ماذا قدم العرب والمسلمون للفلك العالمي؟

شكوا في المنظومة الموروثة عن اليونان.. واهتموا بنقد البطلمية

ماذا قدم العرب والمسلمون للفلك العالمي؟
TT

ماذا قدم العرب والمسلمون للفلك العالمي؟

ماذا قدم العرب والمسلمون للفلك العالمي؟

مر الفلك العربي بثلاث مراحل هي، الجمع والرصد فالشك. وللإجابة عن سؤال ما قدمه العرب إلى الفلك العالمي، سوف نلقي نظرة على كل من هذه المراحل.
بدأت أولى هذه المراحل بجمع المصادر من الثقافات الأخرى.
وقد أخذ علم الفلك العربي منحاه العلمي، عندما اطلع العرب على واحد من أشهر المصادر الهندية، وهو كتاب «السند هند»، الذي ترجمه إبراهيم الفزاري إلى العربية في القرن الثامن الميلادي. وهو الكتاب الذي سيعمل على تنقيحه وتصويبه محمد بن موسى الخوارزمي، تحت اسم «زيج السند هند». وكلمة «زيج» المستخدمة في الفلك العربي على نطاق واسع، ذات أصول فارسية «زيك»، وتعني تلك الجداول الرياضية التي تحدد حركات الكواكب السيارة، وتسمح بحساب أماكنها في وقت زمني محدد. ويعد الكتاب هذا أول كتاب فلكي وافد من الحضارات القديمة، ساهم في تطوير المعارف حول حركة النجوم والكواكب وحساباتها.
إضافة إلى التأثير الهندي، ظهر مصدر آخر ساساني (فارسي)، جمع وُترجم في جداول سميت «زيج الشاه»، أو «الشهريار». وقد لاقى انتشارا في أوساط المجتمع الإسلامي، في المراحل الأولى من تطور علم الفلك العربي. ثم سينفتح العرب على المصادر اليونانية، وأبرزها كتاب «المجسطي» لبطلميوس (تُوفي نحو 170م)، الذي سيلعب دور كتاب الأصول لإقليدس في الرياضيات.
يتعرض المجسطي لمجموعة من الترجمات، بدأت غامضة وغير مرضية، لكنها أصبحت واضحة ومهضومة، بعد التنقيح والضبط. فكان الكتاب بمثابة الأساس الذي سيساعد على تطور علم الفلك عند العرب. فالنموذج البطليمي، اكتسب تفوقه في العالم العربي، حيث زود العلماء بالنظرية والمفاهيم ومناهج البحث. لقد صاغ بطليموس صورة الحياة العلمية عند علماء الفلك العرب. فمند القرن التاسع الميلادي، ظهرت مجموعة من الأبحاث لعرض نتائج المجسطي بطريقة مبسطة وتربوية، تسمح بتداوله ونشر مضمونه على نطاق واسع، يتجاوز الدائرة الضيقة لعلماء الفلك المتخصصين. فكتاب الفرغاني مثلا، نحو 850، الذي يدعى «جوامع علم النجوم والحركات السماوية»، ما هو إلا ملخص معدل ومصوب للمجسطي.
لقد كان كتاب المجسطي من أهم المصادر الوافدة على العرب. بل كان محط إعجاب وتقدير معظم الفلكيين العرب. بل هم اشتغلوا في ظله وفي إطار ثوابته الأرسطية (مركزية الأرض، والدوران الدائري للكواكب، ووجود عالمين مختلفين: فوق القمر وتحت القمر).

