إيران تستعين بآلاف الأفغان في سوريا بعد عزوف مواطنيها عن القتال

المجندون يحصلون على راتب 500 دولار.. وينقلون على متن طائرات الحرس الثوري

أفغان يحاربون مع نظام بشار الأسد («الشرق الأوسط»)
أفغان يحاربون مع نظام بشار الأسد («الشرق الأوسط»)
TT

إيران تستعين بآلاف الأفغان في سوريا بعد عزوف مواطنيها عن القتال

أفغان يحاربون مع نظام بشار الأسد («الشرق الأوسط»)
أفغان يحاربون مع نظام بشار الأسد («الشرق الأوسط»)

قالت منظمة مجاهدين خلق الإيرانية المعارضة إن أعداد العناصر الأفغانية التي ترسلها إيران للحرب في صفوف قوات نظام بشار الأسد في سوريا ارتفعت بشكل ملحوظ في الشهور الأخيرة، وإن عدد هؤلاء المقاتلين كان لا يزيد على 2500، إلا أنه ارتفع إلى أكثر من سبعة آلاف أفغاني خلال عام 2015. لكنه أشار إلى ظهور بوادر تململ بين هؤلاء المقاتلين الأفغان، بسبب الأسلحة القديمة وضعف التدريب وارتفاع عدد القتلى.
وأعدت المنظمة تقريرا حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، وينشر للمرة الأولى، يركز على الفرقة الأفغانية التي تحارب مع نظام الأسد، وتحمل اسم «فاطميون»، ويقودها إيراني قالت إن اسمه «أبو حيدر» وتعود أصوله إلى مدينة مشهد الإيرانية، مشيرة إلى أن نائبه رجل إيراني يدعى علي رضا فاتح. ووفقا للمنظمة نفسها، فقد واجه النظام الإيراني مشكلة داخلية بسبب عزوف الإيرانيين عن القتال في سوريا، ما جعله يستعين بالأفغان اللاجئين في إيران. لكن المنظمة قالت إن «النظام الإيراني» أصبح يواجه خلال الفترة الأخيرة مأزقا «في مجال تجنيد الأفغان»، حيث لوحظ أنه رغم حاجته الماسة ومساعيه الحثيثة لزيادة وجود الأفغان في سوريا، فإن هؤلاء «لم يعودوا يقبلون بالحضور في المعارك السورية».
وتابع التقرير قائلا إن معلومات منظمة مجاهدين خلق، المستقاة من مصادر داخل الحرس الثوري الإيراني، تفيد أن الأفغان الذين أرسلهم نظام طهران إلى سوريا في عام 2015 بلغ عددهم أكثر من سبعة آلاف شخص، أي ثلاثة أضعاف عما كانوا عليه قبلها، لافتا إلى أن إيران كانت قد دفعت مع بداية الحرب في سوريا بأكثر من خمسة آلاف من قوات الحرس الثوري من النخبة، لكن تساقط كبار قادة الحرس الثوري الإيراني في سوريا، في الأعوام الأخيرة، أدى إلى «تذمر شعبي واستياء واسع في المجتمع الإيراني من توغل النظام في المستنقع السوري». وقال إنه لهذا السبب أخذ النظام الإيراني يدفع بالأفغان «الذين بدأوا هم أيضا في التململ من الدخول في المعارك في سوريا، بعد مقتل كثير منهم وضعف الإمكانات العسكرية»، رغم أن السلطات في طهران تتبع أساليب «لا إنسانية في دفع هؤلاء المغلوبين على أمرهم إلى الذهاب إلى أتون الحرب السورية ليكونوا وقودًا لحروب ولاية الفقيه».
وأشار التقرير إلى أن من بين الضغوط المطبّقة على الأفغان من جانب النظام الإيراني: «التهديد بالسجن، أو العفو عن السجناء منهم، وحتى تهديد بالإعدام أو العفو عن المحكوم عليهم بالإعدام، لكي يوافقوا على الذهاب إلى سوريا»، بالإضافة إلى أن النظام يستغل حاجة نسبة كبيرة من هؤلاء الأفغان بسبب عدم وجود أوراق ثبوتية لديهم.
