الجماعة الإسلامية الباكستانية: السعودية قلب العالم الإسلامي.. وندعو إيران لعدم التدخل

عبد الغفار عزيز قال لـ «الشرق الأوسط» إن الوضع في كشمير مأساوي ويزداد سوءًا كل يوم.. وبنغلاديش على سطح صفيح ساخن

عبد الغفار عزيز مسؤول العلاقات الخارجية والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية» الباكستانية
عبد الغفار عزيز مسؤول العلاقات الخارجية والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية» الباكستانية
TT

الجماعة الإسلامية الباكستانية: السعودية قلب العالم الإسلامي.. وندعو إيران لعدم التدخل

عبد الغفار عزيز مسؤول العلاقات الخارجية والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية» الباكستانية
عبد الغفار عزيز مسؤول العلاقات الخارجية والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية» الباكستانية

قال الشيخ عبد الغفار عزيز، مسؤول العلاقات الخارجية والمتحدث الإعلامي والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية»، أكبر التيارات المعارضة في باكستان، إن «السعودية دولة محورية في المنطقة ومركز وقلب العالم الإسلامي.. وندعو إيران لعدم التدخل في شؤون المنطقة». عزيز، الذي يتحدث العربية الفصيحة بطلاقة، تواصلت معه «الشرق الأوسط» أثناء مشاركته في مؤتمر عن القدس في تركيا الأسبوع الماضي، ثم أرسلت له أسئلة عبر البريد الإلكتروني إلى مقر الجماعة الإسلامية في لاهور، أبرز في اجابته عنها مكانة السعودية في المنطقة كدولة محورية وقلب العالم الإسلامي، حيث يتوجه عشرات الملايين الباكستانيين يوميًا 5 مرات في صلواتهم إلى الكعبة المشرفة، ودعاء الباكستانيين حكومة وشعبًا أن يحفظ الله أرض المملكة، بالأمن الذي جعله الله للبلد الحرام. ويتحدث عزيز لـ«الشرق الأوسط»، كأنه كتاب مفتوح، عن المستقبل ولعبة الأحزاب السياسية في باكستان، والأزمة الطاحنة في إقليم كشمير، والحرب على الإرهاب، وتداعيات الأزمة السياسية في بنغلاديش، وقال: «بسبب الحرب على الإرهاب سلمنا 600 شخص إلى السلطات الأميركية، سواء كانوا من (القاعدة) أو من غيرها، سلمناهم إلى معتقلي غوانتانامو في كوبا وباغرام في أفغانستان، وخسرنا سمعتنا، ومع هذا ما زلنا تحت التهديد الأميركي الذي لا نأمن شره». وأوضح أن أميركا تتعامل مع باكستان بسياسة العصا والجزرة، وكلما لبت باكستان وحكومتها المطالب الأميركية جفت الجزرة وغلظت العصا. وهذه العصا الآن تغلظ يومًا فيومًا، وكلما قدمت باكستان وحكومتها واعتقلت أكثر فأكثر تأتي قوائم أخرى وتأتي مطالب أخرى. وجاء الحوار مع عبد الغفار عزيز على النحو التالي:
* ما تقييمكم لمستوى العلاقات المتبادلة بين السعودية وباكستان؟
- العلاقات الباكستانية - السعودية علاقات متميزة عبر التاريخ، ونرجو الله أن تتقوى وتتوسع هذه العلاقات الشاملة. فإن المملكة العربية السعودية هي أرض الحرمين الشريفين مهبط الوحي ومأوى القلوب، وهي دولة محورية في المنطقة، إننا ندرك في باكستان المخاطر التي تحيط بنا جميعًا. جميع قوى الشر تسعى لإثارة الفتن وتقسيم المقسم. والخرائط القديمة للشرق الأوسط الجديد سر مكشوف. فما يحصل من إراقة الدماء ونشر الدمار على يد جزار سوريا أو على يد الطائفيين الجناة في شمال المملكة، وما يرتكبه الحوثيون المتمردون من الجرائم في جنوب المملكة وما يروج من النعرات المقيتة هنا وهناك، ليس بمعزل عن ذلك المخطط الخبيث الذي تروج له إيران. ونأمل أن تصبح أرض الحرمين نقطة لقاء ووحدة بين جميع الشعوب المسلمة، وأن يرد الله كيد الكائدين ضد المملكة الشقيقة وضد الأقطار الإسلامية المختلفة إلى نحورهم وإلى ثغورهم، وندعو الله في صلواتنا أن يحفظ المملكة من أهل الخبث والخبائث ويرد نياتهم السيئة إلى نحورهم.
