسية، مضيفا أن المعدلات متأزمة للغاية في بعض مناطق العاصمة طهران التي تشير إلى 80 في المائة.
ولفت المسؤول الإيراني إلى انتشار ظاهرة «اللامبالاة» بين الإيرانيين وتراجع المشاعر الإنسانية بين المواطنين معتبرا ذلك مؤشرا على انهيار التماسك الاجتماعي في بلد تعتز ثقافته بقوة بنيان الأسرة.
وأشار موسوي إلى إحصائية رسمية من القضاء حول وجود 15 ملفا قضائيا سنويا ما يعادل تورط ثلاثين مليون إيراني في ملفات قضائية، فضلا عن ارتفاع نسبة الطلاق مقارنة بالزاوج.
واعتبر المسؤول الإيراني ضعف إقبال الإيرانيين على الزواج لأسباب اقتصادية، فضلا عن تزايد الجرائم بين الأطفال وتزايد نسبة المصابين بالإيدز لانتشار العلاقات الجنسية غير المشروعة إضافة إلى وجود مائتي ألف مدمن على الكحول رغم حظر بيعه منذ 37 عاما.
مع ذلك، اعترف المسؤول الإيراني بصحة شكوك جمعيات المجتمع المدني حول مصداقية الإحصائيات وغياب الشفافية والمواقف المتباينة بين المؤسسات الإيرانية من الأزمات الاجتماعية.
على هذا الصعيد، قال وزير الصحة الإيراني، حسن قاضي زاده هاشمي، إنه قدم تقريرا لخامنئي حول المخاطر الاجتماعية المتأزمة في إيران.
وكان هاشمي خلال مؤتمر للأطباء النفسيين، منتصف الشهر الماضي، أعرب عن قلقه من تزايد الاضطرابات النفسية والكآبة بين الإيرانيين. وذكر أن 12 في المائة من الإيرانيين يعانون من الكآبة لأسباب مختلفة أهمها الأوضاع المعيشية.
وأشار هاشمي إلى ارتفاع معدلات الانتحار في إيران وبحسب الإحصائيات الإيرانية فإن 18 مراهقا انتحروا العام الماضي.
وأضاف وزير الصحة أنه أبلغ الرئيس الإيراني بالإحصائية المتعلقة بالاضطرابات النفسية في إيران، لافتا إلى أن «بعض صناع القرار في البلد» يعانون اضطرابات نفسية.
وتطرق هاشمي في تصريحاته المثيرة للجدل إلى أمراض المجتمع الإيراني وقال إن «غالبية أبناء الشعب مصابون بالنرجسية» ولم يستثن هاشمي مسؤولي بلاده من مرض النرجسية بقوله إنه «عندما ينتهي الأمر بمسؤولي البلد إلى النرجسية تزداد الأوضاع سوءا لأن النرجسية يصاحبها عدم الهدوء والاضطراب والكآبة».
وذكر هاشمي أن بين 25 في المائة إلى 26 في المائة من الإيرانيين يعانون اضطرابات نفسية، لكن المحللين يرجحون إصابة 21 مليون إيراني باضطرابات نفسية.
في هذا الصدد، أظهرت أحدث إحصائية من مركز الإحصاء الإيراني التابع للحكومة الإيرانية أن البطالة، على خلاف وعود الرئيس الإيراني، لم تتراجع فحسب بل استمرت في التزايد. ووفق مركز الإحصاء، فإن البطالة زادت بنسبة 1.4 مقارنة بالعام الماضي، وإن عدد العاطلين عن العمل بلغ ثلاثة ملايين و150 ألف شخص في إيران. الإحصائية نفسها تظهر أن عدد العاطلين أضيف إلى عدد الإيرانيين غير النشطين، ويشكك الخبراء بإحصائية مركز الإحصاء الإيراني وبخاصة أنها تتناقض بشكل كبير مع إحصائية مركز أبحاث البرلمان الإيراني التي تظهر ما يقارب خمسة ملايين عاطل عن العمل في إيران، ويتوقع الخبراء أن يتراوح العدد الحقيقي للعاطلين عن العمل بين ستة وثمانية ملايين إيراني.
وتتوقع الصحف الإيرانية أن عدد العاطلين يتراوح حاليا بين 6 و11 مليونا محذرين من تضاعف العدد مع حلول عام 2025 في إيران.
