{الأوروبي} يسعى لإعادة اللاجئين غير السوريين إلى تركيا وسط تحفظات أممية

أنقرة تنتقد تأخر «الاتحاد» في منح المساعدة الموعودة.. وتطالب بـ3 مليارات يورو إضافية

رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في صورة جماعية مع القادة الأوروبيين قبل انطلاق القمة الأوروبية - التركية في بروكسل أمس (رويترز)
رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في صورة جماعية مع القادة الأوروبيين قبل انطلاق القمة الأوروبية - التركية في بروكسل أمس (رويترز)
TT

{الأوروبي} يسعى لإعادة اللاجئين غير السوريين إلى تركيا وسط تحفظات أممية

رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في صورة جماعية مع القادة الأوروبيين قبل انطلاق القمة الأوروبية - التركية في بروكسل أمس (رويترز)
رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في صورة جماعية مع القادة الأوروبيين قبل انطلاق القمة الأوروبية - التركية في بروكسل أمس (رويترز)

أكد رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي أمس في بروكسل أن الاتحاد الأوروبي ينتظر من تركيا أن تستعيد «كل اللاجئين غير السوريين»، وأن تفعل ما بوسعها لوقف انطلاق المهاجرين السوريين من سواحلها، في الوقت الذي انتقدت فيه أنقرة تأخر الأوروبي في منحها المساعدة الموعودة.
وأدلى روتي بهذه التصريحات عند وصوله إلى قمة يفترض أن تنشط التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة. وقد حضر مساء أول من أمس اجتماعا تنسيقيا مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو. وقال روتي إنه «من المهم جدا أن تكون تركيا مستعدة أولا لاستعادة كل اللاجئين غير السوريين». وأضاف رئيس الوزراء الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد «لكن هذا لا يكفي، في نهاية الأمر نريد أن نرى آفاقا لوقف نهائي لتدفق اللاجئين السوريين (انطلاقا من السواحل التركية)، وسنرى أي إجراءات يمكن اتخاذها». وفي الوقت نفسه وردا على سؤال عن «تنازلات» يمكن أن تقدمها تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، عبر روتي عن «بعض التفاؤل».
من جهته، أعلن رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز أن تركيا طلبت من الاتحاد الأوروبي مساعدة إضافية بقيمة ثلاثة مليارات يورو «من الآن حتى العام 2018»، ووعدت بالمقابل بزيادة تعاونها بشكل واسع للحد من تدفق اللاجئين. وقال شولتز على هامش القمة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بعد أن أبدت أنقرة استعدادها للموافقة على إعادة مكثفة للمهاجرين وبينهم لاجئون سوريون إلى أراضيها: «إن هذا المبلغ الإضافي يتطلب إجراءات إضافية على مستوى الموازنة. والبرلمان الأوروبي مستعد لتسريع الإجراءات».
ويأمل الأوروبيون في أن تطبق أنقرة اعتبارا من يونيو (حزيران) كما وعدت اتفاقا لإعادة قبول كل المهاجرين لأسباب اقتصادية وكل طالبي اللجوء الذين ترفضهم أوروبا بعد وصولهم من تركيا التي سيكون عليها إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. لكن هذه المطالب التي تحدث عنها روتي وتتعلق خصوصا بطالبي اللجوء العراقيين والإريتريين والأفغان تثير تحفظات المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة بشأن شرعيتها بموجب القانون الدولي.