* كيف تقيم الوضع في كشمير اليوم؟ وما توقعاتك أمام التصعيد الهندي واتهام باكستان بالإرهاب وفرض حظر التجول على السكان المدنيين؟
- الوضع في كشمير مأساوي ويزداد سوءًا في كل يوم. يسود الولاية حظر التجوال منذ أكثر من مائة يوم، لم تهدأ الثورة الشعبية خلالها يومًا واحدًا. استخدمت الهند معظم أنواع الأسلحة الفتاكة واستشهد من جرائها أكثر من مائتي شهيد وجرح الآلاف. رشاشات «باليت» (Pallet Gun) أخطر، هذا السلاح الجديد تطلق منه رصاصات تنفجر وتصيب جسد الضحية بالكامل بالقروح وتفقأ الأعين. فقد مئات الكشميريين من جراء ذلك أبصارهم أو بترت أطرافهم.
أهم ما يميز هذه المرحلة من نضال الشعب الكشميري هو أنه نضال شعبي وعارم وسلمي مستمر. عندما عجزت القوات الهندية أمام هذه الحشود الشعبية الثائرة ألقت باللوم على باكستان وبدأت تنفخ في أبواق الإعلام ثم في أبواق الحرب. أثناء ذلك حدثت عملية عسكرية غريبة في منطقة أري، قتل فيها 18 جنديًا من الهنود. الغريب في العلمية أن أيًا من المنظمات الكشميرية الشعبية أو الثورية أو المسلحة لم تتبنها، خلافًا للمعهود. والأغرب من ذلك أن العملية كانت متزامنة مع قمة الأمم المتحدة، فكانت سلاحًا إعلاميًا ودبلوماسيًا خطيرًا في يد الهند، لإطلاق محاولتها اليائسة لاستصدار قرار يعتبر باكستان دولة إرهابية ترعى الإرهاب.
هذا الوضع المتفاقم في كشمير ينذر بانفلات الأوضاع في المنطقة. المؤسف أن المجتمع الدولي لا يوليه أي اهتمام يذكر، كأن أمن المنطقة وحياة الأبرياء في كشمير لا تعنيه. أو كأن هناك قوى عالمية شريرة معروفة تريد أن تدفع بالدولتين النوويتين إلى أتون الحرب، حتى تكتمل خارطة الفوضى الخلاقة، فتفتيت الدول، لا سمح الله.
* ما الموقف الآن مع الهند؟ وإلى أين ستقود الاتهامات المتبادلة بين البلدين بخصوص كشمير المتنازع عليها؟
- لو استطاعت الهند لطورت النزاع والاتهامات إلى حرب مدمرة تأكل الأخضر واليابس، اليوم قبل الغد، لكن لأنها تدرك خطورة ذلك، ولأن الإمكانيات النووية الموازية تردعها، تظل تستمر في تنفيذ مخططاتها الرخيصة وتبقى مطية لقوى الشر. هذا رئيس وزرائها يهدد باكستان قبل أيام بفصل ولاية بلوشستان الباكستانية. وهنا لا بد من تذكير العالم بالجاسوس الهندي المعتقل لدى باكستان، وهو كلبوشن سنغ ياديو، وهو أول ضابط عسكري رفيع يعتقل وهو لم يزل في الخدمة في الجيش الهندي.. ألقي القبض عليه في بلوشستان قادمًا من مقره في مدينة تشابهار الإيرانية بجواز وتأشيرة مزورة. اعترف هذا الضابط الجاسوس في بيان الفيديو أنه كوّن شبكة التجسس في بلوشستان وكراتشي ووزع أموالاً طائلة لإراقة الدماء في المنطقة، وأن هناك مخططًا كبيرًا ينفذ لبتر مناطق استراتيجية شاسعة من باكستان. ليس هذا فحسب، بل تسعى الهند لأن تحاصر باكستان من جميع أطرافها، والمؤسف أن قوى عالمية وبعض الأطراف الإقليمية تعينها على ذلك بقصد أو من دون قصد. فالقواعد التجسسية في أفغانستان ومخيمات التدريب لبعض سكان الأقاليم الباكستانية المجاورة بغية تشجيعهم على الانفصال، ومواقع إلكترونية تدار من بعض الدول الشقيقة لم تعد سرًا.
