المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

تأثرت بالمواقع الإلكترونية والتمويل والتوزيع ومطالبات بدعمها حكوميًا

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير
TT

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

منذ بدايات القرن العشرين، واجهت المجلات الثقافية العربية فترات ازدهار وفترات اضمحلال، تبدو جلية مع فترات الحراك السياسي والاجتماعي. وطرحت أزمة الإغلاق المفاجئ لمجلة «دبي» الثقافية مؤخرا، تساؤلات عدة حول أزمة المجلات الثقافية هل هي غياب الدور أم الرسالة؟ أم العجز عن مخاطبة جيل الشباب الذي يحلق في فضاءات مواقع «السوشيال ميديا»؟ أم أنها أزمة الصحافة الورقية بشكل عام؟ استطلعت «فضاءات» آراء عدد من رؤساء تحرير المجلات والملاحق والمواقع الثقافية في العالم العربي، في محاولة للوقوف على أسباب الأزمة التي ظهر تشعبها وارتباطها بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وارتباط المجلات الثقافية بالدور الإقليمي للدولة وتصدير توجهاتها عبر الثقافة واجهةً لها، وتسليط الضوء على التحديات التي تواجهها في عدد من الدول.
في مصر، تعاني المجلات الثقافية عثرات كثيرة، لكنها تحاول الصمود، فهي تعاني بشكل جلي معضلة التمويل، فضلا عن تراجع الصحافة الورقية المصرية بوجه عام، ما دعا وزارة الثقافة المصرية في أبريل (نيسان) الماضي لتشكيل لجنة عليا لتقييم أوضاع المجلات الثقافية، وبحث غلق بعضها أو دمجها. بدأت أزمة «المجلات الثقافية» منذ بداية سبعينات القرن الماضي، حيث تراجعت الحركة الثقافية مع هجرة المثقفين واستهداف الثقافة من قبل الدولة ممثلة في ملاحقات واعتقالات، فقد توقفت في ذاك الوقت مجلات «الكاتب»، «الطليعة»، «الفكر المعاصر»، «المجلة» والتي كان لها دورها في تقديم جيل جديد من المبدعين والأدباء. أما في التسعينات، فتصدرت وزارة الثقافة المشهد ودفعت بعدد من المجلات منها «فصول»، و«القاهرة» التي تحولت الآن إلى جريدة أسبوعية، ومجلة «إبداع»، و«سطور». وكانت من أبرز المجلات الخاصة «وجهات نظر» التي كان لها طابع مميز، ومجلة «أدب ونقد» التي كانت تصدر عن حزب التجمع منذ عام 1984، ومجلة «الكتابة الأخرى» التي تصدر وتتوقف من آن لآخر، ومجلة «أمكنة» الفصلية للشاعر علاء خالد، وهي أيضا غير ثابتة في الصدور، كذلك توقفت مجلة «تحديات ثقافية» التي كان يصدرها الشاعر مهدي بندق.
يقول رئيس تحرير مجلة «الهلال» الروائي سعد القرش: «أزمة المجلات الثقافية في الوطن العربي تؤكد أن المال لا يصنع الثقافة، لكنه قد يصنع أنشطة صاخبة، ويصنع مجلات عدد قرائها في بلد الصدور أكبر من عدد كتابها، لكنه لا يضمن استمراريتها». ويشير إلى أن «سبب الأزمة غياب المراكز الثقافية الكبرى في العالم العربي، كمصر وبغداد وبيروت ودمشق، والتحولات السياسية الجارفة التي تمر بها؛ ما أدى إلى خلل كبير، فضلا عن افتقار المجلات الثقافية إلى العمق الثقافي والقدرة على الإنجاز وتحدي المواقع الثقافية الإلكترونية». وعن وضع مجلة «الهلال» التي ظلت صامدة منذ صدورها قبل 125 عاما، يقول: «المجلة مدعومة بكتابها العرب الذين يتنازلون عن أجورهم في مقابل رؤيتهم للمجلة التي تربوا عليها».
ويشير إلى أن «مشكلة الهلال كباقي المجلات المصرية تعاني غياب الدولة عن التوزيع، حيث إن الشركة القومية المنوطة بالتوزيع والتي تحتكره لا تقوم بدورها، فلا توزع المجلة في الدول العربية، فالكتاب العرب لا يرون إبداعهم، ورغم ذلك هم مستمرون في دعمنا».
