الرئيس هولاند: الدول الخليجية تستطيع الاعتماد على فرنسا.. وعلى إيران خفض التوتر

فابيوس: سنمدد الطوارئ حتى التخلص من «داعش» * وزير الدفاع: قضينا على 22 ألف مقاتل خلال 18 شهرًا

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال مخاطبته أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال مخاطبته أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في باريس (إ.ب.أ)
TT

الرئيس هولاند: الدول الخليجية تستطيع الاعتماد على فرنسا.. وعلى إيران خفض التوتر

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال مخاطبته أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال مخاطبته أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في باريس (إ.ب.أ)

قال الرئيس الفرنسي إن عودة إيران إلى المشهد الدولي بعد الاتفاق النووي «مرتبطة بإيران نفسها» التي «يتعين عليها أن تأتي بالبرهان على رغبتها» في الانخراط مجددا في المجتمع الدولي، في إشارة إلى ما ينتظر منها في تطبيق أمين للاتفاق ودروها في خفض نسبة التوتر في الأزمات الإقليمية التي لها علاقة، كما في سوريا والعراق ولبنان واليمن.
بيد أن هولاند حرص على التأكيد على أن انفتاح فرنسا على إيران التي يزور رئيسها حسن روحاني باريس في 27 و28 الشهر الحالي، لن يكون على حساب علاقاتها مع البلدان الخليجية. ودعا هولاند إلى «خفض التوتر» في منطقة الخليج التي تعاني من تصاعده بين المملكة السعودية وإيران، معتبرا ذلك «أمرا ضروريا ولا مفر منه». ولم يتحدث الرئيس الفرنسي عن «وساطة» بين البلدين. إلا أنه بالمقابل، عرض خدمات بلاده التي «تتميز بوضع فريد وهو قدرتها على التحدث إلى الجميع». وسعيا منه لدفع أي سوء تفسير، أعاد هولاند التذكير بأنه كان «ضيف الشرف» لمجلس التعاون الخليجي العام الماضي عند التئامه في الرياض، مشددا على أن «شركاء فرنسا يستطيعون الاعتماد عليها وهم يعرفون ذلك»، مضيفا أنه «يسعى لأفضل العلاقات» مع بلدان الخليج. وبحسب المصادر الرئاسية، فإن باريس «بصدد إيصال عدد من رسائل» إلى الطرفين، لأن ذلك «ضروري للغاية إذا أردنا أن نجد مخارج وحلولا سياسية للبؤر المشتعلة في المنطقة»، ومنها، إلى جانب الملف السوري - العراقي والحرب على الإرهاب والنزاع في اليمن، الفراغ الرئاسي في لبنان.
وتعول باريس على أن تلعب طهران دورا إيجابيا في مرحلة ما بعد التوقيع على الاتفاق النووي خصوصا في الملف السوري. بيد أن مصادر رئاسية أفادت أن هذا التوجه «لم ير النور حتى الآن» وأن باريس «ما زالت تنتظر». وإذ أعلن هولاند أنه سيزور مصر والأردن وسلطنة عمان «قريبا»، أفادت المصادر الرئاسية أن هذه الزيارة ستتم في شهر أبريل (نيسان) القادم. وعلمت «الشرق الأوسط» أن جولة هولاند ستبدأ في 16 أبريل من القاهرة. وبحسب الإليزيه، فإن زيارة لبنان ليست على أجندة الرئيس الفرنسي. لكن زيارة كهذه «ممكنة إذا تبين أنها ستكون مفيدة»، أي أن تساهم في ملء الفراغ وإخراج لبنان من أزمته الرئاسية التي تتواصل منذ مايو (أيار) 2014، وسيكون موضوع التوتر في الخليج على رأس المواضيع التي سيبحثها هولاند مع الرئيس روحاني خلال زيارته الأسبوع القادم إلى باريس.
وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسي في إطار كلمته التقليدية يوم الخميس أمام السلك الدبلوماسي المعتمد في باريس. وقد احتل الملف الإرهابي وتشعباته في سوريا والعراق وليبيا وبلدان الساحل وتداعياته في فرنسا وأوروبا حيزا واسعا في الكلمة الرئاسية، إضافة إلى التحديات التي تواجهها أوروبا من استفحال موضوع الهجرة واللجوء الكثيف إليها، ناهيك عن الصعوبات الاقتصادية والمخاطر المرتبطة باحتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وفي الملف الإرهابي، أكد هولاند أن فرنسا «ستتحمل كافة مسؤولياته في العمل من أجل السلام ومحاربة الإرهاب لأن هذا هو دورها وقدرها أن تكون في المقدمة وأن تقوم بما لا يستطيع الآخرون القيام به»، مضيفا أن بلاده «ليست عدوة لأي شعب أو ديانة أو حضارة لكن لها عدو واحد هو الإرهاب الذي يتلطى بالدين لتلطيخ اسمه، إذ إن غرضه الوحيد هو التدمير»، في إشارة إلى «داعش» الذي تبنى العمليات الإرهابية الأخيرة التي ضربت باريس. ومنذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، يؤكد هولاند في كل مناسبة أن باريس في «حالة حرب ضد الإرهاب» في الداخل والخارج، وأن غرضها في الخارج «تدمير داعش في معاقله وتمدداته». وبعد تمديد حالة الطوارئ مرة أولى في فرنسا حتى نهاية فبراير (شباط) القادم، تعد الحكومة مشروعا جديدا لمد العمل بحالة الطوارئ لثلاثة أشهر إضافية، بحجة أن التهديد الإرهابي «ما زال في مستواه المرتفع جدا». وينتظر أن يبدأ مجلسا النواب والشيوخ في بداية الشهر القادم البحث في مشروع قانون التعديل الدستوري الذي تقدمت به الحكومة والذي أبرز مضامينه نزع الجنسية عن الفرنسيين مزدوجي الجنسية حتى وإن كانوا ولدوا على الأراضي الفرنسية. ويثير هذا المشروع جدلا كبيرا حتى داخل اليسار والحزب الاشتراكي اللذين تتشكل منهما الأكثرية الحاكمة.
لكن رئيس الحكومة مانويل فالس أثار أمس جدلا قويا، إذ قال في مقابلة صحافية مع «بي بي سي» إن باريس «ستبقي على حالة الطوارئ طالما بقي التهديد الإرهابي وحتى نستطيع التخلص من داعش»، مضيفا أن باستطاعة الحكومة أن تلجأ إلى استخدام «كافة الوسائل لمحاربته». لكن مكتب فالس قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد ظهر أمس إن الحكومة «لا تنوي أبدا» مد حالة الطوارئ إلى ما لا نهاية.
رسم هولاند سريعا صورة لـ«قوس الأزمات»، حيث يضرب الإرهاب من إندونيسيا إلى بوركينا فاسو مرورا بباكستان وأفغانستان وبلدان الشرق الأوسط وصولا إلى بلدان الساحل وشرق أفريقيا وغربها. وشدد هولاند على التهديد الإرهابي في بلدان الساحل وأفريقيا حيث لفرنسا نفوذ تقليدي، وحيث أعادت نشر قواتها في بلدان الساحل من أجل محاربة الإرهاب أكان ذلك في مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو وحتى نيجيريا. ورأى الرئيس الفرنسي أن العمليات الإرهابي الأخيرة في بلدان الساحل وتحديدا في مالي وبوركينا فاسو «تبرر» حضور فرنسا العسكري، في إطار ما يسمى «عملية بركان».