* كنتم في أنقرة وشاركتم في مؤتمر القدس، بماذا تحدثتم في المؤتمر وأهم أعمال المؤتمر؟
- حضرت إلى تركيا للمشاركة في مؤتمر حول فلسطين بعنوان «الأقصى في خطر». شاركت في الجلسات الخاصة بدور العلماء ودور المنابر الإعلامية والتعليمية والاجتماعية في التعريف بقضية فلسطين. من ضمن ما قلته أثناء مداخلاتي إن «الأقصى» وحي يتلى وقبلة نبينا الأولى، لذلك يأتي دومًا على رأس قضايا الأمة، ولكن المؤلم أن جسد الأمة كله ينزف ولا يمكن أن نتبنى قضية دون أخرى، بل لا بد أن نلفظ ونرفض الظلم كله.
عندما تحترق كشمير وتدمَر سوريا ويستنزَف اليمن ويمزَق العراق، ويُشنق الأبرياء في بنغلاديش ويُسحق المظلومون ويُقتل الآلاف ويُسجن عشرات الآلاف من الأبرياء، فكل هذه القضايا هي قضايانا. إذا كان العدو يطمح ويخطط لأن يشغل الأمة بالتمزيق والتقتيل، فأولى الخطوات التي يجب أن نقوم بها إحياء روح الوحدة وتوحيد الجهود لحل جميع قضايانا العادلة.
* الوضع في بنغلاديش الدولة المسلمة يبدو أنه على صفيح ساخن ويتفاقم بمزيد من الإعدامات ضد قيادات المعارضة؟
- ما يحدث في بنغلاديش ليس بمعزل عن التطورات الشرق أوسطية الواسعة وعن الأطماع الهندية التوسعية. فحكومة حسينة واجد هناك ليست إلا واجهة لا تختلف عن الحكومات الأفغانية أو العراقية المتعاقبة. هناك الآن مقولة شائعة في بنغلاديش بأن جميع القرارات الرسمية. تصدر من نيو دلهي وتوقع وتذيل في دكا. لقد استطاعت الهند أن تحصل من بنغلاديش على امتيازات لم تكن تحلم بها على مر التاريخ. فالمصانع والقوافل التجارية البرية والبحرية الهندية تحصل على التراخيص وعلى الرسوم المخففة ما لم يحصل عليه البنغلاديشيون أنفسهم. والأنكى من ذلك تلك الهجمة الثقافية التي تستهدف تحريف العقول والقلوب للأجيال القادمة. لقد أوصت لجنة رسمية بتعديل المناهج التعليمية وصلت إلى حد حذف أبواب من السيرة النبوية وسير الصحابة وإضافة مواضيع عن الآلهة والأصنام والتقاليد الهندوسية. ولم تمنع الحكومة من تسريع الخطى نحو التنفيذ إلا خوفها من رد الفعل الشعبي.
* من وجهة نظركم، هل سلطات بنغلاديش تعمل على تصفية كل من يعارضها ويقف ضد مخططاتها، حيث تقول إنها ترى أن «الجماعة الإسلامية» تهدد سلطتها وتهدد النفوذ الهندي في بنغلاديش؟
- إعدام أبرز رموز المعارضة في بنغلاديش أمر محزن وأثيم. لقد أعدم إلى الآن 6 من خيرة العلماء وأخلص الزعماء الوطنيين. ذنبهم الوحيد أنهم عارضوا تفتيت وطنهم عام 1971، ووقفوا مع الجيش في حرب شنتها عليهم الهند لتبتر الشطر الشرقي من باكستان وتعلنها دولة مستقلة سميت بنغلاديش. لقد ارتكبت القوات الهندية الغازية وميليشياتها المسلحة جرائم تقشعر لهولها الأبدان. اليوم وبعد مرور 45 سنة على ذلك الفصل الدامي من تقسيم البلاد، تريد حكومة بنغلاديش أن تجعلها ذريعة للتخلص من جميع الأصوات المعارضة. كما تسعى الهند إلى إسكات جميع الأطراف الوطنية التي تعترض على تغلغلها في بنغلاديش. والجانب الأخطر هو جانب المخطط الهندوسي الصهيوني المشترك لفرض مشروع «سايكس - بيكو» جديد على الدول الإسلامية، من خلال إثارة الفتن الداخلية في جميع البلاد الإسلامية.