* الرصد الميداني وتدقيق حسابات بطليموس

* بعد أن نقل العرب المؤلفات الفلكية إلى الأمم التي سبقتهم، صححوا بعضها ونقحوا الآخر وزادوا عليها. بل خرجوا إلى الميدان والرصد قصد التأكد من دقة الحسابات، وكان لهم في ذلك شأن عظيم. ولعل أهم ما يبرز ذلك ظهور المرصد باعتباره مؤسسة علمية للفلك العربي. ونذكر هنا، عهد الخليفة العباسي المأمون، الذي كان له الدور الكبير في إنشاء مراصد فلكية مهمة، أحدها كان في حي الشماسية في بغداد، وكان الآخر في ضواحي دمشق على قمة جبل قاسيون، حيث تجمع على نفقة الخليفة أكبر علماء الفلك، وكانوا مكلفين بإعداد برنامج دقيق للتحقق من معطيات المجسطي، وبرصد خاص للشمس والقمر خلال سنة كاملة. وهذا ما أوصلهم إلى وضع أهم الأزياج العربية الذي سُمي «الزيج الممتحن»، وهو عبارة عن جدول فلكي لمواقع النجوم والتغيرات التي تطرأ عليها. وهو الزيج الذي أثنى عليه كل من «البيروني» و«البتاني». فهو مكن من تصحيح بعض حسابات بطليموس.
ولكي نبرز العمل الجبار للفلكيين العرب، فيما يخص الرصد، نستحضر شخصية بارزة في التاريخ الفلكي هو «البتاني». فهذا الرجل أثر على فلك القرون الوسطى، وفلك النهضة الغربية. ويذكره كوبيرنيك بالاسم مرات عدة في كتابه «في دوران الأجرام السماوية». ولم تنبع شهرته من كونه وضع نظريات، بقدر ما كان دقيق الرصد. فهو قام بتتبع النجوم لأكثر من ثلاثين عاما في مرصد الرقة، في شمال سوريا، حاليا، خلال القرن التاسع الميلادي. وحصل على حسابات شابهت، إلى حد بعيد، الحسابات الحديثة. وتوج عمله بكتاب ذائع الصيت يدعى «الزيج الصابئ»، الذي ترجم في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية.
وما دام أننا نتحدث عن الرصد العربي للسماء، لا بد من الإشارة إلى مرصد آخر بالغ الشهرة وله صدى عالمي، إنه مرصد مراغة الذي تأسس في عام 1259، في إيران، وكان بمثابة ارتقاء جديد في علم الفلك في الإسلام، بل في العالم كله. وقد تأسس بزعامة نصير الدين الطوسي (1274). وقد تم تزويده بالفلكيين والمهندسين والرياضيين، ومكتبة ضخمة، قيل إنه كان بها أربعمائة ألف كتاب. كل هذا بهدف تدقيق وتصحيح الأزياج. كما أنه المرصد الذي أسهم في إضافات جديدة لنماذج الأجرام، بمجهودات جماعة المرصد: الطوسي والأزدي والشيرازي. وهي الإضافات التي انتقلت إلى دمشق، فطورها ابن الشاطر «ميقاتي الجامع الأموي»، ليكررها كوبيرنيك في القرن السادس عشر.
إن كثرة المراصد في العالم العربي - الإسلامي، باعتبارها مؤسسات علمية قائمة الأركان، أي لها جوانب تنظيمية (إدارة، ودعم مالي.. إلخ)، وجوانب قيمية (معايير وقواعد الاشتغال وغيرها)، هي أحسن معبر عن هاجس الدقة والصرامة الذي وسم الفلك العربي. فجماعة الفلكيين المنضوين تحت مرصد واحد لم تكن ترضيهم النتائج العائمة والتقريبية. وإنما أصروا على إقامة نتائجهم على أدق المعطيات الرصدية التي يمكن الوصول إليها. هدا التدقيق والتصويب العربي للفلك، سيظهر أيضا، في كثرة الأزياج. كما يظهر حتى في العناوين المختارة للكتب مثلا «الزيج الممتحن»، الذي سبق ذكره، و«إصلاح المجسطي»، لأبي محمد جابر بن الأفلح، و«الشكوك على بطليموس»، لابن الهيثم، الذي سنتطرق إليه في المرحلة الأخيرة من تاريخ الفلك العربي. فكلمة إصلاح وامتحان وشك، تتردد كثيرا في الكتابات الفلكية العربية. وهي تدل على مجهود رصدي هائل لضبط حركات السماء لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية.

