كيف احتلت الصين مركز الصدارة في حرب البيتكوين؟

العملاق الآسيوي يسيطر على 42% من معاملات العملة الافتراضية

أكثر من 70% من المعاملات عبر شبكة البيتكوين تتم من خلال أربع شركات صينية فحسب (رويترز)
أكثر من 70% من المعاملات عبر شبكة البيتكوين تتم من خلال أربع شركات صينية فحسب (رويترز)
TT

كيف احتلت الصين مركز الصدارة في حرب البيتكوين؟

أكثر من 70% من المعاملات عبر شبكة البيتكوين تتم من خلال أربع شركات صينية فحسب (رويترز)
أكثر من 70% من المعاملات عبر شبكة البيتكوين تتم من خلال أربع شركات صينية فحسب (رويترز)

توجه وفد من المديرين التنفيذيين الأميركيين إلى بكين في أبريل (نيسان) لحضور اجتماع سري على بعد بنايات قليلة من ساحة تيانانمين الشهيرة، ولقد جاءوا من أجل مقابلة صناع الملوك الجدد في واحدة من أغرب التجارب المالية التي شهدها العالم: العملة الافتراضية المعروفة عالميا باسم بيتكوين.
وعلى خلاف النزاعات طويلة الأمد، ورغم الهياكل المبهمة، التي تتعامل الحواسيب الفائقة السرعة مع تلك العملة من خلال المعادلات الرياضية المعقدة، فإن عملة بيتكوين قد أصبحت من الصناعات التي تقدر بمليارات الدولارات، ولقد استقطبت تلك الصناعة كبار المستثمرين من وادي السيلكون الأميركي وعددا لا بأس به من مستثمري وول ستريت في نيويورك.
ومع ذلك فإن تلك العملة، التي هي على حد سواء نوع جديد من الأموال الرقمية وشبكة مالية عالمية غير اعتيادية، تواجه نوعا من أنواع أزمة الهوية، وعلى غرار كثير من التكنولوجيات السابقة عليها، فإن العملة الافتراضية باتت تواجه تحديات الشد والجذب.
ففي أول أيامها، كان من المفترض أن تتخذ بيتكوين موضعها بعيدا عن سيطرة أي حكومة أو دولة، وكان مقصودا لها الوجود في كل مكان وليس في أي مكان.
ولكن على الرغم من الحديث حول «عملة بلا حدود»، بسطت حفنة من الشركات الصينية وبشكل فعال سيطرتها الغالبة على شبكة عملة بيتكوين، ولقد نفذوا ذلك عبر سلسلة من الاستثمارات الماكرة ومزارع ممتدة من خوادم الحواسيب الفائقة والمنتشرة في مختلف أرجاء البلاد، ولقد طار الوفد الأميركي إلى بكين؛ بسبب أنها المدينة التي تتركز فيها أغلب القوة المؤثرة لعملة البيتكوين.
وفي وقت الاجتماع، والمنعقد في فندق غراند حياة، كان أكثر من 70 في المائة من المعاملات عبر شبكة البيتكوين تتم من خلال أربع شركات صينية فحسب، والمعروفة باسم تجمعات استخراج البيتكوين، وكانت أغلب تلك المعاملات المشار إليها تتدفق عبر شركتين اثنتين فقط من الشركات المذكورة، ولقد منحهم ذلك ما يرقى إلى مستوى قوة النقض (الفيتو) حول أي تغييرات تُجرى على برمجيات أو تكنولوجيا البيتكوين.
صارت الصين سوقا مفتوحة لعملة البيتكوين على العكس من أي شيء آخر في الغرب؛ مما يسبب فورة استثمارات ضخمة في مزارع خوادم الحواسيب الفائقة إلى جانب المضاربات الهائلة المتصورة على معاملات البيتكوين الصينية، ولقد بلغت المبادلات الصينية حد 42 في المائة من كل معاملات البيتكوين خلال العام الحالي، وفقا لتحليل أجري لصالح صحيفة «نيويورك تايمز» بواسطة مؤسسة «تشينالسيس»، وفي الأسبوع الماضي وحده، انضمت شركة الإنترنت الصينية العملاقة «بايدو» إلى جانب ثلاثة من البنوك الصينية للاستثمار في شركة «سيركل» الأميركية لعملة البيتكوين.
ولكن النفوذ الصيني في هذا الوسط يثير كثيرا من المخاوف بشأن استقلال البيتكوين ولامركزية المعاملات عليها، الذي كان من المفترض أن يمنح تلك التكنولوجيا الحرية المطلوبة من ذلك القمع الحكومي، الذي أصبح شيئا مألوفا في العالم المالي الصيني.
