بن رودس.. الأديب الذي بات أهم صانع للسياسة الخارجية لأوباما

لعب دورًا كبيرًا في صفقة «النووي» الإيراني والتفاوض بشأن استئناف العلاقات الأميركية ـ الكوبية * تقاربه في التفكير مع الرئيس جعل منه صاحب نفوذ هائل

بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
TT

بن رودس.. الأديب الذي بات أهم صانع للسياسة الخارجية لأوباما

بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})

تخيله كرجل شاب، يقف بمواجهة الشاطئ في شمال ويليامسبرغ، عند مركز اقتراع في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، الذي كان يصادف يوم الانتخابات في مدينة نيويورك. رأى الطائرات تصطدم بالأبراج، وهي لحظة لا تُنسى من عدم التصديق، المتبوع بالهلع والصدمة، والرعب الدائم، ومشهد ذكره بشكل مخيف، في أعقاب الهجوم، بغلاف رواية دون ديليلو: «العالم السفلي».
تغير كل شيء منذ ذلك اليوم. لكن الطريقة التي غير بها ذلك اليوم حياة بن رودس ما زالت فريدة، وربما غير قابلة للتصديق كشيء من الخيال. كان في عامه الثاني من أطروحته لنيل درجة الماجستير في الآداب في جامعة نيويورك، يسكن الأدوار الأرضية، ويكتب القصص القصيرة عن الخاسرين، ويتخيل أن نشر أعماله قريبا في المجلات الأدبية، وأن يكون له وكيل أعمال ويصدر عملا روائيا عندما يصل عامه الـ26، رأى أول برج يسقط، وبعد ذلك ركض نحو سيدة يعرفها، وعادا إلى شقتها المشتركة في ويليامسبرغ وحاولا العثور على جهاز تلفزيون يعمل، وعندما عادا إلى الخارج، كان الجميع يتحدث عن صور البرجين اللذين تتصاعد منهما ألسنة اللهب. رأى رجلا عربيا يبكي داخل محطة لقطار الأنفاق. يقول: «لقد ظلت هذه الصورة ترافقني على الدوام. لأنني كنت أعتقد أنه كان يعرف أكثر مما نعرفه عما يحدث». وفجأة باتت فكرة كتابته أعمالا تحاكي فريدريك بارثيليم مضيعة للوقت.
أوضح: «تكونت لدي سريعا هذه الفكرة عن أنني ربما أريد أن أكتب عن الشؤون الدولية. وبشكل رجعي، لم تكن لدي أي فكرة عما يعنيه هذا». كانت صديقة مقربة لوالدته منذ أيام الطفولة تدير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، التي كانت تنشر آنذاك موضوعات تتعلق بالسياسة الخارجية. أرسل إليها برسالة وتضمنت ما صار أول عمل أدبي منشور له، وهي قصة قصيرة ظهرت في «مجلة بلويت الأدبية». كانت بعنوان «السمكة الذهبية تضحك وأنت تضحك لها». يقول إن القصة ما زالت تطارده، لأنها «تنبأت بحياتي بالكامل».
إنه يوم خطاب الرئيس باراك أوباما الأخير عن حالة الاتحاد، في 12 يناير (كانون الثاني)، ولم تكن الأخبار الواردة من داخل البيت الأبيض تبشر بخير. ولحسن الحظ، فإن الصحافيين الجالسين في غرفة الانتظار بالجناح الغربي لم يكونوا قد عرفوا بشأن هذه الأخبار بعد. كانت الخلاصة هنا في هذا الغداء الودي الخاص في وقت مبكر من المساء مع الرئيس الذي سيراجع كلمته السنوية إلى الكونغرس على وجبة يقال إنها ستكون من أفضل ما في جعبة طاهي البيت الأبيض.
ينادي رجل قائلا: «بليتزر!». يستدير رجل يرتدي معطفا طويلا، في دهشة ساخرة.
يرد وولف بليتزر، مذيع «سي إن إن»: «لا تكتب، لا تناد».