* الشك والمطالبة بترميم نموذج بطليموس

* نصل الآن إلى المرحلة الختامية من العمل الفلكي العربي، وهي مرحلة النقد. فبعد الجمع والتنقيح والإصلاح، بدأت مرحلة الشك، ومحاولة ترميم هفوات نموذج بطليموس المنطقية. حيث ظهرت موجة نقدية قوية في العلم العربي عموما، وعلم الهيئة خصوصا. فتشكل ما يمكن تسميته بعصر الشك في المنظومة الموروثة عن اليونان. وبدأ الاهتمام بنقد الهيئة البطلمية. لكن هذه المرة، ليس فقط من ناحية ضبط الأرصاد، بل كان النقد في الجوانب النظرية أيضا. تجلى ذلك، في كتاب ابن الهيثم، «الشكوك على بطليموس». إذ أصبحت مسألة الشك طاغية على المجمع العلمي آنذاك، ومن الأمثلة الأخرى البارزة التي تظهر هذه الموجة، كتاب الرازي في الطب «الشكوك على غالينوس»، وكتاب «الحكمة الشرقية» لابن سينا، الذي يعد بمثابة عصارة ما كشفه من خلاف مع أرسطو، إلى درجة يمكن أن نطلق عليه تسمية «الشكوك على أرسطو». هذا التوجه النقدي العام، لعب دورا في كشف النقص في أعمدة العلم اليوناني الثلاثة: غالينوس، وبطليموس، وأرسطو. وبالعودة إلى ما يهمنا نحن، سنتوقف عند المشروع النقدي في علم الهيئة فقط.
بعدما انتهى علماء الفلك العربي من الجمع وضبط الحسابات، من طريق مشروع رصد هائل، كما سبق ورأينا، لم يعد من الممكن التغاضي أكثر عن تناقضات بطليموس. فانطلق مشروع إقامة هيئة رياضية كفيلة بوصف الظواهر الفلكية، كما نراها من الأرض. أي ضرورة العودة إلى مسلمة مركزية الأرض، ومنها تتم صياغة نموذج ذهني يعبر، بتطابق، عما يجري في المعطيات الطبيعية.
ويعد ابن الهيثم أول من فتح هذا الباب. فهو من أظهر تناقض بطليموس بشكل صريح ومنظم. فجعل نسقه في حرج منطقي واضح. فعلى الرغم من أن بطليموس كانت له سلطة قوية على الفلك العربي، حيث كان نصه المجسطي مؤطرا لكل النشاط الفلكي، فقد عدّ، آنذاك، بمثابة «الباراديغم» الموجه إلى مؤسسة الفلك العربي. ولم يمنع هذا ابن الهيثم من توجيه سهام النقد له. فلم يعد بالإمكان السكوت أكثر. فبعد أن ذكر مجموعة من التناقضات في كتابه «الشكوك على بطليموس»، ومن أهمها، مسألة معدل المسير، قال ابن الهيثم: «فهذه المواضع المتناقضة التي وجدناها في كتاب المجسطي، ومنها ما هو معذور فيه، ومنها ما ليس فيه عذر. وذلك أن منها مواضع تجري مجرى السهو الذي لا يعرى البشر منه، فهو معذور فيه. ومنها مواضع ارتكبها بالقصد، وهي الهيئات التي قررها للكواكب الخمسة، فليس له فيها عذر».
إن مأزق النسق البطليمي الذي آثاره ابن الهيثم، دفع بعض الفلكيين العرب إلى بذل جهد لإصلاحه. فتحركوا فيما يمكن تسميته «التمرد على بطليموس»، ومحاولة تصحيحه، حيث ستجري بعد قرن من ابن الهيثم تلبية نداء التمرد هذا، من طرف فلكيي الأندلس، ليصل مداه عند البطروجي، بتطوير نماذج رياضية جديدة، وٳن كانت النتائج في الحقيقة فاشلة. لكن محاولات مدرسة مراغة في غرب إيران، التي يعد نصير الدين الطوسي، ومؤيد الدين العرضي، وابن الشاطر من أبرز وجوهها تأثيرا حتى على كوبرنيك نفسه، ستنجح في ذلك.
بهذا يكون كل من الطوسي ومؤيد الدين العرضي وابن الشاطر هم الرواد الذين توصلوا إلى ابتكار هيئة كوبرنيكية سابقة على كوبرنيك، إلى حد يمكن اعتبار كوبرنيك، أحد أتباع مدرسة مراغة، أو آخر عالم فلك في مرصد مراغة، مع فارق بسيط ولكن قوي، هو مركزية الشمس عوض مركزية الأرض.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended