عروش الصحف المصرية تهتز

54 رئيس تحرير تنتهي مدة عملهم نهاية يونيو.. و«الأعلى للصحافة» لا يملك التجديد لهم

تنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي
تنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي
TT

عروش الصحف المصرية تهتز

تنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي
تنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي

حالة من الربكة تسود المؤسسات الصحافية الرسمية في مصر الآن، نتيجة انتهاء مدة عمل 54 رئيسا لتحرير هذه المطبوعات، في حين أن المجلس الأعلى للصحافة، المسؤول عن الصحف، وهو المسؤول أيضا عن قرار المد لهم، لا يمتلك القدرة على التجديد لهم الآن، وفقا للقانون.
وبينما وافقت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب في مصر على مقترح مشروع بتعديل قانون تنظيم الصحافة، يمنح الرئيس عبد الفتاح السيسي حق تشكيل المجلس الأعلى للصحافة بشكل مؤقت لحين صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام؛ لكن نقابة الصحافيين أكدت أن إقرار القانون الموحد للصحافة والإعلام هو الحل الوحيد لمواجهة المأزق القانوني الذي سيواجه المؤسسات الصحافية القومية في يونيو (حزيران) الحالي، وهو انتهاء مدة رؤساء تحرير الصحف.
في حين أكد خبراء أنه «يجب الوصول إلى حل يرضى الجميع؛ لأن استمرار الوضع على ما هو عليه معناه خلق حالة من التوتر داخل المؤسسات الصحافية القومية».
وينص القانون رقم 66 لسنة 2013 على أن يمارس المجلس الأعلى للصحافة صلاحيته من خلال الفترة الانتقالية، لحين إقرار الدستور الدائم للبلاد وانتخاب مجلس النواب وصدور التشريع اللازم للصحافة، وله خلال هذه الفترة ولمرة واحدة أن ينهي مدة أي من رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير، وأن يعين محلهم من يراه مناسبا لمدة لا تزيد عن سنتين من تاريخ شغل الوظيفة.
واستبق المجلس الأعلى للصحافة أزمة المأزق القانوني، وقرر المد لرؤساء تحرير الصحف القومية لتفادي حالة الفراغ الإداري، مؤكدا أنه لم يقرر إعادة تعيينهم؛ لكن فقط كلفهم بالاستمرار في مواقعهم لحين إقرار التشريعات الجديدة؛ إلا أن الكاتب الصحافي مصطفى بكري عضو مجلس النواب، انتقد القرار ووصفه بأنه «غير قانوني أو دستوري»، لافتا إلى أن «الأعلى للصحافة» هو مجلس لتسيير الأعمال وليس له صلاحية المد لرؤساء مجالس الإدارة ورؤساء التحرير.
من جانبه، قال الكاتب الصحافي سليمان عبد العظيم، مدير عام التحرير بمؤسسة «دار الهلال» الصحافية ومجلة «المصور»، إن «المشهد الحالي مرتبك جدا، ويجب الوصول إلى حل يرضي الجميع؛ لأن استمرار الوضع على ما هو عليه الآن معناه خلق حالة من التوتر داخل المؤسسات الصحافية القومية».
ووافقت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، على مقترح مشروع بتعديل قانون تنظيم الصحافة، يمنح الرئيس السيسي حق تشكيل المجلس الأعلى للصحافة بشكل مؤقت، لحين صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام.
وتنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تنظيم الصحافة والإعلام من الدولة، والتي سوف تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي.
وقال عضو البرلمان بكري الذي قدم القانون، إن «مشروع القانون يقضي بتغيير المادة 68 من قانون 96 لسنة 1996 الخاص بتنظيم الصحافة، بما يمنح رئيس الدولة صلاحية إصدار تشكيل جديد للمجلس الأعلى للصحافة، ومنحه الصلاحيات الكاملة، حتى يستطيع ممارسة مهامه في التغييرات الصحافية، بعد أن انتهت مدة كثير من رؤساء مجالس الإدارات في يناير (كانون الثاني) الماضي. متوقعا أن يتم إقرار هذا التعديل المقترح من جانب مجلس النواب قبل نهاية هذا الشهر، مضيفا أنه «حتى الآن لا يزال مشروع القانون الموحد لتنظيم الصحافة والإعلام في مجلس الدولة، وقد يستغرق عدة شهور حتى تناقش مواده، ومع نهاية الشهر الجاري سيصبح وضع رؤساء تحرير المؤسسات الصحافية غير قانوني، وهي مشكلة كنا نبحث لها عن حل».
لكن الصحافي سليمان عبد العظيم لفت إلى أن «موافقة لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان على مشروع بكري، والموافقة عليه فيما بعد في جلسة مجلس النواب ككل.. هذه العملية التي تتسم بـ(التسارع) الشديد، أخشى ما أخشاه أن تتحول إلى (تصارع) شديد بين المؤسسات الصحافية القومية والدولة».
وحول السلطات المنوطة بالمجلس الجديد بعد إعادة تشكيله وفق القانون، قال مصطفى بكري إن المجلس سيكون له نفس الصلاحيات التي حددتها المادة 68 من قانون تنظيم الصحافة، أي سيقوم مقام مجلس الشورى بكل الصلاحيات المحددة، والذي كان منوطا بكل أوضاع الصحافة القومية من قبل. هذا المقترح، أيده الكاتب الصحافي مكرم محمد أحمد نقيب الصحافيين الأسبق، مؤكدا أن الحل في «قرار من الرئيس بتشكيل مجلس أعلى للصحافة مؤقت يتولى مهمة التغيير وتعيين الجدد»، مضيفا أن «مقترح بكرى بإعادة تشكيل مجلس أعلى جديد للصحافة مخرج من المأزق».