يرد زميله السابق رولاند مارتن: «حسنا يمكنك أن تنادي». تنتهي محادثتهما القصيرة، ثم ينتقلان لموضوع الزحام المروي في واشنطن. يقول مارتن: «اعتدت على الوصول إلى سي إن إن عند الساعة 9:30، كان المكتب يبعد 8.2 ميل عن منزلي. كان يستغرق مني 45 دقيقة للوصول». ويحكي سكوت بيلي، مذيع الأخبار في «سي بي إس» حكاية عن كيف أن الصحافيين دمروا الأرضية العشبية خلال فضيحة مونيكا لوينسكي وقيل لهم إنه سيتم السماح لهم بالعودة بمجرد إصلاح العشب. أعادت هيئة الحدائق الوطنية زراعة العشب خارج البيت الأبيض، لكن لم يتم السماح بعودة الصحافيين للمنطقة العشبية.
من دون أن ينته إليه المراسلون، يمشي بين رودس خلال القاعة، خطوة خطوة وراء سيدة ترتدي حذاء بلون فراء النمر. يمسك بهاتف قرب أذنه، ويردد لازمته: «أنا لست شخصا مهما، أنت ذلك الشخص المهم».
يبلغ الولد المعجزة في بيت أوباما الأبيض من العمر 38 عاما الآن. يتجه إلى الطابق الأسفل نحو مكتبه الذي من دون نوافذ في الطابق الأرضي، والمقسم إلى جزأين. في المكتب الأمامي، تجلس مساعدته رومانا أحمد ونائبه نيد برايس، الغارقان وراء مكتبيهما الواقعين في مواجهة شاشة تلفزيونية ضخمة، مضبوطة باستمرار على قناة «سي إن إن». تزين صور كبيرة لأوباما الجدران. هنا يعدل الرئيس رابطة عنق رودس؛ ويهدي ابنته الصغيرة المحببة إيلا، زهرة؛ ويبتسم ابتسامة عريضة بينما يلعب مع إيلا على بساط عملاق يحمل العبارة: «من بين الكثيرين، واحد».
على مدار الكثير من الأسابيع الخمسة الماضية، كان رودس ينقل ما يشعر به الرئيس إلى ما تم تخيله كخطاب حالة اتحاد مغلف بالتفاؤل وبعد النظر. الآن، من هذه الشاشات المسطحة، يبرز تحد للخطاب: استولت إيران على زورقين صغيرين يحملان 10 بحارة أميركيين. عرف رودس بأمر التحرك الإيراني في وقت سابق من ذلك الصباح، لكنه كان يحاول التغطية عليه حتى ينتهي الرئيس من خطابه. يقول رودس: «إنهم لا يستطيعون الحفاظ على سر لساعتين».
باعتباره نائب مستشار الأمن القومي للاتصالات الاستراتيجية، يكتب رودس خطابات الرئيس، ويضع خطط رحلاته الخارجية ويدير استراتيجية الاتصالات عبر البيت الأبيض، وكل منها في حد ذاته تعد مهام تعطي إحساسا بأهمية دوره.
وهو بحسب إجماع أكثر من عشرين من موظفي البيت الأبيض السابقين والحاليين الذين تحدثت إليهم، أهم صوت مؤثر في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، بخلاف رئيس الولايات المتحدة نفسه. يتواصل الرئيس ورودس «بانتظام عدة مرات في اليوم»، وفقا لـدينيس ماكدونو، رئيس موظفي البيت الأبيض، المعروف عنه أنه يدير البيت الأبيض بطريقة منظمة. ويقول ماكدونو: «أرى هذا شخصيا على مدار اليوم»، مضيفا أنه متأكد من أنه بالإضافة إلى الساعتين إلى 3 ساعات التي ربما يقضيها رودس مع الرئيس، فإن الرجلين يتواصلان عن بعد على مدار اليوم عن طريق البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية. وضع رودس استراتيجية حملة التواصل بشأن الاتفاق مع إيران، وأدارها بنجاح، وساهم في التفاوض على بدء علاقات أميركا مع كوبا بعد توقف دام لأكثر من 50 عاما، وكان مشاركا في كتابة كل خطابات أوباما الكبرى حول السياسة الخارجية.