يقول إيمين غون سايرر، البروفيسور في جامعة كورنيل والباحث في شؤون عملة البيتكوين: «إن تركيز المعاملات في مكان واحد هو أمر لا يبشر بخير، ونحن بحاجة إلى أن ننتبه إلى هذه الأمور إذا أردنا من اللامركزية أن تكون ذات نفع».
يلعب نفوذ الشركات الصينية دورا رئيسيا في الحرب الأهلية التي سببت الانقسام بين أنصار البيتكوين خلال العام الماضي، وأدت إلى رحيل واحدة من أكبر شركات تطوير وتنمية العملة الافتراضية، واستقر النزاع حول المسائل التقنية إلى جانب التساؤلات الكبرى حول ماهية عملة البيتكوين وكيف يكون وضعها بعد 10 أو 20 سنة.
وتقاتل الشركات الأميركية، التي غادر مديروها التنفيذيون إلى اجتماع فندق غراند حياة الصيني - ومن بينها شركات ناشئة تأسست بتمويلات من رأس المال المغامر مثل شركة «كوين - بيز» وشركة «سيركل» - من أجل توسيع قاعدة التعامل على بيتكوين، وهم يأملون في توسيع قدرات شبكة بيتكوين حتى تستطيع معالجة المزيد من المعاملات والتنافس مع خدمات «باي - بال» و«فيزا» حول العالم.
ويعود الحجم الحالي للشبكة إلى الأيام الأولى، عندما قيد مؤسس البيتكوين، ساتوشي ناكاموتو، مقدار البيانات التي يمكن انتقالها عبر الشبكة، محددا ذلك في الأساس بنحو سبع معاملات في الثانية، ولقد ازدادت شعبية البيتكوين منذ ذلك الحين، ولقد تسببت تلك الحدود في وقوع الازدحام الشديد وأدت إلى إطالة مدة المعاملات وتأخيرها، وتقدم الوفد الأميركي إلى الصين بمقترح للبرمجيات يعرف باسم «بيتكوين كلاسيك»، الذي من شأنه أن يغير من الأمر برمته.
وتملك الشركات الصينية، برغم كل شيء، الكلمة الأخيرة وسلطة اتخاذ القرار في نهاية المطاف حول أي تغييرات تجرى على البرمجيات، وهم لا يتفقون مع الوفد الأميركي ولا يوافقون على مقترحاته، فلقد أتى الجانب الصيني بمجموعته الخاصة من المبرمجين المخضرمين، الذين أرادوا الحفاظ على بيتكوين في حجمها الصغير، من أجل المحافظة على أمنها جزئيا، وكان الجانب الأميركي يأمل في إقناع الصينيين بتغيير المواقف.
وفي قاعة المؤتمرات بالفندق، مكث الفريق الأميركي الذي يبلغ نحو نصف دزينة من المديرين التنفيذيين يتابعون مختلف شرائح باور بوينت، باللغتين الإنجليزية والصينية، محاولين العمل على توسيع الشبكة، ولافتين النظر في المقام الأول إلى حالات التأخير الطويلة، التي تعرقل سير النظام بسبب الازدحام الشديد، واستمع الممثلون الصينيون باهتمام وتشاوروا فيما بينهم، ثم خرج الجميع في استراحة لتناول الغذاء في أحد المراكز التجارية القريبة.
يقول بريان أرمسترونغ، المدير التنفيذي لشركة «كوين - بيز»: «قلنا لهم مرارا وتكرارا، للأفضل أو للأسوأ، لديكم حق القيادة في تلك الصناعة، والجميع يتطلعون إليكم لتعبروا عن بعض من سمات تلك القيادة». وأضاف السيد ارمسترونغ قائلا: «لم نتمكن من إقناعهم في نهاية المطاف».
شكا بعض من أنصار عملة البيتكوين من أن الشركات الصينية تتحرك بدافع مؤقت وهو أرباح المدى القصير فحسب، بدلا من تحقيق نجاحات على المدى الطويل والمثل والبصمات التي يتركونها على المشروع، وأخذ بوبي لي، المدير التنفيذي لشركة بيتكوين الصينية ومقرها في شنغهاي، موقفا حادا تجاه ذلك، وتجاه فكرة أن الشركات الصينية تمثل أي نوع من الجبهات الموحدة. ولقد حضر السيد لي اجتماع أبريل (نيسان)، وأشار إلى أن الشركات الصينية قد اختلفت فيما بينها حول قدر الحاجة اللازمة إلى إجراء التغييرات على برمجيات بيتكوين.