من جانبه، قال وزير الدفاع جان إيف لو دريان أمس للقناة الإخبارية «فرانس 24» إن ضربات التحالف في سوريا والعراق قضت على 22 ألف متشدد من «داعش» منذ بدئها في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2014، أما وزير الخارجية الأميركي جون كيري فقد أكد أن «داعش» خسرت 40 في المائة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في العراق ونحو 20 إلى 30 من مجمل الأراضي التي كانت تحت هيمنتها في سوريا والعراق. وبحسب لو دريان فإن «داعش» «أصبح في وضع هش»، وهو ما توصل إليه وزراء الدفاع لأكبر سبع دول مساهمة في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. وفي هذا الإطار، أعلن هولاند أن «وتيرة العمليات ستتسارع» وأن فرنسا «تؤدي دورها كاملا فيها»، مضيفا أن الاستراتيجية التي تم التأكيد عليها في الاجتماع المذكور «تمر عبر تحرير مدينتي الرقة في سوريا والموصل في العراق، لأن هناك تقع مراكز قيادة (تنظيم) الدولة الإسلامية». وأشار إلى «التأكيد مجددا إلى رغبتنا (...) في تقديم دعمنا للقوات العربية والكردية التي تقاتل (داعش) على الأرض»، إذ إن ذلك، في نظره، «ضروري أن أردنا تحرير الرقة والموصل وكافة الأراضي السورية والعراقية» التي سقطت بأيدي التنظيم.
بيد أن الإرهاب يضرب كذلك أفريقيا، ولعل أبرز دليل على ذلك ما عرفته واغادوغو وقبلها باماكو من أعمال إرهابية، وما تعاني منه ليبيا التي وصل إليها تنظيم داعش ويسعى للتمدد فيها. وقال هولاند إن «الإرهاب يدمي أفريقيا»، متوقفا عند ليبيا «حيث وجد الإرهاب معقلا له»، مستفيدا، وفق ما قال، من «الفوضى الضاربة» في هذا البلد. واعتبر الرئيس الفرنسي تشكيل حكومة اتحاد وطني «خطوة حاسمة» لخروجه من وضعه الحالي، شرط أن يوافق البرلمان الليبي على الحكومة الجديدة. وأشار هولاند لاستعداد فرنسا للمساهمة في «مساعدة الحكومة الجديدة وتحديدا تأهيل الكوادر والقوى الأمنية لأن في ذلك مصلحة لليبيا ولأفريقيا ولأوروبا أيضا». وقالت مصادر رئاسية بعد خطاب هولاند إن باريس «ستكون جاهزة عندما يصبح لنا في طرابلس محاور وحيد»، مستبعدا، في المرحلة الراهنة الحديث عن القيام بعمليات عسكرية في ليبيا. بيد أنه ربط أي عمل عسكري مستقبلي قد يحصل في ليبيا بأن يأتي في إطار القانون الدولي وبطبيعة الحال، بموافقة وطلب السلطات الليبية الشرعية، أي حكومة الوحدة الوطنية الجديدة. واعتبرت هذه المصادر أن ليبيا مرشحة لاستقبال المزيد من المتشددين «لأن هناك نوعا من الأوعية المتصلة» بين ما يحصل في سوريا - العراق وما يحصل في ليبيا، حيث إن زيادة الضغط العسكري على «داعش» في سوريا - العراق تدفع بالمتشددين للتوجه إلى ليبيا.