قال لي تيري سوبلات، وهو أطول من عمل ضمن فريق كتابة الخطابات في مجلس الأمن القومي: «يقوم (رودس) بـ12 مهمة كل يوم، وهو يقوم بها جميعا أفضل من الأشخاص الموكلين بهذه المهمات بالأساس». وفي كل القضايا، الكبرى والصغرى، يكون الصوت الذي تتحدث به أميركا إلى العالم، وهو صوت بين رودس.
وشأن أوباما، فإن رودس قاص يستخدم أدوات الكاتب لتعزيز أجندة مغلفة بشكل سياسي لكنها شخصية للغاية في كثير من الأحيان. وهو متمرس على بناء حبكة شاملة تشمل الأبطال والأوغاد، الذين يدعم صراعاتهم ودوافعهم بمجموعة من الصفات والاقتباسات والتسريبات المنتقاة بعناية، من مسؤولين كبار، سواء بذكر أسمائهم أو حجبها.
ومن بين ما يستند عليه نفوذ رودس هو «التقارب في التفكير» مع الرئيس. استخدم تقريبا كل من تحدثت إليهم عبارة «التقارب الفكري» حرفيا، حيث كان بعضهم يستخدمها بثقة عفوية، فيما كان بعضهم الآخر يقولها بنبرة مكتومة عادة ما تنم عن رؤى خاصة.
هو لا يفكر للرئيس، لكنه يعرف ما يفكر فيه الرئيس، وهو مصدر نفوذ هائل. في يوم من الأيام، عندما كنت أنا ورودس جالسين في غرفة اجتماعاته، اعترف بقدر من الحيرة: «لم أعد أعرف من أين أبدأ وأين ينتهي أوباما».
أثناء وقوفه أمام مكتبه قبل خطاب حالة الاتحاد، يحسب رودس سريعا الحسابات السياسية للخبر العاجل عن التحرك الإيراني. يقول متوقعا وهو ينظر إلى شاشة التلفزيون: «الآن سيعرضون صورا مخيفة لأشخاص يتوسلون إلى المرشد الأعلى». وبعد برهة يقوده تفكيره إلى رواية لوقف النزيف السياسي بسبب هذا الخبر. يلتفت إلى نائبه، برايس ويقول: «نحن نعمل على التوصل لحل لهذه المسألة، لأن لدينا علاقات».
عندما أشاهد رودس وهو يعمل، أتذكر أنه لا يزال روائيا بالأساس، إذ يستخدم مجموعة جديدة من الأدوات - إلى جانب فنون الحكاية والحبكة التقليدية - لخلق قصص عن العواقب الرائعة بأوسع نطاق يمكن تخيله. السياق الذي يرسم معالمه، أصوات المسؤولين الكبار، وكتاب الرأي، والمراسلين الذين يشكل عملهم ويتحكم بأصواتهم بمهارة، وحتى خطابات الرئيس ونقاط الحديث، هي مجرد نقاط ملونة في رؤية أوسع بكثير عن من هم الأميركيون والمسار الذين نتجه إليه، وكل ذلك أمر عمل رودس والرئيس على صياغته معا على مدار السنوات الـ7 الماضية.
عندما سألت جون فافرو، كاتب خطابات أوباما الأول في حملة 2008، وهو صديق مقرب لـرودس، عما إذا كان هو أو رودس أو الرئيس، قد فكروا في خطاباتهم الفردية، واتخاذهم للقراءات، كجزء من عملية أكبر لإعادة هيكلة الخطاب الأميركي، أجاب: «كنا نرى هذا باعتباره مهمتنا الكاملة».
كان من النادر أن تجد اسم بين رودس في القصص الإخبارية عن الأحداث الكبرى في السنوات الـ7 الماضية، ما لم تكن تبحث عن تصريح منقول عن مسؤول كبير لم يتم ذكر اسمه، في الفقرة رقم 9، هو غير مرئي لأنه ليس من نوع الشخص المحب لذاته، ولأنه يكرس نفسه من أجل الرئيس. لكن ما إن تصبح معتادا على الصفات المميزة لصوت رودس - المغلف دائما باحتقار عدائي لأي شخص وأي شيء يقف في طريق الرئيس - حتى تستطيع أن تسمع صوته في كل مكان.
والد ووالدة رودس ليسا مهتمين بالحديث عن ابنهما. وكذلك شقيقه الأكبر، ديفيد، الذي يرأس «سي بي سي نيوز»، وهي مؤسسة إعلامية أحيت مؤخرا جهود الكشف عن محتوى الصفحات الـ28 المنقحة من تقرير 11 سبتمبر (أيلول) غداة زيارة أوباما إلى المملكة العربية السعودية، التي رافق رودس الرئيس خلالها، كالمعتاد.
تربط الشقيقين علاقة وثيقة، لكن في كثير من الأحيان تمر شهور من دون أن يقابلا بعضهما البعض. يقول رودس عن شقيقه الذي عمل في «فوكس نيوز» و«بلومبيرغ» قبل الانتقال إلى «سي بي سي»: «كان من نوع الولد الحريص على دراسته. أما أنا فلم أكن متفوقا بهذه الدرجة في المدرسة العليا، لأنني كنت أشرب وأدخن وأخرج في الحديقة المركزية».
ينبغ مزاج رودس المتقد، وإن كان كئيبا، الذي استشعرته من تصريحاته الشاردة ومن غرابة قراره بأن يسمح لي بالتجول في البيت الأبيض، ينبع جزئيا من إحساسه بأنه مثقل بالضغوط؛ فهو يتمنى لو كان لديه وقت أكبر للتفكير والكتابة. والدته يهودية من ضاحية «أبر إيست سايد»، وتعشق الروائي الأميركي جون أبدايك، وتقرأ صحيفة «ذا نيويوركر».
أما والده فهو محام من تكساس، كان يعتاد اصطحاب والديه إلى كنيسة سانت توماس الأسقفية مرة كل شهر، حيث كان رودس يشعر كطفل يهودي في كنيسة، وهو نفس شعوره، عندما كان يحس بأنه «مسيحي يهودي» في عيد الفصح.
تصلح القصة التي نشرها رودس في مجلة «بيلويت الخيالية» أن تكون مبتدأ جيدا ننطلق منه.
فلقد كانت فكرة رواية السمكة الذهبية، كما قيل لي، هي فكرة السيدة ويلبيرغ.
«لماذا؟»، كما سألت. لأنها ذات شعر أشقر، ونحيفة، وصغيرة، وجذابة.
وكان المحرر في دورية السياسة الخارجية الذي قرأ رواية السمكة الذهبية، التي أرفقها رودس بخطابه للاستعلام، قال إن الموظف الصغير في وزارة الخارجية سوف يصاب بالملل من التدقيق في الحقائق. بدلا من ذلك، فإنه اقترح أن يتقدم لطلب الوظيفة لدى لي هاميلتون، عضو الكونغرس لمرة واحدة عن ولاية إنديانا، والذي كان يبحث عن موظف لكتابة الخطابات الرسمية.
يتذكر هاميلتون الأمر فيقول: «لقد فوجئت تماما. لأي شيء جاءني ذلك الشاب الذي يهتم بكتابة الروايات الخيالية؟» ولكنه دائما ما كان يجد فائدة ما في المؤلفين والكتاب، وكانت عينة رودس من الكتابة أفضل العينات في ذلك الاختبار. ومن ثم منحه الوظيفة في مركز ويلسون، وهي مؤسسة بحثية غير حزبية. ورغم أن رودس لم ينبس ببنت شفة خلال الاجتماعات، كما يقول هاميلتون، فإنه كان لديه فهم عميق لما يجري حوله، والموهبة الكافية لوضع مواقف المشاركين الحالية على الورق. وأوضح هاميلتون الأمر بقوله «سرعان ما أدركت أنها من أهم الصفات قاطبة في الموظف، وهي أن يحضر الاجتماع ويصل بمفرده إلى نفس القرارات التي يصل إليها الجميع». وأشرت إلى أن عبارة «يقرر ما قرره الجميع» تحمل قدرا هائلا من القوة التي يمكن أن تتحقق لشخص يملك مواهب رودس. ولقد أومأ هاميلتون موافقا إذ قال: «بكل تأكيد».
خدم رودس كموظف لدى هاميلتون في لجنة هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وهناك التقى مع دنيس ماكدونو، وهو من موظفي هاميلتون الآخرين، والذي انتقل للعمل لدى توم داشل في مجلس الشيوخ. ثم أصبح رودس بعد ذلك كبير مدوني الملاحظات لمجموعة الدراسات العراقية، وهي اللجنة المؤلفة من الحزبين الكبيرين والتي انتقدت حرب جورج بوش المعلنة في العراق. ولقد ترافق مع هاميلتون ونظيره الجمهوري في المجموعة، وزير الخارجية الأسبق والصديق المقرب من عائلة بوش، جيمس بيكر، إلى الاجتماعات مع كولن باول، وكوندوليزا رايس، وستيفن هادلي، وديفيد بترايوس، وغيرهم الكثير (ولقد التقى نائب الرئيس ديك تشيني غير أنه لم ينطق بكلمة). وفقا لكل من هاميلتون وإدوارد جرجيان، رجل بيكر الثاني في مجموعة الدراسات العراقية، ولقد كانت آراء رودس مهمة من زاوية صياغة استنتاجات المجموعة - وهي لائحة اتهام لاذعة بحق صناع السياسة المسؤولين عن غزو العراق. وبالنسبة إلى رودس، والذي كتب بنفسه أكثر محتويات تقرير مجموعة الدراسات العراقية، كانت حرب العراق دليلا بالأسود والأبيض، وليست تعقيدا للعلاقات الدولية أو ما يصاحب ذلك من الكثير من المخاطر على صناعة القرار السياسي ولكن من واقع حقيقة أن صناع القرار السياسي وقتئذ كانوا مجموعة من البلهاء.
وإحدى نتائج هذه التجربة أنه عندما انضم رودس إلى حملة أوباما الانتخابية في عام 2007، كان يعلم الكثير عن حرب العراق من المرشح الرئاسي نفسه، أو أي من مستشاريه. ولقد تكون لديه ازدراء صحي حيال مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك المحررين والمراسلين في صحيفة «نيويورك تايمز»، و«واشنطن بوست»، و«نيويوركر»، وغيرها من الصحف، التي أشادت في بادئ الأمر بالحرب على العراق ثم تحولت إلى إلحاق اللوم الكامل بالسيد بوش وفرقته المرحة من المحافظين الجدد عندما ساءت الأوضاع على الأرض لمستويات غير مسبوقة. وإذا كان هناك أي شيء، فلقد ازدادت حدة وشراسة هذا الغضب لدى رودس داخل البيت الأبيض. فلقد أشار إلى مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية باسم «الفقاعة». ووفقا إلى رودس، فإن تلك الفقاعة ضمت السيدة هيلاري كلينتون، وروبرت غيتس، وغيرهم من المروجين للحرب على العراق من كلا الحزبين الكبيرين، الذين يتألمون بأنين شديد على انهيار النظام الأمني الأميركي في أوروبا والشرق الأوسط.
شعر جون فافرو، كبير كتاب الخطب الرئاسية، بأنه قد يستخدم أحد خبراء الشؤون الخارجية والذي يمكنه كتابة الخطب الرئاسية. ويتذكر ذلك الأمر فيقول: «داوم مستشارو السياسة الخارجية على تغيير اللغة الرئاسية التي جعلت أوباما يبدو وكأنه ليس جزءا أصيلا من مؤسسة السياسة الخارجية الديمقراطية. وفكرة تعيين شخصية تحمل درجة الماجستير في أدب الروايات وشارك كذلك في صياغة تقرير الحرب على العراق وتقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) كانت فكرة مثالية للمرشح الرئاسي الذي يضع الكثير من التركيز على رواية الأقاصيص على الجماهير». ووجد كاتبا الخطابات الشابان نفسيهما في وضع متزامن، «قد كان يجرد أغلب الناس في واشنطن من قيمة أفكارهم تماما»، كما يقول فافرو بإعجاب شديد حول رودس. وأضاف يقول: «أعتقد أنه دائما ما كان يعتبر الوقت الذي يقضيه هناك وقتا موجزا، ولن يعبأ إن لم يدعه أحد مرة أخرى إلى حفل استقبال رسمي، أو يطلب منه أحد الظهور في برنامج (جو الصباحي)، أو وضع اسمه على قائمة المشاهير في مجلس العلاقات الخارجية، أو أيا ما كان يفعلونه هناك».
وتتذكر سامانثا باور وصول رودس إلى حملة أوباما الانتخابية في عام 2007 حيث تقول: «كان يقلل من شأن الجميع بصورة ملحوظة». وهي نفسها كانت كاتبة، وحاز مؤلفها بعنوان «مشكلة من الجحيم» ويدور حول تاريخ الاستجابة الأميركية لعمليات الإبادة الجماعية، على جائزة بوليتزر الأدبية الأميركية، ثم انطلقت للعمل في مكتب مجلس الشيوخ للسيناتور أوباما في عام 2005، والسيدة باور الآن هي سفيرة الولايات المتحدة لدى منظمة الأمم المتحدة.
وفي وقت مبكر، ما الذي لفت انتباهها حول رودس كانت النزعة الاستراتيجية في شخصيته. وقالت عن ذلك: «كان يقود في هدوء وصمت، في البداية وبالأساس من خلال متابعة التغييرات، مثالا بما يمكن قبوله أو رفضه».
وفي أول يوم له في الجناح الغربي، يتذكر رودس التفكير في مدى صخر حجم الفضاء الفعلي، ولاحظ أن نفس الفئة من الأشخاص الذين عمل معهم في مقر الحملة الانتخابية في شيكاغو صاروا الآن يرتدون السترات الرسمية بدلا من سراويل الجينز. وغرقت ضخامة المساعي المبذولة في اليوم الأول من العمل، ثم أدرك أنه بالنسبة لكافة الأعمال التحضيرية هنا، لم يكن هناك دليل واحد يرشدك لكيفية أن تكون موظفا في طاقم الموظفين التابعين للرجل الذي يدير شؤون البلاد، ولا سيما في الوقت الذي كان الاقتصاد العالمي فيه على شفا السقوط الحر، وهناك 180 ألف جندي أميركي يقاتلون في العراق وأفغانستان. ثم أدرك أمرين مهمين في آن واحد: قيمة القضايا التي تواجه الرئيس، والاهتمام العالمي الكبير حتى بأدنى درجات الاتصالات الرئاسية الآسيوية.
وكانت الوظيفة التي تعاقد عليها هي مساعدة رئيس الولايات المتحدة على التواصل مع الجمهور، تتغير بأساليب مهمة على حد سواء، وذلك يرجع إلى تأثير التكنولوجيا الرقمية التي كان الناس في العاصمة واشنطن يبدأون في إدراكها والتعامل معها. وكان من الصعب على الكثيرين استيعاب الحجم الحقيقي للتغيير في عالم الأخبار - 40 في المائة من المحترفين في صناعة الصحف فقدوا وظائفهم خلال العشر سنوات الماضية - ويرجع ذلك في جزء منه إلى أن القراء يمكنهم استيعاب كافة الأخبار التي يريدونها من منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، والتي تبلغ قيمتها السوقية بعشرات بل ومئات البلايين من الدولارات ولا تدفع شيئا قط في مقابل المحتوى الذي توفره للقراء. عليك تغيير جلدك لتتمكن من المواصلة والمنافسة - حتى تكون في عالم الأخبار، أو الاعتماد بأسلوب الحياة أو الموت على المنتجات الإخبارية - ولتتفهم الأساليب الراديكالية والنوعية التي تتغير بها الكلمات التي تظهر على أطقم الحروف المطبعية. ولقد ضرب رودس مثالا في أحد الأيام، حيث كان الازدراء الشديد هو السمة المميزة لحديثه الخاص. ولقد قال: «اعتادت كافة هذه الصحف أن يكون لديها مكاتب خارجية. ولم تعد تستخدمها الآن. وأصبحوا ستصلون بنا لنوضح لهم ما الذي يجري في موسكو وفي القاهرة. وأغلب هذه المنافذ الصحافية تخرج بتقاريرها حول الأحداث العالمية من واشنطن. ومتوسط عمر المراسل الصحافي الذي نستقبله لا يتجاوز 27 عاما، ولا تتألف خبراتهم الصحافية من أكثر من تغطية الحملات الانتخابية العامة. هذا تغيير كبير فعلا. إنهم لا يعرفون شيئا على الإطلاق».