ويسلط القرش الضوء على الأسباب الكامنة وراء الأزمة: «بداية من عهد جمال عبد الناصر أشك أن هناك حاكما مصريا قرأ كتابا، فالدولة في حالة عداء مع المثقفين الذين كان يسميهم السادات «الأراذل»، فلا توجد رؤية لدى أي رئيس أو للدولة ككل تتعلق بالثقافة، قد تكون المجلات الثقافية مجرد واجهة لبعض الدول، لكنها بالنسبة لمصر دور ورسالة وعبء نتحمله».
«الأزمة..أزمة تلقٍ بالأساس» هكذا يكشف الروائي أشرف الخمايسي، الذي يعمل في مجلة «الثقافة الجديدة» التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، عن واقع بعض المجلات الثقافية المصرية التابعة للدولة، قائلا: «للأسف مجلات مثل (مسرحنا) و(خيال) لا تباع منها سوى 20 نسخة في دولة تعداد سكانها يفوق 90 مليون نسمة، أما مجلة «الثقافة الجديدة» فهي توزع ما بين ألفين إلى 3 آلاف نسخة»، مضيفا: «للأسف المجلات الثقافية تخاطب المثقفين فقط، وهذا خطأ فادح، فالمثقفون يكتبون لنفسهم، يقرأون ما يكتبونه وما يكتبه أصدقاؤهم في أضيق الحدود، بل ويشترون الأعداد التي ينشر بها ما يكتبون فقط».
وعن حل الأزمة من وجهة نظر صاحب رواية «منافي الرب»، يرى أنه «لا بد من التوجه للناس ولعامة الشعب من غير المثقفين؛ فالهدف أن نخاطبهم ونعبر عنهم، هذه المجلات أداة لتوصيل الثقافة ونشرها، ولا يصح أن تظل منغلقة على جماعة بعينها، وإتاحة الفرصة لكل من يرغب في نشر إبداعه دون قيود وتعنت».
ويحاول شباب المبدعين المصريين التغلب على الوضع المظلم في الصحافة الثقافية بوجه عام، بمبادرات فردية وجماعية عدة للبحث عن بدائل ممكنة وقنوات لنشر إبداعاتهم. تحدثنا إلى الكاتب سامح فايز، وهو صحافي يكتب في عدد من المجلات والجرائد الثقافية من بينها جريدة «القاهرة» الأكثر استقرارا نظرا لدعم الدولة لها، والذي كانت له تجربتان في تأسيس موقعين ثقافيين؛ لنشر الأخبار والفعاليات الثقافية والإبداع الشبابي على الإنترنت، هما: «الشباك»، و«كتب وكُتاب»، ومؤخرا أسس مبادرة جديدة أسماها «التيار الثقافي البديل». يقول: «النشر في المجلات الثقافية منغلق على جماعات معينة، وهذه المبادرة رد فعل على حالة الإحباط التي تسود في الوسط الثقافي المصري، في ظل تراجع دور وزارة الثقافة المصرية وحالة التردي السائدة منذ عام 2000 تقريبا». ويرجع الأسباب في أزمة المجلات الثقافية إلى «عدم مجارات التغييرات الاجتماعية والسياسية التي تواجه المجتمعات العربية، وعدم الاستجابة للتطورات التكنولوجية التي أفرزتها الصحافة الإلكترونية، وتطور الـ«سوشيال ميديا» وانجذاب الشباب لها، فهم يتابعون الأخبار والفعاليات عبرها، فما الذي سيجعل الشباب ينتظر مجلة تصدر كل شهر؟
ويضيف فايز: «صحيح أن بعض المجلات التابعة للوزارة شهدت طفرة بعد تغيير إدارتها مثل: (عالم الكتب) و(إبداع)، لكن ذلك لن يدوم لأن ذلك مرهون بتغيير الإدارة وفقا لمدة عمل محددة». ويشير إلى أنه حينما ترأس تحرير موقع «كتب وكتاب» تصفحه 30 ألف مستخدم، وتابعه 20 ألف على «فيسبوك»، وكانت تجربة ناجحة جدا سدت ثغرة في الوسط الثقافي، لمتابعته الفورية للفعاليات الثقافية، إلا أن الأزمة المالية وعدم وجود تمويل أطاحت به بعد أشهر».
وتحاول الهيئة المصرية العامة للكتاب، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، اتباع استراتيجية لتطوير المجلات التي تصدر عن الهيئة، كما وقعت الهيئة مؤخرا برئاسة د.هيثم الحاج على بروتوكول لطباعة مجلة «أدب ونقد» الخاصة، ودعمها في إطار دعم النشاط الثقافي للأحزاب، وشكلت لجنة لإعادة تقييم المجلات الثقافية التي تصدر عنها وتقنين أوضاعها.
