مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

بعد عام من توليه مقاليد الحكم

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري
TT

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

مُدركَات المعرفة في تكوين الملك سلمان الفكري

تسعى هذه الصفحات لاكتشاف السمات الفكرية في شخصية الملك سلمان بن عبد العزيز وتكوينه، باعتبارها مؤهّلات نوعيّة مُضافة في القدرات القيادية المُميّزة التي ينفرد بها القليل من الزعامات. ولعل في اختيار العنوان ما يبرز هذا المقصد، فالمُدركات - ومُفردتها مُدرَكة - تعني الدلالات والمؤشّرات، وكثيرا ما تستخدم في الجوانب الذهنية والتربوية والمعرفية ونحوها، وهي بالإنجليزية «the perception».

1 - وفي مدخل الحديث، لا بدّ من الإشارة إلى تلك القدرات الذهنية التي ورثها عن والديه، فما من شخصيّة سعودية معاصرة يستعيد المجتمع قسماتها الفكرية وأسطورة دهائها ومناوراتها وشيمها، وما حالف خطواتها من حظّ وتوفيق، مثل شخصيّة المؤسس (الملك عبد العزيز المولود عام 1293هـ - 1876م) الذي خرج من الكويت وهو في السادسة والعشرين ليكافح من أجل توحيد البلاد ثلاثة وخمسين عاما أخرى، قضى نصفها في كرّ وفرّ، والنصف الثاني في بناء وتنظيم، حتى إذا ما لمّ شتات الكيان الكبير أودعه - وهو في السابعة والسبعين من العمر - إلى أبنائه من بعده. وقد اكتسب كثير من أبنائه الستة والثلاثين معرفة عميقة بالأحداث التي مرّت بالدولة منذ قيامها قبل ثلاثة قرون، وإلماما شاملا بالمراحل الثلاث التي اجتازتها، وأصبحوا أكثر ما يكونون إحاطةً بجغرافيا الجزيرة وبحاضرتها وباديتها وبموروثها الأدبي وبتقاليدها، وبما يكون عليه الخيّالة حذقا بمهارة القنص والفروسية وفنون العرضات وإبداعاتها، وبالقدرات التي تُكتسب بالإرث والهواية والممارسة. ولقد تناول كثير من الباحثين المحليين والعرب والغرباء - ومنهم فيلبي والريحاني والزركلي والعقّاد ومحمد أسد وديكسون وآرمسترونغ وفاسيلييف - بعضا من ملامح شخصية الملك المؤسس وعلاقة أبنائه به، وروى بعض الأبناء - كالأمير طلال والملك سلمان - شيئا من ذكرياتهم معه، والأمل كبير في أن يهتم الملك سلمان بتسجيل ما تختزنه ذاكرة أبناء المؤسس وأحفاده والأسرة كافة من معلومات عن تلك الحقبة التاريخية المهمة التي عاشوها مع الملك المؤسس، خاصة أن الملك سلمان يحمل المسؤولية التوثيقية الأولى في البلاد.
وهكذا قُدِّر للابن الخامس والعشرين سلمان (المولود يوم 5 شوال 1354هـ - 31 ديسمبر/ كانون الأول، 1935م)، وكغيره من إخوته، أن يُقارب في أسلوب حياته وفي عاداته مدرسة والده، ويقترب من تاريخه المعيش والمروي والمدوّن، ويكتسب مهارة القيادة وهيبتها وإرث الاستحقاق للحكم من خلال فرص تراكميّة متنوّعة أُتيحت له عبر السنين، فكان يشترك معه بالاستعداد الفطري والشّبه في الملامح والعادات والتقاليد واللهجة والصوت، وهو أمر طبيعي بحكم الوراثة والبيئة التي نشأ فيها والتربية المتجانسة التي تلقّاها قريبا من والده، مما نتج عنه تقاربٌ في التكوين وتشابهٌ في نمط المعيشة وأسلوب الحياة. ولا يمكن لمن يرصد سيرة الملك سلمان وأشقائه وشقيقاته أن ينسى ما كانت والدتهم سارة بنت أحمد السديري، المعروفة بريادة العمل الخيري والإنساني، تضفيه عليهم من الرعاية والتربية والتنشئة الفاضلة، مما فصّلت فيه الدكتورة دلال بنت مخلد الحربي في كتابها «نساءٌ شهيرات من نجد» (1998).

2 - من أسس التكوين المعرفي والفكري عند الملك سلمان، يأتي الاستعداد الفطري للمعرفة، والقدرات الذهنية، والذكاء، والتحصيل العلمي الذي تلقّاه وإخوته في مدرسة الأمراء بإدارة الشيخ عبد الله خيّاط، ومعه الأساتذة أحمد علي أسد الله الكاظمي ومحمد صالح الخزامي ومحمد علي حمام، وغيرهم، فكان لذلك التعليم عميق التأثير في تكوينه العام، حيث كرّس في وجدان الأمير في صغره التعلّق بالمفاهيم الدينية وبتراث الدعوة في البيئة التي نشأ فيها، وهو ما سار عليه في كبره من حيث الاهتمام بتنشئة أولاده في ما بعد.

