النظام يهدد «معضمية الشام»: تسليم السلاح وترحيل المعارضين.. أو الحرب

4 سنوات من الهدن فرضها النظام لحماية العاصمة ومناطقه الحيوية

النظام يهدد «معضمية الشام»: تسليم السلاح وترحيل المعارضين.. أو الحرب
TT

النظام يهدد «معضمية الشام»: تسليم السلاح وترحيل المعارضين.. أو الحرب

النظام يهدد «معضمية الشام»: تسليم السلاح وترحيل المعارضين.. أو الحرب

كثف النظام السوري أمس ضغوطه على أهالي «معضمية الشام» للقبول بتسوية معه، تقضي بتجريد المقاتلين من سلاحهم وترحيل من لا يوافق على التسوية إلى خارج المدينة الملاصقة للعاصمة السورية، مهددًا باستخدام القوة والقصف «في حال عدم القبول بتسويته».
وبعد اتفاق داريا، يسعى النظام إلى فرض تسوية في المعضمية الواقعة جنوب دمشق. وقال الناشط داني قباني، عضو المركز الإعلامي في المعضمية لـ«الشرق الأوسط»، إن لجنة التفاوض التي التقت ممثلين مع النظام أمس «تحدث معها ممثلو النظام بلهجة الفرض، وهددوا بحرق المعضمية في حال عدم القبول بالتسوية». وقال: «لم يترك النظام خيارًا آخر أمام السكان. ففي وقت كان السكان منقسمين قبل اللقاء مع ممثلي النظام بين من يرضى بالتسوية بشروطها، وبين من يعارضها بالكامل، أو يعارض بعض بنودها، مثل تسليم السلاح أو خروج بعض الأسماء التي أعد النظام قوائم فيها، بدا المشهد مغايرًا بعد الاجتماع، حيث بدأ النظام عازمًا على استخدام القوة والشروع في حرب لا قدرة على المدنيين في المعضمية خوضها».
وقالت مصادر سورية معارضة بريف دمشق لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع عقد بين لجنة المفاوضات عن مدينة (معضمية الشام) ولجنة المفاوضات من قبل قوات النظام الممثلة بالعميد غسان بلال، مدير مكتب ماهر الأسد، والمفاوض أكرم جميلة، حيث تم إبلاغ المفاوضين من أهالي المدينة، بأن هذا الاجتماع هو الأخير إلى حين الإبلاغ بالموافقة أو الرفض.
وأوضحت المصادر، أن بنود الاتفاق الذي يدفع النظام باتجاه تطبيقه، تتضمن «تسليم السلاح بشكل كامل، وتسوية أوضاع جميع الثوار والمنشقين والمتخلفين عن الخدمة الإلزامية، وإعداد قوائم تحمل أسماء الأشخاص الذين لا يرغبون في التسوية بغرض ترحيلهم خارج المعضمية باتجاه الشمال، ودخول مؤسسات الدولة إلى المعضمية، وتشكيل كتيبة تحمل اسم الشرطة الداخلية بقيادة مشتركة من أهالي المدينة وقوات النظام».
وهدد النظام، بحسب المصادر، بإعلان المعضمية «منطقة حرب في حال رفض التسوية، والعزم على حسم الوضع فيها عسكريًا بعد ترحيل النساء والأطفال منها».
المعضمية، ستكون آخر المناطق التي يقضمها النظام بالهدن والتسويات. ولم تُجارِ المعارضة السورية النظام بإجباره على تنفيذ هدنة، إلا في حالة الزبداني ومضايا – كفريا والفوعة التي تم التوصل إليها في شهر سبتمبر (أيلول) 2015، حين أجبر «جيش الفتح» في الشمال النظام السوري وحلفائه على تخفيف الضغط عن الزبداني، ومنع اقتحامها وإخراج 700 مقاتل لا يزالون فيها، إلا حين فرضوا معادلة «الزبداني مقابل كفريا والفوعة»، وهما قريتان يسكنهما سوريون شيعة في محافظة إدلب في شمال البلاد. وعدا ذلك، استطاع النظام أن يتدرج بالهدف إلى اتفاقيات إخلاء، يصفها النظام بأنها «مصالحات»، وتمثلت في اتفاق إخلاء داريا قبل أيام قليلة من المقاتلين المعارضين والمدنيين، بعد عامين على إخلاء أحياء حمص القديمة من السكان والمقاتلين.