في هكذا بيئة، أصبح رودس بارعا في ازدراء الكثير من الناس في آن واحد. ولقد منحني نيد برايس، مساعد رودس، مثالا صادقا حول كيفية القيام بذلك. كانت أسرع طريقة للبيت الأبيض في صياغة الأخبار، كما أوضح لي، كانت من المنابر الإعلامية، ولكل منها مجموعته الصحافية الخاصة. ولكن كان هناك نوع من مضاعفات القوة، ولدينا كذلك أصدقاؤنا المقربون، وكل ما علي فعله هو التواصل مع مجموعة معينة من الأشخاص وأن بكل تأكيد تدرك أنني لا أريد أن أذكر أسمائهم إليك.
قلت: «أستطيع أن أذكر أسماءهم»، واستعرضت أمامه بعض الأسماء من صحافيي واشنطن البارزين وكتاب الأعمدة الصحافية الثابتة الذين يغردون في غالب الأمر بالتزامن مع رسائل البيت الأبيض.
فضحك برايس بشدة وقال: «انظر، إن بعض الناس يلوون عنق الكلام ويقولون إن هذا من علامات الضعف الأميركية. ولكن، في واقع الأمر، إنها إشارة من إشارات القوة». واستمر برايس يقول: «ولسوف أعطيهم بعض الألوان. والأمر التالي الذي أعلمه، أن الكثير من هؤلاء الناس يعملون في مجال الصحافة الإلكترونية، ولديهم متابعون كثيرون على تويتر، ولسوف يقتبسون كلماتي هذه وينشرونها في عبارات من صياغتهم».
من المرجح لحملة رودس المبتكرة لبيع الاتفاق الإيراني أن تكون أنموذجا للكيفية التي تفسر بها الإدارات الأميركية القادمة قضايا السياسة الخارجية أمام الكونغرس وأمام الناس. والطريقة التي سمع بها معظم الشعب الأميركي عن قصة الاتفاق الإيراني تجسد - أن إدارة الرئيس أوباما بدأت التفاعل وبجدية مع المسؤولين الإيرانيين منذ عام 2013 حتى يتسنى لها الاستفادة من الواقع السياسي الجديد في طهران، الذي جاء إثر الانتخابات التي دفعت بالمعتدلين إلى صدارة السلطة هناك - وأن قصة الاتفاق الإيراني قد صيغت بالكامل من أجل بيع الاتفاق إلى الكونغرس والجمهور. وحتى مع العلم بأن تفاصيل هذه القصة فعلا صحيحة، فإن الآثار التي استمدها القراء والمشاهدون من تلك التفاصيل كانت في غالب الأمر مضللة أو كاذبة. أدرك أقرب مستشاري الرئيس أوباما أنه شديد الحرص بصورة شخصية على التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران بقدر ما يعود الأمر لعام 2012، وحتى منذ بداية أولى فتراته الرئاسية في البيت الأبيض. وأوضح رودس الأمر بعد يومين من إبرام الاتفاق حيث قال: «إن ذلك الاتفاق هو مركز الاهتمام والتركيز»، وهو المعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، التي نفذت حرفيا. ثم عمد رودس إلى التحقق من الأساليب التي تمكنت بها أهداف وأولويات السياسة الخارجية الأميركية من الالتئام في إيران. وقال رودس عن ذلك «لا يجب علينا أن نستمر في دورات الصراع الفارغة إذا ما كنا نستطيع البحث عن طرق أخرى لتسوية هذه القضايا. يمكننا فعل أشياء تصارع أو تتحدى أساليب التفكير التقليدية التي، كما تعرف، أن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) لا تفضل هذا، أو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تفضل ذاك، أو أن دول الخليج العربي لا تفضل الأمر برمته». إنها إمكانية تحسين العلاقات مع الخصوم. إنها تتعلق بحظر انتشار الأسلحة النووية. ومن ثم فإن كافة تلك الفقرات التي كان يتابعها السيد الرئيس - وأعني تلك التي ليست بالمعني الصحافي للكلمة - ولمدة عشر سنوات تقريبا، قد تجمعت كلها في وقت واحد حول إيران.
* خدمة {نيويورك تايمز}



العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.