3- ثم تأتي تلك الفترة الطويلة التي تولّى فيها إمارة منطقة الرياض، فهو عندما توفي والده عام 1953 كان يشارف على العشرين، وقد سبقه عدد من إخوته الأكبر منه سنّا إلى تولّي بعض المسؤوليات الإدارية ومنها إمارة الرياض، فاختاره الأمير نايف في مطلع عهد الملك سعود (1953) لينوب عنه عند غيابه عن إمارة منطقة الرياض، وفي العام التالي تولّى رسميًّا مسؤوليتها من بعده في فترتين بينهما عامان؛ دامت الأولى خمسة أعوام، وأتمّ في الثانية عقودا خمسة، عاصر خلالها إخوانه الملوك الخمسة الذين سبقوه في الحكم.
المعروف أن الحاكم الإداري لمنطقة الرياض يمارس عمله اليومي في قصر الحكم وسط العاصمة (على ساحة الصفاة أو القصبة كما يُطلق عليها في التراثُ العربي)، وكان الملك المؤسس وأجداده الأقربون يسكنون في تلك المنطقة التاريخية المحاطة بسور، يديرون منها شؤون البلاد، وكانت الرياض قد اتخذها جده الإمام تركي عاصمةً للدولة السعودية الثانية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي بدلا من العاصمة التاريخية «الدرعية» التي دمّرها الأتراك سنة 1818، واستمر القصر حتى الآن يعرف بقصر الحكم، تُقام فيه المناسبات الوطنية الكبرى من بيعة أو معايدة أو عزاء أو نحوها. وإلى جوار قصر الحكم هذا يوجد الحصن التاريخي قصر المصمك الذي كان يستخدم سكنا للحاكم، ويعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وتكمن شهرته في أن شعلة استعادة الرياض انطلقت منه عام 1902، ويُوظّف الآن معْلما تراثيّا وسياحيّا يحكي قصة فتح الرياض وقيام الدولة في حقبتها الثالثة المعاصرة، كما سُمي المسجد الرئيسي الكبير المرتبط بالقصر باسم مؤسس الرياض الإمام تركي (حفيد الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية). وقد جُدّدت هذه المنطقة التاريخية عام 1999 بمناسبة الذكرى المئويّة الأولى لتأسيس السعودية.
عاش سلمان طيلة فترة إمارته للرياض قصة «ولهٍ» قلّ أن يتكرر مثلها في مدن عالمية شبيهة، يُكرّس - من خلال شخصيّته وأسلوب إدارته ومثابرته على اللقاءات والمواعيد والزيارات والضيافات وعبر معرفة الأُسر والقبائل وفروع البادية وملازمة الزعماء - كثيرا من السمات التي كان يتبعها والده وإخوته في ممارسة الحكم، حتى أصبحت تطبيقاته تُذكّر بما كان يتمّ في ساحة قصر الحكم من بطولات، وكأن الزائر لهذه المنطقة التاريخية اليوم يشاهد فيلما تسجيليّا يروي قصص عقود مضت، يوم أن كانت الصفاة تعجّ بركائب الوافدين وبالتبادلات التجارية بين الأهالي، وقد وثّقت هيئة تطوير الرياض بصماته على العاصمة في كتاب صدر العام الماضي 2015م بعنوان «سلمان والرياض: عبق التاريخ».
في عام 2011 غادر سلمان منصبه الذي أحبّه، ليبدأ بعد أخيه سلطان التدرّج صعودا نحو المناصب الأكثر سياديّة، فأصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع، وقد ترك - كما سلف - وراءه روايةً لا تمّحي فصولها مع حبيبته «الرياض»، التي جاب عددا من العواصم ليعرض فيها تجربتها التنموية وليبحث عن مزيد من الأفكار لتطويرها، مُخلّفا لتخصص الإدارة المحلية والتطوير الحضري صفحات من الدروس في صناعة التنمية، واستطاع بمهارة أن يمزج الألوان في لوحة مبتكرة تشدّ الانتباه - اسمها الرياض القديمة والجديدة - بين عراقة المحافظة وحداثة المعاصرة.

4 - أما المقوّم الرابع من مُدركات المعرفة عنده، فهو اهتمامه بالشأن السياسي في بُعديه الداخلي؛ المتمثّل في «مأسسة» السلطات الدستورية وصون نظام الحكم والحفاظ عليه، والبُعد الخارجي؛ المتمثل في العلاقات الدبلوماسية الدولية، وفي مشاركته وقربه من صناعة القرار السياسي طيلة العهود المتوالية التي مرّت بالبلاد، وبخاصة في فترة حكم الملك فهد، فلقد كان أحد الروافد الاستشارية الثرية التي كانت تغني اتخاذ القرار، مستفيدا مما كان يمتلكه من الصلات مع النخب السياسية العربية والأجنبية، ومن المعلومات التي كان يختزنها وكانت تمكّنه من بلورة المواقف وتنفيذها. وربما كان في هذا الشأن يصطفي بعض الكفاءات الوطنية المؤهلة التي تصوغ الأفكار وتطوّرها بعد أن تتلقى منه التوجيهات. ويمكن القول إن الخبرة السياسية قد تراكمت لديه مع السنوات وساعدت في تكامل معارفه وفكره، ومهّدت لانتقال الحكم إليه في الوقت المناسب.
لقد رُصدت بين شخصيّات الملوك السابقين لهذه البلاد سماتٌ متقاربةٌ مشتركةٌ، تتمثّل في التناغم المتوازن بين الثابت والمتغيّر في الشأن الاجتماعي، والفهم التنويري للتديّن، والتدرّج في الإصلاح والانفتاح، وترسيخ التقاليد المفيدة، وهي جميعا سمات محافظة قامت عليها هذه البلاد منذ توحيدها.

5 - أما المكوّن الخامس في فكره فهو ارتباطه بالعديد من المؤسسات العلميّة والثقافيّة، ومن أهمها علاقته الوثيقة بمكتبة الملك فهد الوطنية، بدءا من المبادرة إلى اقتراح تأسيسها بمناسبة تولّي الملك فهد مقاليد الحكم في البلاد (1982)، حيث أعلن أهالي الرياض عن قيامها في العام التالي. كانت المكتبة الوطنية مشروعا متواضعا أقامت وزارة المعارف نواته لإصدار شهادات الإيداع والتسجيل الرقمي للإصدارات السعودية، ثم انتشله سلمان ومن ورائه أهالي العاصمة لتكون المكتبة الوطنية دُرّة المعرفة والتوثيق في جبين الوطن، على النحو الذي يعرفه المجتمع العلمي والثقافي. وقد اكتسى مقرها الأنيق وسط العاصمة هذا العام على طريقي الملك فهد والعُليّا العام وبعد نحو عقدين من إنشائه تصميما جديدا لافتا بطاقة استيعابية مضاعفة، وتمّ كلُّ هذا العمل الجليل بأقل قدر من الأضواء، وبأكبر قدر من التواضع والصمت، وبأعلى مقدار من الكفاءة الإدارية والمكتبية.

6 -أما المرتكز السادس في مُدركاته المعرفية، فإنه رئاسته - تحديدا - لمجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، وهي المركز التوثيقي والبحثي الأول لحفظ تاريخ الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وسيرة مؤسسها وحكّامها، فلقد يسّر له الاقتراب المباشر مع الدارة أن يمارس هوايته في ألاّ يترك كتابًا مهمًا تطرّق كليًا أو جزئيًا إلى سيرة الملك المؤسس والدولة السعودية إلا وأحاط بقراءته أو طلب من باحث تلخيصه أو علّق على ما فيه، حتى صار التاريخ يجري في عروقه، وأصبح يحفظ تراث البلاد حفظا علميّا يتتبُع من خلاله ما كتب عنه، ويُفنّد أي التباسات تحيط بسيرة رجالاتها، ويُوجّه بإجراء البحوث حول أي غموض يحتاج إلى استقصاء، وأتاح له ولعه بالقراءة السريعة فرصة الإحاطة بما يرغب الاطلاع عليه سواءً من الكتب أو من المقالات، حتى لقد رُوي أنه قرأ أثناء ملازمته لأخيه الأمير سلطان في مرضه ما يربو على ثمانين كتابا، وكان الكتاب لا يفارقه أثناء رحلاته البرية والجوية.
بدأت علاقته بالدارة منذ قيامها عام 1972 وذلك من خلال اهتمامه الشخصي بالتاريخ والتوثيق، وكانت الدارة بدأت مرتبطة بوزير المعارف، ثم بوزير التعليم العالي، ثم صار سلمان بن عبد العزيز رئيسًا لمجلس إدارتها منذ عام 1997. وقد ازداد تواصله مع الدارة منذ أن بدأت تشارك في التحضير للاحتفال بذكرى المئويّة التي كان يشرف على أدق تفصيلات الاستعداد لها، حيث صار التواصل اليومي بينه وبين الدارة لا ينقطع، وقد اضطر - بعد تنامي مسؤولياته السيادية عندما أصبح بعد عام 2012 وليّا للعهد - لتفويض معظم مهامه ورئاساته في اللجان والمؤسسات الرسمية والأهلية والخيريّة الإضافية، لكنه استثنى الدارة ومركز العلامة حمد الجاسر الثقافي، كما سيرد.
توافرت له مع الدارة سبل القراءة المنظّمة والاطّلاع على ما يجّد من إصدارات تقع في دائرة اهتمامه، والتواصل المستمر مع المؤرّخين والباحثين من أمثال حمد الجاسر وعبد الله بن خميس والدكتور عبد الله العثيمين ومحمد أحمد العقيلي وعبد الرحمن الرويشد، والرجوع إليهم، والإحالة عليهم للاسترشاد برأيهم العلمي مُكوّنا معهم دوائر فكرية وثيقة وراقية.
وفي السنوات القليلة الماضية، صارت الدارة تشرف بتوجيهاته على مركزي بحوث مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتضفي على المركزين إضافة نوعية وعمقا تنسيقيّا مكّنهما من الوصول إلى أذرعة البحث الوطنية ومصادر المعلومات المتوافرة في الدارة، وجعلهما في اتّساق مع ما تقوم بها من جهود، مع إبقاء سمة الاستقلالية الإدارية لهما.

