متجر هندي للسلع الاستهلاكية يتحدى الماركات العالمية

«باتنجالي إيروفيدا» عمره 10 سنوات ويروج لمنتجات تخص اليوغا

متجر هندي للسلع الاستهلاكية يتحدى الماركات العالمية
TT

متجر هندي للسلع الاستهلاكية يتحدى الماركات العالمية

متجر هندي للسلع الاستهلاكية يتحدى الماركات العالمية

أصبح لاعبا اليوغا بالرداءين البرتقالي والأبيض موضع حديث متواصل خلال الاجتماعات الاستراتيجية لكبار منتجي السلع الاستهلاكية سريعة التداول في الهند. وقد وُصفا لاعبا اليوغا رامديف (50 عاما) والثاني زميله أشاريا المولود في نيبال (43 عاما) بالأستاذين العظيمين لطب «إيروفيدا» البديل وأسسا شركة «باتنجالي إيروفيدا».
وتشير أحدث البيانات إلى أن حجم أعمال الشركة زاد بواقع 150 في المائة ما بين عام 2015 و2016، ويقدر حجم أعمال الشركة السنوي بنحو 745 مليون دولار أميركي. وتطمح الشركة لأن يرتفع إلى 1.4 مليار دولار عام 2016 - 2017.
شركة «باتنجالي إيروفيدا» التي بدأت العمل عام 2006، أسست مقرها بمدينة حريدار بشمال الهند على ضفاف نهر الغانغ. والآن أصبحت الشركة تبيع كل شيء تقريبا بدءا من الشامبو وفرش الأسنان والمنظفات إلى البسكويت والمعكرونة والأرز والقمح والعسل، في الوقت الذي يعاني فيه سوق السلع الاستهلاكية سريعة التداول من الفتور.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه رامديف في ترويج اليوغا وطب أيروفيدا البديل لخلق سوق لمنتجاته، فإن دور بالكريشنا هو توفير تلك المنتجات. واليوم يحتل بالكريشنا المركز الثامن والأربعين بين أغنى أغنياء الهند، وفق مجلة «فوربس» للأغنياء بثروة تقدر بنحو 3.8 مليار دولار أميركي. وأصبحت شراكة الاثنين ظاهرة حيرت السوق.
وصرح مينلاند ساروات في مقابلة شخصية مع موقع «إن دي تي بروفيت» بأن «شركة راماديف باتنجالي أذهلت سوق السلع الاستهلاكية سريعة التداول في الهند. فلم يتوقع أحد أن تحقق الشركة كل هذا في عشر سنوات فقط، لتبلغ حصة الشركة 7 في المائة من إجمالي حجم أعمال السوق البالغ 49 مليار دولار. وبالمقارنة مع غيرها من الشركات، احتاجت شركات أخرى مثل كولغيت، ونستلة، ويونيليفر، وبروكتر آند غامبل، ودأبور ودوريدج، إلى سنوات طوال لتحقق ما حققته».
رفع لاعب اليوغا السابق رامديف السقف عاليا في سوق السلع الاستهلاكية ليصل صافي المبيعات إلى نحو تريليون روبية (14.9 مليار دولار). وقال رامديف في المقابلة الشخصية، إن «هذا سوف يحدث بشكل طبيعي، فأنا لا أحلم، بل أعمل».
يرجع السبب في اتساع طموح رامديف إلى حقيقة أن شركة مثل «هندستان يونيليفر المحدودة»، التي تعتبر فرعا للشركة الأنجلو - ألمانية العملاقة للسلع الاستهلاكية والتي وجدت في الهند منذ عام 1888، لم تحقق حتى ثلث ما يستهدف رامديف تحقيقه.
تعتبر سرعة شركة باتنجالي في طرح منتجاتها وتوسع وتنوع منتجاتها من ضمن عناصر النمو، حيث تبيع الشركة نحو 400 منتج، وبحسب تقرير صادر عن شركة أبحاث، للشركة نحو 200 ألف منفذ بيع، غالبيتها صغيرة الحجم وباعة جائلون يبيعون كل شيء بدءا من التوابل إلى البخور والمعكرونة والزبد وغيرها.
