الغابون.. إرث بونغو

صراع سياسي في بلد تعددي تفاقمه الحساسيات الشخصية

الغابون.. إرث بونغو
TT

الغابون.. إرث بونغو

الغابون.. إرث بونغو

استقلت الغابون عن فرنسا عام 1960. إلا أنها ظلت دومًا الحديقة الخلفية للأنظمة الحاكمة في فرنسا، خاصة بعد اكتشاف مخزون نفطي هائل قبالة سواحل المستعمرة السابقة. وجاء نفط الغابون ليحل محل النفط الجزائري الذي خرج عام 1962 من قبضة الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول الساعي نحو جعل فرنسا قوة عظمى، وهو أمر ما كان ليتحقق من دون سد حاجياتها من الطاقة.
وفعلاً، استفادت الغابون طيلة العقود الماضية من دعم فرنسي كبير، لتضمن بذلك أكبر قدر ممكن من الاستقرار في محيط إقليمي مضطرب. فالقوات الفرنسية لم تتأخر في التدخل لإفشال أول انقلاب عسكري عام 1964 وقع ضد أول رئيس للبلاد ليون مبا. كذلك ضمنت باريس انتقال السلطة بشكل سلس عام 1967 بعد وفاة مبا إلى الرئيس السابق عمر بونغو، ولم يكن خافيًا على أحد أن علي بونغو هو مرشح فرنسا في الانتخابات الرئاسية التي أجريت بعد وفاة والده عمر بونغو عام 2009.
ولكن الغابون التي تدخل الموت مرتين لإحداث التغيير الرئاسي فيها، تقف اليوم عند نقطة حاسمة من تاريخها السياسي، فهنالك رجلان تربيا في حضن نظام الرئيس السابق الراحل عمر بونغو، يعلن كل منهما فوزه بالانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم السبت 27 أغسطس (آب) الماضي. وبينما يراهن علي بونغو، الرئيس الفائز بولاية جديدة، على قوة القانون والأمن، لا يتردد زعيم المعارضة جان بينغ في الاستناد إلى الشارع. أما فرنسا فقد أعلنت على لسان وزير خارجيتها أنها لن تنحاز لأي من الرجلين، فيما يبدو أن الصراع على إرث الراحل عمر بونغو سيهز واحدًا من أكثر البلدان الأفريقية استقرارًا.
انتشرت الحواجز الأمنية في شوارع ليبريفيل، عاصمة دولة الغابون. جنود يتحركون بحذر في الساعات الأولى من الصباح، وسيارات الشرطة تجوب بعض الأحياء، فيما ينشغل عدد من المواطنين بالبحث عن مواصلات بدت حركتها ضعيفة منذ الانتخابات التي أدخلت البلاد في موجة من العنف. تحولت بعض الشوارع إلى ساحة معركة بين عناصر الأمن ومئات الشباب الغاضبين، كانوا يرفضون إعادة انتخاب الرئيس علي بونغو لولاية رئاسية ثانية مدتها سبع سنوات، ستمد عمر حكم عائلته لأكثر من نصف قرن.
حالة من الانقسام تعيشها البلاد منذ أسابيع، ما بين الرئيس المنتهية ولايته علي بونغو (57 سنة)، وزعيم المعارضة جان بينغ (73 سنة)، بعدما تنافسا في حملة انتخابية شرسة غلب عليها الصراع الشخصي وغابت عنها البرامج الانتخابية، وتخللتها أعمال عنف واتهامات للحكومة بالانحياز للرئيس المنتهية ولايته.
استبق مرشح المعارضة الأحداث وأعلن فوزه بالانتخابات قبل أن تعلن النتائج النهائية، إذ قال أمام أنصاره مساء الأحد 28 أغسطس (آب) الماضي «لقد فزت بالانتخابات وأنتظر من علي بونغو أن يتصل بي للتهنئة». ولكن هذا الاتصال لم يتحقق لأن بونغو أعلن النصر هو الآخر يوم الأربعاء الموالي؛ وهكذا عاشت البلاد عدة ساعات منقسمة ما بين «رئيسين»، يضغط كل منهما على اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، فقد بدا واضحًا أن النتيجة التي ستعلنها – مهما كانت – ستدخل البلاد في أزمة حقيقية.
وبعد أيام من الترقب الحذر أعلنت اللجنة فوز بونغو بنسبة 49.80 في المائة من الأصوات، مقابل 48.23 في المائة لمرشح المعارضة، أي أن الفارق بين الرجلين لا يزيد على 5594 صوتًا فقط. ومن ثم، أشعلت هذه النتائج الشارع في الغابون، حيث خرج مئات الشبان الغاضبين ووضعوا الحواجز على الشوارع الكبيرة، كما أحرقوا مبنى البرلمان في العاصمة. وأسفرت الصدامات بين الأمن والمحتجين – حسب تقارير غير رسمية – عن سقوط سبعة قتلى ومئات المعتقلين. وتعيد هذه الأحداث إلى أذهان الغابونيين ما شهدته بلادهم من صدامات عنيفة عام 2009 بعد انتخاب علي بونغو.
* «جزيرة استقرار»
كثيرًا ما وصفت الغابون بأنها «جزيرة استقرار»، رغم كونها تقع في منطقة ملتهبة بالحروب، وذلك ما تعيده فلورنس بيرنولت، أستاذة التاريخ الأفريقي في الجامعات الأميركية، إلى اليد الفرنسية الحاضرة بقوة. وتقول الباحثة «منذ استقلالها، لم تغادر الغابون فلك القوة الاستعمارية السابقة، هناك علاقات اقتصادية متينة جدًا، وحضور عسكري فرنسي داخل الأراضي الغابونية».
وعلى غرار الكثير من المستعمرات الفرنسية في غرب ووسط أفريقيا، حصلت الغابون على استقلالها بشكل تدريجي، وسلّمتها فرنسا لنخبة تضمن ولاءها المطلق، حتى أن الرئيس ليون مبا الذي حكم البلاد سبع سنوات بعد الاستقلال، كان محاطًا بمستشارين فرنسيين يتولون تسيير البلاد ووضع أسس الدولة الحديثة، ولكن في الحقيقة كان هؤلاء المستشارون مرتبطين بشكل مباشر مع الخلية المكلّفة بالشؤون الأفريقية في قصر الإليزيه.