7 - أما الركن السابع في تكوينه الذهني فإنه التواصل غير المسبوق بين هذا الحاكم الإداري رجل الدولة في مثل مقامه من ناحية، وبين المثقفين من ناحية ثانية، والمتابعة الدؤوبة لما يكتب في الصحافة المحلية والعربية، لدرجة قد يستغرب المراقب معها كيف يتّسع وقته لقراءاته الفكرية مع وجود مشاغل الدنيا الرسمية والأُسرية على عاتقه. فذكر العديد من الكتّاب والإعلاميين السعوديين والعرب على مدى خمسين عاما وبكثير من الانبهار تواصله معهم عند نشر مقالاتهم والتعامل الراقي في نقد ما كتبوه سلبا أو إيجابا والتعليق عليه، وتحدث الأدباء والإعلاميون عن ذكرياتهم معه، وصفوه بأنه «الأمير القارئ والمثقّف» و«صديق الصحافة والإعلاميين» و«المؤرخ» و«صديق الكتاب». ويؤكّد المطّلع من واقع تجارب متعددة صدق هذه الألقاب، حيث إن للعشرات منهم مواقف فيها تعليق على مقال أو نظرة في كتاب أو تصحيح معلومة، في علاقة مبنيّة على المثاقفة، تبدأ باتصال ثم بمعرفة ثم بصداقة، وقد تتواصل إلى زيارة في مشفى أو مواساة في منزل، وكنت وكثيرون غيري شهودا على ما كان يضمره من احترام متساوٍ للمثقفين والأدباء ورجال الصحافة والإعلام، ومن مشاركة لأقلامهم ومقالاتهم في ردوده وتعليقاته، وفي الإدلاء بتوثيق المعلومات والأحداث، ويأتي شاهدا على حقيقة حرصه على الدقة والموضوعية أنه لم يسع في يوم من الأيام إلى تزييف المعلومات المتعلقة بسيرته وحياته.
يمتلك سلمان بن عبد العزيز على صعيد العلاقات الداخلية والخارجية - بالإضافة إلى ما تقدّم - رصيدا من الصداقات الوثيقة مع الزعماء والمفكّرين والأعيان، مع حضور ذهني متوقّد لاستعادة الذكريات التي يختزنها مع عشرات الشخصيّات.
8 - ولا بدّ من أن تُعدّ مكتبته المنزليّة الخاصة في مقدّمة مُدركات المعرفة في تكوينه الفكري، وكانت مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية نشرت في عددها الصادر بمناسبة الذكرى المئوية (يناير/ كانون الثاني، 1999) تحقيقا مصوّرا غطّى تاريخ المكتبة وحجمها ومكوّناتها من الكتب والدوريّات والوثائق والمخطوطات وأوعية المعلومات، كما تحدث التحقيق عن الطبعات الفريدة من الكتب النادرة التي تضمّها المكتبة، وعن أسلوب فهرسة عناوينها بالبطاقات على نظام «ديوي» العالمي المعروف ثم تخزينها على الحاسوب، وقد فاقت ثلاثين ألف عنوان متعددة الأجزاء والمجلّدات. وللمكتبة أمناء يتولّون متابعة حركة النشر الداخلية والخارجية، وإعداد الملخّصات والتقارير المطلوبة، وهم يرافقون الملك سلمان في تنقلاته، يمدّونه وأنجاله بما يطلبونه على مدار اليوم من مواد المكتبة أو من خارجها، في حين يحرص على الدوام على تزويد الدارة بما يقتنيه أو يُهدى أو يصل إليه من وثائق نادرة وكتب قديمة أو جديدة تقع في دائرة اختصاص الدارة، في مبادرة منه لدعم أهداف الدارة من ناحية، وليكون قدوة للمواطنين لإيداع ما لديهم من وثائق ومخطوطات ومصادر تاريخية. وقد تطرق التحقيق المنشور في مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية إلى برنامج دعم الكتب التي تطبع على نفقته، وإلى ذكر نماذج منها. والمعروف أن الملك سلمان يتمتع بسرعة القراءة والاستيعاب، ويخصص من وقته اليومي ساعات يومية محدّدة للقراءة، ولارتياد مكتبته التي تعدّ في نظر المكتبيين من أكبر المكتبات من نوعها لزعيم في العالم.

9 - وتتمثّل الركيزة التاسعة في تكوينه الذهني في رئاسته الفخرية للعديد من المراكز العلمية والثقافية والكراسي البحثية والجمعيات العلمية والمؤسسات التعليمية والجوائز التي ارتبطت باسمه، وهي - كما يبدو من أسمائها في المجمل - تعكس شخصيّته واهتماماته الثقافية، يأتي من بينها مركز العلاّمة الشيخ حمد الجاسر الثقافي، حيث لم ينقطع الملك سلمان منذ تأسيس المركز عن أن يوليه رعايته والاهتمام بحضور مناسباته وبرئاسة اجتماعات مجلس أمنائه، متذكّرا على الدوام خلال الاجتماعات ما كان يشعر به من تقدير لعلمه وآرائه، ومن اتصالات متكررة معه على بساط البحث والتنقيب التاريخي والجغرافي والأدبي، وبلغ من احترامه للشيخ الجاسر أن احتفظ الملك لنفسه حتى تاريخه بالرئاسة الفخرية لمركزه الثقافي على الرغم من مشاغله، كما سلف.
وتضم قائمة المراكز والجمعيّات وكراسي البحوث كلا من: مركزي أبحاث مكة المكرمة والمدينة المنورة، والجمعية السعودية التاريخية، وجائزته للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، ومؤسسة الرياض الخيرية للعلوم، وواحة سلمان بن عبد العزيز للعلوم، وجائزة أبحاث الإعاقة، وكرسي الدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، وكرسي دراسات تاريخ مكة المكرمة، وكرسي تاريخ المدينة المنورة.