وتتلقى العناصر الأفغانية المجندة راتبا قدره 500 دولار خلال فترة التدريب. ثم يتم إرسالهم من إيران إلى مطار دمشق بواسطة طائرات شركة تابعة لقوات الحرس الثوري، وذلك في مجاميع، تتكون كل مجموعة من مائتي شخص. وفي سوريا تقوم هذه المجاميع بزيارة روضة السيدة زينب والسيدة رقية أولا، ثم يتم توزيعها على الجبهات للقتال مع قوات نظام الأسد.
وتعود بدايات النواة لفرقة «فاطميون» حين تشكلت من عناصر أفغانية تابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني ممن شاركوا في الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينات القرن الماضي. وقال تقرير منظمة مجاهدين خلق إن كثيرا من هذه العناصر تحولت في الوقت الحالي إلى «قادة في قوات الحرس وقوة القدس». وتعد فرقة «فاطميون» جزءا من «قوة القدس».
وتضمن التقرير جانبا يخصّ «منظومة القيادة لفرقة (فاطميون)»، وقال إن قائد هذه الفرقة في إيران يدعى «الحاج آقا مرتضوي أو علوي، وهو قائد معسكر أنصار لقوة القدس بمدينة مشهد الإيرانية». وتطرق التقرير إلى قائد الفرقة في سوريا، وهو أبو حيدر الذي قال إنه يشغل أيضا موقع نائب قائد «معسكر أنصار» في إيران. وأضاف أن من بين قادة فرقة «فاطميون» في سوريا، كل من سيد علي حسيني، وعلي أكبر، بينما يشرف على متابعة ما يتعلق بشؤون الفرقة الأفغانية، عدد من كبار قادة قوة القدس في طهران ومنهم إمام قلي، ومحمود، الذي يرأس «مؤسسة المتفانين (إيثاركران)» أيضًا.
وفي ما يخص الوحدات التابعة لفرقة فاطميون في سوريا، قال التقرير إن لها وحدات المشاة والدروع والقناصين والصواريخ، موضّحا أن الفرقة نفسها «لها عشرات من وحدات المشاة، يبلغ عدد القوات في كل كتيبة مائتي شخص، وفي العام الماضي كانت هذه الفرقة تمتلك 10 إلى 15 كتيبة». وتابع أن التقارير الحديثة للعام الحالي تفيد بأن العدد الإجمالي لجميع قوات الحرس في سوريا ارتفع إلى ثلاثة أضعاف، مشيرا إلى أنه تمت تسمية معظم الكتائب بأسماء قادتها المقتولين من الأفغان ومنها، كتيبة جاويد، وكتيبة إبراهيم، وكتيبة محمد، وكتيبة حسين فدايي، وكتيبة كريمي، وكتيبة ربيعي، وغيرها.
وتمتلك فرقة فاطميون وحدات دروع ووحدة صاروخية ووحدة قناصين، بحسب التقرير الذي أشار إلى أن قائد وحدات الدروع يسمى «شمس». أما آمر كتيبة القناصين فيدعى «آقا معلم». وقال عن التسليح والتجهيز للفرقة الأفغانية إن قوات الحرس الثوري الإيراني هي التي تقوم بتزويد الفرقة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة. أما جانب من الدبابات والعجلات المدرعة فجاءت من جيش النظام السوري، «حيث ترك الدبابات القديمة والمستعملة لهذه الفرقة، ما تسبب في استياء القوات في القطاعات المدرعة لفرقة فاطميون».
