متدرب سابق في الجيش البلجيكي شارك في عملية انتحارية بالعراق

عاميور ظهر في شريط فيديو تبنى فيه «داعش» تفجيرات بروكسل

حضور أمني في شوارع العاصمة بروكسل عقب تفجيرات مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
حضور أمني في شوارع العاصمة بروكسل عقب تفجيرات مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
TT

متدرب سابق في الجيش البلجيكي شارك في عملية انتحارية بالعراق

حضور أمني في شوارع العاصمة بروكسل عقب تفجيرات مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
حضور أمني في شوارع العاصمة بروكسل عقب تفجيرات مارس الماضي («الشرق الأوسط»)

أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي البلجيكي، أن لطفي عاميور (26 عاما)، من سكان مدينة فرفييه شرق البلاد والملقب باسم «أبو أنور البلجيكي»، كان بين منفذي التفجيريين الأربعة في تفجيرات وقعت بالقرب من الموصل العراقية الثلاثاء الماضي. وتدرب عاميور في الجيش البلجيكي لمدة عامين قبل أن يتوجه إلى سوريا للانضمام إلى صفوف تنظيم داعش. والتحق عاميور بشكل تطوعي خلال الفترة من 2010 إلى 2012 بالفرقة الطبية بالجيش البلجيكي، وأفادت وسائل الإعلام في بروكسل، أن عاميور تلقى دورات تدريبية أولية في الجيش ومنها قراءة الخريطة العسكرية والتعامل مع الأسلحة، وكان مخططًا له بعد ذلك أن يشارك في دورة لتعلم الإسعافات ولم يحضر. وبعد ذلك بفترة سافر إلى سوريا للانضمام إلى صفوف تنظيم داعش. وفي مطلع العام الماضي، ظهر في فيديو مع شخص آخر، يتوعدان بلجيكا وفرنسا بهجمات إرهابية وجاء فيه «قادمون إلى باريس وبروكسل بالكلاشنيكوف والمتفجرات والسكاكين والسيارات المفخخة، كما ظهر أيضًا في فيديو بثه «داعش» عقب تفجيرات بروكسل ليعلن مسؤوليته عن التفجيرات، التي راح ضحيتها 32 شخصا وأصيب 300 آخرين، وشملت مطارًا ومحطة للقطارات الداخلية بالعاصمة البلجيكية.
كما قامت بلدية فرفييه في 18 مارس (آذار) الماضي بسحب أوراق الإقامة من زوجته السابقة، وبالتالي منعها من السفر خارج بلجيكا وبعد أن سبق أن حاولت في صيف 2014 السفر برفقة طفلها إلى سوريا. وأكدت النيابة العامة الفيدرالية في بيان الجمعة الماضية، هوية الشاب البلجيكي الذي فجر نفسه يوم الثلاثاء الماضي خلال هجوم انتحاري بالعراق. ووفقا للمعلومات التي أدلى بها باللغة العربية تنظيم داعش، أطلق أربعة إرهابيين أحزمتهم الناسفة بعد اختلاطهم مع جنود عراقيين بالقيارة على بعد خمسين كيلومترا جنوب الموصل، أحد معاقل التنظيم.وكان أحد المهاجمين هو لطفي عاميور.
وفي مطلع الشهر الحالي جرى الإعلان في بروكسل، أن الاستخبارات العسكرية في بلجيكا، تراقب خمسين فردا من المؤيدين للتشدد، ولكن طالما أن أحدا منهم لم يتصرف بشكل مخالف للقانون، سيظل هؤلاء في الخدمة العسكرية، حسبما ذكرت وزارة الدفاع البلجيكية والتي أضافت أن خمسين عنصرا من المتشددين في صفوف الجيش، يعتبر مشكلة وتثير القلق، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص حصلوا على تدريبات عسكرية، ولديهم الفرصة للوصول إلى الأماكن التي يوجد بها السلاح، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن لقيادة الجيش أن تطردهم من الخدمة من دون أسباب. وأكدت الوزارة أنها تتعامل بجدية مع هذا الأمر، ولكن العدد قليل جدا إذا ما علمنا أن هناك 32 ألف شخص يعملون في الجيش البلجيكي منهم 30 ألف عسكري.