10 - ويتصل العنصر الأخير في سلسلة هذه المُدركات المعرفية بالمشاركات والحوارات التي يحرص عليها أثناء لقاءاته بالعلماء والمثقفين وأساتذة الجامعات وطلابها، وكان من أبرز أمثلتها محاضرته في جامعة أم القرى (2008) ومحاضرته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (2011) ومحاضرته في العام التالي في جامعة الملك سعود، وما سبق هذه المحاضرات أو جاء بعدها من حوارات مما يعقده بشكل شبه أسبوعي ويعبّر فيه عن مواقف فكرية ثابتة في ذهنه، كتلك التي يستعيدها بين الحين والآخر عن مصطلح الوهابية، وعن العوامل التي أسهمت في سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية، وعن حثه على النقد البنّاء، وتشجيعه للكاتب على أن يتبنّى قضايا مدينته كما يتبنّى قضايا وطنه الكبير، وأن المطلوب ممن يكتب أن يتقصّى الحقائق، وأن تاريخ المؤسس هو تاريخ للوطن كله، وهكذا.
وإن هذه القراءة لا تكتمل دون التأمّل في الأبعاد الإنسانية في شخصيّته، وهي سمات يتناول الكتّاب تحليلها بين الحين والآخر، وأكتفي هنا باستدعاء ثلاث علامات منها؛ «الكاريزما» الرزينة، والدعابات المرحة، ولمحات الوفاء، تلك الثلاثية التي يعتمرها في قلوب المواطنين والضيوف منذ أن تبوّأ الوظيفة العامة في منتصف القرن الماضي، مما يُغبط عليه من المناقب الواضحة فيه، وحين يستذكر في لقاءاته شراكة الآباء والأجداد في الأسرة والقبيلة والبادية من أدنى البلاد إلى أقصاها في بناء الدولة، جنبا إلى جنب مع من استخلصهم والده من المستشارين العرب، في جهودهم المقدّرة للإسهام في صنع الوحدة وتأسيس الكيان.
ثم ماذا يمكن، في ضوء هذه الإضاءات العشر، أن يقال عن عامه الأول في الحكم متّكئا على استحقاقات رجل الدولة، وعلى قدراته المعرفية الخاصة التي اكتسبها خلال خمسين عاما ونيّف أميرا لمنطقة العاصمة، ثم وزيرا للدفاع، فوليّا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد صارت الثقافة والاطلاع جزءا من مؤهلاته ومكوّنات سيرته، واتّشح اسمه بالتلازم الوثيق مع مجتمع الفكر والمعرفة ومحيط الإدارة، والمشاركة الدائمة في المناسبات والندوات والمؤتمرات العلمية، والتواصل المباشر مع العلماء والأدباء والمثقفين، إلا أن تكتسي شخصيّته بملامح غير معتادة من التميّز والتفرّد بين القيادات السياسية السائدة؟
إن من يطّلع عن كثب على سيرته أميرا، لن يُفاجأ بما شهده المجتمع في اثني عشر شهرا أمضاها في سُدّة الحكم، من قرارات تُعزّز الحزم والشفافية والنزاهة والإصلاح، وتجسّد خصائصه وخبراته التراكمية من وعي بمحيطه، وفهمٍ لمجتمعه، واستيعابٍ لواقعه العربي، فلقد تفتّقت قريحته ملكا عن إصرار على تجديد كيان الدولة بدماء شابّة، وعلى تحديث بيئة القضاء والتعليم والأمن ومفاصل الإدارة والخدمات بروح وثّابة وبطاقات غير متثائبة، وعلى الإقدام في اتخاذ قرارات جريئة تحافظ على هيبة الدولة وأمن الوطن، وعلى توجّه نحو تغيير المعادلة التقليدية وموازين القوة في المنطقة، وهو ما يبشّر بالتفاؤل بإذن الله، بأن المجتمع الجديد قد صار بالفعل أمام عهد مضيء للتحوّل الوطني، نحو تنمية طموحة مبنيّة على قواعد اقتصادية متينة متنوّعة، وعلى بنيان متكامل وثيق يرتقي في جانبه المعرفي بالمكانة العلمية والفكرية للمؤسسات التعليمية وتنشيط برامجها الحوارية والثقافية والمنبرية، والعمل على تحقيق مشروع معرفي راقٍ يرتكز على مبادئ الماضي وتباشير المستقبل.
* موجز محاضرة في جامعة بيشة بمنطقة عسير جنوب السعودية (الثلاثاء 2016/1/26)



الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو
TT

الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو

في هذا الصيف، تتصاعد درجات الحرارة في عواصم القارة العجوز إلى مستويات كانت حتى وقت قريب تُعدّ استثناءً، فتنبثق من ثنايا الذاكرة تلك النصوص الأدبية الكبرى التي سبقت العلماء إلى تشخيص ما يجري، وسبقت المتنبئين الجويين إلى إدراك حقيقة ساطعة: الحرارة، حين تبلغ حدّ الجحيم، لا تُغيّر المناخ وحده، بل تُغيّر الإنسان من الداخل.

ومن أهمّ سرديات القيظ ما كتبته الروائية جورج صاند في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) عام 1870، في قرية «نوهان» الصغيرة وسط فرنسا. لم تكن صاند في رحلة، ولم تكن تكتب رواية، بل كانت تُدوّن ما تراه بعيون لا تكاد تُصدّق ما ترى. الكاتبة التي أدهشت أوروبا بإنتاجها الروائي الهائل وجرأتها الاجتماعية غير المسبوقة، وقفت أمام صيف لم تعرفه فرنسا من قبل، فكتبت في «يوميات مسافر في زمن الحرب» هذه المقاطع التي نشرتها مجلة «رفيو دو دو موند»: «صيف لم أره قط، ولم أكن أظنّه ممكناً في مناخنا المعتدل: أيام كان فيها الزئبق في الظل يرتفع إلى خمس وأربعين درجة، لا بقعة عشب، لا زهرة واحدة في مطلع يوليو (تموز)، الأشجار تصفرّ وتسقط أوراقها، والأرض المتشققة تنفتح كأنها تريد أن تبتلعنا، والفزع من نقص الماء يتعاظم يوماً بعد يوم...».

وما يجعل هذا المقطع أكثر من مجرد شهادة مناخية هو ما يليه في يومياتها: «الحديث عن عطش الفلاحين الذين لا يجدون ما يسقون به مواشيهم، عن الأوبئة التي تنتشر في المناطق الريفية، عن الحرائق التي تلتهم ما أبقت عليه الشمس».

فصاند لا تصف مشهداً طبيعياً، بل تُؤرّخ لانهيار نظام كامل: نظام الحياة الريفية الفرنسية حين تتخلى عنها السماء. وقد وصفت ذلك كله بعبارة أشدّ قسوةً من أي تقرير علمي، فهو في نظرها «مظهر من مشاهد نهاية العالم».

ولأن هذا الوصف صدر من قلم جورج صاند، ولأن فرنسا كانت تخوض في الوقت ذاته حرباً مهلكة ضد بروسيا، فإن الطبيعة والتاريخ يتشابكان في يومياتها تشابكاً يجعل القيظ يبدو عقاباً كونياً لا ظاهرة عارضة.

وبعد صاند بسبعة وسبعين عاماً، فتح ألبير كامو نافذة أخرى على الحرارة، لكنها نافذة تطلّ هذه المرة على البحر الأبيض المتوسط. ففي روايته «الغريب» الصادرة عام 1942، يرتكب مورسو جريمته على شاطئ جزائري تحت وطأة شمس لا تعرف الرحمة، وما يجعل هذا المشهد علامةً في تاريخ الرواية الحديثة هو أن الشمس ليست فيه خلفيةً موصوفة بل فاعل درامي بامتياز: فهي التي تدفع الحدث نحو ذروته، وهي التي يُحاسَب عليها البطل أمام القضاء. حيث يكتب كامو ما يلي: «بدا لي الرمل المحموم أحمر قانياً، وكنا نتقدم بخطى متساوية نحو العرب، وكانت المسافة الفاصلة بيننا تتقلّص باطراد..» في هذا المقطع الموجز يختزل كامو فلسفةً بأكملها.

فيكتور جيستان

فالشمس ليست رمزاً يُقرأ من خارج النص، بل حضور شبه جسدي، كائن ذو إرادة، وهذا ما يجعل مورسو ضحيةً قبل أن يكون جانياً. وحين تسأله المحكمة لماذا أطلق النار؟ يُجيب في لحظة صدق: «بسبب الشمس». والجواب طبعاً هراءٌ في منطق القانون، لكنه يحمل عمق الحقيقة في فلسفة كامو: العالم لا يُفسَّر، والحرارة لا تُحاكَم. وفي مجموعته التأملية «أعراس» التي أصدرها عام 1936، يمنحنا كامو الوجه الآخر لهذه الشمس ذاتها: «الشمس الجزائرية التي تبسط الإنسان على الأرض وتجعله يشعر بأنه جزء من شيء أكبر منه، حرارة تصالح لا حرارة تقتل». وبين الكتابين يقيم كامو على حدّ السكين: فالشمس يمكن أن تكون نعمة ويمكن أن تكون لعنة، وما الذي يُقرّر أيّهما هي؟ الإنسان نفسه، في لحظة اختياره الكبرى.

أما لويس فرديناند سيلين، فقد اختار للحرارة وجهاً لا مراوغة فيه ولا شاعرية. ففي ملحمته الروائية «السفر إلى آخر الليل» الصادرة عام 1932، تسكن الحرارة النص منذ أولى صفحاته: باريس تخلو من بشرها في يوم صيفي «بسبب الحرارة»، وفي هذه الجملة العابرة يُقيم سيلين برنامجه السردي بأكمله.

فالحرارة عنده ليست موضوعاً يُعالَج، بل بيئة تُصنع داخلها الكوارث. وحين يصف بطله فيردينان بارداموا تجربته في أفريقيا الاستعمارية، يصنّف الحرارة المدارية بين أعداء الحياة الكبار، بكلمات قاطعة وجافَّة تُعدّد العذابات دون أن تطلب تعاطفاً. وفي «موت بالتقسيط» الصادر عام 1936، يذهب سيلين خطوةً أبعد نحو رؤية الجسد البشري كمادة قابلة للاحتراق.

جورج صاند

فالحرارة عنده لا تُؤرَّخ ولا تُحلَّل فلسفياً، بل تُعاش على مستوى الأحشاء، وتُترجَم في لغة خشنة لاهثة تبدو في ذاتها منسوجةً تحت شمس لا تعرف الرأفة. وما يُميّز سيلين عن صاند وكامو هو أنه يُجرّد الحرارة من أي بُعد شاعري: فعنده هي سجنٌ إضافي يُضاف إلى سجون الفقر والحرب والمرض، تلك السجون التي يتحمّلها صغار الناس دون أن يُسمع لهم صراخ.

وفي المشهد الأدبي الفرنسي المعاصر، يأتي فيكتور جيستان ليُثبت أن هذا التقليد لم يختفِ، بل تجدّد وتعمّق. ففي روايته «الحرارة» الصادرة عام 2019 عن دار نشر «فلاماريون»، والتي لاقت استحسان النقاد ورُشّحت لعدة جوائز، يضع بطله الشاب «ليونار» في مخيم صيفي شاطئي يعجّ بالأجساد والضجيج. هناك يكتشف جسداً ميتاً ويُقرّر، في لحظة ذعر صامت إخفاء ما رأى.

والحرارة في هذه الرواية ليست ديكوراً بل طاقة خام تُذيب الحدود بين المسموح والمحظور، بين ما نفعله وما نُقرّ بفعله. إذ قال جيستان، في أحد حواراته، إن غايته كانت «جعل الاختناق الأخلاقي يمرّ عبر الجسد»، بحيث تفضح الحرارة ما يعجز الوعي عن تسميته.

وهنا تلتقي روايته مع السلسلة الأدبية الكاملة التي سبقته: فمن يوميات صاند إلى رواية كامو إلى ملحمة سيلين، يوجد وعيٌ مشترك عميق بأن الصيف المحترق ليس فصلاً في التقويم بل اختبارا وجودي؛ مساحة تسقط فيها الحواجز المصطنعة، وينكشف فيها الإنسان على حقيقته، مشرِّفة كانت أم مُخزية.

ولعلّ ما يجعل هذه النصوص مجتمعةً أكثر من مجرد أعمال تجمعها صدفة موضوع، هو أنها تُقدّم، كلٌّ في طريقتها، إجابةً عن سؤال يطرحه اليوم المناخيون والفلاسفة والمواطنون العاديون على حدٍّ سواء: ما الذي يفعله القيظ بالروح البشرية؟

وصفت جورج صاند القيظ الذي طال فرنسا عام 1870 بأنه «نهاية العالم»، وجعل كامو الشمس شاهدةً على جريمة


معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية
TT

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة: شعراء يصغون إلى ارتعاشات اللغة، مدجّجين بأدوات النقد الأدبي، أو نقاد تعايشوا مع الشعر تطبيقياً ونظرياً. عند هذي التخوم، يقف فاضل السلطاني، في كتابه «الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة عند تجارب أربعة شعراء معاصرين - دار التكوين عام 2025»، مستنداً إلى كونه شاعراً وناقداً، ليتولى، مُجلياً، ذلك الربط الصعيب.

في صفحات الكتاب تغدو القصيدة أبعد بكثير من بناء لغوي أو ممارسة جمالية، فكأنها أداة معرفة، ونهج في مجابهة العالم، ووليمة فكرية.