وحقًا أظهر الرئيس ليون مبا خلال فترة حكمه ولاء مطلقًا لفرنسا. إذ كان يرى فيها الضامن لاستمرار حكمه، خاصة بعد انقلاب 1964 الذي أفشلته القوات الفرنسية. بيد أن مبا في المقابل بدا ضعيف الشخصية وعاجزًا على مواجهة الأزمات، وما كان ذلك الرجل القادر على أن يُحكم قبضته على البلد ويضرب بيد من حديد. هذه الصفة كانت متوافرة في أحد الشباب العاملين في القصر، يدعى ألبير بيرنار بونغو، الذي سرعان ما رصدته أعين المستشارين الفرنسيين في القصر فبدأت الأبواب تفتح أمامه.
* عصر بونغو
برز نجم الشاب الواعد في الفترة التي أمضاها مبا يتلقى العلاج في فرنسا. بل إن الرئيس بإشارة من مستشاريه الفرنسيين استحدث منصب نائب رئيس الجمهورية وعيّن فيه الشاب بونغو، في مسرحية مثلت فصولاً في سفارة الغابون بباريس، بينما كانت صحة الرئيس لا تسمح بالعودة إلى الغابون؛ ولاحقًا توفي مبا وأصبح بونغو رئيسًا للبلاد.
ولم يخيّب بونغو ظن المستشارين الفرنسيين، فقد أحكم قبضته بسرعة على بلده الصغير، وخدمته في ذلك الاكتشافات النفطية الهائلة، وما أعقبها من نهضة اقتصادية سريعة. كذلك فإنه إبان حكمه رفع شعار الوحدة الوطنية، الذي تصفه الباحثة بيرنولت بقولها «استطاع بونغو طيلة حكمه أن يحيط نفسه بفريق يضم ممثلين لمعظم الفئات الاجتماعية والعرقية المتفرقة في البلد، كما نجح دائمًا في إقناع معارضيه بالتعاون والتفاهم».
وتشرح بينولت «يتحدر بونغو من قبيلة التيكي (أو الباتيكي) Teke التي تعد أقلية في الغابون، وذلك ما ساعده في إدارة التنوع الثقافي والتمايز العرقي داخل بلد بالكاد يتجاوز عدد سكانه مليونا ونصف المليون نسمة، ويتكلمون أكثر من خمسين لهجة محلية. إن نظام المحاصصة الذي اعتمده كان يطمئن ويريح الغابونيين، سواء كانوا موالين أو معارضين لحكمه».
بعدها، اعتنق ألبير بيرنار بونغو الإسلام، وغيّر اسمه ليصبح عمر بونغو، واتسعت دائرة نفوذه لتصل إلى الكثير من البلدان الأفريقية. وفي هذه الأثناء، كان تأثيره كبيرًا في الساحة السياسية الفرنسية، حيث اشتهر بمتابعته لأدق التفاصيل فيها، وحرصه على بناء علاقات صداقة قوية مع الشخصيات التي يرى أنها ستلعب أدوارًا مهمة في دوائر الحكم الفرنسي. بل إن عدة تقارير أشارت إلى تمويلات كانت تخرج من خزائنه لتصل إلى جيوب كثرة من هؤلاء السياسيين الذين أصبح فيما بعد من بينهم رؤساء ووزراء. وتحدثت شخصيات فرنسية عن وزراء عيّنهم بونغو وآخرين أقالهم من الحكومات الفرنسية؛ وهو ما بات يسميه بعض الإعلاميين الفرنسيين بأنه «استعمار غابوني» خطط له عمر بونغو وموّله بعائدات النفط الهائلة.
وحسب الباحثة بيرنولت، أجبرت وفاة عمر بونغو عام 2009 فرنسا على الوقوف مع ابنه علي. وتشرح «كانت فرنسا تحاول تفادي انهيار إمبراطورية بونغو بشكل مفاجئ وغير مخطّط له، ما قد يؤدي لخروج أسرار من تحت ركام إمبراطورية عاصرت عدة أنظمة فرنسية، وكانت تلعب دورًا محوريًا في السياسات الفرنسية في أفريقيا».
* القطيعة مع الماضي
خرج علي بونغو منتصرًا من انتخابات رئاسية نظمت بعد أشهر قليلة من وفاة والده، وبدت رغبته واضحة في شق طريق غير الذي سلكه أبوه، وأن يعلن القطيعة مع العهد القديم. غير أنه سرعان ما اصطدم بالزعامات التقليدية والشخصيات السياسية، التي كان يمنحها والده امتيازات خاصة ليضمن ولاءها. وفي هذا السياق يقول الصحافي المتخصص في الشأن الأفريقي جورج دوغيلي «كانت رغبته كبيرة في القطيعة مع حكم والده، فرفض علي بونغو الاستسلام للراغبين في الاحتفاظ بامتيازاتهم. لكن هذا الأمر أثار غضب الرفاق السابقين، فاستقالوا من الحزب الحاكم واحدًا تلو الآخر، قبل أن يلتحقوا بصفوف المعارضة».
من جهة أخرى تقول حسب الباحثة الأميركية بيرنولت إن بونغو بمجرد وصوله إلى الحكم «تخلى عن نظام والده القائم على التوازن والمزج بين مختلف الأعراق والفئات الاجتماعية، ليختار فريقًا صغيرًا من الذين يثق فيهم؛ وهكذا ضعف التوازن الجهوي والسياسي». ولكن في المقابل، ركز بونغو الابن على الاقتصاد والاستثمار، وأعلن مشروع «الغابون الناهض» الذي قال عنه إنه سيغير وجه البلاد في المدى القريب، لتخلص إلى القول: إنه «من الواضح أن سبع سنوات من الحكم لم تكن كافية ليقنع علي بونغو مواطني بلاده».
* بوادر الأزمة
وهكذا، خلال السنوات الأخيرة شهدت الغابون الكثير من الغليان السياسي، وتعرض علي بونغو لهجمات كثيرة تستهدف إضعاف حكمه، بدأت بانقسامات داخل الحزب الديمقراطي الغابوني الحاكم، وانتهت بالتشكيك في أصوله، بالإضافة إلى حرب كلامية شرسة أنهكت قوى النظام.
