«أوبك» تتوقع مزيدًا من «التخمة النفطية» في 2017

موسكو تتجه إلى «إنتاج قياسي».. والصين تعاني من «التشبع»

حقل كاشاجان النفطي في كازاخستان (رويترز)
حقل كاشاجان النفطي في كازاخستان (رويترز)
TT

«أوبك» تتوقع مزيدًا من «التخمة النفطية» في 2017

حقل كاشاجان النفطي في كازاخستان (رويترز)
حقل كاشاجان النفطي في كازاخستان (رويترز)

رفعت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، أمس الاثنين، توقعاتها لإمدادات النفط من خارج المنظمة في عام 2017، مع دخول حقول جديدة للإنتاج وإثبات شركات التنقيب عن النفط الصخري الأميركي مرونة أكبر من المتوقعة في التعاطي مع أسعار الخام المتدنية، مما يشير إلى فائض كبير في السوق العام المقبل.
وقالت «أوبك»، في تقرير شهري صدر أمس، إن متوسط الطلب على النفط من إنتاج الدول الأعضاء بالمنظمة سيبلغ 32.48 مليون برميل يوميا في عام 2017، انخفاضا من 33.01 مليون برميل يوميا في توقعات سابقة.
وقال التقرير إن «أوبك» نفسها أبقت على الإنتاج قرب أعلى مستوياته في عدة سنوات في أغسطس (آب) الماضي، حيث ضخت 33.24 مليون برميل يوميا وفق البيانات التي تجمعها «أوبك» من مصادر ثانوية، بانخفاض قدره 23 ألف برميل يوميا عن يوليو (تموز) الماضي. في حين أشارت إلى أنه من المتوقع أن يزداد إنتاج كل من كازاخستان والنرويج وبريطانيا من النفط بشكل يزيد على التوقعات السابقة. وقال التقرير إنه «من المتوقع ارتفاع الإنتاج من خارج أوبك في النصف الثاني من 2016. مقارنة بالنصف الأول».. بينما توقعت المنظمة أن يرتفع الإنتاج من خارج المنظمة بواقع 200 ألف برميل يوميا في 2017. مقارنة مع انخفاض قدره 150 ألف برميل يوميا في توقعات سابقة.
ويضاف احتمال وجود فائض أكبر من المتوقع في إنتاج النفط للتحدي الذي يواجهه منتجون من داخل «أوبك» وخارجها مثل روسيا، في الوقت الذي يحاولون فيه مجددا كبح الإنتاج. ويجري تداول النفط بسعر 47 دولارا للبرميل، وهو رقم يمثل نصف مستوى السعر الذي كان عليه الخام في منتصف عام 2014. في الوقت الذي ما زالت فيه تخمة الإمدادات قائمة، رغم آمال «أوبك» في أن تنتهي بفعل تدني الأسعار.
وعدلت أوبك توقعاتها لإمدادات النفط من خارجها في 2016 و2017 صعوديا، مستندة إلى عدة عوامل، من بينها بدء إنتاج حقل كاشاجان في كازاخستان وانخفاض يفوق المتوقع في إنتاج النفط الصخري بالولايات المتحدة، وقالت إن التوقعات الحالية تشير إلى مزيد من الإنتاج.

روسيا ترفع إنتاجها
وجاء تقرير «أوبك» متزامنا مع تصريحات مصدرين مقربين من وزارة الطاقة الروسية لـ«رويترز»، أمس، بأن إنتاج النفط في روسيا من المتوقع أن يرتفع هذا العام بنسبة 2.2 في المائة فوق التوقعات، ليصل إلى أعلى مستوى في نحو 30 عاما، بما يتراوح بين 546 و547 مليون طن.
وتتجاوز روسيا باستمرار توقعات إنتاج النفط الذي يشهد زيادة مطردة منذ عام 2009. عندما أدى هبوط في أسعار الخام إلى خفض مستويات الإنتاج. ومنذ ذلك الحين، زادت الشركات الروسية معدلات الحفر بنحو عشرة في المائة سنويا.
وقال أحد المصدرين لـ«رويترز»: «سيكون الإنتاج ما بين 546 و547 مليون طن هذا العام. الشركات تنفذ أعمال التنقيب بنشاط، ولوك أويل تدشن حقولا جديدة». في حين أكد المصدر الثاني التوقعات الجديدة ذاتها.. إلا أن وزارة الطاقة الروسية لم تؤكد «رسميا» تلك الأنباء.
وقال وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، في يوليو إن إنتاج النفط من المتوقع أن يترواح بين 542 و544 مليون طن هذا العام، أي بما يوازي 10.85 إلى 10.90 مليون برميل يوميا، ارتفاعا من نحو 534 مليون طن في عام 2015.
وبلغ إنتاج روسيا من النفط في أغسطس الماضي 10.71 مليون برميل يوميا، بانخفاض نسبته 1.3 في المائة عن حجم إنتاج يوليو بسبب صيانة موسمية. وتعافى الإنتاج منذ ذلك الحين ليقترب من 11 مليون برميل في الفترة من الأول حتى السابع من سبتمبر (أيلول) الحالي.
واتفقت روسيا والمملكة العربية السعودية، أكبر منتجي الخام في العالم، هذا الشهر على العمل معا من أجل تثبيت محتمل لإنتاج النفط لدعم الأسعار.
وتستعد شركة لوك أويل ثاني أكبر منتج للخام في روسيا لتدشين حقل جديد بمنطقة يامال الشمالية في وقت لاحق هذا الشهر، من المتوقع أن ينتج مائة ألف طن من الخام هذا العام. ومن المقرر أن تبدأ الشركة أيضا الإنتاج من حقل فيلانوفسكوجو في بحر قزوين في سبتمبر بهدف استخراج ما يصل إلى مليون طن من النفط بحلول نهاية العام.

