أميركا تبحث خيارات وبدائل حول سوريا.. وموسكو تتحسب لوقف التعاون مع واشنطن

محادثات كيري ولافروف شابها التوتر والاستياء في ظل تبادل الاتهامات

مظاهرة في اسطنبول تطالب بوقف المجازر في حلب أمس (إ.ب.أ)
مظاهرة في اسطنبول تطالب بوقف المجازر في حلب أمس (إ.ب.أ)
TT

أميركا تبحث خيارات وبدائل حول سوريا.. وموسكو تتحسب لوقف التعاون مع واشنطن

مظاهرة في اسطنبول تطالب بوقف المجازر في حلب أمس (إ.ب.أ)
مظاهرة في اسطنبول تطالب بوقف المجازر في حلب أمس (إ.ب.أ)

أشارت مصادر أميركية إلى أن المحادثة الهاتفية بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف صباح الجمعة شابها الكثير من التوتر والاستياء، في ظل تبادل الاتهامات ما بين واشنطن وموسكو على خلفية تكثيف القصف على مدينة حلب بشمال سوريا، واحتجاز مدنيين وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية. وأوضحت المصادر أن المحادثة الهاتفية استغرقت نحو الساعة وتطرقت إلى إمكانيات إحياء اتفاق وقف الأعمال العدائية، وأكد الطرفان خلالها «أهمية الحفاظ على المؤسسات» السورية و«إتاحة الفرصة للجهود الدبلوماسية» للتفاوض بشأن جميع القضايا الرئيسية لتحقيق تسوية سياسية في سوريا.
الجانب الروسي عبر عن الاستياء من تلميحات جون كيربي، الناطق باسم الخارجية الأميركية، بأن «المدن الروسية يمكن أن تتعرض لهجمات إرهابية»، و«إمكانية أن تخسر موسكو مزيدا من الأرواح والطائرات» في سوريا. وكان كيربي (وهو ضابط برتبة جنرال) قد قال خلال مؤتمر صحافي مساء الخميس «إننا ندرس خطوات قد نضطر للإقدام عليها لتعليق تعاوننا مع روسيا بشأن سوريا، وعلى الجانب الروسي القيام بخطوات فعالة بشكل سريع من أجل وقف العنف واستئناف العملية السياسية».
أيضًا، شدد كيربي على أن «التلويح بقطع التعاون مع روسيا ليس تهديدًا أجوف»، وأشار إلى أنه لا يريد أن يستبق الحديث عن أي قرارات، ورفض إعطاء توقيت لتنفيذ قرار وقف التعاون، واكتفى بالقول: «كل ما أستطيع قوله هو أننا جادون حول ما يحدث في حلب وحول إمكانية تعليق المحادثات الثنائية مع روسيا». وفي الوقت نفسه، قال كيربي إن واشنطن «ما زالت مستعدة لمواصلة الجهود الدبلوماسية في محاولة لإيجاد حل دبلوماسي للنزاع وإن وزير الخارجية الأميركي مستعد للسير ميلاً إضافيًا ليتحقق ذلك» (في إشارة إلى بذل مجهود مضاعف).
من ناحية أخرى، أعلن نائب وزير الخارجية أنتوني بلينكين أن الرئيس (باراك) أوباما «طلب من المسؤولين في إدارته النظر في بدائل وخيارات للرد على الهجمات التي يشنها النظام السوري مدعوما بالدعم الروسي»، ولكن دون توضيح ما هي الخيارات المتاحة والبدائل على مائدة الرئيس.
ويقول المحللون إنه لا يبدو على الأفق خيارات كثيرة على طاولة الإدارة الأميركية للتعامل مع الأزمة السورية والتحدّي الروسي سوى الإصرار على المفاوضات، وإدانة أعمال القصف المتواصلة على حلب، وإصدار تصريحات بمطالبة روسيا بالالتزام بتعهداتها والتلويح والتهديد بتعليق المحادثات مع موسكو. وهذا، بينما يشهد اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الطرفان في أوائل سبتمبر (أيلول) انهيارا كاملا وتتضاءل الآمال في إعادة إحياء الاتفاق.