وهنا يقول دوغيلي «لم يدخر خصوم علي بونغو أي جهد لمنعه من الترشح للانتخابات؛ حتى أنهم شككوا في نسبه، ورفعوا دعوى قضائية أمام محكمة فرنسية. إلا أن هذه الهجمات التي كانت تقوم على حرب كلامية عنيفة، انتهت بالفشل حين صادقت المحكمة على وثيقة ميلاد علي بونغو».
ولكن اللافت أن الأزمة السياسية التي عاشت الغابون بوادرها في السنوات الأخيرة، تأتي أيضا في فترة ضعف وتشرذم للمعارضة التقليدية، خاصة بعد وفاة بيير مامبودو (2011) وآندريه مبا أوبامي (2015)، وهما شخصيتان من أبرز زعامات المعارضة الراديكالية. غياب هاتين الشخصيتين خلق ظروف التأزم داخل الحزب الديمقراطي الغابوني الحاكم، وفق ما يشير إليه دوغيلي، قبل أن يضيف: «لقد هيأ ضعف المعارضة بعد وفاة قادتها، ظروف التأزم داخل الحزب الحاكم، خاصة بعد الخلاف القوي بين الرئيس علي بونغو والقيادات التقليدية للحزب».
ومن ثم، حدثت موجة انسحابات واسعة من الحزب الحاكم، وكان أغلب المنسحبين زعامات تقليدية تعتقد أنها لم تجد المكانة التي تستحق مع الرئيس علي بونغو، فظهرت معارضة جديدة هي في الحقيقة جزء من النظام مغاضب للرئيس. وكانت هذه المعارضة الجديدة تراهن على أن علي بونغو لن يكمل ولايته الرئاسية الأولى، ويتكلمون في أنشطتهم السياسية عن «انقلاب عسكري وشيك» أو «تمرّد شعبي على الأبواب».
في هذه الأجواء المتأزمة ظهر جان بينغ، الذي قدم نفسه كمعارض شرس لنظام بونغو، فتلقفته المعارضة بسرعة لأنه يملك مؤهلات تجعل منه ندًا مناسبًا للرئيس. فهو ابن تاجر صيني وسيدة تتحدر من قبيلة الأومبووي بجنوب الكاميرون (المجاورة للغابون)، وسبق أن شغل منصب وزير الخارجية في عهد الرئيس الراحل عمر بونغو الذي كان قد وقف خلفه عام 2008 حتى أصبح الأمين العام لمفوضية الاتحاد الأفريقي. إلا أن بينغ غادر المفوضية عام 2012 وهو يتهم حكومة بلاده بالتخلي عنه والتقاعس عن دعمه، فتفجر الخلاف الشخصي بينه والرئيس. وهذا الخلاف تطور إلى قطيعة تامة عام 2014. مع أن بينغ سبق له الزواج من باسكالين ابنة عمر بونغو وأخت علي بونغو، وهي أم ولديه. وبالنظر إلى مسار العلاقة ما بين الرجلين يتضح مدى التعقيد الذي يطبع الأزمة في الغابون.
إن ما يجري في الغابون ليس مجرد أزمة سياسية ذات طرفين: معارضة تسعى للسلطة ونظام مصر على البقاء، بل هو أكثر تعقيدًا بكثير. فأولئك الذين يقفون اليوم ضد الرئيس علي بونغو، ويحرّكون الشارع ضده بحجة هيمنة عائلته على الحكم لنصف قرن، كانوا من ضمن الدائرة المقربة منه ومن والده عمر بونغو، في مقدمتهم جان بينغ صهر الرئيسين الأب والابن السابق الذي ترعرع في حضن نظام عائلة بونغو وكان قريبًا جدًا منها؛ بالإضافة إلى رئيس الوزراء السابق كازيمير إيوي مبا؛ ورئيس البرلمان السابق نزوبا انداما.
* الإخوة الأعداء
يطغى الجانب الشخصي على الأزمة المحتدمة في الغابون، لتتحول إلى صراع ما بين رجلين، خرجا من رحم نظام عمر بونغو الذي حكم البلاد لأكثر من نصف قرن، إنهما الرئيس الحالي علي بونغو وزعيم المعارضة جان بينغ.
علي بونغو اونديمبا: ولد عام 1959. في مدينة برازافيل، العاصمة الحالية للكونغو الديمقراطية، وذلك قبل استقلال بلاده عن فرنسا بعام واحد، وتولى والده الحكم وهو في الثامنة من العمر. بعدها تلقى تعليمه في فرنسا حيث تخرج بشهادة عليا في القانون، ثم بدأ مساره المهني عام 1987 في ديوان رئيس الجمهورية الذي هو والده.
وتقلّب علي بونغو في المناصب الحكومية وزيرا للخارجية (1989 - 1991)، ثم نائبا في البرلمان (1991 - 1999)؛ ثم وزيرا للدفاع (1999 - 2009). وفي الفترة نفسها كان يشغل منصب نائب رئيس الحزب الديمقراطي الغابوني الذي رشحه للانتخابات الرئاسية التي نظمت عقب وفاة والده عام 2009. ليحقق الفوز بنسبة 42 في المائة.
جان بينغ: ولد عام 1942 في مدينة بور جانتيل، العاصمة الاقتصادية الحالية للغابون، وكان والده تاجرًا صينيًا وصل إلى البلاد في عشرينات القرن الماضي، ثم تزوج من فتاة غابونية من أصل كاميروني. ونجح التاجر الصيني في ابتعاث ابنه إلى فرنسا من أجل الدراسة، ليتخرج بشهادة دكتوراه دولة في العلوم الاقتصادية من جامعة باريس - السوربون.
بدأ بينغ مساره المهني كموظف دولي في منظمة اليونيسكو بباريس عام 1972، ليصبح الممثل الدائم للغابون في المنظمة الدولية (1978 - 1984). ثم ترأس عن بلاده عام 1993 منظمة الدول المصدرة للبترول؛ ولكنه دخل الحكومة في بلاده من بوابة وزارة الخارجية (1999 - 2008)، وفي الفترة نفسها ترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة (2004 - 2005)؛ كما ترأس مفوضية الاتحاد الأفريقي (2008 - 2012).
كان عدم التجديد له على رأس المفوضية الأفريقية واحدًا من الأسباب التي أدت إلى الشرخ القوي بينه والرئيس علي بونغو، بالإضافة إلى أن جان بينغ يرى أن مساره المهني ومؤهلاته تجعل منه الوريث الحقيقي لعمر بونغو.



هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
TT

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)
السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)

لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.

أعادت الولايات المتحدة هذا الأسبوع فرض الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، بالتزامن مع توسيع الضربات ضد مواقع الرادارات والدفاعات الساحلية ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها إيران لتهديد الملاحة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن أكثر من عشرين سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية تعمل في المنطقة، بينما أعلن ترمب أن «المضيق مفتوح أمام السفن غير الإيرانية». غير أن التجربة الميدانية تشير إلى أن إصابة ناقلة واحدة، أو حتى ارتفاع كلفة التأمين، يكفيان لإبطاء الحركة التجارية من دون حاجة إلى إغلاق كامل للممر البحري.

المعضلة الأميركية أن حماية السفن وفرض الحصار مهمتان تتزاحمان على الموارد نفسها. فالمدمّرات المزودة بصواريخ موجهة تستطيع مرافقة الناقلات واعتراض الصواريخ الإيرانية، لكنها مطلوبة أيضاً في خليج عُمان لمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها. وخلال الشهرين الماضيين، قالت القوات الأميركية إنها ساعدت أكثر من 800 سفينة على عبور المضيق، لكن الهجمات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن الصواريخ الساحلية التي تطلق من مسافات قريبة قد تصل قبل اعتراضها. وهذا يجعل السيطرة الأميركية مكلفة وغير مكتملة، ويمنح طهران قدرة تعطيل تفوق وزنها البحري التقليدي.

الإمساك بمفاتيح هرمز

في المقابل، لا تحتاج إيران إلى إغراق عشرات الناقلات كي تثبت أنها ما زالت تمسك بجزء من «مفاتيح» هرمز، بل يكفي أن تُبقي شركات الشحن والتأمين في حالة خوف، وأن تجعل الطريق الجنوبي بمحاذاة عُمان غير مضمون تماماً. ولقد اتهمت واشنطن «الحرس الثوري» بمهاجمة سبع سفن تجارية خلال أسبوع، بينما هددت طهران بوقف صادرات الطاقة في المنطقة إذا مُنعت تجارتها من المرور. وبذا تحاول إيران تحويل الحصار الموجّه ضد اقتصادها إلى أزمة جماعية تصيب منتجي المنطقة والمستهلكين في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مقابلة. ووفق موقع «أكسيوس» ووكالة «رويترز»، يدرس ترمب توسيع «بنك» الأهداف ليشمل محطات الكهرباء والجسور ومواقع استراتيجية أعمق إذا رفضت إيران العودة إلى التفاوض. ولقد بدأت الضربات بالفعل تتجاوز الشريط الساحلي، فيما يستمر استهداف منشآت مدنية مزدوجة الاستخدام، أو مواقع محصّنة في العمق كـ«جبل الفأس»، انتقالاً إلى مستوى مختلف من الحرب، ما قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية على قواعد أميركية أو منشآت طاقة في دول المنطقة وإسرائيل. ولذا يحاول الطرفان البقاء تحت سقف يصعب ضبطه: قتال مؤلم بما يكفي للضغط، لكنّه ليس واسعاً إلى درجة إسقاط كل فرص التسوية.

النفط وصناديق الاقتراع

الساعة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى ترمب ليست عسكرية فقط، بل انتخابية. فانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل تضع حداً زمنياً واضحاً أمام البيت الأبيض. وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل بعد انهيار التهدئة، فيما بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.84 دولار للغالون. وهنا يرى محللون أن السعر قد يتجاوز 4 دولارات خلال أيام إذا استمرت اضطرابات هرمز، وهو مستوى يسهل أن يتحوّل إلى قضية انتخابية يومية.

هذه الأرقام تفسّر جانباً من مقامرة طهران؛ فالقيادة الإيرانية تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات، لكنها تراهن على أن الألم السياسي في الولايات المتحدة قد يتصاعد أسرع من الانهيار الاقتصادي داخل إيران. ووفق تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال»، يعتقد كل طرف أن بإمكانه إبقاء المواجهة منخفضة الوتيرة حتى يرضخ الآخر: ترمب يريد فتح المضيق وانتزاع تنازلات نووية قبل الانتخابات، وطهران تريد الصمود حتى يتحوّل ارتفاع الوقود والتضخم إلى عبء يومي على الجمهوريين.

غير أن الرهان الإيراني ليس مضموناً؛ إذ أظهرت الأشهر الأولى من الحرب أن واشنطن قادرة، ولو جزئياً، على فتح مسارات ملاحية وتأمين عبور مئات السفن. كما أن الحصار المتجدّد يهدد بتجفيف إيرادات النفط التي تحتاج إليها طهران لإعادة بناء الصواريخ والدفاعات الجوية. وفي الوقت نفسه، قد يختار ترمب التصعيد بدلاً من التراجع إذا شعر بأن استمرار الاشتباك حتى نوفمبر سيبدو هزيمة سياسية له. وهنا تتحول الانتخابات من قيد على الرئيس إلى حافز لطلب «نصر واضح»، ما يجعل الأسابيع المقبلة أكثر خطورة.

ومع أن البيت الأبيض يراهن على «احتواء» الصدمة النفطية عبر زيادة الصادرات من خارج إيران، وتوسيع استخدام المسارات البديلة، وإشراك الحلفاء في حماية الملاحة، فإنه في المقابل لا يملك أي ضمانة بأن السوق ستنتظر.

إذ أظهرت بيانات تتبّع السفن أن معظم العابرين قبيل بدء الحصار الجديد كانوا مرتبطين بالتجارة الإيرانية، بينما غابت تقريباً ناقلات التحميل من منتجي المنطقة الآخرين. وبالتالي، إذا طال الاضطراب، فلن يبقى أثره في محطات الوقود وحدها، بل سيمتد إلى النقل والسلع والتضخّم وأسعار الفائدة، في حين كان ترمب يأمل باستخدام تراجع الأسعار دليلاً على نجاحه الاقتصادي. ومع ذلك، يستطيع ترمب إصدار أوامر تنفيذية تسمح لإدارته بتقديم مساعدات مالية للعائلات الأميركية للتعويض عن ارتفاع الأسعار، كما جرى خلال جائحة «كوفيد - 19».

حسابات جبهة لبنان

بالتوازي مع التصعيد في الخليج، استضافت روما جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بوساطة أميركية لتنفيذ «الاتفاق الإطاري» الذي جرى التوصل إليه في واشنطن يوم 26 يونيو (حزيران). وتتركّز المباحثات على منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان: بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ونشر الجيش اللبناني، ثم بدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. ووصف مسؤول أميركي المباحثات بأنها إيجابية، لكنه أقرّ ضمنياً بأن التقدّم سيكون بطيئاً؛ إذ تتمسّك بيروت ببدء الانسحاب الإسرائيلي كي تتمكن الدولة من إثبات جدوى المسار، بينما تعلن إسرائيل أنها لن تنسحب ما دام «حزب الله» يحتفظ بسلاحه.

هذا الخلاف ليس إجرائياً فقط، بل يتعلّق بمَن سيبدأ الخطوة التي لا يمكن التراجع عنها. لبنان يخشى أن ينفذ التزاماته الأمنية ثم يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي قائماً، فتظهر الدولة عاجزة أمام جمهورها، ويستعيد «حزب الله» مبرّر السلاح. أما إسرائيل فتخشى أن تنسحب أولاً ثم يعيد الحزب بناء مواقعه جنوبي الليطاني أو يتسلّل إلى المناطق التي يتسلمها الجيش. ولهذا تحاول واشنطن و«سنتكوم» بناء نموذج محدود يمكن التحقق منه ميدانياً قبل تعميمه، مع مراقبة انتشار الجيش وتفكيك المواقع وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل متزامنة.