وصرح الملياردير ماريوالا الذي أطلق منتجه من زيت جوز الهند هو الآخر، ماركة باراشوت: «أصبحت شركات إنتاج السلع الاستهلاكية سريعة التداول أكثر حذرا من ذي قبل، إذ باتت تعرض منتجاتها الجديدة بوتيرة أبطأ وبتركيز أكبر، وباتوا يحتاجون المزيد من الوقت في فهم وإتقان التعامل مع الأسواق الجديدة. لكن باتنجالي خالفت الحكمة المعهودة وأطلقت سيلا من المنتجات المتنوعة بلغ عدة مئات من أنواع السلع سريعة التداول، ولا يزال هناك المزيد في الطريق. ولن تجرؤ شركة أخرى على ضخ كل هذا الكم من المنتجات في فترة قصيرة كهذه».
ظهر رماديف على الساحة العالمية كلاعب يوغا من خلال برنامجه التلفزيوني الذي كان يعرض عام 2001، ولذلك فهو يعترف بدور الإعلام في ظهوره. وفي تصريح لمجلة «بيزنس توداي»: «دوري في ظهور باتنجالي لا يتعدى 1 إلى 10 في المائة فقط، وباقي الفضل يعود للإعلام».
ولسنوات طويلة، اعتمدت شركة باتنجالي على التسويق المباشر من خلال تلاميذ وتعليمات لاعب اليوغا الشهير. فبحسب شركة السمسرة «سي إل إس أيه»، فإن شركة باتنجالي تمتلك القدرة على الوصول إلى أكثر من 200 مليون شخص بشكل مباشر وغير مباشر بفضل برنامج اليوغا المرتبط بمالكها.
ويتمثل وجه العلامة التجارية في معلم اليوغا بابا رامديف، بينما يتولى بالكريشنا مسؤولية الجوانب المالية، ويشار إليه باعتباره الرئيس التنفيذي للشركة. جدير بالذكر أن كبار المسؤولين الإداريين في «باتنجالي» لا يتقاضون أجرًا وليست لهم نفقات ضخمة. ولا يملك رامديف أي حصة في الشركة.
من ناحية أخرى، يجري الترويج لمنتجات «باتنجالي» باعتبارها منتجات محلية أصلية تاريخيًا وثقافيًا. وقد نجحت «باتنجالي» في سلب ألباب المستهلكين الهنود من خلال تصوير منتجاتها باعتبارها هندية خالصة. ويكمن الاختلاف بينها وبين الشركات الأخرى المنتجة للسلع الاستهلاكية سريعة التداول في أن الأخيرة حاولت الترويج لمنتجاتها باعتبارها حديثة ومركبة، جرى إنتاجها بالاعتماد على تقنيات مبتكرة.
أيضًا، تروج «باتنجالي» لمنتجاتها باعتبارها مصنعة من منتجات طبيعية تمامًا، بمعنى أنها تخلو من أي مكونات اصطناعية. ورغم أن المستهلكين الهنود أصبحوا أكثر معرفة وتناغمًا مع أحدث التوجهات التي تهيمن على الأسواق العالمية، فإنهم في الوقت ذاته يبدو تفضيلاً قويًا للسلع التقليدية.
من جانبه، شرح ميليند سارواتي، الرئيس التنفيذي لـ«إنكرييت فاليو أدفيزرز»، وهي شركة استشارات، أن «رامديف نجح قطعًا في صنع أمر مختلف. لقد كانت تلك المساحة مجهولة من قبل. ومع أنه كانت هناك شركات تطرح منتجات أيورفيدية أو من الأعشاب، لم يكن من بينها من يدعي تميزه أو اختصاصه بهذه المنتجات».
وأضاف أن رامديف: «تمكن من تجميع شتات المجال المرتبطة بالمنتجات المصنوعة من الأعشاب والمكونات الطبيعية والأيورفيدية - وهو أمر ليس بغريب. ويكمن نجاح (باتنجالي) أولاً وقبل أي شيء في تجميع مختلف العناصر معًا، علاوة على أن منتجات (باتنجالي) أرخص عن غيرها بنسبة تتراوح بين 20 - 30 في المائة».