وقال رئيس الوزراء الهولندي بأن تركيا والاتحاد الأوروبي «متفقان على ضرورة استعادة السيطرة على الوضع، وهذا ينطبق على اللاجئين غير السوريين واللاجئين السوريين في نهاية المطاف». وأضاف: «إنه فعلا طموحنا المشترك بوضع حد لمهربي البشر ورحلات العبور الخطيرة» في بحر إيجة، معبرا عن أمله «الحذر» في تحقيق تقدّم.
في المقابل، انتقد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أمس الاتحاد الأوروبي بسبب تأخره في الإفراج عن المساعدة المحددة بثلاثة مليارات يورو لـ2.7 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا لوقف تدفق المهاجرين على أوروبا. وقال إردوغان في خطاب في أنقرة «مضى أربعة أشهر حتى الآن، وما زلنا ننتظر أن يمنحونا» المساعدة.
وتأتي تصريحات إردوغان بينما تعقد الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قمة استثنائية في بروكسل سيجري على هامشها اجتماع مع تركيا حول قضية المهاجرين. وأضاف أن رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو موجود حاليا في بروكسل، قائلا: «آمل أن يعود مع هذا المال».
من جهته، كرّر رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، في تصريحات من بروكسل كلمة «قارتنا»، في إشارة إلى وجود بلاده في القارة الأوروبية مع باقي دول الاتحاد الأوروبي وتلك المرشحة للحصول على العضوية. وشدد لدى وصوله إلى مقر انعقاد القمة المشتركة بين تركيا والاتحاد الأوروبي على أن أنقرة مستعدة إلى جانب التباحث في ملف أزمة اللاجئين، لمناقشة عضويتها في الاتحاد. وأضاف أوغلو أن «هذه هي القمة الثالثة بيننا خلال ثلاثة أشهر، ما يظهر أهمية أحدنا للآخر»، مشيرًا إلى أن التحديات المشتركة التي تواجه تركيا وأوروبا يجب أن تحل بمزيد من التضامن والعمل المشترك.
من جانبه، أكد رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز على أن مؤسسات الاتحاد تبذل ما بوسعها لإنقاذ التماسك الأوروبي والعمل بشكل منسق على حل أزمة اللاجئين. وفي تصريح مقتضب أمس بعد لقائه أوغلو، أوضح شولتز أنه استعرض مع ضيفه التركي كيفية التعاون الثنائي لتنفيذ مخطط العمل المشترك ومستقبل العلاقات بين أنقرة وبروكسل. ولم يُخف وجود الكثير من الخلافات مع الأتراك، خاصة فيما يتعلق بحرية الصحافة والأقليات، وقال: «أثرت معه القضايا التي تقلقنا كأوروبيين، والمتعلقة بالقضية الكردية واستيلاء السلطات التركية على صحيفة (زمان) المعارضة».
ورغم انتقاده للانتهاكات التركية لحرية التعبير، فإن شولتز أكد أن «هدفنا المشترك يظل هو مساعدة اللاجئين على الأراضي التركية»، لذلك «لا بد من الارتقاء فوق مستوى الخلافات بيننا». من جهته، قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إن الاتحاد الأوروبي يجب أن ينتبه لحرية الصحافة في تركيا برغم حاجته لتعاون أنقرة لوقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا. وأضاف بعد وصوله لحضور القمة ردّا على تولّي السلطات التركية إدارة صحيفة «زمان» اليومية، أن «التعاون مع تركيا لا يعني ألا نكون منتبهين بشدة لحرية الصحافة هناك.. وأنا منتبه».
وشارك قادة دول الاتحاد الأوروبي في أعمال القمة الأوروبية المشتركة مع تركيا لتقييم خطوات تنفيذ خطّة التعاون المشترك بين الجانبين في مواجهة أزمة الهجرة واللاجئين، وعقب ذلك عقد قادة الدول الـ28 الأعضاء اجتماعا لبحث التطورات في منطقة «شينغن» على خلفية الأزمة.