البندقية تستعد لاحتجاجات مع وصول السفير الأميركي على يخت فاخر

اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
TT

البندقية تستعد لاحتجاجات مع وصول السفير الأميركي على يخت فاخر

اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)

وصل السفير الأميركي لدى إيطاليا تيلمان فيرتيتا، الجمعة، إلى بحيرة البندقية على يخته الفاخر، مما أثار احتجاجات ضد سياسات الرئيس دونالد ترمب وتدابير أمنية مشددة في الوقت الذي تستعد فيه المدينة لإقامة أحد أهم مهرجاناتها.

ويقوم فيرتيتا، وهو رجل أعمال ملياردير عينه ترمب، بجولة في شبه الجزيرة الإيطالية على متن يخته «بوردووك» الذي يبلغ طوله 117 متراً في إطار جولة الحرية 250 للدبلوماسية الساحلية التي تحيي ذكرى مرور 250 عاماً لاستقلال الولايات المتحدة.

وبمرافقة زورق قطر، رسا اليخت الأبيض اللامع ببطء عند ممشى ريفا دي سيتي مارتيري الواسع على الواجهة البحرية، والذي يبعد بنحو كيلومتر عن ساحة سان ماركو.

ووفق وكالة «رويترز» للأنباء، فقد شددت السلطات الإجراءات الأمنية وسط مخاوف من مظاهرات مزمعة من المقرر أن تتزامن مع احتفال فييستا ديل ريدينتوري. ويحيي هذا الاحتفال ذكرى انتهاء وباء الطاعون، وسيجذب آلاف السكان والزوار إلى البحيرة، غداً السبت، لمشاهدة الألعاب النارية والمراسم الدينية.

علم فلسطين يظهر خلال احتجاج في البندقية ضد وصول السفير الأميركي تيلمان فيرتيتا (أ.ف.ب)

واشتكى سكان المدينة مراراً من تأثير السياحة الجماعية وتزايد استخدام البندقية مسرحاً لأحداث مهمة، مثل حفل زفاف مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس والصحافية لورين سانتشيز في يونيو (حزيران) 2025.

ودعا نشطاء من مركز «موريون» الاجتماعي إلى تنظيم مظاهرة تحت شعار «لا لاستخدام البندقية»، ومن المقرر أن تنطلق المسيرة من المركز باتجاه مرسى اليخت.

وقال منظمو الاحتجاج إنهم يرون فيرتيتا ممثلاً لسياسات ترمب التي قالوا إنها تّذكي النزاعات وتدعم الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة وتزيد عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي وترفع الأسعار.

واتهم تحالف الخضر واليساريين في إيطاليا الحكومة بتحويل مئات من أفراد الشرطة عن مهامهم المتعلقة بالأمن العام ليكونوا بمثابة «حرس شخصي» لفيرتيتا خلال جولته في إيطاليا، وحض أنصاره على الاحتجاج ضد سياسات الولايات المتحدة.

وأدت سلسلة من الخلافات العلنية بين ترمب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، لا سيما عندما نفت بشدة قوله إنها «توسلت» لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع الماضية، إلى توتر العلاقة التي كانت وثيقة في السابق.

ورفض فيرتيتا الحديث عن وجود خلاف، قائلاً إن ترمب وميلوني تربطهما علاقة شخصية قوية.


برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما 
(أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما (أ.ف.ب)
TT

برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما 
(أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما (أ.ف.ب)

حظيت المسائل الدفاعية والاستراتيجية بحيز بارز في الاجتماع الحكومي المشترك الألماني - الفرنسي الذي استضافته ألمانيا ليومين، وكانت محوراً لاجتماع مجلس الدفاع والأمن برئاسة المستشار فريدريش ميرتس والرئيس إيمانويل ماكرون، ومشاركة وزيرَي الدفاع والخارجية، وكبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في البلدين.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وكان واضحاً من خلال تصريحات ميرتس وماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي أعقب نهاية الاجتماعات، أن برلين وباريس عازمتان على إحراز تقدم في هذا المجال الذي يتناول أمن البلدين وأمن أوروبا، في حين أن الخبراء من جانبَي نهر الرين لا يستبعدون أن تعمد روسيا إلى اختبار الأمن الأوروبي قبل نهاية العقد الحالي.