وحسب الإعلام المحلي، فإن هؤلاء الأشخاص يؤيدون الفكر الإسلامي المتشدد، والنازية الجديدة، وجماعة «الدراجات النارية»، ورفضت وزارة الدفاع الكشف عن عدد العناصر التي تنتمي إلى كل جماعة، وذلك في أعقاب ما تردد عن وجود أربعة عناصر من الجيش في صفوف جماعة تعرف باسم «جنود أودين»، وهي منظمة اسكندنافية وتأسست في فنلندا وبدأ فرع لها في بلجيكا نشاطه مع مطلع العام الحالي، وأنشئت بغرض مواجهة تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، ويرفض عناصر الجماعة تسميتهم بالمتشددين. وقالت لورانس مورتير المتحدثة باسم وزير الدفاع فان دنبوت، إن كل شخص له الحق في الانضمام إلى أي جماعة أو تكوين مجموعة، وهذا أمر يكفله الدستور، ولكن طالما أن الأمر لا يتعارض مع عمله العسكري، سيظل هذا الشخص في الخدمة العسكرية ولكن تحت المراقبة المستمرة، وأشارت وسائل الإعلام المحلية إلى أن وزير الدفاع السابق بيتر دوكارم كان دائم الحذر من إمكانية وصول المتشددين إلى صفوف الجيش، وعلى الرغم من عدم وجود قوانين تحظر وجود عناصر من الجيش في جماعات أخرى لا تتعارض مع عملهم العسكري، كان دوكارم يجري اختبارات صارمة للغاية لاختيار العناصر التي يمكن أن تلتحق بالخدمة العسكرية، كما أن هناك عمليات مراقبة دورية من المخابرات العسكرية. وحول انضمام أربعة عسكريين لجماعة جنود أودين، قالت المتحدثة إنه جرى استدعاء الجنود لاستجوابهم وقد تركت إحدى المجندات بالفعل هذه المجموعة.
ووصل التشدد إلى عناصر الجيش منذ عام 2006 عندما جرى اكتشاف عناصر خلية متشددة كانت تضم عددا من الجنود، وكانت تنوي تنفيذ مخطط، واستغلت معسكرات التدريب التابعة للجيش لإجراء تدريباتها على التنفيذ، ولكن اكتشفت السلطات أمرهم وجرى مداهمة أماكن إقامتهم في المعسكر، وجرى العثور على كمية أسلحة كبيرة بحوزتهم. كما عرف الجيش، وجود عناصر إسلامية متشددة، ومنها لطفي عاميور من مدينة فرفييه شرق البلاد، الذي تلقى تدريبات في الجيش البلجيكي، وأصبح فيما بعد واحدا من المقاتلين في صفوف «داعش»، وفي العام الماضي هدد بتنفيذ عمل إرهابي في بلجيكا.
ويذكر أنه في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي نفذت قوات الشرطة حملة مداهمات في بروكسل، استهدفت منازل الأشخاص الذين شاركوا في حادث فرفييه، الذي عرف إلقاء متفجرات وإطلاق نار مع رجال الشرطة من جانب مجموعة، قالت الشرطة إنها تضم عناصر عادت مؤخرا من سوريا، وانتهى الأمر بمقتل شخصين وإصابة الثالث واعتقاله.
وفي مايو (أيار) الماضي، نقلت تقارير إعلامية في بروكسل عن النائب فيلي يوكسيل من الحزب الديمقراطي المسيحي استنادا إلى معلومات صادرة من مكتب وزير الداخلية جان جامبون، أن الهيئة التنسيقية لتحليل التهديد قامت بسحب بطاقة هوية ستة مقاتلين أجانب محتملين بسوريا. ويندرج من بينهم الزوجة السابقة لأحد المتشددين من مدينة فرفييه شرق البلاد، لطفي عاميور. وتتوفر الأجهزة الأمنية منذ الخامس من يناير الماضي على فرصة سحب وثائق الهوية من أشخاص تشتبه في كونهم كانوا يرغبون في السفر إلى مناطق تعمل فيها الجماعات الإرهابية. ووفقًا للوزير جامبون فقد «تم حتى الآن سحب بطاقة هوية ستة أشخاص، أو تم إلغاؤها». وترجع المبادرة إلى الهيئة التنسيقية التي تقوم بتحليل حالة التهديد في البلاد. ويرجع تاريخ اتخاذ أول قرار من مثل هذا النوع من القرارات إلى 18 مارس. وأعلنت إدارة البلدية بفرفييه بنفسها أنها توصلت يوم 18 مارس بطلب سحب وثائق الهوية من الزوجة السابقة للطفي عاميور.
