«المتحف الفلسطيني» يواجه الاعتراضات ويمضي قدمًا

عمر القطان: افتتحناه الآن لنواجه الإحباط ونبث الأمل في قلوب الشباب

أحد العروض الفنية التي قدمت في المتحف يوم الافتتاح.. وفي الإطار عمر القطان
أحد العروض الفنية التي قدمت في المتحف يوم الافتتاح.. وفي الإطار عمر القطان
TT

«المتحف الفلسطيني» يواجه الاعتراضات ويمضي قدمًا

أحد العروض الفنية التي قدمت في المتحف يوم الافتتاح.. وفي الإطار عمر القطان
أحد العروض الفنية التي قدمت في المتحف يوم الافتتاح.. وفي الإطار عمر القطان

بالانتقادات والاعتراضات تمت مواجهة «المتحف الفلسطيني» في بعض الصحف الغربية. وإن كان هذا طبيعيًا حين يتعلق الأمر بذاكرة شعب يتمنى له البعض لو يختفي أثره من الوجود، فإن المستغرب هو أن تشارك أصوات فلسطينية في حملة غير مبررة، لا حجة لها سوى الاعتراض على افتتاح المتحف قبل أن يصبح زاخرًا بالمقتنيات أو يتمكن من تنظيم معرض ما.
يستغرب رئيس فريق عمل المتحف عمر القطان من «حملة مغرضة وظالمة، لا تقدر الجهود التي بذلت، لإقامة هذا المتحف، وسط ظروف صعبة واستثنائية. فمجرد بناء متحف لفلسطين هو إنجاز، فما بالك حين يكون قطعة فنية في هندسته، على أرض، تعيش تحديات خاصة جدًا منذ أكثر من ستة عقود». لم يأت الافتتاح مصادفة ولا ضرب عشواء «قررنا أن نفتتحه في الوقت الحالي، لأن الظروف صعبة. ثمة إحباط ويأس، خصوصًا عند الشباب. هناك عدم ثقة بالأفق السياسي، مع انقسام عميق وحروب أهلية وتشرذم وتدمير ذاتي. ارتأينا، أن وجود مشروع جميل أمر يبعث على الأمل والتفاؤل». ويضيف القطان: «تفاجأنا بالهجوم وشراسته. نيويورك تايمز، مثلاً، رأت أننا، من خلال المتحف، نعكس الفشل العام الموجود في السلطة. هذا أمر غريب. إنه مشروع خاص لا علاقة للسلطة فيه. وقد تأخرنا في العمل بسبب عدم وجود مختصين، ولأن الشخص المسؤول لم يكن يقدم ما طلب منه، وما يرضي تطلعاتنا، وليس عيبًا أن نقول إننا أخطأنا في خيارنا، وعلينا أن نصحح الخطأ، وقمنا بتعيين مسؤول جديد هو محمود هواري، والعمل تتم متابعته، والمعارض ستأتي في الشهور المقبلة».
في الثامن عشر من مايو (أيار) الماضي، صار لفلسطين متحفها على أرضها، بالقرب من جامعة بيرزيت، على تلة مرتفعة مشرفة، تحيط به حدائق لا تقل أهمية في مهمتها التوثيقية للنباتات عن الغاية التي من أجلها أنشئ المتحف نفسه.
فكرة المتحف قديمة، تعود إلى عام 1997، يوم كان أعضاء مؤسسة «التعاون» يتشاورون حول الطريقة التي يمكن من خلالها إحياء ذكرى النكسة الـ98، وطرح إبراهيم أبو اللغد اقتراحًا بإنشاء نصب تذكاري، مما طرح نقاشات طويلة، وارتأى البعض يومها، أن يتم العمل على فكرة لا تعود إلى الماضي وتتوقف عند البكاء على الأطلال، وإنما تعيش الحاضر، وتضيء على المستقبل. وحين تبلورت فكرة المتحف، دبت الحيرة، حول المكان الأفضل لإقامته، هل في القدس؟ حيث يستحيل على أهل الضفة والشتات أن يزوروه؟ خصوصًا أن إسرائيل من المحال أن تسمح بإقامته على أراضي 48، كما أن دخول فلسطينيي 67 إلى تلك المناطق أصبح معقدًا جدًا إن لم يكن مستحيلاً بعد أوسلو، وتكاثف عدد الحواجز التي قطعت أوصال فلسطين. العمل فعليًا لم يبدأ إلا من ثلاث سنوات ونصف السنة، حيث تم استئجار أرض بالقرب من جامعة بيرزيت لمدة 99 سنة، وأطلقت مسابقة دولية لاختيار التصميم، فاز بها مكتب آيرلندي هو «هينفان بينغ».