وقبل انطلاق القمة، عقد القادة الأوروبيون سلسلة من المشاورات الثنائية. واجتمعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، وروتي. كما عقد رئيس البرلمان الأوروبي جلسة محادثات مع ورئيس وزراء تركيا أحمد داود أوغلو.
وحول مناقشات القادة في القمة، قال مصدر دبلوماسي أوروبي إن المسؤولين ركّزوا على نقاط محددة تتمثل في قبول تركيا بإعادة طالبي اللجوء الذين رفض الاتحاد طلبهم، إلى جانب تكثيف العمل ضد المهرّبين والحد من تدفق اللاجئين انطلاقا من الأراضي التركية. وعقب القمة التركية - الأوروبية، عقد الوزراء اجتماعا على المستوى الأوروبي اهتم بقضيتين رئيستين، هما الالتزام بتقديم دعم عملي وفوري لليونان من جهة، وإغلاق ما يعرف بـ«طريق البلقان».
وتناول المشاركون في قمة أمس مخطط العمل المشترك الذي تم الاتفاق عليه منذ أشهر بين أنقرة وبروكسل لدفع الأولى لضبط حدودها مع أوروبا وتقليل تدفق اللاجئين، مقابل محفزات مالية ووعود بمزيد من الاتفاقيات. وعلى الرغم من أن عدد اللاجئين لم ينخفض بعيد إقرار مخطط العمل المشترك وتدهور أحوال الطقس، فإن الأوروبيين لا يزالون يأملون، بل ويعتقدون بأن تركيا ستلتزم بما تم الاتفاق عليه، وأن الاتفاق بدأ يعطي ثماره.
في السياق ذاته، كانت المفوضية أعلنت قبل أيام عن تحرير الدفعة الأولى من المساعدات المخصصة للاجئين السوريين والعراقيين على الأراضي التركية والبالغة 95 مليون يورو، من أصل مبلغ إجمالي قدره ثلاثة مليارات يورو، كان نص عليه مخطط التعاون المشترك. كما أكدت المفوضية أن هناك تقدمًا قد حصل على طريق الاتفاق بين بروكسل وأنقرة بشأن تحرير تأشيرات الدخول، وهو أحد المحفزات المعروضة على الأتراك في إطار الصفقة نفسها.
ويأتي ذلك فيما رحب كل من المفوض الأوروبي المكلف الشؤون الداخلية والهجرة ديمتريس أفراموبولوس، والممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، بتوصل كل من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ووكالة حرس الحدود الأوروبية (فرونتكس)، إلى تفاهم بشأن آليات تعاونهما في بحر إيجة. كما يأتي هذا التعاون عقب قرار اتخذه وزراء دفاع ناتو، الشهر الماضي، بالمساهمة في الجهود التي تبذلها أوروبا لتطويق ظاهرة تهريب البشر والتدفق غير المضبوط للمهاجرين وطالبي اللجوء على أراضيها، وذلك بناء على طلب تركي ألماني - يوناني مشترك. وسيقوم الحلف بموجب الاتفاق بدعم عمليات فرونتكس للمراقبة والاستطلاع، ورصد المعابر غير الشرعية في بحر إيجة بين السواحل التركية واليونانية. وقال كل من موغيريني وأفراموبولوس عن عملية «الناتو» أن «هذه مساهمة هامة في الجهد الدولي لمحاربة تهريب البشر والهجرة غير الشرعية في سياق أزمة اللاجئين الحالية».
وأعرب المسؤولان الأوروبيان عن ثقتهما بأن مساهمة الحلف ستؤدي إلى تقليل عدد المعابر غير الشرعية في بحر إيجة، وإلى تحسين طرق معالجة الأزمة. وأكد أفراموبولوس وموغيريني على أن هذا التعاون هو مثال آخر على التعاون القائم منذ زمن بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في التعامل مع الكثير من الأزمات الدولية، لكن المفوض أفراموبولوس لم يخف خشيته في أن يحاول المهربون، الذين وصفهم بالأذكياء جدًا، فتح طرق جديدة للهجرة غير الشرعية، في حال تمت السيطرة على طريق بحر إيجة.