بالنسبة إلى إيران، سيكون نجاح هذا النموذج أخطر من خسارة موقع عسكري منفرد. فـ«حزب الله» كان طوال عقود أكثر أذرعها الإقليمية تنظيماً وقدرة على الردع، و«الجسر» الذي يربط النفوذ الإيراني بالساحة المتوسطية. وبالتالي، حصر سلاحه تدريجياً بيد الدولة اللبنانية لا يعني فقط إضعاف الجبهة الإسرائيلية الشمالية، بل إعادة تعريف موقع الحزب داخل لبنان، من قوة تقول إنها تحمي البلاد إلى طرف يُحمّله خصومه مسؤولية إطالة الاحتلال وتعطيل السيادة.

ولكن هذا التحول لا يحدث بقرار خارجي؛ فالحزب رفض الاتفاق ومسار نزع السلاح، ولا يزال يملك قاعدة اجتماعية وتنظيماً مسلحاً وقدرة على تعطيل التنفيذ أو رفع كلفته داخلياً. وأي محاولة أميركية أو إسرائيلية لتصويره «عدواً للبنان»، لا قوة سياسية وعسكرية لبنانية متجذّرة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد الاستقطاب الداخلي بدلاً من تعزيز سلطة الدولة.

أيضاً، لا يمكن فصل روما عن هرمز؛ فقد ربطت إيران في تفاهماتها السابقة مع واشنطن بين التهدئة وإنهاء الحرب في لبنان، وفي حين تراهن الإدارة الأميركية الآن على معادلة معاكسة: كلما ضاقت الخيارات على طهران في المضيق، ازدادت فرص انتزاع أوراق منها في لبنان؛ وكلّما تراجعت قدرة «حزب الله» على المبادرة، أصبحت إيران أكثر عزلة في أي تفاوض نووي أو إقليمي.

بغداد تبدّل معادلة النفوذ

الجبهة الثالثة ظهرت في واشنطن، حيث استقبل ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي في زيارة ركزت على انسحاب القوات الأميركية، والاستثمارات والطاقة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. وأعلن الجانبان أن القوات الأميركية المتبقية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، منهية مرحلة عسكرية بدأت قبل 23 سنة، مع نقل «مركز الثقل» في العلاقة من الوجود القتالي إلى التعاون الاقتصادي والأمني.

ترمب قدّم الزيارة بلغة «الصفقات»، قائلاً إن الولايات المتحدة ستعقد اتفاقات كثيرة مع العراق، وإن شركات أميركية ستشارك في استخراج النفط، بينما سعى الزيدي إلى تأكيد أن رحيل الجنود لا يعني رحيل المصالح الأميركية.

واشنطن أيضاً تبحث دعم إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، الذي ينقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بوصفه ممرّاً بديلاً يقلّل الاعتماد على هرمز. وفي لحظة تستخدم فيها إيران المضيق «ورقة ضغط»، يصبح فتح طرق تصدير برّية جزءاً من استراتيجية أمنية، لا مشروعاً تجارياً فقط.

لكن الثمن السياسي لهذه الشراكة واضح: واشنطن تريد من بغداد ضبط الفصائل الموالية لإيران ونزع سلاحها أو دمجها فعلياً تحت سلطة الدولة. وبالفعل تعهّدت الحكومة العراقية بمعالجة ملف السلاح بحلول نهاية سبتمبر، وهو الموعد نفسه لخروج القوات الأميركية. والجمع بين الموعدين يمنح الزيدي حجّة داخلية مهمة؛ إذ يستطيع القول إن الدولة لا تنزع سلاح الفصائل لإبقاء الوجود العسكري الأميركي، بل بالتزامن مع إنهائه.

بيد أن هذا يضعه أيضاً أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ لأن بعض هذه الفصائل جزء من مؤسّسات رسمية، ولديها تمثيل سياسي ونفوذ اقتصادي وشبكات محلية يصعب تفكيكها بقرار إداري. كذلك تستطيع القوى المرتبطة بطهران تصوير الضغوط الأميركية باعتبارها محاولة لإبدال النفوذ الإيراني بوصاية أميركية اقتصادية وأمنية، خصوصاً إذا بدت العقود النفطية منحازة إلى الشركات الأميركية أو غير شفّافة.

اقتصادياً، يحاول الزيدي توسيع هامش استقلال العراق بعدما ألحقت الحرب أضراراً بإنتاجه النفطي وماليته العامة. وطالب خلال زيارته بحصة «عادلة» داخل منظمة «أوبك». وقال إن حروب العراق والإرهاب ألحقت بالبلاد خسائر تتجاوز 400 مليار دولار، ومن هنا تأتي حاجته إلى استثمارات أميركية في النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار.

في المقابل، يرى محللون أنه إذا نجح الزيدي في تأمين طرق تصدير بديلة وشراكات لا تمر عبر إيران، وفي وضع الفصائل تحت سلطة الحكومة، فسيكون العراق قد بدأ خروجاً تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني المباشر. لكن هذا لا يعني انتقاله السريع إلى الفلك الأميركي، إذ ستبقى الروابط التجارية والدينية والسياسية والأمنية بين العراق وإيران أعمق من أن تلغيها زيارة أو اتفاق نفطي. والأرجح أن بغداد ستواصل محاولة الموازنة بين الجانبين، مع استخدام الشراكة الأميركية لزيادة قدرتها على التفاوض مع طهران.

«عض الأصابع»

وحقاً، تبدو ملفات هرمز وبيروت وبغداد منفصلة على الخرائط، لكنها تنتمي إلى مواجهة واحدة حول مستقبل النفوذ الإيراني وشروط القيادة الأميركية للمنطقة.

مع ذلك، يرى البعض أن حجارة «الدومينو» لا تسقط دائماً في الاتجاه الذي يريده اللاعب الأقوى. فكل ضغط إضافي على إيران قد يدفعها إلى استخدام ما تبقى لديها من أوراق بعنف أكبر؛ وكل تأخر إسرائيلي في الانسحاب من لبنان يمنح «حزب الله» ذريعة جديدة للاحتفاظ بسلاحه؛ وكل اندفاعة عراقية غير محسوبة نحو تفكيك الفصائل قد تفتح أزمة داخلية يصعب احتواؤها.

أما ترمب، الذي يريد خوض انتخابات نوفمبر بمظهر الرئيس القادر على فتح هرمز وخفض أسعار الوقود وإضعاف شبكة طهران، فقد يجد نفسه أمام «حرب استنزاف» تتآكل فيها المكاسب قبل أن تنضج نتائج الحصار.

لذلك، لن يُحسم سباق «عضّ الأصابع» بمَن يتحمل الضربات زمناً أطول فقط، بل بمَن يستطيع تحويل الصمود إلى نتيجة سياسية قابلة للصرف.

إيران قادرة على إيلام الاقتصاد العالمي عبر هرمز، لكنها في المقابل تخاطر بخسارة مواقع نفوذها الأكثر حساسية في لبنان والعراق. والولايات المتحدة تستطيع تشديد الحصار وتوسيع بنك الأهداف، لكنها قد تصل إلى الخريف من دون مضيق آمن أو اتفاق نووي أو أسعار وقود مقبولة انتخابياً. وبين هذين الرهانين، قد لا يكون المنتصر مَن يملك القوة الأكبر، بل مَن لا تنفد ساعته أولاً. طهران تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات... لكنها تراهن على ألم أميركا سياسياً


آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام
TT

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

آندي بيرنهام
آندي بيرنهام

يتأهب آندي بيرنهام لخلافة كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، الاثنين المقبل، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

تعهّد آندي بيرنهام، الرئيس العتيد للحكومة البريطانية، بتشكيل حكومة تمثل مختلف أجنحة الحزب، واضعاً تكاليف المعيشة والنمو الاقتصادي ونقل مزيد من الصلاحيات من لندن إلى المناطق في صدارة أولوياته. ووفقاً للـ«بي بي سي»، سيكون بيرنهام رئيس الوزراء التاسع والخمسين لبريطانيا، وأول سياسي يقدّم هويته الشمالية باعتبارها جزءاً مركزياً من مشروعه منذ هارولد ويلسون في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

بين ليفربول ومانشستر

وُلد آندرو موراي بيرنهام يوم 7 يناير (كانون الثاني) 1970 في أينتري، إحدى ضواحي ليفربول، لكنه نشأ في قرية كالتشيث الهادئة في مقاطعة تشيشير، الواقعة بين ليفربول ومانشستر، في منزل شديد الارتباط بحزب العمال.

والده كان مهندساً لدى شركة الاتصالات البريطانية «بي تي»، بينما عملت والدته موظفة استقبال في عيادة طبيب عام. وعُرف الوالدان مؤيدَين مخلصين لحزب العمال، ما جعل السياسة حاضرة في المنزل منذ طفولته. ويقول بيرنهام إن المسلسل التلفزيوني الذي بثته الـ«بي بي سي» بعنوان «بويز فروم ذا بلاكستاف»، وتناول البطالة والفقر في ليفربول، دفعه إلى الانضمام إلى حزب العمال وهو في الرابعة عشرة. كما كان للتوترات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا في عهد رئيسة الوزراء المحافظة مارغريت ثاتشر أثرٌ مبكر في تشكيل رؤيته السياسية.

الـ«بي بي سي» تصفه أيضاً بأنه كان طفلاً شديد التنافس ومولعاً بالرياضة؛ إذ لعب الكريكيت ضمن فريق مدارس لانكشاير، وظل حتى اليوم مشجّعاً مخلصاً لنادي إيفرتون لكرة القدم. وفي مدرسته الكاثوليكية المحلية، ترشّح ممثلاً لحزب العمال في انتخابات مدرسية تجريبية وفاز بفارق كبير.

من ناحية أخرى، كان بيرنهام وشقيقاه أول أفراد العائلة الذين التحقوا بالجامعة. ولقد درس الأدب الإنجليزي في جامعة كمبريدج العريقة، مع أنه كتب لاحقاً في كتابه «هيد نورث» أنه وجد صعوبة في الشعور بالانتماء إلى الوسط الجامعي، ولازمه إحساس بأنه «دخيل» على بيئة يغلب عليها أبناء الطبقات الأكثر ثراءً ونفوذاً. لكن فرقاً موسيقية مثل «ذا سميثس» و«ذا ستون روزز»، خلقت عنده شعوراً بالهوية والثقة داخل الجامعة، حيث تعرّف إلى زوجته المستقبلية ماري فرانس فان هيل، المولودة في هولندا.

من الصحافة المتخصصة إلى قلب وستمنستر

بعد تخرّجه في كمبريدج، انتقل بيرنهام إلى لندن وبدأ حياته المهنية في الصحافة المتخصصة، فعمل لفترة وجيزة في مجلات تجارية من بينها «تانك وورلد» و«باسنجر وورلد مانجمنت». وجاءت انطلاقته السياسية عندما عمل باحثاً لدى النائبة العمالية الراحلة تيسا جوويل، التي أصبحت لاحقاً من أبرز وزيرات حكومتي توني بلير وغوردون براون. ثم عمل مستشاراً لوزير الثقافة كريس سميث، ما وضعه في قلب مشروع «العمال الجديد» (نيو ليبر) الذي قاده بلير في تسعينات القرن الماضي.

ثم، عام 2001، انتُخب نائباً عن دائرة لي في منطقة «مانشستر الكبرى» (طوق ضواحي المدينة). وتدرج سريعاً داخل البرلمان، قبل أن يتولى مناصب وزارية صغرى في وزارة الداخلية ووزارة الصحة إبان عهد بلير.

ومع وصول غوردون براون إلى رئاسة الحكومة عام 2007، رُقّي بيرنهام إلى مجلس الوزراء، فعُيّن كبير أمناء الخزانة، ثم وزيراً للثقافة والإعلام والرياضة، وأخيراً وزيراً للصحة بين عامي 2009 و2010. وبرلمانياً، ظل نائباً عن دائرة لي من عام 2001 إلى عام 2017، قبل عودته أخيراً إلى مجلس العموم نائباً عن ميكرفيلد في يونيو (حزيران) الماضي.

هيلزبورو... «نقطة التحوّل»

يربط بيرنهام تحوّله السياسي الأعمق بحادثة وقعت في أبريل (نيسان) 2009، عندما حضر بصفته وزيراً للثقافة مراسم الذكرى العشرين لكارثة ملعب هيلزبورو في مدينة شفيلد، التي أودت بحياة 97 من مشجّعي نادي ليفربول عام 1989؛ إذ قوبلت كلمته في ملعب «آنفيلد» (معقل نادي ليفربول) بصيحات غاضبة من عائلات الضحايا والمشجعين المطالبين بتحقيق العدالة وكشف مسؤولية الشرطة والمؤسسات الرسمية عن الكارثة، بعدما تبنّت السلطات لسنوات رواية تلقي باللوم على الجماهير.

