جيمس زغبي: المشرعون استغلوا معاناة أهالي ضحايا الإرهاب لاعتبارات انتخابية

رئيس المعهد العربي ـ الأميركي قال لـ«الشرق الأوسط» إن دوافع إقرار «جاستا» انتهازية

السيناتور الديمقراطي تشاك شومر والجمهوري جون كورنيين يعلقان للصحافيين عن نتيجة تصويت مجلس الشيوخ على فيتو أوباما (إ.ب.أ)
السيناتور الديمقراطي تشاك شومر والجمهوري جون كورنيين يعلقان للصحافيين عن نتيجة تصويت مجلس الشيوخ على فيتو أوباما (إ.ب.أ)
TT

جيمس زغبي: المشرعون استغلوا معاناة أهالي ضحايا الإرهاب لاعتبارات انتخابية

السيناتور الديمقراطي تشاك شومر والجمهوري جون كورنيين يعلقان للصحافيين عن نتيجة تصويت مجلس الشيوخ على فيتو أوباما (إ.ب.أ)
السيناتور الديمقراطي تشاك شومر والجمهوري جون كورنيين يعلقان للصحافيين عن نتيجة تصويت مجلس الشيوخ على فيتو أوباما (إ.ب.أ)

حذّر جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي - الأميركي، من القلق والجدل الذي نتج عن تجاوز الكونغرس للفيتو الرئاسي ضد قانون جاستا الذي خرق الحصانة السيادية للدول الأجنبية ويسمح للمواطنين الأميركيين بمقاضاة الحكومات والجهات الأجنبية بدعوى التضرر من أعمال إرهابية ارتكبت على الأراضي الأميركية.
ويقول زغبي في تصريحات عبر البريد الإلكتروني لـ«الشرق الأوسط» إن جاستا يثير الكثير من القلق ويحمل مخاطر كثيرة لعدة أسباب، أولها أنه يأخذ سلطة تحديد ما إذا كانت دولة ما قد أصبحت راعية للإرهاب من أيدي السلطة الاتحادية الأميركية، ويضعها في يد المحاكم الأميركية المحلية. ويقول زغبي: «أشار الرئيس أوباما إلى مخاطر هذا الأمر، وأبرز أن المحاكم قد تتخذ قرارات استنادا إلى معلومات غير كاملة حول احتمالات انخراط حكومات أجنبية في أنشطة إرهابية ضد الولايات المتحدة». وأضاف أن «هذه الطريقة لا تعد فعالة في التعامل مع حكومة دولة أجنبية، وتسحب الأمن من خبراء الاستخبارات القادرين على جمع الأدلة اللازمة لتسمية دولة معينة بأنها دولة راعية للإرهاب».
وشدد زغبي على أن المخاطر التي شرحها الرئيس أوباما تتعلق بالأساس بأمن الولايات المتحدة وبتأثير هذا القانون على السياسة الخارجية الأميركية. والآثار المترتبة على جاستا ستكون، كما يقول رئيس المعهد العربي - الأميركي، هي أخذ عملية جمع أدلة لتسمية دولة بأنها راعية للإرهاب من أيدي المهنيين والمتخصصين وتركها في أيدي المحامين وهيئات المحلفين والقضاة المحليين.
من جهة أخرى، يشير زغبي إلى أن «جاستا» يخرق مبدأ هاما من المبادئ الدولية المصانة على مدى عقود، وهو مبدأ الحصانة السيادية للدول الأجنبية. ويقول إن ذلك «من شأنه أن يفتح الباب أمام حكومات أخرى لتمرير تشريعات مماثلة تسمح للمحاكم المحلية بمقاضاة الولايات المتحدة وتحميلها مسؤولية الأعمال التي ترتكبها جماعات أو أفراد تساندهم الولايات المتحدة، مثل جماعات تلقت مساعدات من الولايات المتحدة، أو مقاضاة الولايات المتحدة عن انتهاكات ارتكبتها وحدات للشرطة قامت الولايات المتحدة بتدريبها».
إلى ذلك، حذّر زغبي من مغبة حدوث ذلك مشيرا إلى أنه يضع أصول الولايات المتحدة وممتلكات الشركات الأميركية في الخارج للخطر. ويؤكد زغبي أن التبعات الناجمة عن تطبيق جاستا ستكون مثيرة للقلق فيما يتعلق بعلاقات الولايات المتحدة بالحلفاء والشركاء، وتهدد قدرة واشنطن على التعاون مع الدول في قضايا تتعلق بالأمن القومي الأميركي بالأساس.
ولفت زغبي إلى أن أعضاء الكونغرس الأميركي تصرفوا بطريقة غير مسؤولة وخطيرة وتضر بالمصالح القومية للولايات المتحدة الأميركية، وقد ظهر ذلك بالفعل في خطاب أصدره 28 عضوا بمجلس الشيوخ أشاروا فيه إلى عيوب في قانون جاستا وطالبوا بإصلاح هذه العيوب خلال الفترة المتبقية حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويقول زغبي إن هذا الخطاب يثبت اعتراف المشرعين بأنهم كانوا على خطأ في تجاوز الفيتو الرئاسي.
في سياق متصل، يشير الخبير في شؤون الشرق الأوسط إلى أن عددا من المشرعين بالكونغرس روجوا كثيرا أن تمرير جاستا كان انطلاقا من الدفاع عن حقوق أسر ضحايا هجمات سبتمبر (أيلول): «لكن في الحقيقة أن تمرير القانون كان بدافع من الانتهازية الفجة واستغلال الألم المستمر لدى أسر ضحايا هجمات سبتمبر، وانتشار مشاعر عدائية ضد المملكة العربية السعودية، وأيضا لاعتبارات انتخابية».