يقول الكاتب الصحافي مصطفى عبد الله، رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» السابق، وعضو لجنة التقييم بالهيئة المصرية العامة للكتاب: «شكّل وزير الثقافة لجنة عليا لبحث آليات النشر بالمجلات التي زاد عددها عن 20 مجلة ولا تحقق مبيعات منذ عشرات السنين ومستمرة في الصدور برغم ضعف عدد القراء، واللجنة التي تضم الدكتور جابر عصفور وعددا من كبار المثقفين في مصر، تحاول النظر في استمرار هذه المجلات أو دمجها وإغلاق بعضها».
ويعزي عبد الله السبب الرئيسي لأزمة أغلب المجلات الثقافية في مصر إلى «نمطيتها وجمودها، ووجود هيئة تحرير ثابتة أدى بها إلى هذا الوضع المتردي، حيث تحرص هيئة التحرير على صدورها بغض النظر عن محتواها ومضمونها، فلا سياسة توزيع ولا سعي للقارئ، وتتجسد المأساة في تراكم الأعداد المرتجعة في المخازن». ويرى عبد الله أن «للصحافة الإلكترونية تأثيرا مباشرا في المجلات الثقافية، وكان لها أيضا أثر كبير على حركة الإبداع ذاته، فخلقت فضاء واسعا لأدباء الصعيد، وقلصت معاناتهم لنشر إبداعاتهم، وكشفت زيف الأدباء المُدعين»
وعن أزمة مجلة «دبي» الثقافية التي كان يكتب بها عمودا ثابتا، قال: «أصبح المسؤولون عن المجلات الثقافية في وضع حرج بعد الإغلاق المفاجئ لـمجلة «دبي»، التي كانت تنعم بالاستقرار، وكان توزيعها يتخطى 70 ألف نسخة شهريا، وكذلك أزمة مجلة «العربي» التي كانت توزع أكثر من 100 ألف نسخة، وهي أرقام قياسية للمجلات الثقافية، وتعرض تلك المجلات الناجحة للإغلاق أمر ينبئ بخطورة حجم المشكلة أمام المجلات الخليجية التي قامت بدور كبير في مد الجسور الثقافية بناء على رؤية ثقافية، لكنها للأسف لم تعكس الواقع الخليجي؛ لذا أعتقد أن هذا سبب رئيسي في اختلالها».
التخلي عن المشروع الثقافي أيضا سبب رئيسي وراء أزمة المجلات الثقافية، وهو ما لفت إليه الروائي إبراهيم فرغلي، عضو هيئة تحرير مجلة «العربي» الكويتية، الذي يقول: «أغلب المجلات العربية تصدر بدعم حكومي من الدول التي تصدرها، ولكن الاختلاف ربما يكمن في المناخ الذي تأسست فيه هذه المجلات على يد رواد من المثقفين ومن أصحاب الرؤية السياسية الذين كانوا يرون في تطور العقل العربي ضرورة للتنمية، أما الآن ففي ظل الاستقطابات السياسية دخلت الحكومات طرفا يريد أن يراقب كل شيء، إما خوفا من الفتن الطائفية، أو خوفا من الحسابات السياسية الدقيقة، وبالتالي لم يعد للمشروع الثقافي الآن الأولوية كما كان الأمر في الماضي». ويضيف: «أي دولة قد تفرض حالا من التقشف فسيصيب الثقافة قبل غيرها. طبعا هذه مفارقة مؤلمة؛ لأن الواقع الراهن بكل ما نراه فيه من تغيرات واضطرابات وتنام للعنف وانتشار الإرهاب يكاد يؤكد أن الثقافة التي كانت حكرا على الدوريات والمؤسسات الثقافية تحتاج إلى أن تدخل في نسيج التعليم العام لكل الدول العربية وليس التخلي عن المشروع الثقافي».
ويسلط فرغلي الضوء على أسباب أخرى «طبعا هذا كله يأتي مع وجود جيل جديد يتعاطى ثقافة جديدة ويتابع ما يحدث في العالم ويفقد الثقة بسرعة في أي مطبوعة تبدو له جامدة أو بعيدة عن روح العصر وثقافته. ويلفت إلى أن الحل يكمن في «ضرورة أن يدخل العلم والاهتمام بالعلوم مع الثقافة والفكر اليوم في شكل مطبوعات شابة تناسب روح العصر وتقدم الأسئلة العميقة في أشكال صحافية تناسب الشباب. الثقافة ليست ترفا وليست أولوية مؤجلة كما قد يتصور البعض».