وبالفعل، ظل ملف هيلزبورو ملازماً لمسيرته. وبعد عودته إلى البرلمان هذا الصيف، شارك في الدفع نحو إقرار قانون يفرض واجباً قانونياً على المسؤولين والمؤسسات العامة بالإفصاح الصادق والتعاون مع التحقيقات، بهدف منع تكرار عمليات التستر الرسمية.

هزيمتان قبل انتزاع زعامة الحزب

بعد خسارة حزب العمال الانتخابات العامة عام 2010 واستقالة غوردون براون، خاض بيرنهام أول محاولة لقيادة الحزب، دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»، وهي صيغة حاول من خلالها الجمع بين إعادة توزيع الثروة وتشجيع الطموح الفردي. لكنه حلّ رابعاً بين خمسة مرشحين، وفاز إد ميليباند يومذاك بالزعامة. وأمضى بيرنهام السنوات التالية في «حكومة الظل»، خصوصاً في ملف الصحة، وعمل على تعزيز العلاقة بين أعضاء الحزب والنقابات.

وعام 2015، جرّب حظّه مجدداً، وهذه المرة قدّم نفسه مرشحاً وسطياً وصديقاً لقطاع الأعمال. بل أطلق حملته من مقر شركة «إرنست آند يونغ»، معتبراً إن رجال الأعمال ينبغي أن يُعاملوا باعتبارهم من أبطال المجتمع، إلى جانب العاملين في التمريض. بيد أن حملته لم تصمد أمام موجة التأييد الواسع للقيادي اليساري جيريمي كوربن، وبالتالي، حلّ ثانياً بفارق كبير. ولكن، بعكس عدد كبير من شخصيات الجناحين الوسطي واليميني، قبل بيرنهام العمل تحت قيادة كوربن وتولّى منصب «وزير داخلية الظل». ورفض المشاركة في موجة الاستقالات التي استهدفت إسقاط كوربن عام 2016، بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» (البريكست).

عمدة «مانشستر الكبرى»

عام 2017، ترك آندي بيرنهام مقعده البرلماني ليترشّح لمنصب أول عمدة منتخب لـ«مانشستر الكبرى» - إحدى التجمّعات الحضرية الثلاثة الأكبر في إنجلترا، مع «لندن الكبرى» والـ«ويست ميدلاندز» (قلبها مدينة برمنغهام)، عندما كانت تجربة قادة الحكم المحلي الإقليميين لا تزال جديدة وغير مضمونة النتائج. ويومذاك، فاز بيرنهام بأكثر من 60 في المائة من الأصوات، ثم أعيد انتخابه بهوامش أكبر. وساعد نجاحه في الانتخابات المحلية على ترسيخ سمعته بوصفه أحد أكثر السياسيين العماليين «قدرة على الفوز».

ومع أن المنصب لم يكن يتمتع بالصلاحيات التنفيذية الواسعة المتاحة لرئيس الحكومة أو حتى لرئيس بلدية لندن، فإن بيرنهام استثمر سلطته السياسية والشعبية لتحويله إلى مركز قوة، طارحاً نفسه مدافعاً عن المدن والمناطق التي يرى أن الحكومات المتعاقبة أهملتها. وكان أبرز إنجازاته إعادة الحافلات إلى الإدارة العامة، لتصبح «مانشستر الكبرى» أول منطقة في إنجلترا - خارج لندن - تستعيد التحكم في خدمات الحافلات بعد عقود من الخصخصة؛ إذ جُمعت خدمات الحافلات والترام ووسائل النقل الأخرى تحت هوية موحّدة باسم «بي نتوورك».

«ملك الشمال»

بلغت صورة بيرنهام الإقليمية ذروتها إبان جائحة «كوفيد - 19»، عندما دخل في مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون المحافظة بشأن القيود المفروضة على «مانشستر الكبرى»، وحجم الدعم المالي المقدّم للشركات والعاملين. واتّهم بيرنهام تلك الحكومة آنذاك بمعاملة شمال إنجلترا بـ«ازدراء»، ورفض قبول قيود صحية إضافية من دون تمويل كافٍ لحماية المتضررين. وظهر في مؤتمر صحافي متحدياً سياسات لندن، في مشهد أكسبه لقب «ملك الشمال»، المستوحى من مسلسل «صراع العروش».

ومنذ ذلك الوقت، بنى بيرنهام هويته على ثنائية واضحة: السياسي الذي يعرف وستمنستر من الداخل، لكنه يدّعي أنه تحرّر من ثقافتها؛ والرجل الذي شغل أعلى المناصب الوزارية، لكنه يقدّم نفسه بوصفه ممثلاً للأماكن التي لا يكترث لها المركز.

من «البليرية» إلى اليسار

يصعب وضع آندي بيرنهام داخل خانة آيديولوجية محدّدة؛ إذ بدأ حياته السياسية داخل منظومة «العمال الجديد»، وعمل مع شخصيات بارزة مقرّبة من توني بلير، وتولى منصباً وزارياً في حكومته. وفي تلك المرحلة، كان يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الوسط أو يمين الوسط داخل الحزب.

وبعدها ارتبط صعوده الوزاري بغوردون براون، الذي أدخله مجلس الوزراء ومنحه ثلاثة مناصب كبرى. وجمعت حملته عام 2010 بين إرث براون القائم على العدالة الاجتماعية، ولغة الطموح الفردي التي اشتهر بها بلير.

ثم عام 2015، عاد إلى طرح وسطي مؤيد للأعمال، قبل أن يقبل العمل تحت قيادة كوربن بعد هزيمته. وهو ما دفع منتقديه إلى وصفه بأنه «متقلّب» تتأرجح مواقفه مع اتجاه الرياح السياسية. لكن سنوات مانشستر منحته قاعدة سياسية أكثر اتساقاً. فقد تبنى الرقابة العامة على النقل، ودافع عن تأميم شركات المياه المتعثرة، وأيّد زيادة السيطرة العامة على الطاقة والمرافق الأساسية.

وبالتالي، يُصنّف بيرنهام اليوم غالباً ضمن «اليسار الناعم» للحزب: أكثر تدخلاً في الاقتصاد من ستارمر، وأقل راديكالية من يسار كوربن، مع نزعة محلية تركز على الخدمات والملكية العامة الجزئية أكثر مما تركز على الصراع الآيديولوجي.

تعميم «المانشسترية»

يقول بيرنهام إن أجندته في رئاسة الحكومة ستقوم على نقل ما يسميه «المانشسترية» إلى البلاد بأكملها؛ أي الجمع بين الاستثمار العام والخاص، ومنح السلطات المحلية صلاحيات أكبر، ووضع الاحتياجات الإقليمية قبل حسابات المركز والحزب.

ولقد تعهد بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن التابعة للمجالس المحلية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإصلاح ضرائب الأعمال لإنعاش التجارة، ووضع التعليم التقني والأكاديمي على قدم المساواة، وتوسيع السيطرة العامة على المياه والطاقة والنقل والإسكان لتقليل تكاليف المعيشة. وتضم أولوياته أيضاً خفض فواتير الطاقة وأسعار القطارات، وتوفير وظائف وتدريب مهني أفضل للشباب، وإعادة بناء قطاعات صناعية في مجالات الدفاع والطاقة والغذاء والزراعة، إلى جانب استخدام الإنفاق العام لتحفيز استثمارات خاصة طويلة الأجل.

الاختبار الأكبر

لم يُقدّم بيرنهام بعدُ تفاصيل كاملة عن كيفية تمويل برنامجه، خصوصاً أنه وعد بتوسيع الاستثمار العام مع الحفاظ على الانضباط المالي وعدم رفع الضرائب الأساسية على العاملين. وبالتالي، سيجد نفسه أمام ملفات لم تختبرها تجربته المحلية، من الإنفاق الدفاعي والهجرة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى التعامل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحرب أوكرانيا والتوترات الشرق الأوسط. بعد خسارة العمال انتخابات عام 2010 ترشح بيرنهام لأول مرة لقيادة الحزب دافعاً بما سماه «الاشتراكية الطموحة»


«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)
TT

«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

تراس (آ ف ب)
تراس (آ ف ب)

بينما يعدّ آندي بيرنهام لأن يصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عشر سنوات، تثير وتيرة تعاقب رؤساء الوزراء غير المسبوقة في بريطانيا تساؤلات واسعة، لا سيما مع تحول «10 داونينغ ستريت» إلى «باب دوّار» في مرحلة ما بعد مغادرة «الاتحاد الأوروبي» (البريكست). وفي ما يلي نظرة على رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على بريطانيا منذ استفتاء عام 2016.

ديفيد كاميرون: 0102 - 6102

أعلن ديفيد كاميرون استقالته في يونيو (حزيران) 2016، بعد يوم واحد من تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من «الاتحاد الأوروبي» في استفتاء مفصلي كان قد قاد حملة قوية ضد نتيجته. وكان كاميرون، الذي فاز بغالبية برلمانية في انتخابات عام 2015، قد دعا إلى إجراء الاستفتاء في محاولة لإنهاء الانقسامات المزمنة داخل حزب المحافظين بشأن علاقة بريطانيا بـ«الاتحاد». وانتهت ولايته بعد 6 سنوات و64 يوماً في رئاسة الحكومة.

كاميرون (آ ف ب)

تيريزا ماي: 6102 - 9102

خلفت تيريزا ماي، كاميرون، وتولّت مهمة التفاوض على صيغة خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي». وواجهت خطة ماي، التي حصلت على استحسان بروكسل، تمرّداً من بعض النواب المحافظين الذين رأوا أن مقترحها يُبقي بريطانيا داخل المجال الاقتصادي الأوروبي. وفي مايو (أيار) 2019، قدمت ماي استقالتها، واستمرت ولايتها 3 سنوات و12 يوماً.

بوريس جونسون: 9102 - 2202

وصل بوريس جونسون، رئيس بلدية لندن السابق وأحد أبرز منتقدي ماي، إلى رئاسة الحكومة متعهّداً بإنجاز خروج حاسم من «الاتحاد الأوروبي». ونجح في التوصل إلى اتفاق «البريكست»، والإشراف على خروج بريطانيا رسمياً من «الاتحاد»، قبل أن يقود البلاد إبان جائحة «كوفيد - 19». لكن سلسلة من الفضائح الأخلاقية والسياسية أطاحت به، في مقدمتها إقامة حفلات في «داونينغ ستريت» ومقار حكومية أخرى خلال فترات الإغلاق التي فرضتها حكومته على المواطنين لمكافحة الجائحة. واستمرت ولايته 3 سنوات و45 يوماً.

ليز تراس: 2202

خلفت ليز تراس، جونسون، لكنها أصبحت صاحبة أقصر ولاية في التاريخ البريطاني، واستقالت بعد 6 أسابيع فقط من تسلمها السلطة. وتراس قدّمت نفسها باعتبارها من أنصار تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتخفيضات الضريبية، متعهدةً بإحداث تحوّل جذري في الاقتصاد البريطاني. لكن خطتها الاقتصادية تسببت في اضطرابات حادة في الأسواق، ودفعت الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، وأزمة حادّة في قطاع العقار. وهكذا استقالت بعد 50 يوماً فقط من دخولها «داونينغ ستريت».

ريشي سوناك: 2202 - 4202

حصل ريشي سوناك على دعم نواب حزب المحافظين لخلافة تراس، ودخل التاريخ باعتباره أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندية، فضلاً عن كونه أصغر من تولى المنصب منذ نحو 200 سنة. واعتبر المحافظون سوناك أكثر كفاءة واستقراراً من تراس، لكن سنوات الاضطراب والانقسامات داخل الحزب كانت قد ألحقت أضراراً عميقة بشعبيته لدى الناخبين، وفق الـ«نيويورك تايمز». أيضاً لم ينجح سوناك في تحسين موقع الحزب في استطلاعات الرأي، ودعا بعد نحو عام ونصف العام في الحكم إلى انتخابات عامة أُجريت في يوليو (تموز) 2024. ومُني المحافظون فيها بأكبر هزيمة انتخابية عبر تاريخ حزبهم الممتد لنحو قرنين. واستمرت ولاية سوناك سنة و255 يوماً.

ستارمر (آ ف ب)

كير ستارمر: 4202 - 6202

وصل كير ستارمر إلى السلطة عقب فوز ساحق لحزب العمال في انتخابات عام 2024، متعهداً بإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة المنهكة، واستعادة ثقة البريطانيين بالسياسة. لكن فوز العمال لم يؤدِ إلى مرحلة الاستقرار التي وعد بها. إذ واجهت حكومته انقسامات داخلية متزايدة، وتراجعت شعبية العمال بصورة حادة بعد أقل من سنتين على فوزه الانتخابي الكبير، فقرر الاستقالة بعد تصاعد الضغط عليه عقب الخسائر التي تكبّدها الحزب في الانتخابات المحلية خلال مايو (أيار) 2026.