سوق متشبعة
وفي حين تشير هذه التقارير إلى زيادة الإنتاج، فإن الأمل في زيادة موازية في الاستهلاك يبدو بعيدا. حيث تستعد مصافي النفط الحكومية في الصين لتصدير مزيد من الديزل والبنزين في الأشهر المقبلة، في الوقت الذي تنتشر فيه حالة من القلق في السوق العالمية المتشبعة بالفعل بسبب التوقعات القاتمة للفترة التي جرت العادة على أن تكون الأفضل في جانب الاستهلاك.
وقال أكثر من 12 من شركات التكرير والمحللين والتجار في الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، إن الربع الأخير سيكون محكوما بتخمة في المعروض وتباطؤ الاستهلاك المحلي.
وأدى تباطؤ الطلب هذا العام وارتفاع الإنتاج من المصافي الصغيرة المستقلة في الصين إلى تضخم المخزونات المحلية، وتشجع شركات النفط الحكومية على بيع المنتجات النفطية المكررة بالخارج. وفي يوليو بلغت هذه الشحنات رقما قياسيا، لتصبح الصين مصدرا صافيا للوقود للمرة الأولى في ثلاث سنوات على الأقل.
ويقول محللون من «تسيبوه لونغ تشونغ» و«سابلايم تشاينا إنفورميشن غروب» إن الطلب المجمع على الديزل والبنزين سيهبط في الربع الأخير للمرة الأولى على أساس سنوي منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في 2009.
وأيضا قالت مصادر في أربع مصاف مملوكة لـ«سينوبك» و«بتروتشاينا» و«شركة الصين الوطنية للنفط البحري» (كنوك)، التي تصنف ضمن أكبر عشر مصافي في الصين، إن التوقعات لا تترك لهم سوى القليل من الخيارات غير المزيد من التوسع في الأسواق الخارجية.
وتوضح مصفاة «داليان»، أكبر مصافي «بتروتشاينا» بقدرة إنتاجية 410 آلاف برميل يوميا، المعضلة التي تواجهها المصافي. وقال أحد كبار مديري المصفاة لـ«رويترز» إنه بدلا من الاستعداد لزيادة الطلب الموسمي في السوق المحلية تتطلع المصفاة لبيع مزيد من الإنتاج للأسواق الأجنبية في نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) مع ضعف هوامش الأرباح المحلية.
ومع سعيها للعثور على مشترين محليين لمنتجاتها، خفضت بتروتشاينا بالفعل حجم الاستفادة من الطاقة الإنتاجية لمصفاة داليان إلى 80 في المائة، مقارنة مع 85 في المائة في الشهور الأخيرة.
وقال أحد كبار المديرين في مصفاة «كنوك» الرئيسية إن «خفض الإنتاج سيكون ملاذنا الأخير، إذا كانت الأسواق الخارجية ممتلئة ولم نستطع التصدير».
وزادت المعاناة مع تراجع الطلب على الديزل والبنزين بنسبة سبعة في المائة في الأشهر السبعة الأولى من 2016، وفق حسابات «رويترز»، وذلك مقارنة بنمو الطلب على الديزل والبنزين بنسبة ثلاثة في المائة في 2015، وستة في المائة في 2014.
ويقول محللون ومصادر بالقطاع إن الطلب في الربع الأخير - رغم التوقعات بانخفاضه مقابل العام الماضي للمرة الأولى في سبع سنوات - سيتحسن قليلا عن الربع السابق؛ لكن ليس بما يكفي للتخلص من وفرة المعروض.

الأسعار تتراجع
أما على صعيد سوق النفط، فقد هبطت الأسعار بأكثر من 1.5 في المائة، صباح أمس، بعد أن أضافت شركات التنقيب في الولايات المتحدة مزيدا من الحفارات، في الوقت الذي تأقلم فيه منتجو الخام مع انخفاض الأسعار.
وبلغ سعر التعاقدات الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت 47.19 دولار للبرميل في الساعة 6.45 بتوقيت غرينتش، بانخفاض قدره 82 سنتا، أو ما يعادل 1.71 في المائة عن سعر التسوية السابقة. بينما تراجع سعر التعاقدات الآجلة لخام غرب تكساس الأميركي الوسيط 86 سنتا، أو ما يعادل 1.87 في المائة، إلى 45.02 دولار للبرميل.
وقال تجار إن هبوط سعر النفط أمس ويوم الجمعة الماضي كان نتيجة زيادة نشاط عمليات التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة، وهو ما يشير إلى أن المنتجين يمكنهم العمل وتحقيق ربح في نطاق المستويات الحالية للأسعار.
وأضافت شركات التنقيب الأميركية مزيدا من الحفارات للأسبوع العاشر في 11 أسبوعا بحسب تقرير شركة بيكر هيوز، الذي نشر يوم الجمعة، في أطول موجة تشهد عدم تخفيض عدد المنصات منذ عام 2011.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.