المملكة العربية السعودية، تواجه المجلات الثقافية أزمات أيضا وتحديدا المجلات الخاصة، وفقا للمثقف السعودي محمد السيف، رئيس تحرير «المجلة العربية»، الذي يقول: «هناك عزوف كبير من الشباب وجمهور القراء في الوطن العربي عن المواد الدسمة والموضوعات الأدبية الكلاسيكية، التي كانت تطرحها المجلات الثقافية في القرن الماضي، وهناك تأثير كبير ومباشر من مواقع (السوشيال ميديا) على كل من المجلات والمواقع الثقافية». ويشير «تعرضت (الفيصل) منذ عامين لأزمة تمويل وتوقفت وعادت لتصدر كل شهرين، كذلك تستمر معاناة مجلات أخرى مثل «المنهل»، و«القافلة»، لكن المجلة العربية لا تواجه تلك الأزمة؛ لأنها «مدعومة من الدولة ولها ميزانية مستقلة تكفل لها الاستقرار، فضلا عن حرصها على التواصل مع الأدباء والمبدعين الشباب من مختلف أنحاء الوطن العربي، ومد جسور التواصل معهم عبر نشر موضوعات متنوعة وتهمهم ومقابلات معهم ونشر إبداعاتهم، والحرص على التوزيع الجيد لها».
وحول تأثر المجلات الثقافية بوجود المواقع الثقافية الإلكترونية، يقول: «لم تؤثر تلك المواقع في المجلات، بل إنها أيضا تتعرض لأزمات أكبر ومشكلات مادية تؤدي لإغلاقها، فضلا عن عدم التفاعل معها أيضا».
ويرى السيف أنه «على الصحافة الثقافية بوجه عام أن تتقبل قدرها الحتمي بالإغلاق أو التواري؛ لأن الأزمة ليست فقط تمويل أو توزيع؛ مؤكدا «مفتاح الأزمة هو المضمون الذي تقدمه الصحافة الثقافية للجمهور».
وفي لبنان، أغلقت عدة مجلات ثقافية خلال القرن العشرين منها: «الأديب» الشهرية التي استمرت في الصحافة الأدبية من سنة 1942 إلى سنة 1983. وفي عام 2013 صدر العدد الورقي الأخير من مجلة الآداب البيروتية التي كانت واحدة من أهم المجلات الثقافية والأدبية في العالم العربي. أما في الوقت الحالي، فقد انعكست حالة الترهل والتشظي السياسي على الصحافة الثقافية، ورغم أن وزارة الثقافة اللبنانية أطلقت العام الماضي مجلة فصلية هي «شؤون ثقافية»، في محاولة لإنعاش المقاومة الثقافية، إلا أن أزمة الملحق الثقافي في جريدتي «النهار» و«السفير» كانت بمثابة طامة كبرى في الوسط الثقافي العربي لما لهما من ثقل. يقول الشاعر عباس بيضون، رئيس الملحق الثقافي بجريدة السفير، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»: «توقفت المجلات الثقافية منذ زمن بعيد، وهنالك أسباب عدة لتدهور الصحافة الثقافية في لبنان؛ أولها: بالطبع الوضع السياسي الذي يفرض على الجمهور أن يستقي الثقافة والمعلومات والأخبار من مصادر تتفق مع مواقفه وانتماءاته السياسية، ثانيها: انتشار المواقع الإلكترونية الثقافية التي أصبحت أسرع وأقرب للجمهور، ثالثها: مشاكل التمويل التي أصبحت تطيح ليس بالصحافة فقط، بل بصناعة النشر ككل، بسبب تكلفة الورق وانخفاض العائد». ويرى بيضون أن قدر الصحافة الثقافية هو الاضمحلال والتواري في ظل كل هذه الظروف، أما عن المثقف اللبناني وأين ينشر إبداعه، فقال: «يتجهون للمواقع الإلكترونية». وبصوت يحدوه تشاؤم كبير: «لا أجد حلولا للأزمة، وعلى ما يبدو أنها مستمرة ولن تجد المجلات الثقافية مخرجا؛ لأن الأسباب عميقة ومتجذرة ومتشابكة؛ لكن ربما يمكن للدولة والمؤسسات الاقتصادية الخاصة أن تقوم بدور في التمويل والدعم، ولا بد للمجتمع أن يتحمل المسؤولية تجاه الصحافة الثقافية وإلا فلا مفر من الإغلاق».



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي