«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

100 سنة على المعاهدة التي قسَّمت الشرق الأدنى

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام
TT

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

لماذا اعترضت القيادات اليهودية الصهيونية على معاهدة «سايكس - بيكو» البريطانية الفرنسية واعترضت كذلك على «إعلان بلفور»، الشهير بـ«وعد بلفور»؟ وكيف استطاعت تحقيق رغبتها وسط رضوخ بريطانيا لإرادتها؟
ثم كيف ترى هذه القيادات خرائط «سايكس - بيكو» المستقبلية، التي تتبلور بفعل الأوضاع الداخلية المضطربة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا، التي نجت منها - حتى الآن - مصر؟ وهل ستؤدي «سايكس – بيكو» المستقبلية إلى ظفر إسرائيل بالاعتراف الدولي بها كـ«دولة يهودية» بصورة طبيعية كردة فعل على قيام دول - أو دويلات - سنية وشيعية وكردية وعلوية؟!

ما أشبه اليوم بالبارحة! قبل مائة سنة، ولدت ما باتت تُعرف بـ«معاهدة سايكس - بيكو» بين بريطانيا وفرنسا، بمعرفة ومشاركة إيطاليا وروسيا، هادفة إلى تقاسم السيطرة والنفوذ على الشرق العربي في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى. وها نحن اليوم نرى دول «الهلال الخصيب» تتفكك وتتفتت ممهدة الطريق أمام نشوء عدة كيانات جديدة.
في كلتا الحالتين، عملت القيادات اليهودية ثم الإسرائيلية (منذ 1948) وتعمل على طلب حصتها من الغنائم. وكما في الأمس، تدور اليوم أيضا نقاشات وحوارات كثيرة في أوساط القيادات الإسرائيلية، سواء على مستوى الساسة أو الخبراء الاستراتيجيين والمثقفين، حول ماهية الصراع القائم في العالم العربي، ودور دول الغرب الكبرى في هذا الصراع وأهدافها منه.
وفي الآونة الأخيرة، في سياق حضور بعض هذه النقاشات التي من خلالها جرى الكشف عن مزيد من الأسرار، أو تأكيد أسرار كانت قد كُشفت وطمست سريعا.
كمثال، يتبين أن أبرز رموز القيادة اليهودية، ممثلة بحاييم وايزمن، الذي أصبح لاحقا أول رئيس للدولة العبرية، أدارت حوارات مثابرة مع دول الغرب إبان الحرب العالمية الأولى، كي يصار إلى تحديد حصتها. ويروي المؤرخ موشيه طلانسكي أن قيادة الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين «لم تحسم رأيها بسهولة إزاء أطراف الصراع في تلك الحرب. فكما كان هناك مَن أراد اتخاذ موقف لصالح بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، طالب البعض باتخاذ موقف لصالح ألمانيا وحلفائها في النمسا وتركيا. ولقد طلبت الجالية اليهودية في دول المحور الألماني، وفي فلسطين (التي كانت خاضعة لحكم العثمانيين الأتراك)، تأييد ألمانيا بحجة أن الوقوف ضد هذا المحور سيكلف اليهود الألمان ثمنا باهظا من الملاحقة. وفي المقابل، سعى بقية القادة اليهود، وفي مقدمتهم وايزمن، لتأييد بريطانيا وحلفائها؛ لأن اتجاه الحرب واضح لصالحها، ويمكن أن تكون نتيجة موقف كهذا إتاحة الفرصة بإنشاء دولة يهودية.
ويوضح طلانسكي أن القرار الذي اتخذ في البداية كان وقوف اليهود على الحياد، باعتباره الأفضل لمستقبل العلاقات مع الطرف المنتصر. غير أن موقف الحياد هذا لم يصمد طويلا؛ إذ إن وايزمن أدار حوارات سرية مع البريطانيين، وتمكن من التوصل إلى عدة اتفاقيات معهم، في صلبها دعم بريطانيا وفرنسا مقابل موافقتيهما على تسليم فلسطين للحركة الصهيونية وإنشاء دولة يهودية.