وعلى مدى الأيام الماضية تبادلت موسكو وواشنطن الاتهامات واتهمت موسكو الولايات المتحدة بعدم الالتزام بالتزاماتهما والضغط على قوي المعارضة السورية لفك ارتباطاتهم بجماعات إرهابية، فيما اتهمت واشنطن روسيا بمساندة النظام السوري في قصف الأهداف المدنية والقوافل الإنسانية والمستشفيات.
على صعيد آخر، أعرب وزير الخارجية الأميركي عن إحباطه خلال ندوة بالعاصمة واشنطن مساء أول من أمس، وقال: «وصلنا إلى واحدة من تلك اللحظات التي يتعين علينا فيها مناقشة بدائل أخرى لفترة من الوقت، وإعطاء مؤشرات أكثر وضوحا من خلال تحذير الأطراف المتحاربة لكي تفكر في التعامل بشكل أكثر فاعلية». ويشير محللون وخبراء إلى أن أكبر المشاكل التي تواجه الولايات المتحدة هي أنها ليس لديها خطط بديلة للعمل في السورية. ولقد بدا ذلك واضحا في شهادة نائب وزير الخارجية بلينكين في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ يوم الخميس حول ما إذا كانت الإدارة الأميركية تملك خططا بديلة أو الخطة «ب»، إذ قال: «إن تكثيف القصف في سوريا سيدفع الدول الداعمة للمعارضة السورية إلى ضخ المزيد من الأسلحة إلى منطقة الصراع»، وأشار إلى أن هذا الأمر سيضع روسيا في مأزق كذلك، وأشار روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، إلى أنه «من الصعب رؤية أي خيارات جديدة لدى الإدارة للتعامل مع هذه المأساة الرهيبة أكثر من محاولة تحسين الظروف في مخيمات اللاجئين خارج سوريا وتقديم مزيد من المساعدات الإنسانية».
وفي وقت بلغت حدة التوتر بينهما مستويات غير مسبوقة استأنفت موسكو وواشنطن بحث سبل تنفيذ الاتفاق الأميركي - الروسي حول سوريا وإمكانية إدخال تعديلات على نصه بغية تنفيذه، غير أن التصريحات الرسمية الروسية يوم أمس أشارت إلى أن موسكو لا تنوي التنازل على الرغم من التهديد الأميركي بوقف التعاون معها في سوريا، ورغم الانتقادات الواسعة عالميا على خلفية دورها المباشر وغير المباشر في تعميق المأساة السورية، وفي مدينة حلب على وجه الخصوص. موسكو تقول: إنها تصر على تنفيذ الاتفاق الأميركي - الروسي حول سوريا، ولكن مع مواصلتها عملياتها العسكرية، وهو ما شدد عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في تصريحات دافع فيها يوم أمس عن ذلك الاتفاق. ذلك أنه بالتزامن مع كل الحراك الدبلوماسي، يبدو أن موسكو تعد لمختلف احتمالات تطور الوضع في سوريا، إذ سربت صحف روسية معلومات حول تعزيز روسيا قواتها الجوية هناك.
يوم أمس كشفت وزارة الخارجية الروسية عن بعض تفاصيل المحادثات بين لافروف ونظيره الأميركي جون كيري التي جرت خلال اتصال هاتفي بينهما مساء أول من أمس، إذ قال سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي إن الوزيرين «واصلا بحث إمكانية العمل معا لتطبيع الوضع في حلب»، موضحا أن محادثات الوزيرين استغرقت قرابة ساعة ونصف، وأكد لافروف خلالها أن «روسيا تنطلق من مصلحة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وما زالت منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة حول كل الجوانب الرئيسية للتسوية السورية». وكان لافتا أن يتصل كيري بوزير الخارجية الروسي في وقت بلغت فيه حدة التوتر بين الجانبين مستويات غير مسبوقة، إذ هدد كيري بتوقيف