يقرأ السلطاني ديريك والكوت (1930 - 2017) - شاعر ومسرحي من سانت لوسيا/ الكاريبي، حائز «نوبل» في الأدب لعام 1992، وبيرناردين إيفارستو (مواليد 1959) - كاتبة وأكاديمية بريطانية من أصل نيجيري تُوجِّت بجائزة بوكر الدولية لعام 2019 -، ولي هاروود (1939 - 2015) - شاعر بريطاني بارز -، وفرانك أوهارا (1926 - 1966) - شاعر وناقد فني أميركي من أبرز أقطاب «مدرسة نيويورك» - بوصفهم شعراء يقفون عند مفارق حضارية متوترة: استعمار ترك أثره في اللغة والاسم والأجساد، وحداثة زعزعت المكان والزمان، وما بعد حداثة دفعت اليومي الصغير إلى واجهة المعنى.

قيمة المقالات الثلاث التي يضمها الكتاب متأتية من قدرتها على تحويل الشعر إلى مختبر فلسفي بكل ما في الكلمة من معنى. فالسلطاني يتعامل مع النصوص الشعرية بوصفها وقائع فكرية حية، تكشف عن اشتباك الذات الهشّة مع قوى هائلة: الإمبراطورية، والذاكرة، والمدينة، والفضاء، والجسد، والأشياء. ولذلك تأتي قراءته أقرب إلى إقامة طويلة داخل القصيدة، متنقلاً بين النظرية والتأويل، وبين باشلار ولوفيفر ودورين ماسي، وبين ما بعد الاستعمار وجماليات المكان، وبين تحولات اللغة وأسئلة الذات. هذا الاشتغال يمنح الكتاب إيقاعاً معرفياً خاصاً يساءل الشعر من داخله، وفي الوقت نفسه يفتحه مشرعاً على حقول التاريخ، والفلسفة، والاجتماع، والجماليات.

في الفصل الأول، يقارب السلطاني ملحمة «أوميروس» لوالكوت ورواية «لارا» الشعرية لإيفارستو من زاوية الهوية الهجينة التي تتخلق في صدام الأعراق والتواريخ واللغات. عند إيفارستو، تتحرَّك الذات داخل ذاكرة عائلية ممتدة، تبحث عن جذورها بين بريطانيا ونيجيريا وأوروبا والبرازيل، وتعيد بناء نفسها عبر الإنصات إلى سلسلة الأسلاف. الهوية لديها عمل ترميمي، وشخصي، وحميم، ينطلق من الجرح الأسري كي يبلغ معنى اجتماعياً أوسع، فالذات الهجينة تئن تحت حاجتها إلى أن ترى نفسها في مرآة ماضيها، وأن تمنح تشتتها شكلاً قابلاً للسرد.

أما والكوت فيذهب أبعد في معركته ليقف أمام الفكرة الأوروبية عن التاريخ، ويعيد مساءلتها من موقع كاريبي تشكّل من الرّكام، والاقتلاع، والعبودية، والهجرات، وتداخل الأعراق. شخصياته تتحرَّك بين الجزر وأفريقيا وأوروبا وأميركا، وتبحث عن اسم ضائع، وجذور مقطوعة، ومعنى يمنح الوجود شرعية روحية. في قراءة السلطاني، تصبح الذاكرة عند والكوت مجالاً لإعادة بناء ما هشمه التاريخ، ووسيلة لاسترداد الذات من قبضة السرديّة الاستعمارية. العبارة المكثفة التي يلتقطها الكتاب، حين يصير أخيل «ذاكرته»، تزيح النقاب عن جوهر هذه الرؤية للإنسان ليس بوصفه كتلة بيولوجية تمشي في الحاضر، بل بوصفه تاريخاً مستعاداً، واسماً مسترداً، وجرحاً عميقاً ينقلب وعياً.

تتقاطع مقالات الكتاب على رؤية الهوية كمادة جدلية وعملية مستمرة. فهي عند هؤلاء الشعراء معبر، ومواجهة، وتفاعل دائم بين الذاكرة والحاضر، وبين الأصل والتحول، وبين الذات كما تراها نفسها والذات كما صاغها الآخر، فلا تظهر كجوهر صاف مغلق، وإنما كطاقة تشكّل دائمة، تولد من الاختلاط، وتتغذى على التوتر، وتكبر في الاشتباك. وتلك واحدة من أهم نقاط قوة قراءة السلطاني الذي يبتعد عن الرثاء السهل لفكرة الجذر المفقود، ويتجه إلى فهم الجذر بوصفه حركة، وبحثاً، ووعياً يكتسب نضجه من قدرته على حمل التناقض.

في الفصل الثاني، ينتقل الكتاب إلى تجربة هاروود عبر ثنائية «المكان والفضاء»، الذي يقرأه الكاتب بوصفه شاعراً تتحرك قصيدته بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والدّاخل والخارج. المكان في بدايات هذا الشاعر الذي ارتبط بحركة إحياء الشعر البريطاني وتأثر بمدرسة نيويورك يبدو حسياً، ملموساً، مشبعاً بالأشياء والمشاهد، ثم يتطور تدريجياً إلى فضاء ذهني، حيث تصبح القصيدة ميداناً لتجربة أكثر تعقيداً: عن كيف يسكن الإنسان العالم، وكيف يتحوَّل البيت إلى ذاكرة، وكيف ينتج المجتمع فضاءه، وكيف تكشف المدينة الحديثة عن اغترابها حين تهدم معالمها وتعيد تشكيل الناس وفق منطق القوة والرأسمال.

استدعاء السلطاني لباشلار ولوفيفر وماسي يمنح هذا الفصل عمقاً استثنائياً. فالمكان عند باشلار مأوى للخيال والذاكرة، والفضاء عند لوفيفر نتاج اجتماعي وسياسي، وعند ماسي مجال مفتوح لتزامن القصص وتعددها. عبر هذه الإضاءات، لا تعود قصيدة هاروود وصفاً لمنظر أو انتقالاً بين مدن بقدر ما هي اختبار لعلاقة الإنسان بما حوله. فحين يستقر الشاعر في الريف بعد تقلب عبر المنافي القلقة، يصبح المكان مصالحة داخلية، فتتراجع أشباح الغربة، وتتبلسم جروح الترحال، وتتدفق رغبة عميقة في أن يكون الإنسان هناك، في جسد واحد، وعينين في علاقة توحد مع التراب والضوء والحقول. عند هذه اللحظة، يقترب الشعر من درجة الحكمة الهادئة: الوجود يحتاج إلى مكان يصدّقه، والمكان يحتاج إلى لغة تجعله مأهولاً بالمعنى.

