ابن تومرت مدافعًا عن التأويل العقلي

فقيه مجتهد وسياسي محنك تطلع إلى إرساء دعائم دولة مبنية على أسس مغايرة للفقه السياسي المتزمت

محمد بن تومرت
محمد بن تومرت
TT

ابن تومرت مدافعًا عن التأويل العقلي

محمد بن تومرت
محمد بن تومرت

نجد في قول الماتريدي: «إن التفسير هو القطع بأن مراد الله تعالى كذا.. أما التأويل فهو ترجيح أحد المحتملات دون قطع»، تمييزًا صريحًا ودقيقًا بين التفسير والتأويل. فالأول يخص المعاني الظاهرة (يؤخذ من وضع العبارة). والثاني يخص المعاني الباطنية، (يُستفاد من طريق الإرشاد)، ليجيب ويكشف المعطى، عن طريق الاستدلال والرجوع إلى الأصل، أي رد الشيء إلى الغاية المرادة منه.
في كتابه «الفلسفة الإلهية عند محمد ابن تومرت» يذهب الدكتور عبد الحميد درويش، إلى أن:
1- التأويل وسيلة لتفسير وبيان أصل الطبائع، وتركيب الأرواح والأنفس في الأجسام، عن طريق بيان حقيقة هذه الأشياء، وتفسير نشأة الخلق الآدمي ونشأة الكون.
2- التأويل وسيلة لنشر الفكر الإسلامي الصحيح، لأن التأويل يؤدي إلى العلم، والعلم أصل الهدى واليقين.
3- التأويل وسيلة للتوفيق بين الآراء المتعارضة عند المفسرين، لأن التأويل لا يكون إلا بالرجوع إلى الأصل.
4- التأويل وسيلة لاستخلاص الأحكام من الشريعة وتسهيل عملية التطبيق. ذلك لأن التأويل يعتمد على العقل الذي به نهتدي إلى الحكمة.. (كنز العلوم).
5- التأويل هو السبيل للرد على المخالفين من جميع المذاهب، سواء على متطرفي أهل السنّة أو الرافضة أو غيرهم من المجسمة.
لا يشذ ابن تومرت عن خط أعمال العقل، بما هو نظر حقيقي مهمته ووظيفته محددة: التمييز بين الحق والباطل. أي أن التأويل ضرورة لأنه المصدر الذي يشمل كل الأدلة البرهانية والجدلية والخطابية، فالشريعة تخاطب كل فريق على قدر عقولهم، وينبغي تأويلها للعامة والخاصة على السواء. وعلى هذا الأساس، ألف كثيرًا من الرسائل، كـ«المرشدة في التوحيد» (التي تؤكد وجوب الاجتهاد والأخذ بالأدلة العقلية والسمعية والقرآنية)، و«أعز ما يطلب» الذي يشكل عمدة التأويل العقلي، يركز فيه على ثلاث قضايا سنبينها واحدةً واحدة:
1- تأويل مفهوم الكرم:
يستدل بالآية 70 من سورة الإسراء: «ولقد كرمنا بني آدم». ويقول: «يحتمل أن يكون الإكرام عما خصه الله به من المعاني، التي هي للعقل والعلم والإيمان، وغير ذلك من الخواص الحميدة» (أعز ما يطلب، ص66، طبعة الجزائر 1903). ويضيف: «اعلم هداك الله تعالى، أن الإنسان أفضل المخلوقات وأكرمها على الله تعالى، وأكملها وأحسنها خلقًا، بما أودع الله فيه من بديع حكمته ورفيع صنعته. وذلك أن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وفضله على سائر خلقه، وركبه في أحسن صورة» (كنز العلوم والدرر المنظور، الفصل الرابع، ص97، 98).
إن العقل في نظر ابن تومرت هو الأداة الأساسية لأعمال التأويل، باعتبار التأويل الضرورة الأساس. ولقد كان موقف ابن تومرت وسطيا بين دعاة النقل ودعاة العقل. هكذا اجتمع فيه الفقيه المجتهد والسياسي المحنك الذي تطلع إلى إرساء دعائم دولة مبنية على أسس مغايرة لأسس دولة المرابطين وللفقه السياسي المتزمت.