مقدونيا الشمالية: «داعش» مسؤول عن هجوم على كنيس يهودي الشهر الماضي

علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقدونيا الشمالية: «داعش» مسؤول عن هجوم على كنيس يهودي الشهر الماضي

علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)

أعلنت أجهزة الاستخبارات في مقدونيا الشمالية، الجمعة، أن المشتبه بضلوعهم في الهجوم الذي استهدف كنيساً يهودياً في سكوبيي في أبريل (نيسان)، مرتبطون بتنظيم «داعش»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفادت وكالة الأمن القومي بأنها دهمت عقارات وأوقفت 7 أشخاص يُعتقد أنهم «جزء من مجموعة متطرفة مرتبطة عقائدياً بالشبكة العالمية لتنظيم (داعش)».

ولم يسقط ضحايا في الهجوم الذي وقع يوم عيد الفصح الأرثوذكسي في 12 أبريل (نيسان)، فيما لحقت أضرار بمدخل الكنيس بعد إضرام النار فيه.

وأفادت الشرطة بأنها وجّهت، عقب التوقيفات، أمس، اتهامات تتعلق بالإرهاب إلى شخصين يبلغان 21 و38 عاماً.

وقال المتحدث باسم الشرطة، غوتسه أندريفسكي، في بيان مصوّر: إنه «جرى احتجاز المشتبه بهما لمواصلة الإجراءات القضائية».

وأظهرت لقطات مراقبة نشرتها السفارة الإسرائيلية، يُعتقد أنها للواقعة، رجلين يرتديان خوذتي دراجة نارية يقفزان فوق سياج قبل أن يسكبا الوقود خارج المبنى ويشعلا النار في باحته الأمامية.

وأفاد المجتمع اليهودي المحلي في بيان عقب الحريق بأن الأضرار التي لحقت بالمبنى كانت محدودة.

من جهته، شكر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، سلطات مقدونيا الشمالية على التوقيفات. وقال إن «تحركهم السريع والحازم لمحاسبة الجناة يؤكد التزام مقدونيا الشمالية بحماية المجتمع اليهودي».


مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
TT

مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)

باستثناء برقية وزعتها وزارة الخارجية الأميركية لسفاراتها عبر العالم، لم تشمل روسيا والصين وبيلاروسيا وكوبا، لم يتوافر كثير من المعلومات حول المبادرة الأميركية المتأخرة لإنشاء ما سمي «مبادرة حرية الملاحة البحرية» في مضيق هرمز المقفل عملياً بسبب الحصار الذي تفرضه إيران على البواخر والناقلات دخولاً وخروجاً، وأيضاً بسبب الحصار المطبق الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية.

وبالنظر للإرباك الذي يضرب سلاسل الإمداد في قطاعي النفط والغاز والأزمة الاقتصادية المستفحلة على المستوى العالمي، فإن توفير حرية الإبحار في المضيق تحول إلى تحدٍّ دولي يفرض نفسه على جميع دول العالم. من هنا، جاءت المبادرة الفرنسية - البريطانية لتشكيل «تحالف دولي» يضمن حرية الملاحة - التي كانت قبل نحو الشهر - في مضيق هرمز.

ويوم 17 أبريل (نيسان)، استضافت باريس، حضورياً وعن بعد، قمة موسعة ترأسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ضمّت 52 بلداً عبر العالم، بينهم 32 رئيس دولة وحكومة من التحالف الموعود. وبنتيجة المناقشات، فإن المشاركين توافقوا على إطلاق «مهمة متعددة الجنسية ودفاعية الطابع» لضمان حرية الملاحة في المضيق.

وحرص بيان «الإليزيه» على تأكيد أن المشاركين «ليسوا طرفاً» في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، وأنهم متمسكون بالتوصل إلى «تسوية صلبة وحل مستدام للنزاع عبر الوسائل الدبلوماسية». وحرصت الجهة المنظمة على القول إن الدول الثلاث المعنية بالحرب، لم تُدعَ للمشاركة في الاجتماع، وإن انطلاق المهمة لا يتم إلا بعد انتهاء العمليات الحربية، وبالطبع عبر التفاهم مع إيران والدول المطلة على الخليج.

الرئيس دونالد ترمب يتظاهر بتصويب بندقية قنص أثناء حديثه مع الصحافيين في قاعة المؤتمرات الصحافية بالبيت الأبيض - واشنطن 6 أبريل (أ.ب)

المبادرة الأميركية

في السياق المذكور، يمكن النظر للمبادرة الأميركية الجديدة على أنها «منافسة» للمبادرة الأوروبية - الدولية. ووفق البرقية الصادرة عن «الخارجية» الأميركية، التي كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» أول من اطلع عليها، فإنها وليدة تعاون بين وزارتي الخارجية والدفاع، وإنها «تمثل خطوة أولى حاسمة في إنشاء هيكل أمني بحري لما بعد النزاع في الشرق الأوسط». وعدّت البرقية «هذا الإطار ضرورياً لضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية، والحفاظ على حقوق وحرية الملاحة في الممرات البحرية المهمة».