أما العامل الآخر الذي يدفع الطرفين، فيتمثل في غياب اليقين لجهة مشاريع ونوايا الإدارة الأميركية بالنسبة لمستقبل الحلف الأطلسي، وانخراطها في الدفاع عن القارة القديمة رغم البيان المطمئن الذي صدر عن قمة الحلف الأطلسي الأخيرة في أنقرة، متضمناً التمسك بالبند الخامس من معاهدة النادي الأطلسي الذي يقول إن أي اعتداء خارجي على أي عضو في الحلف يعد اعتداء على أعضائه كافة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

ولأن الانحسار الأميركي يعني عملياً سحب المظلة النووية الأميركية - الأطلسية عن الحلف، فإن الأوروبيين، وعلى رأسهم ألمانيا، يبحثون عن البديل. وهذا البديل له عنوانان: فرنسا وبريطانيا الدولتان النوويتان الوحيدتان في أوروبا. وسبق للرئيس ماكرون أن عرض إطلاق حوار مع الدول الأوروبية الراغبة في العمل مع فرنسا. وبالفعل، عُقدت مجموعة من الاجتماعات الفرنسية - الألمانية حول هذه المسألة.

المظلة النووية الفرنسية

من الواضح أن تقدماً قد أُحرز بين برلين وباريس، وهو ما عكسته تصريحات ميرتس وماكرون. فالأول قال ما حرفيته: «نحن نأخذ بجدية بالغة العرض الفرنسي المتعلق بالردع النووي، وندرسه بعناية. وقد يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى صياغة عقيدة جديدة، لكن من السابق لأوانه جداً الحديث عن ذلك في الوقت الراهن».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأميركي ترمب بالبيت الأبيض في مارس الماضي (أ.ب)

وغرّد ميرتس يوم الجمعة على منصة «إكس» بشأن الملف النووي، قائلاً: «تعزز ألمانيا وفرنسا تعاونهما في مجال الدفاع. ونحن نرسخ الردع الأوروبي. واعتباراً من هذا العام، ستشارك ألمانيا في مناورة نووية تجريها القوات المسلحة الفرنسية». بيد أن هذه المشاركة ليست سوى خطوة صغيرة «رمزية» في مسيرة الألف ميل نحو التوصل إلى ردع أوروبي نووي. والمحظور في فرنسا التشارك في اتخاذ قرار اللجوء إلى السلاح النووي الفرنسي. ويتشكل هذا السلاح من مكونين: الأول بحري، ويتمثل في الصواريخ المزودة برؤوس نووية، والتي تحملها الغواصات الفرنسية العاملة بالدفع النووي، ما يمكنها من البقاء لفترات طويلة في أعماق البحار والمحيطات. والمكون الثاني جوي؛ إذ تمتلك فرنسا طائرات «رافال» الاستراتيجية القادرة بدورها على حمل وإيصال رؤوس نووية إلى الأهداف المنوي ضربها. ويعتبر البلدان أن هذا التعاون «سيسهم في تعزيز الردع في أوروبا وزيادة أمن القارة»، مع التقيد الكامل بالالتزامات القانونية الدولية المترتبة على البلدين.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

ورغم ما سبق، ورغبة من برلين وباريس في عدم إغاظة الإدارة الأميركية، فقد حرصت العاصمتان على تأكيد أن تعاونهما «يكمل الردع النووي للحلف الأطلسي، ولا يحل محله». وتبدو برلين الأكثر حرصاً على التذكير بهذه القاعدة مقارنة بفرنسا التي توفر لها قوتها النووية السلاح الرادع الذي تعرف عنه سلطاتها بأنه «الضربة الثانية»؛ بمعنى أن فرنسا لن تكون البادئة باستخدام قوتها النووية التي لن يتم اللجوء إليها إلا في حال تعرض «المصالح الفرنسية الحيوية» للخطر. لكن باريس أخذت تعتبر أن هناك «بعداً أوروبياً» لسلاحها النووي، إلا أنها لم تعرفه مطلقاً للإبقاء بيدها على ورقة «انعدام اليقين الاستراتيجي» لدى الخصوم والأعداء، أو المحافظة على «الغموض الاستراتيجي».

الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني خلال قمة «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا في باريس الاثنين (أ.ف.ب)

وفي الأشهر الأخيرة، يدور جدل في ألمانيا حول الثمن الذي يتعين على البلاد دفعه للاستفادة من المظلة النووية الفرنسية. وخلال المؤتمر الصحافي، حرص ماكرون على تناول هذا الجانب ليؤكد أن فرنسا هي من موّلت منذ البداية وستواصل بنفسها تمويل برنامجها النووي، واضعاً بذلك حداً للتساؤلات والنظريات الرائجة من الجانب الشرقي لحوض نهر الرين. ورغم أن الرئيس الفرنسي، دستورياً، هو القائد الأعلى للقوات الفرنسية، فإنه أيضاً المؤهل لأن يطلب الضغط على الزر النووي. وينبه اليمين الفرنسي بشكل خاص على أن «التعاون» النووي مع سبع دول أوروبية تتحاور معها باريس، يجب ألا يفضي إلى الانتقاص من السيادة الفرنسية على قوة الردع النووية.

مرشحة اليمين المتطرف

ثمة جانب رئيسي يتعين أخذه بعين الاعتبار، وهو يمس الوضع السياسي الداخلي في فرنسا؛ ذلك أن الاجتماع الحكومي المشترك هو الأخير الذي يشارك ماكرون في رئاسته. وليس سراً أنه أولى المسائل الدفاعية، وأخصها «الاستقلالية الاستراتيجية»، لأوروبا أهمية مركزية في سياسته الخارجية. من هنا، فإنه حريص على ما يبدو على إعطاء مضمون حقيقي لخطة إفادة الأوروبيين من المظلة النووية الفرنسية انطلاقاً من ألمانيا التي تعد مع فرنسا «قاطرة» الاتحاد الأوروبي.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني قبل بدء اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس الاثنين (رويترز)

إلا أن ثمة مخاوف من الجانبين مما قد تسفر عنه الانتخابات الرئاسية في فرنسا التي ستُجرى ربيع العام المقبل؛ إذ ترجح استطلاعات الرأي فوز مارين لوبن، مرشحة اليمين المتطرف. وقد طُرح السؤال على ميرتس الذي لم يتردد في الإجابة، وفحواها أنه «سيمد يد التعاون مع من يكون الفائز» في انتخابات 2027. ولم يكن بوسع ميرتس الإجابة بشكل مختلف، ما كان سيعد تدخلاً في الشؤون الفرنسية الداخلية.

أما ماكرون، فدعا إلى الحذر مما تنتجه استطلاعات الرأي، وذكر أنه في عام 2016 كانت تفيد بأن آخرين سيفوزون بالرئاسة، وكانت النتيجة أنه كان هو الفائز. وخلاصته أن نتائج الانتخابات لا تحسمها استطلاعات الرأي، وهو مصيب في ذلك؛ لأن هذه الاستطلاعات لا تعكس سوى صورة «آنية» لما يريده الرأي العام اليوم، وليس بعد نحو سنة.

يبقى عامل آخر حرص الطرفان على إبرازه، وهو يدور حول رغبتهما في طي صفحة الخلاف الذي نشب، دفاعياً، بين بلدَيهما، وعنوانه فشل مشروع بناء طائرة القتال المشتركة المستقبلية بسبب الخلافات المستحكمة بين الشركتين المصنعتين: «داسو» الفرنسية التي تصنع طائرات «رافال»، وشركة «إيرباص» الأوروبية في شقها العسكري، والتي تمثل المصالح الألمانية.

صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم بباريس الاثنين (أ.ب)

من هنا، أهمية ما رسا عليه اجتماع مجلس الدفاع والأمن القاضي بالمحافظة على جزء من المشروع المجهض، والخاص بما يسمى «السحابة القتالية» (COMBAT CLOUD)، وهي جزء لا يتجزأ من المشروع المذكور. وما سعى إليه ميرتس وماكرون اللذان لم ينجحا يوماً في بناء علاقة شخصية وثيقة كالتي شهدتها العلاقات بين رأس البلدين كتلك التي جمعت الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، أو بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول، وحتى بين ماكرون والمستشارة أنغيلا ميركل، رغم أن الأخيرة كانت «من جليد»؛ ما سعيا إليه هو ترك «إرث إيجابي» لبلدَيهما في قطاع استراتيجي يهم أمنهما المشترك.