وبالفعل، تمكن وايزمن من التوصل إلى اتفاق كهذا، مقابل إرسال وحدات قتالية يهودية إلى الجبهة خلال الحرب، وتشكيل شبكة جواسيس كبيرة من اليهود في فلسطين تجمع المعلومات للبريطانيين. ولقد استغرقت المفاوضات بينهما ثلاث سنوات، انتهت بـ«إعلان بلفور» الشهير باسم صاحبه، آرثر جيمس بلفور، الذي صاغه في رسالة موجهة بتاريخ 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 إلى الزعيم اليهودي اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد، ويعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين تقوده الحركة الصهيونية «على أن لا تُمس فيها حقوق أبناء الطوائف الأخرى».
ويضيف طلانسكي أن قادة الحركة الصهيونية ما كانوا راضين عن هذه الصياغة، ذلك أنهم طالبوا بإنشاء دولة يهودية، وأرادوا أن يتضمن الوعد ترسيمًا للحدود تشمل كامل فلسطين. ويومذاك زعموا أن الشعب الذي يعيش في فلسطين ليس فلسطينيا، ولا عربيا كذلك، كما هو الانطباع العام، إنما هم مجموعات من المهاجرين الذين قدموا إلى البلاد من دول حوض البحر المتوسط والجزيرة العربية لأغراض مؤقتة.
لكن معارضة اليهود تفاقمت أكثر عند الكشف عن «معاهدة سايكس - بيكو»؛ إذ إن هذه المعاهدة، التي وقعت يوم 16 مايو (أيار) 1916 كانت كما أشرنا آنفا سرية، وكشف عن مضمونها فلاديمير لينين، قائد الثورة الشيوعية في روسيا، في مطلع العام 1918، أي بعد «إعلان بلفور». وتبين منها أن بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وإيطاليا، لم تتطرق إلى الدولة اليهودية، بل منحت العرب دولة شرقي نهر الأردن (الذي اعتبرته الصهيونية جزءا من أرض إسرائيل)، وقسمت فلسطين إلى ثلاث مناطق: الشمال (الجليل حتى حيفا) تحت سلطة فرنسا، والجنوب والوسط تحت حكم بريطانيا، ومدينة القدس ومحيطها تحت إدارة دولية.
هذا ما اعتبره الصهاينة اليهود خدعة بريطانية وطعنة في الظهر، ومن ثم أعلنت بعض التنظيمات اليهودية الحرب على بريطانيا حينما تولت الانتداب على فلسطين عام 1922، وعندما وقف العرب أيضا ضد المعاهدة، حاول بعض القادة اليهود إقامة اتصال مع بعض القادة العرب للتنسيق ضد بريطانيا.
* بعد 100 سنة
اليوم، مع بلوغ «سايكس – بيكو» الـ100 سنة، يتفق القادة الإسرائيليون بإجماع تام على أننا نشهد «حفل الختام» لتلك المعاهدة. ويقولون: «إن المعاهدة أصلا لم تطبَّق بحذافيرها، بل جرى تعديل حدودها عدة مرات عبر التاريخ الحديث، حتى رأينا شكلها الأخير خلال سبعينات القرن الماضي في العراق وسوريا والأردن ودول الخليج». ولكن الأحداث المأساوية في العالم العربي تدل على أن خريطة العالم العربي ما بعد «سايكس – بيكو» لن تعود كما كانت أبدا.