وتعتبر مصادر دبلوماسية في باريس أن المبادرة الأميركية «يمكن أن تشكل تحدياً بالنسبة للأوروبيين ولأعضاء الحلف الأطلسي» الذين شن عليهم الرئيس ترمب هجمات متكررة، بسبب امتناعهم عن مد يد المساعدة للقوات الأميركية في مضيق هرمز. وثمة سؤالان يطرحان بقوة؛ الأول: هل ثمة إمكانية للدمج بين «المهمتين»؟ والثاني: هل هاتان المهمتان يمكن أن تقوما معاً وفي أي ظروف؟

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده صباح الجمعة بأبوظبي، مع نهاية جولته الخليجية التي قادته إلى المملكة السعودية وعمان والإمارات، سُئل وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن هذا الملف المعقد. وأهم ما قاله بصدده أمران؛ الأول أن باريس تلقت «مؤخراً جداً» معلومات حول المبادرة الأميركية التي وصفها بأنها «ليست من الطبيعة نفسها» للمبادرة التي أطلقها الرئيس ماكرون.

بيد أنها، وبالنظر للمعلومات التي وصلت إلى باريس، رأى بارو أنها «تندرج في إطار من التكامل» مع المبادرة الأولى. أما الأمر الثاني فهو اعتباره أنها «ليست منافسة للمبادرة التي أطلقناها». لكن باريس، رغم ذلك، «تركز اهتمامها الكامل على المبادرة التي أطلقناها».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً بالأمم المتحدة في 27 أبريل بمناسبة الاجتماع المخصص لمعاهدة منع انتشار السلاح النووي (رويترز)

الحذر الفرنسي - الأوروبي

واضح أن الوزير الفرنسي يلتزم موقفاً حذراً؛ إن بسبب «حداثة» المشروع الأميركي، أو بسبب حاجة باريس للتشاور مع القادة الأوروبيين المنخرطين في المبادرة الأولى، التي سعى بارو لتسويقها في العواصم الخليجية الثلاث التي زارها.

وفي أي حال، فإن المبادرة الأميركية بحاجة لمزيد من التوضيح، خصوصاً أن برقية «الخارجية» تدخل عاملاً مبهماً بإشارتها إلى «إدارة مشتركة» بين وزارتي الحرب والخارجية. كذلك، فإنها تدخل عامل إبهام جديداً بتأكيدها أن المبادرة المذكورة «تختلف عن حملة الضغوط القصوى» التي يقودها الرئيس ترمب على إيران، كما أنها غير «مرتبطة بالمفاوضات الجارية» مع طهران.

ويبدو من المستحيل الفصل بين مجريات الحرب في حال استجدت، وتوفير المرور الآمن في مضيق هرمز. كذلك يصعب عزلها عن «المفاوضات الجارية» التي هي عملياً متوقفة، ثم تتعين الإشارة إلى عامل بالغ الأهمية؛ قوامه أن الأوروبيين يصرون على أمرين؛ الأول: الطابع الدفاعي لمبادرتهم، والثاني، وقد شدد عليه بارو في أبوظبي، أن انطلاقتها «سوف تتم بالتنسيق مع الدول المطلة على المضيق». ولمزيد من الإيضاح، ذكر باور أن المهمة الأوروبية «ستعمل على لم شمل الدول التي لم تكن جزءاً من هذه الحرب»، أي بعيداً عن الولايات المتحدة.

وفي أي حال وفي أكثر من مناسبة، أفادت مصادر فرنسية رفيعة المستوى، بأن مروجي المبادرة الأوروبية يودون أن يبقوا بعيداً عما تقوم به الولايات المتحدة. ولعل العنصر الذي من شأنه تغيير المعادلة؛ إشارة البرقية الأميركية إلى أن الهيكل البحري الذي تسعى إليه واشنطن بشراكتها مع دول لم تسمِّها، لن يطلق «إلا بعد انتهاء النزاع في الشرق الأوسط»؛ أي بعد توقف الحرب، وهو ما يتلاقى مع الرؤية الأوروبية. وفي كل مناسبة تتوافر، يركز الأوروبيون على «التقدم» الذي أحرز في المشاورات الخاصة لإطلاق مبادرتهم. ولهذا الغرض، استضافت لندن وباريس مجموعة من الاجتماعات للتعرف على الدول الراغبة والقادرة على توفير الإمكانات العسكرية واللوجستية والمالية. ويشبه الأوروبيون بين المهمة الجديدة وعملية «أسبيدس» التي أطلقوها في عام 2023، لضمان سلامة وحرية الإبحار في البحر الأحمر؛ بدءاً من قناة السويس وحتى باب المندب.

ولأن واشنطن تعي «المنافسة» الأوروبية، ورغبة منها في ضم أكبر عدد ممكن من الأطراف، فإن تصورها للمهمة التي تطلقها جاء فضفاضاً؛ إذ جاء فيها: «نرحب بجميع مستويات المشاركة، ولا نتوقع من دولتكم تحويل الأصول والموارد البحرية بعيداً عن الهياكل والمنظمات البحرية الإقليمية القائمة». وبكلام آخر، فإن واشنطن ترحب بأي طرف يود الانضمام للمبادرة مهما تكن مساهمته فيها، ما يوجد سباقاً بينها وبين المبادرة الأوروبية.

وفي المحطات الثلاث التي زارها، شدد بارو على أهمية اعتماد الحلول الدبلوماسية وتجنب معاودة الحرب، وعلى ضرورة الإسراع في إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، رافضاً الخطط الإيرانية لفرض رسوم على البواخر وناقلات النفط، معتبراً أن ذلك يخالف قوانين البحار والممرات المائية. وحرص بارو على إبراز التقدم الذي حققه الأوروبيون حتى اليوم، مشيراً إلى أن إحدى مهمات جولته الخليجية كانت لعرض المبادرة الأوروبية.

ولا تخفي باريس رغبتها في انضمام الدول الخليجية إليها، ما من شأنه أن يوفر لها ثقلاً إضافياً في المنافسة القائمة مع واشنطن. وفي أي حال، من الواضح أن أياً من المهمتين لن يرى النور قريباً، طالما لم يحسم مصير أزمة الخليج؛ وهو الشرط الذي يرتهن المبادرتين معاً.


ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
TT

ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)

في لحظة تتقاطع فيها الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران مع القلق الأوروبي من روسيا، فتح الرئيس دونالد ترمب جبهة جديدة داخل حلف شمال الأطلسي، ملوّحاً بخفض أو سحب قوات أميركية من ألمانيا، ثم من إسبانيا وإيطاليا، رداً على مواقف أوروبية رافضة أو متحفظة تجاه الحرب. صحيفة «بوليتيكو» قالت في تقرير لها إن تهديد ترمب بخفض القوات في ألمانيا أحدث «صدمة» داخل البنتاغون، حيث قال مساعد في الكونغرس إن وزارة الدفاع «لم تكن تتوقعه» ولم تكن تخطط لأي خفض للقوات في ألمانيا، ولا سيما أنه يخالف مراجعة مطولة للانتشار العسكري الأميركي العالمي لم توصِ بانسحابات كبيرة من أوروبا.