ولم تكن محض صدفة أن برلين اختارت قصر أوغوسبوغ، في مدينة برول (قريباً من كولونيا)، مكاناً للاجتماع الحكومي السنوي؛ فهذا القصر شهد حدثاً تاريخياً في مطلع ستينيات القرن الماضي حين وقّع المستشار الألماني كونراد أديناور والرئيس الفرنسي شارل ديغول معاهدة الصداقة الفرنسية - الألمانية التي أرست أسس التعاون القائم بين البلدين حتى اليوم. ويبدو أن الطرفين يأملان أن يكون القصر مصدراً يستوحيان منه أمثولة الماضي.


أوروبا تواجه حرائق غابات وجفافاً وعواصف رغم انحسار موجة الحر

محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تواجه حرائق غابات وجفافاً وعواصف رغم انحسار موجة الحر

محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)

تكافح فرق الإطفاء في شمال شرقي إسبانيا، مدعومة بنحو 30 طائرة، لاحتواء حريق غابات واسع اندلع، اليوم (الجمعة)، وأتى على مساحة تعادل حجم مدينة سان فرانسيسكو، مما دفع إلى إجلاء أكثر من ألف شخص، في وقت جعلت فيه موجات الحر الأحدث الغطاء النباتي شديد الجفاف وقابلاً للاشتعال في أنحاء واسعة من أوروبا.

وأدت موجات الحر المتعاقبة التي ضربت أوروبا في بداية الصيف، التي يعزو كثير من العلماء تفاقمها إلى تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، إلى ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة في مناطق واسعة من القارة. وتسببت هذه الظروف في نقص المياه، وتضرر المحاصيل الزراعية، واندلاع حرائق غابات، وارتفاع أعداد الوفيات إلى مستويات تفوق المعدلات الطبيعية.

ووفقاً لوكالة «رويترز»، فمن المتوقع أن يبلغ متوسط درجات الحرارة العظمى في غرب أوروبا، اليوم (الجمعة)، 27.5 درجة مئوية، بزيادة قدرها 4.2 درجة مئوية عن متوسط درجات الحرارة القصوى المسجل في 17 يوليو (تموز) خلال الفترة بين عامَي 1961 و1990.

3 موجات حر

وفي فرنسا، يزداد الجفاف حدة يوماً بعد يوم منذ نهاية مايو (أيار)، رغم انحسار موجة الحر الأحدث تدريجياً، إذ من المتوقع أن تقتصر درجات الحرارة المرتفعة بحلول مطلع الأسبوع على المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية (ميتيو فرانس).

وتجاوز معدّل الوفيات في منطقة باريس ضعف مستواه المعتاد في أثناء موجة حر قياسية في يونيو (حزيران) الماضي، حسبما أفادت وكالة الصحة الفرنسية، الجمعة.

وقال تقرير «سانتيه بوبليك فرانس»: «تمّت ملاحظة معدل وفيات زائدة مرتفع للغاية» خلال موجة الحر في منطقة إيل دو فرانس في الفترة بين 22 و28 يونيو؛ إذ تم تسجيل 3000 وفاة، بزيادة قدرها «1565 وفاة عن العدد المتوقع».

وكانت منطقة باريس من الأكثر تأثّراً لجهة معدلات الوفيات الزائدة خلال موجة الحر في يونيو التي كانت واحدة من ثلاث موجات حر ضربت فرنسا منذ مايو. ويربط العلماء بين التكرار المتزايد لعوامل الطقس القاسية والتغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.

عواصف

ورفعت السلطات الفرنسية تحذيراتها إلى ثاني أعلى مستوى في 30 من المقاطعات الإدارية الفرنسية، تحسباً لعواصف مرتقبة أعقبت موجة حر طويلة. كما انقطعت الكهرباء عن نحو 53 ألف شخص بشكل مؤقت بعد سقوط أبراج الكهرباء.