«التكنولوجيا ساعدتنا، وانطلقنا من فكرة لها علاقة بالخيال العلمي» يقول عمر القطان، الذي يتحدث عن المتحف بحماسة من يرى فيه حلمًا تحقق، «قررنا في النهاية أن نقيم سفينة ترسو في مكان معين ولها أقمار وشراكات وفروع حول العالم. ففي سنتياغو مثلاً يوجد 400 ألف فلسطيني، هؤلاء يجب أن نصل إليهم، وأن نلم الشتات عبر فكرة المتحف الذي يخص كل فلسطيني في العالم». ويكمل القطان شرحه بالقول إن «المتحف الذي افتتح على بعد 25 كيلومترًا من القدس هو السفينة الأم، والأقمار الاصطناعية هي المعارض التي سنقيمها عبر شركائنا حول العالم، باسم المتحف، كان أولها هو الذي يقام حاليًا في بيروت للتطريز الفلسطيني، مع دار نمر». المتحف على شفا إتمام اتفاق مع مؤسسة «طراز» التي تملك أكثر من 20 في المائة من مجموعة الأثواب التراثية العربية لسوريا ولبنان وفلسطين والعراق. و«وداد قعوار كانت لديها الرغبة في إعطائنا المجموعة، لكن نقل أي معروضات إلى الأراضي الفلسطينية، أمر يجب أن ندرسه في كل مرة بعناية. نحن نريد أن نحافظ على مقتنياتنا، ونجد لها المكان الأكثر أمنًا». على أي حال، نقل أي مجموعات من الخارج هو أمر صعب، ودونه تعقيدات. في فلسطين مجموعات شبه جاهزة للمتحف، منها صور إميل حبيبي التي حصل عليها، ومجموعة ملصقات من السبعينات إلى يومنا هذا. ويتم العمل على جمع أرشيف، في مواضيع كثيرة. فقد تم البدء بجمع ألبومات العائلات للصور الفوتوغرافية، بحيث يطلب من الناس، أن يزودوا المتحف بما لديهم بدل أن يرموها. هناك أيضًا فكرة جمع لفيديوهات الأعراس التي هي مهمة جدًا للتاريخ والتوثيق وبعض الدراسات، وأرشفة التسجيلات الصوتية، هذا عدا الوثائق المطبوعة وتلك التي بخط اليد، وهناك الصحف التي لا يهتم أحد بها.
يحدثك عمر القطان عن مشاريع تدرك أنها تحتاج عملاً تراكميًا لسنوات كثيرة مقبلة، ومساحة جغرافية تتجاوز 3500 متر التي تشكل سعة المتحف الحالي. ولذلك فالاتفاق مع جامعة بيرزيت يسمح بإقامة مبنى ثانٍ يلحق بالمتحف بمجرد أن تستدعي الحاجة وتسنح الفرصة. الرؤيا المرسومة، ليست رهن زمن محدد وقصير، التطلع هو لإقامة قاعدة معرفية توثيقية، عليها تبني أجيال مقبلة. هناك مشروع أطلق عليه اسم المسرد الزمني، سيتم إنجازه مع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» يقوم على بناء رحلات فلسطينية عبر الزمن، للتعرف على المحطات المهمة، بطريقة «الفيزيو ليرنينغ»، وذلك منذ عام 1936 إلى اليوم، بشكل سلس ومتعمق. بحيث يتمكن الزائر إذا ما أراد التمعن في محطة ما أن يتوقف عندها ويسافر في أحداثها، وعندما ينتهي يعود إلى الخط الزمني ليكمل رحلته. لا يراد لهذا المتحف أن يكون مجرد مكان لعرض بعض المحتويات ورفع العتب، إنه نقطة مركزية لحركة نشطة تسعى لفهم وقراءة فلسطين حاضرًا وماضيًا، وكيف يمكنها أن تكون مستقبلاً. عمر القطان بالجهد الذي يبذله، وهو يسافر من مكان إلى آخر، مؤمن بأن «البلاد المكسورة تستطيع أن تقاوم بأنماط جديدة شديدة الحداثة، بعيدًا عن المبارزة المتواصلة والعقيمة مع خطاب صهيوني، لا تؤدي إلى شيء سوى المراوحة في الدائرة نفسها». «محطات تاريخية كثيرة لا تزال ضبابية مثل الفتح الإسلامي لفلسطين» يقول القطان، «نحن بحاجة لعمل كثير كي نجلي الغموض عن أحداث طويلة مرت بها المنطقة العربية».
يعمل المتحف وفق سياسة أفقية، أي التمدد جغرافيًا إلى كل أرض فيها فلسطيني. يصف عمر القطان هذه الاستراتيجية بأنها «تحدٍ للحدود السياسية المفروضة على الناس داخل فلسطين وخارجها، يكون المركز هو المتحف، لكنه يجد اكتماله في المعارض والنشاطات المرتبطة به التي ستقام في دول كثيرة أخرى».
الحدائق مهمة، بل تكاد توازي المتحف في أهميتها، فقد صممت لتقدم رواية للتاريخ النباتي في فلسطين، صممتها لارا زريقات، بحيث يبدأ الزائر زيارته من أسفل التلة صعودًا إلى المتحف، ليبدأ بالنباتات الأصيلة التي وجدت في فلسطين تاريخيًا، يقرأ حكايتها، ويتدرج في التعرف إليها ليصل إلى تلك التي تم استيرادها بمرور الوقت، وأصبحت جزءًا من المزروعات الفلسطينية.
المتحف افتتح، الاعتراضات لن تقف في وجه العاملين عليه، المهمة بالكاد بدأت والعمل لا يزال طويلاً ومضنيًا، ويحتاج مثابرة وكدًا.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.