التعاون مع روسيا وحملها مسؤولية التصعيد في سوريا، بينما حذر الناطق باسم الخارجية الأميركية جون كيربي روسيا من أن يساعد الوضع في سوريا الإرهابيين لتوسيع نشاطهم واستهداف المصالح وربما المدن الروسية، وهو ما رأت فيه موسكو «توجيهات مبطّنة للإرهابيين» كي ينفذوا هجمات. ويرجح مراقبون أن كيري أقدم على تلك الخطوة بعد تأكيد موسكو يوم أول من أمس أن «هدنة الـ48 ساعة في حلب ما زالت مطروحة على الطاولة»، الأمر الذي رأى فيه كيري على ما يبدو «رسالة إيجابية في الحد الأدنى» دفعته للتواصل مجددا مع لافروف.
في هذه الأثناء كشف ألكسندر كيشينياك، سفير روسيا في دمشق، عن بحث الجانبين الأميركي والروسي لتعديلات سيجري إدخالها على نص الاتفاق الموقع يوم التاسع من سبتمبر (أيلول)، وصرح كيشينياك في حديث يوم أمس لوكالة «ريا نوفوستي» قائلا: «يجري الآن نقاش حول صيغ ما لتعديل الصيغة التي تم الاتفاق عليها في جنيف (يقصد آليات التنفيذ في الاتفاق الأميركي – الروسي) بغية أن يصبح الاتفاق مع تلك التغيرات الطفيفة قابلا للتنفيذ». وأوضح أنه على أساس تلك التعديلات «سيصبح ممكنا إعادة إطلاق العمل بنظام وقف إطلاق النار، والانتقال بعد ذلك إلى الجهود المشتركة ضد الإرهاب»، حسب قول السفير، الذي أكد أن «المحادثات مع الأميركيين مستمرة بهذا الصدد»، معربا عن أمله في «التوصل لنتائج إيجابية»، ولافتا إلى أنه على يقين «بأنه هناك فرصة لإنعاش الاتفاق، ولا بديل عنه».
من جانبه، عاد وزير الخارجية لافروف وأكد في تصريحات صحافية يوم أمس على أهمية تنفيذ الاتفاق الأميركي - الروسي حول سوريا، معربا عن «إيمانه» بإمكانية تنفيذ ذلك الاتفاق من جانب موسكو وواشنطن، ولافتا إلى ذات العقبة التي ما انفكت موسكو تشير إليها في الأيام الأخيرة وهي «ضرورة الفصل بين جبهة النصرة ومجموعات المعارضة المعتدلة»، وأوضح لافروف أن الاتفاق لم ينص أبدا على وقف العمليات القتالية ضد «داعش» و«جبهة النصرة». وفي الوقت نفسه كرر لافروف دفاعه عن موقف بلاده الداعم لرأس النظام السوري زاعما أن كل الوثائق حول تسوية الأزمة السورية، منذ وثيقة بيان جنيف - 1 لم تشترط رحيل بشار الأسد عن السلطة. كما نفى في السياق ذاته أن تكون القوات الروسية قد استخدمت أسلحة محظورة دوليا في قصف حلب.
على صعيد آخر، بموازاة المحادثات الدبلوماسية برزت معطيات تشير إلى أن روسيا تستعد للاحتمالات الأسوأ، أو أنها على الأقل تحاول دعم انتقاداتها الدبلوماسية حادة اللهجة نحو واشنطن بخطوات «تحذيرية» عسكرية، من مغبة الصدام في سوريا بحال لجأت واشنطن إلى «الخطة ب» الذائعة الصيت. وكانت صحيفة «إزفستيا» الروسية قد نقلت في عددها يوم أمس عن مصدر عسكري تأكيداته أن روسيا أرسلت عددا إضافيا من قاذفاتها السوخوي من طرازي «سو - 24» و«سو - 34» إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا، بينما أعدت مجموعة أخرى من القاذفات المقاتلة من طراز سوخوي «سو - 25» «إلا أن الأوامر لإرسالها إلى سوريا لم تصدر بعد» وفق ما قال المصدر العسكري الروسي للصحيفة، مؤكدا أنه «عند الضرورة يمكن تعزيز وضع القوات الجوية الروسية في سوريا خلال يومين إلى ثلاثة أيام».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.