العنصرية ضد الأفارقة تتسبب في حرج دبلوماسي كبير للهند

رؤساء بعثات 42 دولة أفريقية رفضوا حضور احتفال يوم أفريقيا بدلهي احتجاجًا على الاعتداءات ضد مواطنيهم

رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي يتحدث إلى أنصاره خلال حملته الانتخابية السابقة في مدينة أسام الهندية أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي يتحدث إلى أنصاره خلال حملته الانتخابية السابقة في مدينة أسام الهندية أ.ف.ب)
TT

العنصرية ضد الأفارقة تتسبب في حرج دبلوماسي كبير للهند

رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي يتحدث إلى أنصاره خلال حملته الانتخابية السابقة في مدينة أسام الهندية أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي يتحدث إلى أنصاره خلال حملته الانتخابية السابقة في مدينة أسام الهندية أ.ف.ب)

واجهت الهند أحد أسوأ المواقف المحرجة دبلوماسيًا بعد أن رفض رؤساء البعثات الدبلوماسية لـ42 دولة أفريقية في العاصمة دلهي حضور احتفال يوم أفريقيا، الذي استضافته الهند، وذلك احتجاجًا على الاعتداءات العنصرية التي لا تنقطع ضد مواطنيهم في الهند.
وقد هددت مجموعة رؤساء بعثات الدول الأفريقية في دلهي بمقاطعة الاحتفالية التي نظمها المجلس الهندي للعلاقات الثقافية (آي سي سي آر) للتأكيد على العلاقات الطيبة مع أفريقيا التي استحدثت عقب قمة منتدى الهند أفريقيا في نيودلهي والتي استضاف فيها رئيس الوزراء ناريندرا مودي كوكبة من رؤساء الدول الأفريقية، الأمر الذي هدد العلاقات الطيبة الهندية الأفريقية الآخذة في التنامي على مر السنين.
ويرجع السبب وراء الاحتجاج إلى مقتل الأفريقي ماسوندا كيتادا أوليفر، وهو طالب دراسات عليا من أصول كونغولية تعرض مؤخرًا للضرب بوحشية حتى الموت في دلهي، قبل دقائق قليلة من يوم ميلاده. ولقد قُتل أوليفر عقب شجار نشب بينه وبين ثلاثة سكان على استئجار سيارة أجرة هندية صغيرة، إذ قام اثنان من المهاجمين بتثبيته أرضًا، بينما شرع الثالث في ضربه بحجر.
ومن جانبها، قالت الجماعة الأفريقية في بيان لها إن الجالية الأفريقية في «حالة حداد على ذكرى الطلاب الأفارقة الذين قتلوا في السنوات القليلة الماضية، بما فيهم أوليفر»، ومن ثم لن تحضر الاحتفالات. وبالمثل، قال المبعوثون الأفارقة إنه «لم يعد لديهم خيار» سوى توصية دولهم بالتوقف عن إرسال طلاب جدد إلى الهند بسبب «الأفكار المغلوطة الشائعة والتحيز العنصري» ضد الأفارقة في الهند. وتجدر الإشارة إلى أن، عدد الطلاب الأفارقة بالهند يتجاوز 30.000 طالب.
ومع ذلك، تمكنت الهند من إقناع رؤساء البعثات الأفريقية من حضور احتفالية يوم أفريقيا بعد إسراع وزير الدولة للشؤون الخارجية الهندي الدكتور كيه سينغ إلى احتواء الموقف دبلوماسيًا في اللحظة الأخيرة، مجنبًا الهند احتمالية فقدان ماء الوجه دبلوماسيًا.
ومن جهته، قال السفير الإريتري أ. ت. ولد مريم، عميد جماعة رؤساء بعثات الدول الأفريقية، في بيان له إن قرار حضور مراسم افتتاحية الحفل الذي نظمه المجلس الهندي للعلاقات الثقافية، إضافة إلى اجتماع المائدة المستديرة، جاء بعد ما بدر من الحكومة الهندية من «مظاهر الدفء والإيجابية» فضلاً عن «الإدانة القوية والعلنية لمقتل أوليفر». وعلى الرغم من ذلك، اعتلت رؤساء البعثات الأفريقية نظرة حزن، وليس من المستغرب أن أثار جميع السفراء دون استثناء قضية حوادث التمييز المتكررة ضد الطلاب الأفارقة في جميع أنحاء الهند في اجتماع المائدة المستديرة.
وصدرت أشد التعليقات حدة من جانب القائم بأعمال المفوض السامي النيجيري سولا إنيكانولاي، الذي قال: «ستبقى أفكار كالشراكة والأخوة والصداقة والتضامن مجرد كلمات جوفاء، طالما أن الأفارقة بوجه عام لا يشعرون بالأمان في شوارع وجامعات الهند». بينما أتت الكلمة الأكثر عاطفية من «بنين ياللي» المفوض السامي الغاني في الهند، الذي أهدى قصيدة تخليدًا لأوليفر قال فيها:
فلتسمعي صرختي يا أفريقيا
من حيث أقبع في قفص بارد مجهول
متجمد بثلج الألم
وملطخ بدماء أفريقية حارة، تجمدت فجأة
فليخبروني إذن.. بماذا أذنبت؟
