كلينتون تفوز مجددًا.. وترامب يقاوم السقوط

المرشح الجمهوري رفض حشره في «زاوية التحرش» وهدد منافسته بالسجن

جانب من المناظرة بين المرشحين للرئاسة الأميركية الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطية هيلاري كلينتون في جامعة واشنطن بسانت لويس مساء الأحد (أ.ف.ب)
جانب من المناظرة بين المرشحين للرئاسة الأميركية الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطية هيلاري كلينتون في جامعة واشنطن بسانت لويس مساء الأحد (أ.ف.ب)
TT

كلينتون تفوز مجددًا.. وترامب يقاوم السقوط

جانب من المناظرة بين المرشحين للرئاسة الأميركية الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطية هيلاري كلينتون في جامعة واشنطن بسانت لويس مساء الأحد (أ.ف.ب)
جانب من المناظرة بين المرشحين للرئاسة الأميركية الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطية هيلاري كلينتون في جامعة واشنطن بسانت لويس مساء الأحد (أ.ف.ب)

تبادل المرشحان الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطية هيلاري كلينتون اتهامات شديدة اللهجة في المناظرة التي جمعتهما في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس بولاية ميزوري مساء الأحد.
واحتل الفيديو المسرب لترامب عن موقفه من النساء جزءا كبيرا من الهجوم المتبادل بين المرشحين، فيما شن ترامب هجوما لاذعا ضد كلينتون حول استخدام إيميلها الخاص أثناء عملها وزيرة للخارجية، متعهدا بوضعها في السجن إذا فاز بالانتخابات.
بدأت المناظرة التي استمرت 90 دقيقة بشكل فاتر، عندما قام كلا المرشحين بتحية الآخر دون أن يتصافحا المصافحة التقليدية البروتوكولية بين المتنافسين. وبعد دقائق معدودة، اشتعلت المناظرة وتحولت إلى نقاش لاذع عن فيديو ترامب حول النساء، وحول قضايا السياسة الخارجية والموقف من المهاجرين غير الشرعيين وخطط الضرائب لدى كلا المرشحين، إلى جانب برامج الرئيس باراك أوباما في مجال الرعاية الصحية.
وأشار محللون إلى أن أداء المرشح الجمهوري دونالد ترامب كان حسنا في المناظرة الثانية التي جرت مساء الأحد مع منافسته الديمقراطية على كلينتون، رغم موجة الاستياء العارمة التي واجهها في أعقاب تسريب المحادثة الفجة عن النساء وانتقادات كبار قادة الجمهوريين له، ومطالبة بعضهم بانسحابه. ورغم الأداء الجيد نسبيا لترامب، فإنه لم يستطع التقدم كثيرا في استطلاعات الرأي على منافسته، وأكد المحللون أن كلينتون قد فازت للمرة الثانية في المناظرة.
وكان إيقاع المناظرة سريعا في النقاش الذي أداره المذيع اندرسون كوبر من شبكة «سي إن إن»، والمذيعة مارثا راداتز من شبكة «إيه بي سي نيوز». وكثيرا ما توقفت كلينتون، وبدت إجاباتها متوقعة كما كانت أقل هيمنة على مسار النقاش كما حدث في المناظرة الأولي، وأحيانا أقل قدرة على تفادي هجمات ترامب، في حين بدا ترامب أكثر استعدادا في المناظرة الثانية وأقل عرضة لفقدان السيطرة على أعصابه.