وتوصل النظام والمعارضة منذ عام 2012 إلى عدة اتفاقات هدنة أو تهدئة، اختلفت تسمياتها، بدأت في بلدة قلعة المضيق في حماه، وتلاها بلدة المعضمية في جنوب دمشق، قبل أن تكر السبحة لتشمل الهدن معظم المناطق المحيطة بالعاصمة السورية، وصولاً إلى حمص. وغالبًا ما تم التوصل إلى تلك الاتفاقات، حين فشل النظام في إنهاء وجود المعارضة عسكريًا في تلك المناطق.
ويقول مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن الهدن «كانت بمجملها عبارة عن عمليات استنزاف من قبل النظام لقوات المعارضة، وإجبارهم على الرضوخ لاتفاقات سعى إليها، وادعى خلالها أنه يقوم بالمصالحات»، مشيرًا إلى أن إخلاء داريا «يصوره النظام على أنه اتفاق، بينما جاء بعد 7800 برميل متفجر»، لافتًا إلى أن المنطقة «قُصفت بأسلحة كيميائية وحصار وتجويع»، وهو ما تكرر بعد حادثة إخلاء حمص في مايو (أيار) 2014.
وقال عبد الغني: «لولا إن كانت المناطق تُقصف عشوائيًا، حيث تم استهداف المدنيين والمدارس والمرافق الصحية، فإن السكان لن يغادروها، ولن يجبروا على توقيع الاتفاقات»، مشددًا على أن ما انتهجه النظام «يخالف حكمًا تطبيق قواعد القانون الدولي المتعلق بقوانين الحرب». وأشار إلى أن مناطق القابون وبرزة «تعرضت لجرائم حرب وضد الإنسانية؛ ما أجبر المعارضين على توقيعها، وهي تُسمى تجاوزًا بهدن؛ كونها إجبارا تحت ضغط القتل والحصار».
وبدأت سلسلة الهدن في بلدة قلعة المضيق في ريف حماه، حيث توصل النظام مع المعارضين إلى اتفاق يقضي بتجميد الأعمال القتالية في قلعة المضيق ومحيطها؛ منعًا لقصفها من قبل النظام. علما بأن قلعة المضيق، هي بلدة استراتيجية، يسكنها السنة، وتجاور مناطق تواجد العلويين في سهل الغاب وصولاً إلى جبال اللاذقية. وبحسب مصادر المعارضة، فإن التوصل إلى الهدنة «كان يهدف إلى منع تمدد المعارضة إلى العمق العلوي الذي يمثل البيئة الحاضنة للنظام بسهل الغاب».
وبدأت في مدينة معضمية الشام، المجاورة لمدينة داريا في الغوطة الغربية للعاصمة، التي دخلت هدنة في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2013 بعد معارك وحصار استمر أكثر من عام، وقضت بتسليم الأسلحة الثقيلة مقابل إدخال المساعدات.
وبعد معضمية الشام، كرت سبحة الهدن في ريف دمشق، حول العاصمة، حيث شملت أحياء برزة والقابون وتشرين، الخاضعة جميعها لسيطرة المعارضة على الأطراف الشمالية للعاصمة دمشق، ودخلت هدنة مع النظام بدءًا من برزة في فبراير (شباط) 2014 لتتبعها أحياء القابون وتشرين في سبتمبر من العام ذاته.