وفي العام الماضي عندما تم تشكيل الوحدة المدرعة في فرقة «فاطميون»، كانت لها 8 دبابات، ثلاث منها من دبابات «تي 72» والبقية من طراز «تي 55» القديمة، حيث كانت تجري عملية تعبئة المدفع يدويا ولم يستطع الأفغان الاستفادة منها في ساحة العمليات بشكل جيد. ويقول التقرير إن المشكلة التي كانت موجودة في أجهزة الاتصالات لهذه الدبابات تسببت في انعدام سرعة الحركة لها، من أجل التصويب وغيره. وإن هذا اضطر المقاتلين الأفغان في سوريا لأن «يتحدثوا فيما بينهم بصوت عال»، مشيرا إلى تدني مستويات التدريب لدى الوحدات الأفغانية الأخرى. وقال إنه «خلال العام الجديد أضيف عدد الدبابات لهذه الوحدة وأصبحت تمتلك أكثر من 15 دبابة».
ورصد تقرير مجاهدين خلق «مقرات التجمع والنقل والوجود والتدريب لقوات فرقة فاطميون في سوريا»، ومنها حامية الإمام حسين، وهو معسكر رئيسي للفرقة يقع في حامية الإمام حسين على بعد 70 كيلومترا من دمشق باتجاه حلب. ويتردد على المعسكر نحو ألف شخص، يأتون إلى الحامية لقضاء فترة الإجازة قادمين من الخطوط الأمامية. كما يتم استخدامها لتوزيع القوات بين مختلف الجبهات.
ومن المقرات أيضا مقر شيشة آي (زجاجي)، وهو مقر القيادة لقوات الحرس الثوري الإيراني في سوريا، ويقع إلى جوار مطار دمشق. وعند وصول القوات الأفغانية يتم توزيعها من هذا المقر. ويدعى أحد قادة المقر «كميل». وهناك أيضا حامية كبيرة تسمى «حامية رقية»، ويعود هذا المكان إلى قوات الحرس الثوري في سوريا، ويستقر فيه جانب من القوات الأفغانية أيضا. وتقع الحامية في بوروس (أو بورتس) في ريف حلب، ويدعى رئيسها «أمير بور»، وتستخدم لتوزيع وإرسال القوات إلى الخطوط الأمامية على جبهة حلب والتي تسمى بمنطقة بلاد.
وتوجد قوات الإسناد ووحدة الطبخ والدروع لفرقة «فاطميون» في معسكر زينب الذي يقع على بعد 80 كيلومترا من دمشق باتجاه درعا. أما «حامية سراج» فيطلق عليها «الموقع التدريبي إم 130»، وهو عبارة عن معسكر لتدريب الدروع ويقع في منطقة تسمي «جرمانا» بالقرب من دمشق، وله ساحة كبيرة. ويدعى رئيس التدريب للمقر «شمس» وهو، وفقا للتقرير، أحد منتسبي قوات الحرس الثوري، بينما يدعي آمر الحامية «ثابت» ويعرف أيضا باسم «صفر».
ورصد التقرير مناطق المهمات والخطط العسكرية لفرقة «فاطميون»، ومنها المنطقة الرئيسية في خطوط التماس وتقع في جنوب حلب مع سائر قطاعات الحرس الثوري الإيراني هناك، بالإضافة إلى وجود بعض من هذه القوات في حامية الإمام حسين، وأخرى في خطوط التماس بشمال درعا وفي تدمر، وفي منطقتي حمص واللاذقية.
وتحدث التقرير عن مراكز تجنيد القوات الأفغانية في إيران، ومنها دائرة الرعايا الأجانب في محافظة طهران، «حيث يحضر مسؤول من قوة القدس اسمه حجت كربلايي أيام الاثنين والأربعاء لتسجيل أسماء المجندين». وذكر التقرير عنوان المكان بأنه يقع في مدينة زيبا، في شارع تعاون، وشارع فرزاد الشرقي وشارع نيلوفر رقم 7.
أما مكتب تجنيد قضاء بيشوا، فيقع في ضاحية طهران العاصمة. كما قال التقرير إن هناك مكتب تجنيد آخر في مدينة ري، ويعد من أكثر المكاتب نشاطا في تجنيد القوات الأفغانية، مشيرا إلى أن المكتب يقع خلف روضة شاه عبد العظيم، ناحية «دوار نارنج»، في زقاق مسعود كيهاني، بالإضافة إلى مكتب آخر يحمل اسم «مكتب كرمان».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.