وأشارت شبكة «سي إن إن» إلى أن كلينتون فازت للمرة الثانية في المناظرة الرئاسية. لكن استطلاعين شملا مشاهدين أعطيا تقدما لكلينتون بـ57 في المائة في مقابل 34 في المائة لترامب بحسب استطلاع أجرته شبكة «سي إن إن» ومعهد «أو آر سي». في المقابل، أظهر استطلاع أجراه معهد «يوغوف» تحقيقها نصرا أقل مستوى، حيث قال 47 في المائة من الناخبين المسجلين الذين شاهدوا المناظرة إنها تفوقت في المناظرة، بينما قال 42 في المائة إن ترامب هو الذين تفوق. أما الباقون فقالوا إن المرشحين متساويان.
من جهتهم، أوضح المحللون أن المناظرة الثانية لم تحسم لصالح ترامب، لكنه بدا عنيدا وتجنب الانهيار التام. وقلل ترامب من تصريحاته العدوانية والفجة ضد المرأة، مشيرا إلى أنه كان كلاما عابرا، وقال: «أنا لست فخورا به وأعتذر لعائلتي وأعتذر للشعب الأميركي، لكن مثل هذا الحديث هو حديث عابر»، وحاول مذيع قناة «سي إن إن» أندرسون كوبر الضغط على ترامب، وسؤاله عما إذا كان قد تحرش بالنساء كما قال في التسجيل. وأنكر ترامب قائلا: «هذا لم يحدث»، فيما أبدت كلينتون تعجبها وقالت: «ما شاهدناه وسمعناه جميعا يوم الجمعة هو دونالد يتكلم عن النساء ويكشف عن كيف يفكر في النساء وما يفعله بهن».
ردّ ترامب بتوجيه هجومه إلى هيلاري كلينتون، مشيرا إلى سلوك زوجها بيل كلينتون السابق تجاه النساء. واستغل ترامب هذه الورقة لصالحه، وذكر تصرفات بيل كلينتون مع النساء، لافتا إلى أن فتاة ادعت أن كلينتون اغتصبها موجودة بين الحضور. وقال ترامب ما مفاده أنه «لم يكن أي شخص في تاريخ هذه الأمة أكثر إساءة للنساء من بيل كلينتون»، مضيفا أن «هيلاري هاجمت هؤلاء النساء بوحشية».
وكان ترامب قد التقى قبل ساعات من المناظرة مع عدد من النساء اللاتي اتهمن الرئيس بيل كلينتون بارتكاب سلوك غير ملائم ضدهن. وسددت كلينتون ضربة مقابلة، وقالت إنها تأخذ بنصيحة صديقتها ميشيل أوباما التي نصحتها بعدم الانسياق وراء كلام غير لائق.
كانت أقوى اللقطات في المناظرة عندما هدد المرشح الجمهوري دونالد ترامب بزج منافسته هيلاري كلينتون في السجن، ووصف كلينتون بأنها «شيطان»، وأنها تحمل كراهية هائلة في قلبها. وقال: «عندما أنتصر في الانتخابات وأقوم بتعيين مدع عام، سنزج بك في السجن». وأكّد ترامب أن استخدام كلينتون للبريد الإلكتروني الخاص بها خلال عملها وزيرة للخارجية في الولاية الأولى للرئيس أوباما قد عرض الأمن القومي للخطر، منتقدا سجل منافسته في مجال السياسة الخارجية.
واستطاعت كلينتون الصمود ببراعة أمام هجمات ترامب، وأظهرت ثباتا كبيرا في مواجهة اتهامات ترامب لزوجها بالخيانة وإقامة علاقات مع عدد من النساء. وعند سؤال كلينتون عما إذا كانت تقبل أن تكون ذات وجهين، فيكون لها موقف أمام الجمهور وآخر في المجالس الخاصة، أبدت كلينتون موافقتها الضمنية، وأشارت إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لينكولن نفسه كان يستخدم حججا مختلفة مع نواب الكونغرس لإنهاء العبودية. واستغل ترامب الموقف، وسدد ضربة سريعة إلى كلينتون، وقال: «لقد كذبت، والآن تريد إلقاء اللوم على العظيم أبراهام لينكولن، وهو الرئيس الصادق الذي لم يكذب أبدا. هذا هو الفرق بينك وأبراهام لينكولن».
وركزت كلينتون على تصريحات ترامب المسيئة للمسلمين والمهاجرين المكسيكيين، وأشارت إلى أنه لم يعتذر عن تصريحاته المسيئة لأي أحد، وهاجمت أسلوبه في التعامل مع المسلمين، لافتة إلى أن الولايات المتحدة قامت على أساس المهاجرين وعلى أساس حرية الاعتقاد الديني.