2- الرد على كراهة التأويل:
وقد رد ابن تومرت على من يكرهون ويذمون التأويل بدلائل عدة:
- كراهة التأويل تعني الفصل التام بين الحكمة والشريعة، أي بين العقل والنقل. وهو ما ثبت فساده شرعًا ومنطقًا.
- الإجماع والقياس يدخلان في الشريعة. فالإجماع يستمد من قوله تعالى: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (النساء، الآية 59). وهي الحجة نفسها التي نجدها لدى أهل السنّة، خصوصًا ابن قدامة المقدسي.
- التأويل هو طريق ثبوت فرع من دون أصل، وأصل من دون فرع.
- كراهة التأويل مصدرها الخوف (الخوف من الاعتماد الكلي على العقل).
لقد حاول ابن تومرت، في كتابه «أعز ما يطلب»، أن يرد على رافضي التأويل في باب كامل عنوانه: «الدليل على أن الشريعة لا تثبت بالعقل من وجود مؤكد». وفي هذا الباب، يرى أن رفض التأويل لا أساس له لاعتقاد كارهيه:
1- أن العقل ليس فيه إلا الإمكان والتجويز. وهما شك، والشك ضد اليقين، ومحال أخذ الشيء من ضده.
2- قولهم إن ضرورات العقل ثلاث: الواجب، الجائز، المستحيل. والعبادات ليست من قبيل الواجب في العقل، ولا من قبيل المستحيل، فلم يتبقّ إلا الجائز. والجواز يؤدي إلى التمانع.
3- الأعيان كلها متساوية عقلاً. فليس بعضها بأولى بالإباحة أو الحظر من بعض. وإذا تساوت تمانعت، وإذا تمانعت بطلت.
4- أن الله مالك الأشياء يفعل ما يشاء. فليس للعقول تحكم ولا مدخل فيما حكم به المولى.
وإذا كانت هذه بعض دعاوى الكارهين، فابن تومرت يرد عليهم بقوله: «ذهب الرافضة إلى أن الشريعة لا حكمة فيها. وأنها ليست على سنن العقل جارية، طعنًا منهم في الدين وجهلاً بحكمه الله تعالى. وذهب آخرون إلى الاستنباط من عقولهم، وتحسين الأشياء على ما أدتهم إليه، وجعلوا أقيسة في الشرع عدولاً منهم عن الحق، وذلك كله فاسد» (أعز ما يطلب، ص 163، 174). لقد كان ابن تومرت جريئًا عن سابقيه، حيث قرر أن التأويل ضرورة يفرضها الشرع ويأمر بها، وهو السبيل لنشر الدين وحقيقة التوحيد وإفهام العامة، ونشر اللغة الصحيحة بينهم، بل إنه السبيل لتحقيق الوحدة بين الجميع.
لقد اعتمد التأويل في بداية القرن السادس الهجري. ومما لا شك فيه أن ابن رشد القرطبي استفاد مما تركه المهدي الموحدي. فالنص القرآني عند ابن تومرت، لا يتعارض مع العقل. وإن حصل ذلك، ينبغي تأويله وتفسيره بحيث يتفق مع العقل. (أليس هذا هو الموقف الرشدي في فصل المقال؟). وهو بذلك يتفق مع الموقف المعتزلي الذي يعتبر أن العقل أصل، والشرع فرع يُحمل عليه.
3- تأويل المتشابهات:
تُعتبر مسألة التجسيم والتشبيه من أهم القضايا التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث الهجريين، تفرعت عنها عدة قضايا، تمس: العقيدة، الإيمان، التوحيد، الذات والصفات، الاستواء، الرؤية، التشبيه.. وقد سلك ابن تومرت في مواجهة أهل التجسيم والتشبيه في شمال أفريقيا مبدأ التأويل والإقناع أولاً، والمواجهة بالسلاح والقتال ثانيًا وقدم بيان المعنى للأفهام والتوضيح وبيان حقيقة التنزيه والتوحيد لأنها عنده الدليل على رد التشبيه ودحض آراء المجسمة، ونفي أي مشابهة بين الله والإنسان.