اللافت أن «باتنجالي» حددت أسعار منتجاتها عند قرابة نصف معدلات أسعار المنتجات الأخرى المشابهة للشركات المنتجة للسلع الاستهلاكية سريعة التداول. جدير بالذكر أن «باتنجالي» تستفيد من جهودها الفاعلة بمجال توريد المواد الخام - التي تحصل عليها من دون تسريب أو دفع عمولات. ويؤدي ذلك بدوره إلى تقليص التكلفة بنسبة 5 في المائة على الأقل. على سبيل المثال، تبلغ تكلفة عبوة العسل 250 غرامًا الصادرة عن إحدى الشركات الشهيرة 2.02 دولار أميركي، في الوقت الذي تبلغ تكلفة العبوة بذات الوزن من «باتنجالي» 1.2 دولار أميركي. وبذلك يتضح أن «باتنجالي» تمكنت من خفض أسعار منتجاتها والاستحواذ على نصيب من السوق من أيدي أسماء كبرى.
من ناحيتهم، أوضح مسؤولون بالشركة أن: «التربح من وراء المرضى أمر يتنافى مع فلسفة الايورفيدا. وعليه، نسعى لتحقيق الحد الأدنى من الربح من وراء منتجاتنا الصحية. أما تكاليف المدخلات فمنخفضة لأننا نحصل على المواد مباشرة من المزارعين، ونتجنب الوسطاء».
من ناحية أخرى، تقدم «باتنجالي» رواتب متواضعة لعامليها، وتشكل التكاليف الإدارية بها 2 في المائة فقط مقارنة بـ10 في المائة تقريبًا بالشركات الكبرى الأخرى.
ويجري الترويج لمنتجات الشركة عبر التأكيد على كونها «محلية»، بل وتلجأ الشركة أحيانًا إلى المهاتما غاندي لتعزيز جهودها الترويجية. وخلال مقابلة مع «إكونوميك تايمز»، قال بابا رامديف إنه يحث التجار على وضع منتجات الشركة بأماكن بارزة داخل متاجرهم لأن هذا من شأنه الإسهام في «إنجاز حلم مهاتما غاندي في تعزيز كل ما هو هندي».
في الواقع، تبدو الصلة بين الجانبين واضحة، ذلك أنه يجري النظر إلى رامديف على نطاق واسع باعتباره قريب من الائتلاف الحاكم، وسبق له الظهور إلى جوار رئيس الوزراء ناريندرا مودي في الكثير من المناسبات.
واللافت حرص الشركة في شعارها وأغلفتها على استخدام الألوان البرتقالي والأبيض والأخضر - ألوان العلم الهندي. ورغم أن معلومات التغليف مكتوبة بالإنجليزية، فإن العبوات تحمل عبارة «صنع في بهارات»، باستخدام الاسم الهندي، بدلاً من «صنع في الهند» بالإنجليزية.
وتبعًا لما ذكره رامديف، فإن «باتنجالي» تعتمد في عملها على أكثر من 200 عالم يعكفون على إجراء أبحاث وتطوير المنتجات. ويحظر على هؤلاء العلماء عقد مقابلات مع أشخاص من خارج الشركة. وتصدر «باتنجالي» منتجاتها إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وموريشيوس - وهي دول تضم جاليات هندية ضخمة.
أما بالنسبة للمستقبل، تنوي «باتنجالي» التركيز على ستة مجالات: العقاقير الطبيعية، ومساحيق التجميل الطبيعية، ومنتجات الألبان والأغذية الطبيعية، والعلف الطبيعي للماشية، والبذور الطبيعية المحلية والأسمدة البيولوجية، والمبيدات الحشرية البيولوجية.
يذكر أن لدى «باتنجالي» حاليًا ثلاثة مصانع، بجانب مجموعة من جهات التصنيع المتعاقد معها. وعن ذلك، قال رامديف: «بمجرد الانتهاء من بناء جميع المصانع، سيصل عدد العاملين لدينا إلى قرابة 500.000 شخص، بجانب المتعاونين معنا بصورة غير مباشرة».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...