من جهته، اضطر ترامب إلى تأكيد أنه تراجع عن دعوته لحظر دخول المسلمين، لافتا إلى أن مشروعه تغيّر إلى «فرض تدقيق صارم» بحقهم. كما شدد على واجب المسلمين في الولايات المتحدة بالإبلاغ عن المشتبهين بهم وعن أي تصرف شائك.
بدورها، ركّزت كلينتون هجماتها حول قدرة ترامب على ضبط أعصابه، وقالت: «إنه لأمر جيد أن شخصا مزاجيا متقلبا مثل دونالد ترامب ليس مسؤولا عن تنفيذ القانون في بلادنا». فرد ترامب مرة أخرى: «هل تريدين أن تكوني في السجن؟». واشتعل حماس بعض المناصرين لترامب داخل القاعة الذين هتفوا: «ضعها في السجن»، وأضافوا «سوف نهزمها في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم».
وانتقد ترامب خطط كلينتون الضرائبية، واتهمها بتوجهها نحو زيادة الضرائب على جميع، وليس على الأغنياء فقط. وتطرقت المناظرة إلى الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط والسياسة الخارجية لكل مرشح. وتعهد ترامب بالتحالف مع بعض أعداء الولايات المتحدة، بما في ذلك روسيا وبشار الأسد بهدف قتال «داعش». وقال: «أنا لا أحب الأسد على الإطلاق، لكن الأسد يقاتل داعش، وروسيا تقتل داعش، وإيران أيضا تقتل داعش. وهؤلاء الثلاثة اتحدوا بسبب ضعف سياستنا الخارجية». وكشف ترامب بذلك عن اختلافه مع مايك بنس، المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس، الذي انتقد روسيا ودورها في الحرب بسوريا.
وفي سؤال من الجمهور حول الميزة التي يراها كل مرشح في منافسه، قالت كلينتون إنها ترى أن الميزة في ترامب هم أبناؤه، فيما امتدح ترامب صلابة كلينتون. ومن المقرر أن تعقد المناظرة الرئاسية الثالثة والأخيرة في التاسع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في مدينة لاس فيغاس، ولا يزال يعاني المرشح الجمهوري دونالد ترامب من تداعيات أزمة الفيديو المسرب حول آرائه في النساء. وهو الأمر الذي سيجعل من الصعب على الجمهوريين ضمان الحصول على تأييد الناخبين لصالح مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية، وما يمكن أن يكون لها من تأثيرات في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وفي تعليق على المناظرة، اعتبر مدير حملة كلينتون الرئاسية روبي موك الذي كان معها على متن الطائرة التي أقلتها في طريق العودة إلى نيويورك أن دونالد ترامب لم يتمكن من تغيير مسار الأمور، وإعطاء دفع لترشيحه الذي يواجه أزمة.
واعتبرت أوساط المرشحة الديمقراطية أيضا أن ترامب ارتكب خطأ سياسيا عبر تهديد كلينتون بالسجن في تصرف يليق بـ«ديكتاتور». وعلّق ستيفن سميث: «كنا نتوقع مع تأخره بخمس أو ست نقاط أن يحاول ترامب توسيع تحالفه واستمالة نطاق أوسع من الناخبين الأكثر اعتدالا أو المترددين».
ويقول هذا المحلل إن ترامب حاول «تعزيز قاعدته ووقف تخلي المؤيدين عنه والحؤول دون انهيار حملته».
وفي كواليس المناظرة التي جرت في حرم جامعة سانت لويس، واجه المتحدثون باسم ترامب سيلا من الأسئلة حول إمكان سحب ترشيح مايك بنس لمنصب نائب الرئيس بعد أن شجب هذا الأخير تصريحات ترامب حول النساء.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».