وأضاف أن الشركات الأميركية أخفقت في إدراك ديناميكيات القوة والنفوذ في قاعة المؤتمرات ذلك اليوم، وقال في مقابلة شخصية أجريت معه الأسبوع الماضي «كان الأمر أشبه بالإمبرياليين الغربيين القادمين إلى الصين لإملاء رغباتهم وإخبارنا بما يتوجب علينا فعله، لقد شهدنا تجارب مثل هذه من قبل، وللشعب الصيني ذاكرة عميقة».
كان المؤسس الغامض لشبكة بيتكوين، ساتوشي ناكاموتو، قد أصدر البرنامج في أوائل عام 2009، وكان مصمما لتوفير كل من العملة الرقمية وأسلوب جديد لتحريك وإمساك الأموال، بقدر ما تمكنت تكنولوجيا البريد الإلكتروني من إرسال الرسائل من دون الحاجة إلى الخدمات البريدية الاعتيادية.
ومنذ البداية، كان النظام مصمما لأن يكون لا مركزيا؛ حيث يعمل بواسطة كل الناس المشتركين على شبكة بيتكوين عبر حواسبهم، وساعد النظام في معالجة المعاملات، بقدر ما يتم به كتابة المدخلات على موسعة ويكيبيديا الحرة والمحافظة عليها وعلى استمرارها بواسطة المتطوعين في جميع أنحاء العالم.
وكانت الدعوة من الشبكة التي تديرها المجموعات ألا تكون هناك نقطة فشل واحدة، وألا تكون هناك شركة واحدة يمكنها إغلاق الشبكة إذا ما تدخلت الشرطة، بعبارة أخرى، كان الأمر بمثابة الأموال غير الخاضعة لرقابة أحد، كما يفضل أنصار شبكة بيتكوين أن يسموها، وكانت سلطة اتخاذ القرار لصالح الشبكة لدى المشاركين العاملين عليها، وبما يتناسب مع القدرات الحاسوبية التي يوفرونها.
كانت جاذبية الثروات الجديدة هي الحافز الأول للانضمام للشبكة، ففي كل 10 دقائق، يجري إصدار عملات بيتكوين جديدة وتُمنح لأحد الحواسيب التي تحافظ على استمرار النظام، وفي اصطلاحات شبكة البيتكوين، يقال: «إن هذه الحواسيب تبحث عن العملة، كما أنها تقوم مقام المحاسبين العاملين لصالح الشبكة». وخلال السنوات القليلة الأولى، وبصرف النظر عن استخدام الشبكة وسيلة من وسائل السداد على موقع «سيلك رود»، وهو سوق للعقاقير على الإنترنت الذي أُغلق منذ ذلك الحين، أخفقت شبكة بيتكوين في الحصول على الكثير من الاهتمام، ولقد ظهرت على مسرح الأحداث العالمية في عام 2013 عندما بدأت أسعار الأموال الرقمية في الارتفاع، وجزء كبير من ذلك يرجع إلى أن المستثمرين الصينيين بدأوا في تداول عملات البيتكوين وبأعداد هائلة.
وقال السيد لي إن الصينيين انطلقوا للتداول على شبكة بيتكوين سريعا لعدد من الأسباب، أحدها أن الحكومة الصينية قيدت وللغاية سبل الاستثمار المحتملة الأخرى؛ مما دفع بالمواطنين إلى البحث عن أصول جديدة، كذلك، كما قال السيد لي، يحب الصينيون أسعار عملة البيتكوين المتقلبة؛ مما يمنح شبكة العملات الوليدة الشعور بلعبة القمار على الإنترنت، وهي من الأنشطة الشعبية الشائعة في الصين.
كانت هناك تكهنات انتشرت على نطاق واسع بأن الشعب الصيني استغل شبكة بيتكوين لإخراج الأموال خارج البلاد والتهرب من الضوابط الرأسمالية، ولكن السيد لي وغيره من الخبراء قالوا: «إن الأدلة تشير إلى أنها ليست بالظاهرة الكبيرة».
وقال السيد لي، الذي انتقل للحياة في الصين بعد نشأته في أفريقيا والولايات المتحدة وأنهى دراسته في جامعة ستانفورد: «لا يستخدم أي مواطن صيني شبكة بيتكوين؛ بسبب أنها متحررة عن القيود الحكومية أو لأنها تؤدي إلى الإطاحة بالحكومات، ليس ذلك إلا للاستثمار فحسب».
دفع مقدار النشاط المتصور في الصين أواخر عام 2013 بأسعار عملة البيتكوين إلى ما يزيد على 1000 دولار، وذلك الارتفاع والأضواء التي سلطتها وسائل الإعلام بسبب ذلك دفعت بالحكومة الصينية إلى التدخل في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2013 لقطع تدفق الأموال بين البنوك الصينية ومبادلات بيتكوين؛ مما أدى إلى تكوين ما عُرف باسم فقاعة بيتكوين.