إن التأويل عند ابن تومرت يشمل الآيات المتشابهات وآيات الوحدانية والتنزيه والآيات المحكمات على حد سواء. ففي كتابه «كنز العلوم» يبدأ بتأويل آيات الألوهية والتنزيه: تأويله «باسم الله الرحمن الرحيم». و«ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم». ومن خلالهما تتأكد الوحدانية بالدليل والتنزيه أيضًا، وكذلك الشأن في مسألة الرؤية والأبصار والسمع، ولا مجال للتشبيه مع الإنسان. لذلك يقول: «بما أن الله سبحانه وتعالى منزه عن كل شيء، في ذاته وصفاته وأفعاله، فكيف نصفه بالجسمية وبالصورة الإنسانية كصورة جوهرية معقولة الشكل كالإنسان ونحوه من الجواهر المجسمات المدركات بالحس».
إن صورة الله عنده صورة معلومة الوجود بالمعنى المفهوم بالعقل لا بالحس والخيال. والشيء نفسه ينطبق أيضًا على آيات النزول والعرش لنفي الجسمية والمكانية عن الذات الإلهية. فالأصل عنده هو التنزيه التام للألوهية، في الذات والصفات والأسماء والأفعال. والأصل الفصل بين ما هو إلهي وما هو بشري وما هو روحي. ولذلك نفى أن يكون الله جسمًا أو مادة أو حيزًا أو في جهة أو مكان، لأنه منزّه عن كل جسمية وشبه. هذا ولا يسعنا أن نحيط بالقضايا كافة التي عالجها ابن تومرت بصدد التأويل. فله كثير من التأويلات التي تستحق الاهتمام، للتأصيل لنزعة التأويل في الفكر الإسلامي الوسيط، وخصوصًا في المغرب.
إن دعوة ابن تومرت للتأويل العقلي لا مراء فيها. فهي دعوة بينة وواضحة في مختلف إنتاجاته، على الرغم من أنها محكومة ومطلوبة بأمرين:
- موقفه التوفيقي بين أهل العقل والنقل. وهنا نفهم هجومه على أهل السلف؛ السنة والجماعة، وعلى أهل التجسيم والتشبيه.
- الازدواج بين الفقه والسياسة. فكونه فقيهًا، لا يلغي كونه سياسيًا محنكًا ومحاربًا في سبيل الإصلاح والتجديد. وكونه سياسيًا، لا يلغي كونه فقيهًا. بل شجعه ذلك على إيجاد صيغة جديدة في الفقه السياسي، تميزه عن خصومه من المرابطين.
وإذا كان الحال هكذا عند ابن تومرت، كما هو الحال بالنسبة لكثير من المواقف الموزعة على خريطة الفكر الوسطوي، فإن هذا لا يعني، على الرغم من كل الدراسات الخصبة والقراءات المتعددة التي يحفل بها التراث العربي - الإسلامي، أن مسألة التأويل قد حُلّت وأننا حسمنا بين أمرين: إما الدعوة إلى التأويل، وإما الانكفاء وراء تذميمه. بل نعتقد أن هذه المسألة، ظلت حاضرة إلى اليوم. وحتى لا نقول إنها راهنة، لأنها لم تنمحِ ولم تختفِ قط في هذا التراث. لذا نود أن نقف على أهم المواقف المعاصرة. على الرغم من المحاولات النقدية التي همت الفكر العربي - الإسلامي المعاصر، وذهبت أبعد من التأويل، فإن التذميم لا يزال متواصلاً مع البعث الجديد للفكر السلفي، حيث وقف الاجتهاد وقُضي على إعمال العقل لصالح عقل أصولي مستكين لخط النص، من دون أن يكلف نفسه عناء البحث عما إذا كان ما يفهم على العموم صائبًا وصالحًا لتدبير إشكالات وضع بشري، معاصر معقد ومتداخل، ولا يقبل الوصفات الجاهزة.



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».