أما الفصل الثالث، المخصص لأوهارا، فيمثل ذروة أخرى في الكتاب تنقل التأمل من قضايا الهوية والمكان إلى جماليات اليومي والأشياء الصغيرة. السلطاني يقرأ الشاعر الأميركي خارج التصنيف المريح والمباشر الذي يحصره في مدرسة نيويورك، ويمنحه خصوصيته بوصفه مبدعاً اقترف جريمة جعل الحياة اليومية مادة شعرية كاملة. فنجان القهوة، والشوارع، والشطائر، وأضواء النيون، ووجبة الغداء، والوجوه العابرة، والجريدة اليومية، والأشياء التي تبدو عادية جداً، كلها تدخل عند أوهارا في نسيج القصيدة بوصفها إشارات إلى امتلاء العالم. إنّه يتجرأ على أن يهبط بالشعر إلى الشارع كي يرفعه من جديد إلى مستوى الوجود، وفي ذلك لا يقوم بتجميل العادي، وإنما يستدعي طاقته الداخلية. الأشياء في شعره لا تحتاج إلى نبل خارجي كي تصير مادّة شعريّة، إذ حضورها الفيزيائي نفسه يحمل دلالة، وصلابتها اليومية تمنحها قدرة على مقاومة الفراغ. وهكذا تتأسس «جماليات الأشياء الصغيرة» التي يحتفي بها السلطاني: الشعر قادر على أن يمكن القارئ من رؤية ما اعتاد الآخرون تجاوزه، وأن يعيد إلى العين دهشتها الأولى. في هذه الرؤية، يصبح اليومي ميداناً فلسفياً، والتفاصيل العابرة علامات على وحدة الحياة والموت، والسرعة وهدوء التأمل، والمدينة والفرد، والعادي والرفيع السامي.

اللافت في الكتاب أنَّ السلطاني يتعامل مع الشعراء الأربعة بتجاربهم المتباعدة كأسماء متجاورة ومسارات متداخلة في سؤال واحد: كيف يستطيع الشعر أن يقارع العالم ويفهمه؟ والكوت وإيفارستو يبارزان التاريخ من جانب الذاكرة والهوية، وهاروود يشتبك مع الاغتراب على جبهة المكان والفضاء، بينما أوهارا يحارب البلادة الحديثة من بوابة الأشياء الصغيرة وإيقاع الحياة اليومية. وفي كل حالة، تتحوَّل القصيدة إلى وسيلة مقاومة معرفية تعيد تنظيم الحساسية الإنسانية تجاه تجربة العيش برمتها.

تقرأ الكتاب فتحضر في الذهن فكرة الشعر كوليمة تنعش القلب: تجربة مشاركة، وتذوق، وإصغاء، وانفتاح على طبقات متعددة من المعنى. كتاب يقدِّم الشعر بهذه الروح، كمائدة تغص بما لذّ وطاب من عناقيد التاريخ والفلسفة والذاكرة والجمال، لا شكّ يغري بالتورط في علاقة أكثر عمقاً مع الأدب. فالقصيدة الجيدة، كما توحي النصوص الثلاثة، تمنح قارءها زاداً فكرياً وروحياً في آن، لأنها تعطي الألم شكلاً، والضياع اتجاهاً، والتفاصيل العابرة مقاماً في الوعي.

تتمظهر قوة المراجعة النقدية لدى السلطاني في ميلها إلى التوازن. فهو يشتبك مع الحداثة وما بعدها والإرث الكولونيالي ونظريات المكان واللغة، من موقع يقظ يبتعد عن الانفعال الآيديولوجي الجاهز، فلا يختزل الشعر في السياسة أو يفصله عن التاريخ، ويضعه، في المقابل، قيد منطقة أكثر خصوبة، يكون الفعل الجمالي فيها ممراً لإدراك العالم. وهذا ما يجعل الكتاب جديراً بالقراءة، إذ يعبر بالشعراء وعملهم من صرامة التحليل النقدي الأكاديميّ إلى فضاء تصبح فيه القصيدة تجربة إنسانية كاملة، تواجه الكسر، وتستعيد المعنى، وتؤسس للإنسان قدرة أوسع على تجرّع غموض المصير، وقلق الوجود.

«الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة» قراءة عميقة في الشعر بوصفه فناً للنجاة المعرفية. فالهوية فيه ليست معطى نهائياً، والمكان ليس خلفية محايدة، واليومي ليس سطحاً فارغاً، وكل شيء يتحول داخل القصيدة إلى سؤال: الاسم، والبيت، والمدينة، والعبودية، والمنفى، وأضواء الطرقات، وعلبة القهوة، والبحر، والذاكرة. بهذا الاتساع، وبهذه الجرأة، يصبح الشعر ساحة لمواجهة العالم عبر فهمه، ووسيلة لإعادة بناء الذات وسط العنف التاريخي وتحولات الأزمنة.


هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

الفنان في مرسمه
الفنان في مرسمه
TT

هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

الفنان في مرسمه
الفنان في مرسمه

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً. وليس متوقعاً أن تكون لوحات تلك المرحلة مدهشة وذات قيمة فنية عالية. لكن تجربة هورفن أندرسون الذي ولد عام 1965 في برمنغهام البريطانية في عائلة مهاجرة من جامايكا تبطل تلك الشكوك من خلال إزاحة ذلك المكان من موقعه الواقعي لتصنع منه عالماً يتجرد من غاياته العملية ويكون بمثابة مسرح يُعاد رسمه بنية استكشاف أنماط مختلفة من الرسم، يتنقل الرسام من خلالها بين التشخيص والتجريد مندفعاً بقوة في اتجاه رسم الموضوعات التقليدية كالطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية والبورتريه. منذ عام 2006 رسم هورفن أندرسون عشرات اللوحات التي صور من خلالها محل الحلاقة، بل إنه أقام معرضاً بعنوان «لوحات الصالون» متخذاً من ذلك المشهد العادي وسيلة للتنقيب في الذاكرة الكاريبية بحثاً عن عناصر الهوية التي تصلح أن تكون معياراً للانتماء الوطني.

انطلق أندرسون في تلك السلسلة من واقعة عاشها في طفولته ورافقته باعتبارها مؤشراً على الاختلاف في الهوية والانتماء. فلأن الحلاقين البيض في بريطانيا كانوا يترددون في قصّ شعر السود كان المهاجرون الكاريبيون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يقصّون شعر بعضهم بعضاً في المنازل. ذلك ما جعله ينظر إلى صالون الحلاقة المؤقت الذي كان والده يتردد عليه باعتباره الفضاء الذي يعيده إلى بيته الحقيقي الذي يقع في مكان بعيد. سيكون من الخطأ النظر إلى رسوم تلك المرحلة الأساسية في تجربة الرسام الذي رُشح عام 2017 لنيل جائزة تيرنر من جهة وصفية. فالجمالية القلقة وغير المستقرة تكشف عن نزعة الرسام في الانضمام إلى ذلك العالم باعتباره زبوناً ولكنه الزبون الذي يعتبر حضوره هناك علامة اختلافه. يعيده الصالون إلى البيت وهو بيت قد يكون متخيلاً غير أنه قد يكون موجوداً هناك، في جامايكا.

عالم وهمي يقيم على ضفتين

يضم المعرض الذي يقيمه تيت بريتان لهورفن أندرسون أكثر من 80 لوحة وهو أشبه بمعرض استعادي يغطي مسيرته الفنية بأكملها، من أيام دراسته وحتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل. في المعرض يكشف أندرسون عن انخراطه العميق في تقاليد الرسم البريطاني للمناظر الطبيعية. غير أن ذلك لا يتعارض مع استعادته لصور أفراد عائلته وتجارب من شبابه وأماكن ذات أهمية شخصية وثقافية مثل صالون الحلاقة. ومن خلال إعادة النظر في عناصر معينة وأحياناً دمج موقع مع آخر، يتناول أندرسون عدم موثوقية الذاكرة والتوتر المحيط بالتراث الثقافي.