ولم يمكن أن يأتي ذلك الاستهجان العلني من الدول الأفريقية في توقيت أسوأ من ذلك، إذ يستعد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وحكومته بزيارة أفريقيا في الأسابيع المقبلة كجزء من خطته لتوسيع التعاقدات مع بلدان القارة. وجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها مواطن أفريقي للهجوم في الهند. ففي فبراير (شباط) الماضي، جُردت فتاة تنزانية تبلغ من العمر 21 عامًا من ملابسها وتعرضت للضرب على يد غوغاء في بنغالور، بعد أن دهس رجل سوداني شخصا من أبناء البلاد. وقبل ذلك ببضعة أشهر، تعرض ثلاثة رجال أفارقة للضرب على يد غوغاء في نيودلهي بعد أن أبدوا اعتراضهم على قيام سكان محليين بالتقاط صور لهم. وفي يناير (كانون الثاني) 2015. اقتحم وزير بحكومة دلهي حيا مجاورا له مأهولا بالسكان الأفارقة بدعوى أنهم يتاجرون بالمخدرات ويديرون شبكة دعارة. ومن ثم، صار مقتل أوليفر بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
المصالح الهندية الأفريقية
على الرغم من ازدهار التجارة بين الهند والدول الأفريقية في السنوات الأخيرة، فلا يزال الكثير مما ينبغي القيام به. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلنت نيودلهي مضاعفة الدعم الذي تقدمه الهند للدول الأفريقية، ليصل إلى 10 مليارات دولار على شكل قروض ميسرة خلال الخمس سنوات المقبلة. كما عرضت الهند 600 مليون دولار في شكل منح مساعدة للدول الأفريقية لتركيز الإنفاق على مجالات أساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والتكنولوجيا.
وعلى الرغم من أن قدرا كبيرا من هذا الإنفاق يتم مع الأخذ في الاعتبار النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة، فإن اللافت للنظر أن الكثير من القادة والمسؤولين الأفارقة درسوا في الجامعات الهندية ثم عادوا إلى بلادهم. وعلى النقيض من الصين، فالهند تشارك على نطاق في جهود حفظ السلام في أفريقيا على مدى العقود الستة الماضية. وفي الوقت الراهن، تشارك الهند بما يزيد على 7000 جندي من قوات حفظ السلام في أفريقيا، بما في ذلك وحدة قوية من 5000 جندي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فضلاً عن نشر أول وحدة شرطة نسائية للهند في ليبيريا حاليًا.
ومن جهتها قالت مانيش تشيبير، أحد كبار المحللين إن: «الهند وأفريقيا تربطهما علاقات تاريخية، ولكن فيما يبدو أن الهجمات التي يتعرض لها الأفارقة ستمحو حسن النية التي بُنيت على مر السنين. وعلى المؤسسات الهندية أن تتنبه سريعًا إلى ذلك الضرر الكامن. ففي حين أن الضرر الحالي يتمثل في نبذ الطلاب الأفارقة للهند، قد يتخذ الضرر بعيد المدى شكل تصدعات عميقة في الترابط ما بين الهند والدول الأفريقية».
ومن الناحية الأخرى، تحدث الكثير من الأفارقة الدبلوماسيين في نيودلهي عن تعرضهم لـ«الأفرو - فوبيا» (الرهاب الأفريقي)، ويؤكدون أنهم وقعوا ضحايا للتحيز العنصري.
إذ قال سفير مالي في الهند نياكورو ساماكي إن: «في بعض الأحيان، يترك البعض مقاعدهم فور جلوس أفريقي بجوارهم في المترو. وفي البلدان الأخرى، تُعتبر مثل تلك الحوادث إهانة عنصرية بالغة». وأضاف أن الدبلوماسيين الأفارقة وأسرهم غالبًا ما يجدون صعوبة في استئجار سيارة أجرة أو عربة صغيرة. وأيضًا يقول الدبلوماسيون إن الاختلاف الثقافي لا يُؤخذ في الاعتبار أثناء احتكاكهم بالبيروقراطية الهندية.
وخلال قمة منتدى الهند أفريقيا 2015، أصبح رئيس دولة أفريقية محلا للسخرية بين قطاعات معينة بعد أن طلب كوبًا من حليب الناقة.
وأيضًا خلال قمة منتدى الهند أفريقيا، أثارت السيدة الأولى في السنغال أزمة دبلوماسية كبيرة بوصولها إلى المطار في ثياب تقليدية زاهية الألوان، وطُلب منها الخضوع لتفتيش أمني في المطار، ما اعتبرته إهانة بالغة، قبل أن تتم معاملتها في نهاية المطاف كزوجة رئيس دولة بعد مشادة قصيرة. ويقول الدبلوماسيون إن مثل تلك المواقف يمكن تجنبها إذا ما حظيت الثقافة الأفريقية بمزيد من التقدير.
وطالبت الدول الأفريقية بخطوات ملموسة ضد «العنصرية والأفروفوبيا»، المدفوعة بالغضب حيال مقتل الطالب الكنغولي، كما طالبت بتأجيل الاحتفالات بيوم أفريقيا في الهند، قبل أن تؤكد لهم الحكومة يوم الأربعاء على سلامتهم وأمن مواطنيهم. وفي العام الماضي، نشر موقع أنباء هندي فيديو حزينا يتضمن شهادة طلبة وأساتذة أفارقة حول ما يعانونه من تمييز بشكل يومي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...