* ما خيارات الجماعة الإسلامية للتعامل مع وضع باكستان؟ وهل هناك طموحات سياسية تسعون لتحقيقها قبل الانتخابات المقبلة 2018؟ وكم نائبًا تطمحون أن يكون لكم في البرلمان؟ وكم أعضاء الجماعة في باكستان؟
- إن التعبير عن الرأي والتجمع والتظاهر حق لكل مواطن باكستاني يكفله الدستور. فعندما يرى المواطن أن الفساد قد طغى في البلاد. وأن حفظ المليارات من الاختلاس كفيل لتنمية البلاد، وإنقاذها من الابتزاز وضغوط المؤسسات العالمية، يرى من واجبه الاحتجاج على ذلك. إن تسريبات ويكيليكس ثم نشر وثائق بنما وضعت حكومة نواز شريف وعددًا من قادة المعارضة في قفص الاتهام. كان يجب على الحكومة أن تقوم بتحقيقات شفافة وتضع قانونًا وآلية تعاقب الجاني وتبرئ ساحة الأبرياء. لكن الحكومة ماطلت وأصدرت تصريحات متضاربة ومضطربة. إن هذا الوضع أعطى لبعض الأحزاب فرصة للخروج إلى الشارع، وهو أمر طبيعي إلى هذا الحد. لكن التطورات اللاحقة، ومنها إعلان أحد الزعماء السياسيين الاعتصام وإغلاق جميع مداخل العاصمة إسلام آباد بتاريخ 2 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لا تخلو من الريبة وعلامات الاستفهام الكبيرة. وموقف الجماعة الإسلامية من هذه التطورات هو أنه لا بد من القضاء على الفساد المستشري في جميع أركان البلاد، ولا بد من فرض مبدأ «من أين لك هذا؟» دون استثناء. الجماعة هي أول من قام بهذه المطالب وقمنا بمسيرات واجتماعات حاشدة في جميع المدن لتوعية الرأي العام بذلك، ولكن أن يتطور الأمر إلى فوضى أو إلى انفلات الأمور فهذا لا يجوز. وأخوف ما يخاف المرء منه هو استغلال أي طرف ثالث الأوضاع للقضاء على إرادة الشعب وعلى الشرعية، ومن ثم دفع البلاد مرة أخرى إلى نفق الحكم العرفي المظلم، لا سمح الله. إن دور الجماعة الإسلامية في مثل هذه الظروف هو دور الحفاظ على حقوق الطرفين المتصارعين وإخماد النار قبل أن يستفحل الخطر. تذكرون أن إسلام آباد شهدت اعتصامات طويلة قبل نحو عامين، ثم رضي الطرفان في النهاية بتحكيم أمير الجماعة الإسلامية السيناتور سراج الحق مع باقي أحزاب المعارضة، والحمد لله أن البلاد خرجت من عنق الزجاجة بعد 126 يومًا من الاعتصام في العاصمة.
* هل هناك عضوات في الجماعة الإسلامية.. أو كانت لكم نائبات من قبل؟
- نعم للجماعة أعضاء في البرلمان المركزي وفى البرلمانات الإقليمية. نحن جزء من حكومة الائتلاف في إقليم خيبر (عاصمته بيشاور) ولنا 3 وزارات (المالية والبلديات وشؤون الزكاة)، والحمد لله أن الجميع يعترف بالأداء المتميز لوزرائنا. الانتخابات المقبلة تكون عام 2018، وإذا صارت الأمور بانسيابية ودستورية، ستكون الجماعة أحد أهم الأطراف فيها. أملنا كبير في أن تكون الانتخابات المقبلة أهم محطات الجماعة مع نتائج متميزة بإذن الله، وباكستان والحمد لله دولة حرة لا مكان فيها لأي بشار أو قذافي أو مبارك أو صالح أو من على شاكلتهم.
* وعود عمران خان بالمسيرات لإغلاق العاصمة إسلام آباد هل ستغير من الأمر شيء؟
- تأتي الجماعة الإسلامية على قمة جميع الأحزاب الباكستانية من حيث الالتزام بمبدأ الشورى وإجراء الانتخابات الداخلية الحقيقية بانتظام، لكون جميع نظمها وبرامجها شفافة ونزيهة ليس فيها أي سر أو غموض. كما أن الجماعة تلتزم التزامًا صارمًا بالمنهج الدعوي والتربوي المبني على القناعة والإقناع. لقد أوضح مؤسس الجماعة الشيخ أبو الأعلى المودودي منذ البداية أنه لا مكان لأي أنشطة سرية أو مسلحة في البلاد الآمنة. أما الجهاد المسلح لمواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي فله شروطه وميادينه، ويجب أن يكون بصورة قانونية ومعلنة تتولى الدولة المسلمة أمرها.