ويعتبر اتفاق برزة، نموذجًا لاتفاقيات توصل إليها الطرفان في وقت لاحق حول دمشق، وشملت «وقف إطلاق النار بين الطرفين، انسحاب الجيش النظامي من كل أراضي برزة، إطلاق سراح معتقلي الحي من سجون النظام، إعادة الخدمات إلى الحي وإصلاح البنى التحتية، فتح الطرقات الرئيسية في الحي والسماح بعودة الأهالي بعد إصلاح الخدمات، وأن يسيّر الجيش الحر أمور المنطقة بشكل كامل دون تسليم عناصره أو سلاحه».
وبالتزامن، عقدت في فبراير من العام نفسه اتفاقيات في جنوب دمشق، شملت بلدات بيت سحم ويلدا وببيلا، وذلك بالتزامن مع استمرار المعارك العسكرية في المنطقة نفسها ومحيطها، حيث خاض مقاتلو ما يسمى «حزب الله» اللبناني ومقاتلون نظاميون معارك ضد المعارضة في منطقة السيدة زينب وما حولها. وبعد مايو، دخل حيّا القدم والعسالي في هدنة أيضًا، ليصبح جنوبي دمشق خاليا من مقاتلي المعارضة، باستثناء حي التضامن، إضافة إلى حي الحجر الأسود، الذي سيطر عليه تنظيم داعش في عام 2014، إضافة إلى مخيم اليرموك الذي يتواجد فيه مقاتلو «جبهة النصرة» وآخرون.
هذا، وجاءت الهدنة في مدينة قدسيا في الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، شرطا رئيسيا وضعه النظام لإعادة فتح الطريق وفك الحصار الكامل المفروض عليها.
وكان النظام يسعى إلى عقد اتفاقيات في مناطق حيوية، لعل أبرزها اتفاقيات مع المعارضة في القلمون الشرقي في عام 2013 لضمان بقاء خط إمداد الغاز إلى المحطات الحرارية بريف دمشق، كما سعى إلى اتفاقيات في منطقة وادي بردى؛ لضمان وصول مياه السفة من نبع فيجي ونبع بقين إلى عاصمته.
أبرز الهدن في سوريا العابرة للمناطق، هي هدنة الزبداني – كفريا والفوعة، الذي تم التوصل إليه في سبتمبر 2015، ونصت على وقف إطلاق نار في كل من الزبداني ومضايا وبقين وسرغايا والقطع العسكرية المحيطة بها في ريف دمشق، كذلك الفوعة وكفريا وبنش وتفتناز وطعوم ومعرة مصرين ومدينة إدلب ورام حمدان وزردنا وشلخ في محافظة إدلب. وطبق الاتفاق على مراحله خلال الأشهر الستة الأولى، مدة الهدنة، قبل أن يتجدد تلقائيًا، ويعتبر صامدًا حتى الآن. ولعل من أبرز شروطه المنفذة، خروج المقاتلين ومن أراد من العوائل في المناطق المشمولة في ريف دمشق باتجاه إدلب تحديدًا، إضافة إلى خروج الراغبين من النساء والأطفال دون الثامنة عشرة، والرجال فوق الخمسين وكامل الجرحى من الفوعة وكفريا، بحيث لا يزيد العدد على عشرة آلاف مواطن سوري.
وفي عام 2016، توصل السكان المحاصرون في داريا الواقعة على بعد 10 كيلومترات جنوب دمشق، إلى اتفاق مع النظام السوري، انتهى تنفيذه السبت الماضي. ونص على إخراح المقاتلين وأفراد من عائلاتهم إلى مدينة إدلب في شمال غربي البلاد، وعلى إخراج مدنيين آخرين إلى مركز إقامة مؤقت في قرية حرجلة، الواقعة على بعد نحو عشرين كيلومترا جنوب شرقي داريا.
ويعد اتفاق داريا، تكرارًا لاتفاق أحياء حمص القديمة الذي توصل إليه المعارضون في النظام في مايو 2014، وقضى بإخراج جميع المقاتلين والمدنيين من تلك الأحياء، وترحيلهم إلى مناطق أخرى في حي الوعر بحمص أو بلدة الدار الواسعة بريف حمص الشمالي.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.