خلال حوار بين البروفسور شاؤول مشعال، وهو من مواليد العراق ويعمل باحثا في أكاديمية متعددة المجالات في مدينة هرتسليا ومستشارا استراتيجيا لعدة مؤسسات، والبروفسور يوآف غلبار، وهو ابن عائلة عسكرية ويعمل باحثا في جامعة حيفا، قال الأخير: «إن ما يجري في العالم العربي اليوم هو نتاج الصراع التاريخي بين حضارات الشرق والغرب، ولا علاقة له بالقضية الفلسطينية أو بالصراع بين إسرائيل والعرب. وأردف أن هذا الصراع ممتد في عمق التاريخ.. منذ آلاف السنين والعالم يعيش صدامات بين الحضارتين الغربية والشرقية، تشتد وترتخي حسب الظروف، لكنها لم تتوقف أبدًا.. بين اليونان والفرس، ثم بين الإسكندر المقدوني والفرس، ثم بين البيزنطيين والعرب، ثم بين الأتراك والسلاجقة، ثم بين العثمانيين والأوروبيين. واليوم وبعد 250 سنة من سيطرة الحداثة في عالمنا، يشعر البشر خصوصا في الشرق بخيبة أمل شديدة، وهم يعودون إلى الدين بشكل واسع، ثم يثورون عليه لكي يعيدوا عهد الخلافة الإسلامية في المنطقة». ويقتبس غلبار تصريحات للشيخ يوسف القرضاوي، الذي دعا إلى «دولة إسلامية تحت قيادة السلطان رجب طيب إردوغان (الرئيس التركي) تشمل العالم العربي كله». كما يقتبس «أبو بكر البغدادي» زعيم تنظيم داعش المتطرف الذي يسعى، كما يزعم، إلى إقامة «حكم الدولة الإسلامية وشرائعها».
ويرد مشعال بأن العالم العربي «يسير وراء خطط الغرب ومصالحه، ولكن من مصائبه الكبرى أنه لم يتعلم من تجربة الغرب». ويضيف: «إنهم مثلنا نحن اليهود، لا توجد لديهم مؤسسة واحدة تعد مرجعية دينية كحال الفاتيكان في روما؛ ولذلك تجد انفلاتا في الرؤية الدينية. والعرب والمسلمون، كل منهما على حدة وكليهما معا، يتغنون بأمجاد الأندلس. ويتمنون أن يكون هناك كيان واحد يمثلهم ويعبر عن قوتهم العددية والاقتصادية في العالم، وبعدما فشلت حركات القومية العربية في تحقيق ذلك، تحاول اليوم الحركات الإسلامية صنع ذلك».
ويتابع مشعال: «إنهم (أي العرب) لا يفهمون أن هذا غير ممكن لأسباب موضوعية ودولية، لكن المتطرفين الإسلاميين يصرون على ذلك وهم يحاولون فعله بطرق بدائية عنيفة مثلما فعلت وتفعل (القاعدة) ومثلما تفعل (داعش)، وما زلت أذكر شريط الفيديو الذي يظهر فيه شاب من مقاتلي (داعش) يحمل علم التنظيم ويعبر خط الحدود ما بين العراق وسوريا وهو يصيح: (باي.. باي.. سايكس – بيكو). إنهم يعتبرون معركتهم اليوم ضد (سايكس – بيكو)، ولكنهم بأيديهم، يستعيضون اليوم عن (سايكس – بيكو) القديمة التي تحدثت عن ثلاث دول عربية في الشرق العربي، التي أصبحت تؤلف بمرور الزمن نحو عشر دول، بعشرات الدول؛ فسوريا ستصبح ثلاث أو أربع دول، وكذلك العراق واليمن. هذا التفتت هو النقيض من (سايكس – بيكو)».
* مكانة إسرائيل
إذا كان مشعال وغلبار يتحدثان عن هذا الوضع كتصوير خرائط جيو سياسية، فإن هناك من يرى في إسرائيل أنه يحتاج إلى خطوات عملية تحفظ لإسرائيل مكانة وحصة. بعض هذه القوى تريد أن يكون الدور الإسرائيلي إيجابيا، بمعنى اكتشاف فرصة تقلب المعادلات في الشرق الأوسط وتجعل من إسرائيل حليفة للقوى التي تحارب ضد الإرهاب وتسعى إلى تثبيت الدول العربية وتعيد لها الاستقرار. وأصحاب هذه الفكرة هم من الوسط السياسي، وخصوصا من اليساريين المعارضين للحكومة، وأيضا من قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بغالبيتها.