بطريقة أو بأخرى يضفي نقاد الفن على رسوم أندرسون طابعاً تجريدياً. في عدد من لوحاته رسم صالون الحلاقة من غير زبائن فبدا كما لو أنه قد رسم حياة صامتة. المرايا فيها تستدعي عالماً وهمياً. وهو عالم غني بالألوان. بالنسبة للفنان يشكل ذلك العالم فضاء يصل الانتماء بالشتات. «لقد ولدت هنا كما لو أنني ولدت هناك» بين بريطانيا والكاريبي هناك مسافة جمال متشنج يحتمل في الوقت نفسه عدم التوافق. تلك مسافة يمكن التحقق منها تجريدياً. يرسم هورفن أندرسون بقوة انتمائه إلى مكانين. كل واحد منهما يلقنه لغة مختلفة. قد يبدو حكماً جاهزاً إذا ما قلنا إن الفنان الذي صارت أعماله منذ أكثر من عشر سنوات تُباع في المزادات بملايين الجنيهات الإسترلينية يوزع اهتمامه من خلال موضوعاته بين الانتماء والشتات. ذلك حكم سريع ومبتسر لا يخلص إلى روح التجربة الفنية.

صحيح أن أندرسون وُلد في بريطانيا وصحيح أن طريقته في الرسم متصلة بتقاليد الرسم البريطاني فهو في عدد من أعماله يقف قريباً من تجربة الفنان الراحل ديفيد هوكني على سبيل المثال غير أن الصحيح أيضاً هو أن فنه يطرح أسئلة وجودية متوترة لا تخص هوية المكان وحده، بل وأيضا هوية بشر، يفكرون بلغة ويحلمون بلغة أخرى. هوية لا يمنع الواقع بصلابته تمركز أطياف أسطورية فيها.

تلك الكرة هي قمر سقط من السماء

«عادةً ما تُركّز لوحاته على حالة مزاجية مُعينة أو وقت مُحدد من اليوم أو زاوية مُعينة أو منزل مُعين. ولكن يبقى دائماً حاضراً التفكير في مكان آخر». تقول الناقدة هايس مور. ذلك يعني أن طابعاً رمزياً يخترق لوحات أندرسون من الداخل كما لو أن هناك صوتاً يُسمع بلغة أخرى ليوسع من حدود التجربة البصرية. ما تراه بشكل مباشر ليس هو الحقيقة كلها. هناك حقائق غاطسة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق التأمل المفعم بالأسئلة.

في لوحته «مراقبة الكرة» التي تعود لعام 1997 تقف مجموعة من الصبية على رقعة عشبية بجوار بحيرة. السماء زرقاء ضبابية والماء فيروزي زاهٍ. يتناقض اللون الأخضر أسفلهم وهم يديرون ظهورهم للمشاهد مع الحصى الداكن خلفهم مما يعزلهم فيما يشبه جزيرة استوائية خاصة بهم. ذلك مشهد سيعود أندرسون إليه في لوحات أخرى بعد أكثر من عشر سنين في محاولة منه لتحويل صورة فوتوغرافية التقطها عام 1983 في حديقة هاندسوورث المهملة في برمنغهام إلى رؤية مشحونة عاطفياً لمدينته الأم ومنطقة الكاريبي، موطن عائلته الأصلي. في واحدة من تلك اللوحات التي يعود تاريخ رسمها إلى سنة (2010) يسترجع الرسام المشهد نفسه غير أن أشجار الكاريبي تهيمن هذه المرة على الأفق وقد خفت بريقها المعتاد بفعل درجات اللون الرمادي. يقترح الرسام هنا معادلة صعبة غير أنها محتملة على المستوى النفسي. أن يرى المرء مكاناً فيما يذهب خياله إلى مكان آخر.

يعلق أندرسون على تلك التجربة «بسبب موقع الكرة في منتصف الصورة، وسط البركة بدا وكأن القمر قد سقط من السماء» لا يخرج الرسام في تصوره بعيداً عن مفهوم الصورة باعتبارها لعبة ذهنية. ما لا تراه العين المباشرة منها تقوم الذاكرة بتخزينه لكي يُعاد إنتاجه في أوقات لاحقة. ببساطة يمكن القول إن هورفين أندرسون يتنقل بخفة بين شواطئ الأطلسي والكاريبي. ذلك ما برع في فعله.

المعرض يغطي مسيرة أندرسون بأكملها من أيام دراسته حتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل

الحنين إلى مكان جرى تدميره

يقول هورفن أندرسون: «أحاول فهم عصرنا». الرسام الذي يُقدم اليوم باعتباره واحداً من أهم الرسامين البريطانيين يضع مفهوم العصر تحت مطرقة تأويل ملتبس. ففي تعليقه على لوحاته القديمة التي سعى من خلالها لتجسيد مهاراته في تجسيد قدرته على هضم عناصر التقليد الفني البريطاني قال: «كنت دائماً في الخارج» وهو ما يمكن فهمه على نحو مزدوج، أي خارج صالون الحلاقة الذي يضم رجالاً سود البشرة وخارج الذات التي ورثت الذكريات لا باعتبارها عقيدة اختلاف حسب، بل وأيضاً كونها تمثل مزاجاً يحلق بحساسية جمالية لا تحتويها تقاليد الرسم المتاحة.

يُعرف أندرسون في المقام الأول رسام مناظر طبيعية وغالباً ما يصوّر منطقة الكاريبي وبريطانيا كما لو أن إحداهما تكمل الأخرى وليس الشيء نفسه. جزء أساس من عالمه إنما يكمن في التلويح بضياعه. ذلك شعورٌ يُمكن أن يتفهمه المهاجرون من غير أن يربك سعيهم في اتجاه الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة. يصف أندرسون أعماله بأنها تدور حول «السفر». ولكنها تسمية مضللة تنطوي على إخفاء المعنى الحقيقي من أجل أن يكون ككل شيء مريحاً. ولكن الحقيقة لا تقف عند حدود الهجرة الجسدية بكل ما تحمله من أعباء نفسية ثقيلة، بل تتعداها إلى تاريخ العبودية الذي لم يكن أندرسون جزءاً من مخلفاته غير أن ملامح ذلك التاريخ بسبب عمق معانيه تنطبع بقوة على سلوك أفراد لم يكونوا من ضحاياه. تنفعنا رسوم هورفن أندرسون في فهم علاقة المهاجر بتراثه الثقافي الذي هو بالنسبة للرسام ليس مجموعة الرموز والعلامات التشكيلية ولا تقاليد الصناعات الشعبية، بل هو ذلك الإنسان المقتلع الذي يحن إلى مكان جرى تدميره.