وذلك السعار، برغم كل شيء، أشعل الاهتمام في جانب آخر من العملة الافتراضية، ألا وهو البحث عن «استخراج» البيتكوين.
كان بيتر ناغ، مدير الاستثمار السابق، من أوائل الناس في الصين الذين انتقلوا من مجرد التداول بعملة البيتكوين إلى حشد القوة الحاسوبية لاستخراج البيتكوين، في بادئ الأمر كان يستخرج العملات لنفسه، وفي الآونة الأخيرة قام بإنشاء مراكز البيانات في مختلف أرجاء الصين؛ حيث يمكن للناس الدفع لقاء إنشاء حواسيب الاستخراج الخاصة بهم، وهو يمتلك الآن 28 مركزا من هذه المراكز، وجميعها مليئة برفوف لا حصر لها من الخوادم، والأسلاك المتشابكة، ومراوح تبريد الآلات. ويقول السيد ناغ البالغ من العمر 36 عاما أنه أصبح خبيرا في العثور على مصادر الطاقة الرخيصة، حتى في الأماكن التي شُيد فيها مصنع للفحم أو سد لتوليد الطاقة الكهرومائية لدعم بعض المشروعات الصناعية التي لم تكتمل، وتستخدم ماكينات استخراج البيتكوين في منشآته نحو 38 ميغا وات من الطاقة الكهربائية، كما يقول، وهو المقدار الكافي لتزويد مدينة صغيرة بالطاقة الكهربائية.
والناس الذين يضعون أجهزتهم في مراكز ناغ للبيانات ينضمون بشكل عام إلى مناخ استخراج البيتكوين، التي تسهل عملية العوائد المالية من اللاعبين الصغار، ومن أشهر هذه التجمعات، تجمع «بي تي سي سي»، يجري تشغيله وإدارته بواسطة شركة السيد لي، ولقد جذب خلال هذا الشهر نحو 13 في المائة من إجمالي القوة الحاسوبية في شبكة بيتكوين، وأقوى تجمعات البيتكوين في الصين - أو ربما في أي مكان في العالم - يُعرف باسم تجمع «إف 2 بول»، وهو يستحوذ على 27 في المائة من إجمالي القوة الحاسوبية للشبكة حتى الشهر الماضي. وصارت كبريات شركات إدارة تجمعات البيتكوين هي صانعة الملوك في عالم البيتكوين؛ حيث إن تشغيل المناجم يمنح الحق بالتصويت حول التغييرات المطلوبة على برمجيات البيتكوين، وكلما كان حجم التجمع كبيرا، ازدادت قوة التصويت، وإذا ما اختلف أعضاء أحد المناجم فيما بينهم، يمكنهم التحول إلى تجمع آخر، ولكن أغلب المشاركين يختارون التجمع بناء على هيكل التعويضات فيه، وليس على أساس سياسات البيتكوين المعمول بها.
كان دوره الذي يلعبه في الإشراف على تجمع «بي تي سي سي» هو ما أدى إلى دعوة السيد لي إلى الاجتماع المغلق مع الوفد الأميركي في بكين، وكان رئيس العمليات في تجمع «إف 2 بول»، السيد وانغ تشون موجودا كذلك.
ولعل من أبرز اللاعبين في عالم البيتكوين الصيني هو جيهان وو، (30 عاما)، وهو محلل استثماري سابق كان قد أسس ما يوصف في أغلب الأحيان في الصين بأنه أثمن شركة بيتكوين في العالم، وتلك الشركة، وتدعى «بيتمين»، بدأت في بناء الحواسيب في عام 2013 باستخدام الرقاقات المصممة خصوصا للقيام بمهام حسابات الاستخراج.
وشركة «بيتمين»، التي تضم 250 موظفا حتى الآن، تعمل في تصنيع وبيع حواسيب استخراج البيتكوين، كما أنها تشرف على تشغيل أحد التجمعات التي يمكن للمستخرجين الآخرين الانضمام إليه، ويسمى تجمع «أنت بول»، وهي تحتفظ بعدد هائل من ماكينات الاستخراج لصالحها، التي تتابعها وتحافظ عليها في أيسلندا والولايات المتحدة، إلى جانب الصين كذلك، والماكينات التي تحتفظ شركة «بيتمين» بها لنفسها تشكل 10 في المائة من إجمالي القوة الحاسوبية في شبكة بيتكوين العالمية، وهي تكفي لإنتاج العملات الجديدة التي تبلغ قيمتها 230 ألف دولار في كل يوم، على أساس سعر الصرف المسجل في الأسبوع الماضي.