* من وجهة نظركم.. هل هناك حل لمأزق الإخوان في مصر؟
- حتمًا.. ليس هناك أزمة أو مأزق إلا وله مخرج. لو منح الشعب المصري حقوقه الأساسية والتزم الجميع بدوره ودائرة عمله واختصاصه، فلن تبقى هناك أزمة. يجب أن يخرج الآلاف من الأبرياء من السجون وأن يجلس الجميع على طاولة الحوار ويشترك الكل في إنقاذ البلاد والعباد، وإلا فالدائرة المفرغة تصبح دوامة تلتهم الكل لا سمح الله.
* الأسبوع الماضي.. مرت 15 عامًا على التدخل الأميركي في أفغانستان وشنت الولايات المتحدة «حربًا على الإرهاب» ضد حركة طالبان في أفغانستان. لكن لا تزال أعمال العنف تودي سنويًا بآلاف الضحايا المدنيين في هذا البلد.. ما تعليقكم؟
- يقال إن أفغانستان مقبرة الطغاة وللإمبراطوريات. لقد غرقت في المستنقع الأفغاني الإمبراطورية البريطانية، ثم تلاشى فيه الاتحاد السوفياتي، ولم تعتبر أميركا من مصيرهما، والآن تواجه خيارين أحلاهما مر. إما الانسحاب الذي ترى فيه الذل، أو التشبث ببعض القواعد العسكرية التي تبقي نار المقاومة مشتعلة. وما نطق به الرئيس السابق حميد كرزاي يوضح نظرة أقرب، حيث قال «إن أميركا تعاملنا بوجهين وبمعايير مزدوجة». على القوى العالمية أن تكف عما تفعله في الشرق الأوسط وفى العالم الإسلامي باسم مكافحة الإرهاب، فهي التي تفرخ وترعى وتدعم المنظمات الإرهابية المختلفة، ثم تقوم بذر الرماد في العيون لتبتز مزيدًا من إمكانيات الدول الإسلامية، يجب أن تعرف أميركا وغيرها من القوى العالمية بأن عصر الاحتلال قد تولى.
* ما تفسيركم للتدخل الأميركي العسكري في باكستان؟ هل هو نتيجة ضعف الحكومة الباكستانية؟ أم هو في إطار التعاون مع الحكومة للتخلص من بقايا القاعدة؟
- على باكستان وعلى الدول الإسلامية كذلك أن تعي فترفض الإملاءات الخارجية التي لا تستهدف في النهاية إلا الخداع والإيقاع إلى القاع. لم تجنِ باكستان من الحرب الأميركية في أفغانستان إلا الوعود المعسولة ثم مزيدًا من الإرهاب وطمس الهوية. لقد خسرنا أكثر من 60 ألفًا روحًا بريئة حسب التقارير الأميركية نفسها. أما الخسائر الاقتصادية فتجاوزت 100 مليار دولار، حسب المصرف الوطني المركزي، وصدق علينا المثل الشعبي المحلي: «دلال الفحم لا يجني سوى السواد».
* عمليات «الدرون» الطائرات الأميركية دون طيار زادت في عهد الرئيس الأميركي أوباما عن عهد سلفه بوش.. هل تضغطون على الحكومة لقطع تعاونها مع الأميركيين؟
- التدخل الأميركي في باكستان تجاوز كل الحدود، والسبب الرئيسي لذلك هو انبطاح الحكومات المتعاقبة في باكستان أمام الأوامر الأميركية. إن سياسة العصا والجزرة الأميركية معنا تتلخص في كلمتهم «Do More» أو «افعلوا المزيد». فالأوامر الأميركية عبارة عن جهنم تكرر: «هل من مزيد...؟»، آن الأوان لأن نقول لهم: «كفى.. لقد طفح الكيل، كل دعمكم لأعدائنا وكل أعبائكم علينا؟ لن يستقيم الأمر هكذا».
* بعض الخبراء يقولون إن صمت أميركا على البرنامج النووي الباكستاني وسيطرة أميركا على الحكومات الباكستانية المتعاقبة جعلها لا تقلق من هذا البرنامج وآثاره؟
- البرنامج النووي الباكستاني صمام أمان للمنطقة. لو لا هذا الرادع الكبير وقبل ذلك رحمة ربنا وفضله علينا لشهدت المنطقة حربًا ضروسًا.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.