في زمن العقوبات أغلقت مئات الآلاف من المصانع الإيرانية أبوابها بسبب رفع الدعم الحكومي وتراجع السوق ووقف الصادرات الإيرانية، فضلا عن تراجع القدرة الشرائية في الشارع الإيراني.
في هذا السياق، يرى ناشط حقوق الإنسان، كريم دحيمي، أنه «بعد الاتفاق النووي زاد اهتمام السلطات الإيرانية بترسانتها العسكرية وأدى ذلك إلى عدم دعم المشاريع الاقتصادية في المناطق المهمشة مثل إقليم الأحواز فهذه السياسات الممنهجة أدت إلى عدم وجود مشاريع جديدة في مناطق واسعة من إيران وبذلك ساهمت في تفشي البطالة ولم تخلق فرص عمل جديدة وهي ما زادت من الفقر بين المواطنين وعلى صعيد التنمية الاقتصادية فإن إقليم الأحواز متأخر 20 عاما مقارنة بالعاصمة طهران وأصفهان حسب تصريح مساعد مدير التخطيط في الأحواز».
ويضيف دحيمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «مشاريع سياسية وغير اقتصادية في الأحواز مثل مشروع قصب السكر وحرب المياه الذي أطلقته إيران ضد الأحوازيين كبناء السدود المتعددة وانحراف مياه الأنهر إلى الهضبة الوسطى الإيرانية أدت إلى تجفيف الأنهر والأهوار وتلويث البيئة».
وعن أسباب تفشي البطالة يشير إلى أنه «نتيجة سياسة اقتصادية ممنهجة أجبرت الأحوازيين على ترك الأراضي الزراعية بسبب شح المياه ودفع الرسوم الباهظة للحكومة بحيث لجأ المواطن الأحوازي إلى المدن وامتهان وظائف غير ثابتة (كاذبة) كبيع السجائر وبيع البسطات وغيرها مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة. ويشير دحيمي إلى تصريحات مندوب عبادان في البرلمان (غلام رضا شريفي) الذي كشف عن ارتفاع معدل البطالة إلى أكثر من 50 في المائة، وهذه النسبة تصل إلى 70 في المائة في أغلب المدن العربية.
ويضيف دحيمي أن بعض الإحصائيات تذكر أن أكثر من 40 في المائة من سكان الأحواز، حيث ذخائر النفط والغاز، لا يزاولون أي نوع من الوظائف ويعيشون تحت خط الفقر، وأدت هذه الأمور إلى أن المواطن الأحوازي يعاني من أزمات نفسية وعدم استقرار صحي وتفشي الأمراض كالكآبة.
ولفت دحيمي إلى أن «عشرة احتجاجات للعمال في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 في الأحواز بسبب عدم دفع رواتبهم ومستحقاتهم المتأخرة وأيضا بعض هذه الاحتجاجات بسبب طرد العمال من وظائفهم، تبين الوضع الاقتصادي المتأزم في الأحواز وتأثيره المباشر على الحالة الاقتصادية أو الحالة الاجتماعية ويحرم الإنسان الأحوازي من الرفاهية التي يتمتع بها أبناء السلطة والأقاليم الفارسية».
يميل كثيرون في تفسير السلوك الإيراني في المنطقة وإرسال نخبة قواتها العسكرية إلى مستنقع الحروب الداخلية في سوريا والعراق إلى أنه محاولة لتصدير الأزمات الداخلية الإيرانية، وقد يصح هذا الرأي إذا تتبعنا إحصائيات وردت خلال هذا العام عن غرق جزيرة الثبات الإيرانية، على حد تعبير قائد فيلق «القدس» الإيراني، قاسم سليماني، في مستنقع الأزمات الداخلية.
بعد أكثر من عشرة أشهر على دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ ورغم خروج إيران من العقوبات الاقتصادية وعودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية، فلا توجد مؤشرات تبعث الأمل بين المواطنين الإيرانيين، وبخاصة أنهم يشعرون بخيبة أمل واسعة من تصدير ثرواتهم لميليشيات تابعة بحثا عن تحقيق أوهام كبار المسؤولين في نظام ولاية الفقيه.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.