ويقول مراقبون إن خطورة التهديد لا تكمن في احتمال تنفيذه الفوري وحده، بل في أنه يحوّل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا من ركيزة استراتيجية للردع إلى أداة ضغط سياسية. فمن وجهة نظر ترمب، لم يعد انتشار القوات مسألة التزام أطلسي أو حسابات أمنية بعيدة المدى، بل ورقة عقابية ضد حكومات ترفض الانخراط في حربه ضد إيران أو تنتقد أداء واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، قال جون هاردي، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، إن ألمانيا تمثل محوراً حرجاً للعمليات العسكرية الأميركية، بما في ذلك عملية «الغضب الملحمي»، مضيفاً أن تعريض هذا الدور للخطر «سيكون بمثابة إطلاق النار على أقدامنا». ورأى هاردي أنه «بينما تحب إدارة ترمب تذكير الحلفاء بأن (الناتو) طريق ذو اتجاهين، سيكون من الأفضل للبيت الأبيض أن يتذكر ذلك هو أيضاً».

غضب من برلين ومدريد وروما

قال ترمب، الخميس، إنه «على الأرجح» سيسحب القوات الأميركية من إسبانيا وإيطاليا، مُتّهماً روما بأنها «لم تكن مفيدة لنا»، وواصفاً مدريد بأنها كانت «فظيعة... فظيعة تماماً». وهو ما عُدّ رداً على رفض إسبانيا وإيطاليا السماح لطائرات عسكرية أميركية مشاركة في حرب إيران باستخدام قواعدهما.

كما جاء ذلك بعد تهديد مماثل لألمانيا، على خلفية انتقادات المستشار فريدريش ميرتس الذي قال إن الولايات المتحدة تتعرض لـ«إذلال» من إيران في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، قبل أن يخفف من حدة انتقاده في الأيام الماضية.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد مارس الماضي (أ.ف.ب)

ويرى بعض الأوروبيين أن هذه التصريحات تشي بأن ترمب يتعامل مع الخلافات داخل «الناتو» كاختبار ولاء مباشر. فإسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز سعت إلى تقديم نفسها كقوة أوروبية موازنة لترمب، فيما بدأت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، رغم قربها السابق منه، تنأى بنفسها عنه مع اقتراب انتخابات 2027. أما برلين، فرغم سماحها باستخدام قاعدة رامشتاين لتنسيق العمليات ضد إيران، وجدت نفسها في مرمى الهجوم بعد تصريحات ميرتس.

صدمة داخل البنتاغون

أبرز ما نقلته «بوليتيكو» أن تهديد ترمب لم يكن ثمرة خطة جاهزة داخل وزارة الدفاع. فقد أكد ثلاثة مسؤولين دفاعيين أن منشوره بشأن ألمانيا كان أول ما يسمعه كثيرون داخل البنتاغون عن احتمال تحريك جديد لسحب مئات أو آلاف الجنود. وقال مساعد في الكونغرس إن الوزارة «لم تكن تتوقع ذلك، ولم تكن تخطط لأي نوع من خفض القوات»، لكنه أضاف أن تصريحات ترمب تُؤخذ بجدية؛ لأنه كان جاداً في ولايته الأولى حين أمر عام 2020 بسحب 12 ألف جندي من ألمانيا، قبل أن يتعثر التنفيذ.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض 3 مارس الماضي (أ.ب)

أما كُلفة التنفيذ فتبدو ضخمة ومعقدة. فألمانيا تستضيف ما بين 35 و40 ألف جندي أميركي، وتوفر أراضي للقواعد من دون مقابل، إضافة إلى قوة عاملة محلية تدعم الوجود الأميركي. كما تضمُّ مقرين أساسيين للقيادة الأميركية: القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية، إلى جانب أكبر مستشفى عسكري أميركي خارج الأراضي الأميركية. ونقلت «بوليتيكو» عن تود هاريسون، مُحلّل ميزانية الدفاع في معهد «أميركان إنتربرايز»، أن الانسحاب يتضمن كلفة نقل، وربما كلفة إنشاءات ضخمة إذا نُقلت القوات إلى أماكن مثل بولندا، حيث لا توجد منشآت جاهزة لإيوائهم.

تهديد يضعف واشنطن

عسكرياً، قد يبدو التهديد مُوجّهاً إلى الأوروبيين، لكنه يطول مصالح الولايات المتحدة نفسها. وهنا تبرز أهمية تعليق جون هاردي. فهو لا يدافع عن ألمانيا من زاوية أوروبية فقط، بل من زاوية المصلحة الأميركية المباشرة.