*خدمة: {نيويورك تايمز}



«وول ستريت» تتفاعل بحذر مع بيانات التوظيف الأميركية

متداول يعمل ففي بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل ففي بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتفاعل بحذر مع بيانات التوظيف الأميركية

متداول يعمل ففي بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل ففي بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفعت الأسهم الأميركية بشكل طفيف، الجمعة، عقب صدور تقرير متباين عن سوق العمل في الولايات المتحدة، في وقت عزّزت فيه البيانات التوقعات بتأجيل أي خفض وشيك لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، من دون أن تُغلق الباب نهائياً أمام هذا الخيار.

وصعد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.2 في المائة في مستهل التعاملات، مقترباً من أعلى مستوى قياسي له سجّله في وقت سابق من الأسبوع. كما ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 147 نقطة، أو 0.3 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، في حين استقر مؤشر «ناسداك» المركب دون تغيّر يُذكر، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وشهدت سوق السندات تبايناً في العوائد، بعدما أفادت وزارة العمل الأميركية بأن وتيرة التوظيف في ديسمبر (كانون الأول) كانت أضعف من توقعات الاقتصاديين، رغم تحسّن معدل البطالة وتجاوزه التقديرات. وأسهم هذا المزيج من البيانات في تعزيز القناعة بأن سوق العمل الأميركية تدخل مرحلة «تباطؤ في التوظيف من دون موجة تسريحات واسعة».

ورغم هذا التباين، كان تحسّن معدل البطالة كافياً لدفع المتعاملين إلى تقليص رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المرتقب في نهاية الشهر الحالي؛ إذ تراجعت احتمالات الخفض إلى نحو 5 في المائة فقط، مقارنة بـ11 في المائة في اليوم السابق، وفقاً لبيانات مجموعة «فيد ووتش».

ومع ذلك، لا تزال الأسواق تتوقع بدرجة كبيرة أن يُقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال العام المقبل، وهو عامل بالغ الأهمية للأسواق المالية؛ إذ يمكن لخفض الفائدة أن يدعم النمو ويرفع أسعار الأصول، لكنه قد في المقابل يُعيد إشعال الضغوط التضخمية.

وقالت إيلين زينتنر، كبيرة الاستراتيجيين الاقتصاديين في «مورغان ستانلي لإدارة الثروات»: «إن البيانات تُظهر اتجاهاً أوضح، من المرجح أن يبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي منقسماً في مواقفه. خفض أسعار الفائدة هذا العام لا يزال مرجحاً، لكن الأسواق قد تحتاج إلى قدر أكبر من الصبر».

وعقب صدور التقرير، استقر عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.19 في المائة، دون تغيير عن مستواه في أواخر جلسة الخميس، وهو مؤشر يعكس توقعات النمو والتضخم على المدى الطويل. في المقابل، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات السياسة النقدية قصيرة الأجل، إلى 3.50 في المائة من 3.49 في المائة.

وفي «وول ستريت»، قفز سهم شركة «فيسترا» للطاقة بنسبة 14.6 في المائة ليتصدر المكاسب، بعد توقيعها اتفاقية تمتد 20 عاماً لتزويد شركة «ميتا بلاتفورمز» بالكهرباء من ثلاث محطات نووية تابعة لها. وتأتي هذه الصفقة ضمن موجة من الاتفاقات التي أبرمتها شركات التكنولوجيا الكبرى لتأمين الطاقة لمراكز البيانات، في ظل التوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

كما ارتفع سهم «أوكلو» بنسبة 12 في المائة بعد إعلانها توقيع اتفاق مع «ميتا بلاتفورمز» لدعم تأمين الوقود النووي ومساندة مشروعها لبناء منشأة في مقاطعة بايك بولاية أوهايو.

في المقابل، حدّ من مكاسب السوق تراجع سهم «جنرال موتورز» بنسبة 1.6 في المائة، بعدما أعلنت الشركة أنها ستتكبد خسارة قدرها 6 مليارات دولار في نتائج الربع الأخير من عام 2025، نتيجة تقليص إنتاج السيارات الكهربائية. ويأتي ذلك بعد تسجيلها رسوماً بقيمة 1.6 مليار دولار في الربع السابق، وسط تراجع الطلب على السيارات الكهربائية بفعل تقلص الحوافز الضريبية وتخفيف معايير انبعاثات الوقود.

كما هبط سهم شركة «WD - 40» بنسبة 13.7 في المائة عقب إعلانها عن أرباح فصلية دون توقعات المحللين.

وأوضحت المديرة المالية للشركة، سارة هايزر، أن هذا الأداء يعود أساساً إلى عوامل تتعلق بتوقيت الإيرادات وليس إلى ضعف الطلب، مؤكدة التزام الشركة بتوقعاتها المالية للعام المقبل.

وعلى الصعيد العالمي، سجلت أسواق الأسهم مكاسب في معظم أنحاء أوروبا وآسيا؛ إذ ارتفع مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 1 في المائة، وقفز مؤشر «نيكاي 225» الياباني بنسبة 1.6 في المائة، مسجلين من بين أقوى الأداءات عالمياً.

وفي طوكيو، صعد سهم «فاست ريتيلينغ»، المالكة لعلامة «يونيكلو»، بنسبة 10.6 في المائة بعد أن قفزت أرباحها التشغيلية الفصلية بنحو 34 في المائة على أساس سنوي، ما دفع الشركة إلى رفع توقعاتها لأداء العام بأكمله.


تباطؤ توظيف يفوق التوقعات في أميركا مع تراجع البطالة

مبنى «نيوز كورب» في منطقة ميدتاون بمدينة نيويورك (رويترز)
مبنى «نيوز كورب» في منطقة ميدتاون بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

تباطؤ توظيف يفوق التوقعات في أميركا مع تراجع البطالة

مبنى «نيوز كورب» في منطقة ميدتاون بمدينة نيويورك (رويترز)
مبنى «نيوز كورب» في منطقة ميدتاون بمدينة نيويورك (رويترز)

تباطأ نمو الوظائف في الولايات المتحدة بأكثر من المتوقع في ديسمبر (كانون الأول)، وسط حذر قطاع الأعمال بشأن التوظيف بسبب الرسوم الجمركية على الواردات، وارتفاع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إلا أن معدل البطالة انخفض إلى 4.4 في المائة، ما يدعم التوقعات بأن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير هذا الشهر.

وأفاد مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأميركية، الجمعة، بأن الوظائف غير الزراعية زادت بمقدار 50 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد ارتفاعها بمقدار 56 ألف وظيفة في نوفمبر (تشرين الثاني) (بعد تعديل الرقم نزولاً). وكان خبراء اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا إضافة 60 ألف وظيفة، بعد زيادة سابقة بلغت 64 ألف وظيفة في نوفمبر.

وأشار تقرير التوظيف، الذي يحظى بمتابعة دقيقة، إلى أن سوق العمل لا تزال عالقة فيما وصفه الاقتصاديون وصناع السياسات بـ«وضع عدم التوظيف وعدم التسريح».

كما أكد التقرير أن الاقتصاد يشهد توسعاً اقتصادياً مصحوباً بارتفاع في معدلات البطالة. وشهد النمو الاقتصادي وإنتاجية العمال ارتفاعاً ملحوظاً في الربع الثالث، ويعزى ذلك جزئياً إلى طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.

وفقدت سوق العمل زخماً كبيراً العام الماضي، ويعزى ذلك في معظمه إلى سياسات الرئيس دونالد ترمب التجارية والهجرة المتشددة، التي قال خبراء الاقتصاد وصناع السياسات إنها أدّت إلى انخفاض كل من العرض والطلب على العمالة.

مع ذلك، بدأ التباطؤ الحاد في نمو الوظائف في عام 2024. وقدّر مكتب إحصاءات العمل الأميركي بأن عدد الوظائف المستحدثة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مارس (آذار) 2025 انخفض بنحو 911 ألف وظيفة مقارنة بالتقارير السابقة. وسينشر المكتب مراجعته المعيارية لكشوف الرواتب الشهر المقبل مع تقرير التوظيف لشهر يناير (كانون الثاني).

ويُعزى هذا التفاوت في التقدير إلى نموذج المواليد والوفيات، الذي يستخدمه مكتب إحصاءات العمل لتقدير عدد الوظائف المستحدثة أو المفقودة نتيجة افتتاح الشركات أو إغلاقها في شهر معين. وفي الشهر الماضي، أعلن المكتب أنه سيبدأ، أول يناير، تغيير نموذج المواليد والوفيات من خلال دمج معلومات العينة الحالية شهرياً.

وبالتزامن مع تقرير التوظيف لشهر ديسمبر، نشر مكتب إحصاءات العمل مراجعات سنوية لبيانات مسح الأسر المعيشية للسنوات الخمس الماضية. ويُحسب معدل البطالة من مسح الأسر المعيشية.

وسيجري تأجيل التعديلات السنوية للتحكم في النمو السكاني، والتي تُدرج عادةً مع تقرير التوظيف لشهر يناير. وقد تم تعديل معدل البطالة لشهر نوفمبر بالخفض إلى 4.5 في المائة من النسبة المعلنة سابقاً، والبالغة 4.6 في المائة.

وتوقع متوسط ​​آراء الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز» أن ينخفض ​​معدل البطالة إلى 4.5 في المائة في ديسمبر. ويرى بعض الاقتصاديين أن انخفاض المعروض حال دون حدوث ارتفاع حاد في معدل البطالة. وقدّروا أن هناك حاجة إلى توفير ما بين 50.000 و120.000 وظيفة شهرياً لمواكبة نمو السكان في سن العمل.

وخفض البنك المركزي الأميركي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار ربع نقطة مئوية إلى نطاق 3.50-3.75 في المائة في ديسمبر، لكن المسؤولين أشاروا إلى أنهم سيرجّحون تعليق مزيد من تخفيضات تكاليف الاقتراض في الوقت الحالي للحصول على صورة أوضح عن اتجاه الاقتصاد.

ونظراً لأن عوامل مثل الرسوم الجمركية والذكاء الاصطناعي تمنع الشركات من توظيف مزيد من العمال، ينظر الاقتصاديون بشكل متزايد إلى تحديات سوق العمل على أنها هيكلية أكثر منها دورية، ما يجعل تخفيضات أسعار الفائدة أقل فاعلية في تحفيز نمو الوظائف.


مبيعات التجزئة والصناعة تدعم نهاية 2025 بنمو مستقر لمنطقة اليورو

متسوقون خارج متجر «كاوفهاوس ديس ويستنس» خلال موسم عيد الميلاد في برلين (رويترز)
متسوقون خارج متجر «كاوفهاوس ديس ويستنس» خلال موسم عيد الميلاد في برلين (رويترز)
TT

مبيعات التجزئة والصناعة تدعم نهاية 2025 بنمو مستقر لمنطقة اليورو

متسوقون خارج متجر «كاوفهاوس ديس ويستنس» خلال موسم عيد الميلاد في برلين (رويترز)
متسوقون خارج متجر «كاوفهاوس ديس ويستنس» خلال موسم عيد الميلاد في برلين (رويترز)

أظهرت سلسلة من البيانات الصادرة يوم الجمعة أن مبيعات التجزئة في منطقة اليورو ارتفعت بأكثر من المتوقع في نوفمبر (تشرين الثاني)، وأن الصناعة الألمانية واصلت نموها، مما يقدم دليلاً إضافياً على أن منطقة اليورو أنهت عاماً مضطرباً بنمو مستقر وإن كان متواضعاً.

ونما اقتصاد منطقة اليورو بوتيرة أسرع من معظم التوقعات خلال 2025، ما يشير إلى قدرة الشركات والمستهلكين على التكيف مع الصدمات، مثل اضطراب التجارة العالمية. إلا أن هذه القوة لم تتحول بعد إلى طفرة، ويتوقع معظم المحللين نمواً متواضعاً فقط خلال العام الحالي، وفق «رويترز».

وقالت مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس» في مذكرة لعملائها: «الخلاصة الرئيسية من البيانات الأخيرة هي أن اقتصاد منطقة اليورو لا يزال ضعيفاً، مع بقاء التضخم عند مستوى مستقر يقارب 2 في المائة». وأضافت المؤسسة أن هذا السيناريو يُرضي البنك المركزي الأوروبي، الذي دعم الاقتصاد على مدى العامين الماضيين بسلسلة من تخفيضات أسعار الفائدة، لكنه من غير المرجح أن يقدم على مزيد من الإجراءات في الوقت الراهن.

انتعاش قطاع السيارات الألماني

ارتفعت مبيعات التجزئة في منطقة اليورو بنسبة 0.2 في المائة على أساس شهري في نوفمبر (تشرين الثاني)، متجاوزة التوقعات التي كانت تشير إلى 0.1 في المائة، بينما تجاوز النمو السنوي البالغ 2.3 في المائة التوقعات عند 1.6 في المائة، مدعوماً بتعديل تصاعدي كبير لأرقام أكتوبر (تشرين الأول).

وأظهرت بيانات «يوروستات» أن تجارة التجزئة في ألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي الذي تجنب الركود لثلاث سنوات متتالية، نمت بوتيرة أبطأ من المتوسط، بينما واصلت إسبانيا ازدهارها، وسجلت فرنسا أداءً أفضل من المعدل الطبيعي.

وفي حين لا يزال الاقتصاد الألماني يعاني من ركود نسبي، قدمت البيانات الصناعية بصيص أمل، حيث نما الإنتاج الصناعي بنسبة 0.8 في المائة مقارنة بالشهر السابق، أي ضعف المعدل المتوقع، وارتفعت الطلبات الصناعية بنسبة 5.6 في المائة مدفوعة بالطلبيات الكبيرة.

ومن شأن هذا الانتعاش الصناعي أن يدعم الثقة القائمة بالفعل بفضل خطط الحكومة لزيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية.

وقال هولغر شميدينغ، الخبير الاقتصادي في «بيرنبرغ»: «بدأت الحوافز تؤتي ثمارها، ومن المرجح أن يساهم الإنفاق الحكومي المتزايد بنحو 0.4 نقطة مئوية في زيادة الناتج المحلي الإجمالي». وأضاف: «سيساهم انتعاش قطاع البناء السكني، نتيجة انخفاض أسعار الفائدة وتسريع إجراءات الموافقة وتفاقم نقص المساكن، في تعزيز هذا النمو».

ومن المتوقع أن يبدأ الاقتصاد في التسارع هذا العام، مع نهاية قوية محتملة لعام 2026، مدعوماً بالإنفاق الحكومي الكبير الذي من المتوقع أن يمتد أثره إلى معظم دول منطقة اليورو.

الصادرات الألمانية لا تزال ضعيفة

على الرغم من الانتعاش المحلي، استمرت الصادرات، محرك النمو الألماني التقليدي، في التراجع خلال نوفمبر. وانخفضت الصادرات الألمانية بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بالشهر السابق، وتراجع الفائض التجاري إلى 13.1 مليار يورو (15.3 مليار دولار) من 17.2 مليار يورو في أكتوبر.

وبالمقارنة مع نوفمبر 2024، انخفضت الصادرات الأميركية بنسبة 22.9 في المائة بعد أن فرضت واشنطن تعريفات جمركية على معظم السلع الأوروبية.