لكن يحيى قلاش نقيب الصحافيين أكد أن إقرار القانون الموحد للصحافة والإعلام هو الحل الوحيد لمواجهة المأزق القانوني الذي سيواجه المؤسسات الصحافية القومية، مضيفا أن ما يحدث الآن يعد أزمة مفتعلة لأن القانون منتهى من أغسطس (آب) الماضي، وإعادة تشكيل مجلس أعلى مؤقت للصحافة ليس حلا للمشكلة، موضحا أن «مشكلة عدم استقرار المؤسسات القومية ستظل قائمة.. والحل ليس تغييرا في الكيانات وإنما في استقرار المؤسسات».
وأوضح قلاش أن فكرة التعامل مع المؤقت يؤدي إلى عدم استقرار المؤسسات ويقلل من صلاحيات رئيس مجلس الإدارة والتحرير، لافتا إلى أن الأولى بالرعاية هو الوقوف وراء التشريعات والانتهاء منها، وأن الرسالة الأساسية للبرلمان الحالي هي محاولة ترجمة مواد الدستور إلى تشريعات.
من جهته، قال سليمان عبد العظيم، إن التوقيت غير مناسب الآن لتشكيل مجلس أعلى للصحافة جديد، وخصوصا أن بعضا من سيئي الظن سوف يتصور أن الدولة تفكر - وهذا غير صحيح - في مواصلة الصدام مع الصحافة، عطفا على الأزمة الأخيرة، التي لا تزال أصداؤها قائمة بين النقابة ووزارة الداخلية.
ويحاكم نقيب الصحافيين المصريين، واثنان من مجلس النقابة على خلفية اتهامهم بإيواء مطلوبين أمنيا داخل مقر النقابة. وكانت قوات الأمن قد اقتحمت مقر نقابة الصحافيين مطلع مايو (أيار) الجاري، وألقت القبض على الصحافيين عمرو بدر ومحمود السقا، واتهما بنشر أخبار كاذبة، والدعوة للتظاهر، ما دعا مجلس النقابة لدعوة الجمعية العمومية لاجتماع طارئ وقتها. وأقر الاجتماع 18 مطلبا وآلية لمواجهة اقتحام مقر النقابة للمرة الأولى منذ تأسيسها قبل 75 عاما، والذي يأتي على رأسها إقالة وزير الداخلية.
في ذات السياق، تسلم قسم التشريع بمجلس الدولة مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وذلك بعد موافقة مجلس الوزراء عليه، لمراجعة أحكامه وضبط صياغته إعمالا لحكم المادة 190 من الدستور المصري.
وكان الكاتب الصحافي صلاح عيسى، الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة، قرر قبل أيام، المد لرؤساء تحرير الصحف القومية، موضحا أن المجلس لم يقرر إعادة تعيينهم؛ لكن فقط كلفهم بالاستمرار في مواقعهم لحين إقرار التشريعات الجديدة. وقال عيسى: «نريد إجابة واضحة وصريحة عن سبب صدور قانون بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للصحافة الآن، في الوقت الذي يقف فيه مشروع القانون الموحد على باب مجلس النواب»، مشيرا إلى أن مجلس الدولة شكل 4 لجان تتولى مراجعة القانون على التوازي لتنتهي منه في أسرع وقت، ولكن لا تفسير لهذا المشروع بقانون إلا أنه محاولة لوضع القانون الموحد في «الثلاجة»، ولتعطيل مواد الدستور التي تكفل حرية الصحافة والإعلام والعودة بنا للعهد البائد، وتحويل المجلس إلى مجلس يعين رؤساء تحرير ليظلوا موجودين للأبد.
وأضاف عيسى: «هذا القانون يسيء لسمعة نظام الحكم، ويؤدي إلى تأجيج حملات محلية وإقليمية ودولية تتهم هذا النظام بأنه يسعى لإعادة الصحف ووسائل الإعلام لبيت الطاعة»، لافتا إلى أن المجلس الأعلى سيرسل خطابا للرئيس لمطالبته بالتدخل بصفته رئيسا للدولة، وأيضا بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية لحماية الدستور، بجانب أن القانون الموحد ليس في حاجة لأي مناقشة، فالدستور في المادة 224 ينص على أن القوانين تظل قائمة ولا يتم تعديلها إلا بالقواعد الموجودة في الدستور، ولا يوجد أي مادة في الدستور يستند إليها مشروع قانون مصطفى بكري، ولا يوجد مادة تنص على وجود مجلس أعلى للصحافة.
ورفض عيسى اتهام المجلس بالتواطؤ مع نقابة الصحافيين ضد الدولة، مؤكدا أن هذا الكلام غير صحيح، فالنقابة لم تقف ضد الدولة في الأساس، لافتا إلى أن أعضاء المجلس الحالي لهم تاريخ مشهود في الدفاع عن حرية الصحافة والرأي ولا يجوز لأحد أن ينكرها.
فيما أكد النائب البرلماني بكري أن قرار «الأعلى للصحافة» بالمد لرؤساء التحرير تحايل على القانون، ومحاولة هدفها ليّ ذراع السلطة التشريعية ومحاولة عرقلتها في ممارسة سلطتها في سد الفراغ القانوني.
وعن الحل للخروج من المأزق القانوني، قال سليمان عبد العظيم: «كان يجب الإسراع في إصدار مجلس النواب قوانين الإعلام والصحافة الجديدة، بأن تحل مثلا الهيئة الوطنية للصحافة محل المجلس الأعلى للصحافة، وتقوم الهيئة بإعداد ترشيحات رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف»، متسائلا: «لماذا تأخرت عمدا مشروعات قوانين الإعلام الجديدة؟».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.