هؤلاء يطالبون الحكومة الإسرائيلية بالخروج بمبادرة سياسية تبدي فيها الاستعداد لتسوية القضية الفلسطينية، مؤكدين أنه من دون هذه التسوية لن توافق أي دولة عربية على بناء علاقات طبيعية مع إسرائيل.
ولكن في المقابل، ثمة من ينظر إلى الأمر على أنه فرصة للعربدة الإسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية، مثل أحزاب اليمين المتطرف الممثلة في الحكومة وفي مقدمتها حزب «البيت اليهودي». هذا الحزب المتطرف يمثله اليوم في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) ثمانية نواب، لكن استطلاعات الرأي العام تعطيه 15 نائبا في الانتخابات المقبلة، ما يمنحه تأثيرا كبيرا في سياسة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. أضف إلى ذلك أن نتنياهو نفسه يفتقر إلى رؤية واضحة في الموضوع، وهو منشغل في تثبيت حكمه وانتظار التطورات.
* حلف إقليمي؟
في هذه الأثناء، أجرى معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، عدة بحوث في الموضوع، بمشاركة كادر كبير من الباحثين الاستراتيجيين والجنرالات السابقين. وخرج كل مرة بما يشبه الاستغاثة «تعالوا ننتهز الفرصة للمساهمة في إحداث التغيير الإقليمي». صاغ هذا الموقف رئيس المعهد، الجنرال عاموس يدلين، الذي رشحه حزب العمل في الانتخابات الأخيرة (عام 2015) ليكون وزير الدفاع في الحكومة؛ إذ دعا يدلين إلى أن تكون البداية من الحرب السورية قائلا: «إسرائيل محتارة منذ خمس سنوات، لا موقف محددا مما يحدث في سوريا. وهناك من يبرر هذه السياسة، لكن حان وقت إعادة التفكير. بات واجبا تحديد موقف، وهو الوقوف ضد بشار الأسد ونظامه، أولا بسبب الجانب الأخلاقي، فهو ما زال يستخدم السلاح الكيماوي، وهذا يذكرنا بواجب الاستيعاب بأن الأسد قاتل تسبب بكارثة إنسانية بشعة.. نحو 400 ألف قتيل (غالبيتهم بأيدي الجيش) ونحو مليوني جريح و11 مليون لاجئ. وثانيًا، كبشر، وخاصة كيهود، بفعل الوزن الاستراتيجي، فإن طرد الأسد مصلحة إسرائيلية. والمسار الراديكالي، الذي تقوده طهران ويمر عبر الأسد إلى حزب الله، يشكل التهديد الملموس الأكبر على أمننا». ويستطرد يدلين: «هناك من سيقول: إن التهديد الناجم عن (داعش) ليس أقل خطورة، ولذلك يجب الاستعداد له أولا. طبعا لا يجوز الاستخفاف بهذه المسألة، ولكن معالجة مسار (طهران - بغداد - دمشق - بيروت) يجب أن يحظى بالأولوية الاستراتيجية، وذلك لسبب بسيط هو أن المجتمع الدولي تجند لمواجهة ظاهرة (داعش)، بل إنه ينجح حاليا في وقف تقدمها. أضف إلى ذلك أن نهاية نظام الأسد ستضعف، على الأرجح، جاذبية (داعش)؛ لأنه سيكون للغالبية السنية في سوريا؛ إذ ذاك بديل سني معتدل. في المقابل، ستبقى إسرائيل وحيدة تقريبا أمام تهديد المسار الإيراني، وليس لديها من تعتمد عليه باستثناء نفسها؛ لذا عليها العمل بأولوية مطلقة إزاء تعزز مسار (طهران - الأسد – نصر الله). إن إيران وحليفاتها أخطر على إسرائيل عشرات الأضعاف من (داعش). وعلى إسرائيل بلورة استراتيجية تتركب من عدة أمور. وشرط أساسي هو إقامة تحالف إقليمي، حتى لو لم يكن معلنا، مع جهات في العالم السني، وذلك بالشراكة مع الولايات المتحدة، وربما كذلك التوصل إلى تفاهمات هادئة مع روسيا، التي خلافا لإيران، لا ترى في الأسد عاملا ضروريا في الاتفاق المستقبلي في سوريا».