فقوله إن تعريض الدور الألماني للخطر يُشبه «إطلاق النار على أقدامنا» يختصر المفارقة الأساسية في تهديدات ترمب؛ فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس خدمة مجانية تقدمها واشنطن للحلفاء، بل أصل استراتيجي تستخدمه الولايات المتحدة لتوسيع قدرتها على الحركة والردع والعمليات. فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس مجرد مساهمة في أمن أوروبا، بل عقدة مركزية في قدرة واشنطن على التحرك عالمياً. القواعد هناك تُستخدم لعبور القوات إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وتدعم الردع النووي، وتوفر مستشفيات ومناطق تدريب واسعة للقوات الأميركية وقوات «الناتو».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في البيت الأبيض (رويترز)

وفي هذا الصّدد، قال مسؤول ألماني لـ«بوليتيكو» إن سياسة ترمب القائمة على «التهديدات الفجة وصلت إلى حدودها»، مضيفاً أن انسحاب القوات الأميركية من ألمانيا «سيضعف الولايات المتحدة نفسها بشدة». ويعكس ذلك تحوّلاً في المزاج الأوروبي، فالعواصم التي اعتادت القلق من الانسحاب الأميركي باتت ترى أن واشنطن تستخدم أمنها الجماعي كرهينة سياسية، في وقت تتهم فيه أوروبا روسيا بالاستعداد لاحتمال تهديد أراضي «الناتو» في السنوات المقبلة.

وتزداد المفارقة أن تهديد ترمب جاء بعد مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي طالما سعى إلى تقليص وجود الناتو في أوروبا، كما تزامن مع اجتماعات لرئيس أركان الدفاع الألماني الجنرال كارستن بروير في واشنطن لبحث استراتيجية دفاعية ألمانية جديدة.

قيود الكونغرس

ورغم نبرة ترمب العالية، لا تبدو الطريق مفتوحة أمام انسحاب سريع. فقانون الدفاع الذي أصبح نافذاً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يمنع البنتاغون من خفض عدد القوات الأميركية في أوروبا إلى أقل من 76 ألفاً قبل تقييم الأخطار والتصديق على أن ذلك يخدم المصالح الأمنية الأميركية. وهذا يمنح الكونغرس ورقة مهمة لكبح أي قرار متسرع، خصوصاً إذا بدا أقرب إلى عقوبة سياسية منه إلى إعادة تموضع استراتيجية.

الرئيس ترمب يتحدث إلى جنود في قاعدة فورت براغ بنورث كارولاينا يوم 10 يونيو 2025 (أ.ب)

ومع ذلك، بدت ردود الجمهوريين حذرة، حيث قال السيناتور كيفن كرامر إنه يحتاج إلى سماع المزيد عن الاستراتيجية خلف هذا التفكير، مشدداً على أن رامشتاين قاعدة «استراتيجية ومهمة». أما السيناتور مايك راوندز، عضو لجنة القوات المسلحة، فقال إنه لا يرى تحولاً فعلياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه أوروبا، معتبراً أن الرئيس كان يرُدّ على تصريحات ألمانية، وأن الأهم هو النظر إلى «الأفعال» لا التعليقات العلنية.

ورغم أن البعض يرى أن ترمب يختبر مرة أخرى حدود العلاقة الأطلسية، لكن التساؤلات تتزايد عمّا إذا كانت القوات الأميركية في أوروبا ستبقى ضمانة ردع مشتركة، أم تتحوّل إلى أداة مقايضة مرتبطة بمواقف الحكومات من حرب إيران؟ ومجرد طرح السؤال يُضعف صورة «الناتو»، ويمنح موسكو وطهران مادة دعائية ثمينة، ويفتح داخل واشنطن سجالاً مُكلفاً بين من يرى في التهديد وسيلة لإجبار الأوروبيين على الاصطفاف، ومن يعتبره مقامرة قد تضُرّ بالقوة الأميركية بقدر ما تربك الحلفاء.