وفي الأسبوع الماضي قالت إدارة مركز تحليل مخاطر الإرهاب في بلجيكا، إنه في النصف الأول من العام الحالي تراجع أعداد الشباب الذين يرغبون في السفر للقتال في سوريا بشكل كبير جدا، لدرجة تشير إلى أنه ربما لم يسافر أحد تقريبا إلى هناك منذ بداية العام الحالي، وإن كان هذا لا يمنع وجود بعض الإشارات إلى سفر عدد قليل من الشباب إلى مناطق الصراعات ولكنها أمور غير مؤكدة.
بينما قالت وزارة الداخلية البلجيكية، إن هناك أعدادا من الذين تأثروا بالفكر المتشدد تحت المراقبة، وهناك تراجع واضح في أعداد من يرغبون في السفر للقتال في الخارج، وحسب أوليفييه فان ريمدونك المتحدث باسم وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون، عرفت الشهور القليلة الماضية انخفاض المعدل إلى خمسة أشخاص كل شهر بعد أن وصل المعدل في 2012 و2013 إلى 12 شخصا كل شهر وفي 2014 إلى 11 شخصا كل شهر وحسب المصدر نفسه «يوجد حاليا في سوريا 266 شخصا سافروا من بلجيكا وهناك 114 شخصا عادوا من هناك»، هذا بخلاف من ألقي القبض عليه في طريق السفر إلى سوريا.
وفي منتصف الشهر الماضي، جرى الإعلان في بروكسل عن وصول إجمالي عدد الأشخاص الذين سافروا من بلجيكا إلى سوريا والعراق للمشاركة في العمليات القتالية هناك إلى 457 شخصا من بينهم ما يقرب من تسعين امرأة وطفل، وحسب أرقام رسمية نشرتها محطة التلفزة البلجيكية الناطقة بالهولندية «في تي إم». وجاء فيها، أن الأرقام كانت قد وصلت مطلع العام الحالي إلى 451 شخصا، وهذا يعني حدوث تراجع في أعداد المقاتلين البلجيكيين في الفترة الأخيرة، ويعود ذلك إلى عدة سباب منها زيادة في أعداد الأشخاص الذين جرى توقيفهم قبل السفر إلى مناطق الصراعات والانضمام إلى صفوف «داعش» وغيرها من الجماعات المتشددة، وكان عدد من أوقفتهم السلطات في مطلع العام الحالي 59 شخصا وبلغ الرقم الآن 73 شخص، كما جرى منذ مطلع العام الحالي سحب الإقامة القانونية من 11 شخصا سافروا للقتال في سوريا. وحسب الأرقام المعلنة يوجد حاليا في سوريا والعراق 266 شخصا وهناك أربعة أشخاص في الطريق إلى هناك سافروا من بلجيكا، بينما جرى توقيف 73 شخصا قبل سفرهم، وهناك 114 شخصا عادوا من مناطق الصراعات إلى بلجيكا، ومن بين 266 شخصا يوجدون في مناطق الصراعات ما يقرب من 90 شخصا قتلوا، وحسب الإعلام البلجيكي، ما يثير الانتباه في الأرقام المعلنة أن هناك 86 سيدة و43 طفلا سافروا إلى سويا والعراق، وهناك 50 سيدة و35 طفلا، وأغلبية الأطفال تقل أعمارهم عن 12 عاما، يوجدون حاليا في سوريا والعراق، وهناك سيدة واحدة فقط الآن في طريقها إلى هناك بينما 18سيدة وطفلان عادوا من هناك، وأيضًا هناك 17 سيدة وستة أطفال جرى توقيفهم قبل سفرهم إلى سوريا والعراق.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.