عمليا، يقول يدلين، ما يقوله قادة الجيش، إن إسرائيل لن تحقق شيئا من «سياسة الانتظار»، التي يتبعها نتنياهو. وهؤلاء يحذرون من انفجار الأوضاع أيضًا ضد إسرائيل؛ بسبب الجمود في عملية السلام. ويسخرون منه كيف توجه إلى الولايات المتحدة ودول الغرب طالبا «الحصة الإسرائيلية» من التسوية السياسية في سوريا؛ إذ أعلن الشهر الماضي أن «الجولان ستبقى جزءا لا يتجزأ من إسرائيل». لكن المقربين من نتنياهو يزعمون أنه «في الواقع يفتش عما هو أكبر من الجولان، ألا وهو الاعتراف العربي بإسرائيل كدولة يهودية»، ففي إسرائيل يتوقعون أن تنتهي الحرب في سوريا والعراق وليبيا واليمن، بعد وقت طويل، بتمزق شديد وتشكيل دول جديدة على أسس طائفية أو فئوية: علوية وشيعية وسنية وكردية ودرزية. وفي هذا الوضع سيكون المطلب الإسرائيلي من العرب بالاعتراف بها «دولة يهودية» مطلبا شرعيا.
الخبير العسكري، أليكس فيشمان، يقول: «إن السبيل الذي اختاره نتنياهو لصد الضغوط التي يمارسها الجيش وبقية أجهزة الأمن الإسرائيلية عليه، هو ضربهم بأفيغدور ليبرمان. فهذه القيادات بالإجماع تطلب منه تغيير سياسة الجمود، وانتظار المجهول، وإطلاق مبادرة سياسية مع الفلسطينيين، وإيجاد صيغة للتفاهم مع الدول العربية للتعاون في مكافحة الإرهاب. وحسب فيشمان «يعاني نتنياهو معاناة شديدة من جراء هذا الموقف، وقراره ضم ليبرمان إلى حكومته وتسليمه وزارة الدفاع مكان موشيه يعلون، جاء في إطار الرد على هذه المعاناة».
وبغض النظر عن كيفية انتهاء النقاش الداخلي في إسرائيل، خصوصا مع بدء مرحلة حكومة اليمين المتطرف المدعومة من ليبرمان، فإن «حفل الختام» لـ«معاهدة سايكس – بيكو» بعد مرور 100 سنة عليها، يؤهل إسرائيل لبدء عملية حوار جديدة حول شكل آخر من أشكال «سايكس - بيكو» آتية.
وهنا يتخيل أحد آيديولوجيي اليمين المتطرف، الدكتور شيمعون غيلر، المرحلة على أنها «فرصة لليمين لإقناع الغرب بأن إسرائيل هي القوة الوحيدة المضمونة في المنطقة لخدمة مصالحهم. وأن الصراع الإسرائيلي - العربي لن ينتهي - كما يتوهمون - بإعادة أراضي 1967 وحل قضية اللاجئين؛ لأن العرب لم يقبلوا إسرائيل في الماضي، ولن يقبلوها في أي ظرف قادم». ويتابع غيلر أن «جذور هذا الصراع بدأت إبان الحرب العالمية الأولى، حين لم يكن هناك احتلال إسرائيلي، ولا لاجئون فلسطينيون. إنهم (العرب) يريدون إعادة الدولة الإسلامية الكبرى، وما على إسرائيل إلا أن تبني لنفسها القوة والتحالفات الغربية المناسبة لضمان وجودها وتطورها؛ حتى تهزم هذه الفكرة».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.