وأوضح زغبي: «عجزت التحقيقات في هجمات 11 سبتمبر عن تقديم دليل يؤكد مسؤولية الحكومة السعودية عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كما خلص تقرير لجنة 11 سبتمبر إلى أنها لم تعثر على أي دليل أن الحكومة السعودية كمؤسسة أو أي مسؤول كبير في الحكومة السعودية قدم دعما للمتآمرين الذين نفذوا الهجمات».
وأكّد زغبي أن هذا الأمر كان معروفا لدى المشرعين، لكنهم فضلوا عدم التعامل بمصداقية مع أسر ضحايا 11 سبتمبر ومحاميهم، وتقاعسوا عن تحذيرهم من «خيبة أمل كبيرة سيصابون بها في نهاية المطاف بعد أخذ خطوات قضائية في هذا الطريق». ويقول زغبي: «ربما أحجم المشرعون عن ذلك لأنهم يفتقرون للشجاعة السياسية، أو أنه كان لازما عليهم للحفاظ على أصوات الناخبين في خضم الانتخابات الرئاسية وانتخابات التجديد النصفي التشريعية».
ويؤكد رئيس المعهد العربي الأميركي أن المحامين هم أكثر المستفيدين من «جاستا»، وسيحاولون تسويق أنفسهم لدى عائلات الضحايا ورفع الدعاوى القضائية أمام هيئة محلفين متعاطفة واللعب على عواطفهم ومخاوفهم لاستصدار أحكام لصالح أسر الضحايا. والخطوة التالية ستكون استئناف أي قرار، وسيستفيد المحامون من أخذ مقابل أتعابهم القانونية من الجانبين، بينما تضطر عائلات الضحايا إلى تكبّد مصاريف طائلة في دفع الرسوم القضائية، وفي النهاية لن يستفيد أحد باستثناء المحامين وستكون العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية قد تضررت بشكل كبير.
وحول السبل لعلاج تداعيات ومخاطر جاستا، قال مدير المعهد العربي الأميركي إن «الضرر قد وقع بالفعل، واهتزت الثقة لدى الدول العربية والإسلامية والدول الحليفة والشريكة للولايات المتحدة. وهناك بالفعل مخاوف تتعلق بالشراكات التجارية والعلاقات الأمنية». وأضاف: «لقد سمعت بنفسي تصريحات من رجال أعمال عرب أشاروا إلى أنهم يعيدون النظر في فكرة الاستثمار في الولايات المتحدة، وفكرة عقد شراكات مع الشركات الأميركية في أعقاب تمرير جاستا».
من جهته، قال دبلوماسي أميركي سابق لـ«الشرق الأوسط» إن سن قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب سيقوّض علاقة الولايات المتحدة الأميركية بالتأكيد مع أحد أهم حلفائها في الشرق الأوسط، وهي المملكة العربية السعودية، كما سيدمر علاقتنا بكل منطقة الشرق الأوسط.
وأفاد الدبلوماسي، الذي تحتفظ «الشرق الأوسط» باسمه، بأن العلاقة السعودية - الأميركية تطورت لتصبح إحدى أهم شراكة موثوقة في مكافحة الإرهاب على مستوى العالم وإقليميًا، بما تشمل من ملاحقات متواصلة للكيانات الخاصة التي تمول رعاة الإرهاب. وأضاف أن «المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي على حد سواء يُعدُون شركاء اقتصاديين أساسيين للولايات المتحدة، وهذه الشراكة تمتد إلى ما وراء الطاقة وتشمل مئات المليارات من الدولارات من الاستثمار في كل من الشرق الأوسط والولايات المتحدة».
واعتبر الدبلوماسي أن سن قانون «جاستا» يعدّ إشارة مزعجة لحلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، ورسالة أميركية مفادها «أننا لم نعد نقدر العلاقة التي كانت بيننا عبر التاريخ». وعن مدى إمكانية تدارك العواقب التي قد تنجم عن تطبيق القانون، أوضح الدبلوماسي الأميركي أن تدخل الحكومة الأميركية لا بد منه خلال المرحلة القادمة بتعطيل الدعاوى التي قد تأتي بعد تطبيق القانون بما يحافظ على علاقة أميركا بالدول الأجنبية وعدم الإضرار بمصالحها، مشيرًا إلى أن التعديلات التي أضيفت للقانون تسمح بذلك، إذ أن المدعي العام من حقه الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة الأميركية مع الدول الأجنبية من خلال الدعاوى القضائية في المحاكم.
وبيّن الدبلوماسي الأميركي أن سيناريو حجز الاستثمارات الأجنبية في أميركا إذا تم رفع دعوى قضائية ضد الدول من قبل الأفراد في المحاكم العامة بعيد المنال، وحتى يتم ذلك، لا بد من استيفاء كافة الحقائق والأدلة، والكثير من الإجراءات القضائية.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.