وفي إقليم أرديش جنوب شرقي البلاد، تسببت حبات برد -بعضها بحجم كرات التنس- في إتلاف مئات السيارات والأسقف وكروم العنب.

وتعطّلت خدمات السكك الحديدية بين تولوز وباريس، حيث تأخرت عدة قطارات فائقة السرعة ليلية لمدة تصل إلى ست ساعات بعد سقوط أشجار على القضبان، وفي حالة واحدة، تلف موصل كهربائي لإحدى القاطرات.

وفي ألمانيا، عاق انخفاض منسوب المياه في نهر الراين، أحد أهم الممرات المائية التجارية في البلاد، حركة الشحن النهري، مما أدى إلى زيادة تكاليف النقل. غير أن الأمطار الأخيرة أسهمت في رفع مستويات المياه، مع توقعات بهطول المزيد منها خلال الأيام المقبلة.

ومع تراجع موجة الحر اجتاحت عواصف بعض المناطق، مما أسفر عن مقتل شخصَين في وسط وشرق فرنسا، فيما تُوفي شخص آخر في ولاية بادن فورتمبيرغ بجنوب ألمانيا.

حرائق في إسبانيا

حذرت الهيئة الإسبانية للأرصاد الجوية من عودة درجات الحرارة إلى الارتفاع بدءاً من غد السبت، مع توقعات بأن تتراوح درجات الحرارة العظمى بين 42 و44 درجة مئوية في أجزاء من إقليمي الأندلس ولامانتشا خلال الأسبوع المقبل.

كما نبّه خبراء الأرصاد إلى خطر شديد لاندلاع حرائق غابات مع تقدم كتلة هوائية حارة وجافة قادمة من شمال أفريقيا عبر مساحات واسعة من البلاد.

وفي شمال شرقي إسبانيا، اتسعت رقعة حريق الغابات قرب بلدة أوريس في إقليم أراغون خلال الليل لتتجاوز 12 ألف هكتار.

ويكافح رجال الإطفاء أيضاً حرائق غابات أخرى بالقرب من مدريد وفي إقليم وادي الحجارة، حيث التهمت النيران نحو 1500 هكتار.

وقبل أسبوع، تسبّب أحد أكثر حرائق الغابات فتكاً في تاريخ إسبانيا الحديث في مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً، معظمهم من الأجانب، في إقليم ألميريا جنوب البلاد.

وفي اليونان، رفعت السلطات مستوى التأهب لمخاطر حرائق الغابات في منطقة أثينا الكبرى، حيث نشرت طائرات مسيّرة مزوّدة بكاميرات حرارية قامت بدوريات فوق الغابات. كما جرى وضع مدافع مياه خارج مواقع التخييم.

ارتفاع أعداد الوفيات

وحذّرت منظمة الصحة العالمية في وقت سابق من الشهر الحالي من أن أوروبا قد تواجه «أسابيع أكثر فتكاً» مع تشكل موجات حر جديدة فوق المحيط الأطلسي.

وقال علماء يتابعون تأثيرات موجات الحر إن آلاف الوفيات الزائدة عن المعدلات الطبيعية سُجلت خلال الموجة الحارة التي اجتاحت أوروبا وبريطانيا مؤخراً.

وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، الدكتور هانز هنري بي. كلوج: «جرى تسجيل ما يقرب من 10 آلاف وفاة زائدة عن المعدلات الطبيعية، وما زال الصيف لم ينتهِ بعد».

وانتقد الحكومات، لأنها «لا تزال تتعامل مع الحر على أنه ظاهرة جوية، وليس حالة طوارئ صحية»، رغم توافر الأدوات والإرشادات الصادرة عن المنظمة التي يمكن أن تمنع معظم هذه الوفيات.

وأفادت حصيلة أولية أعدّتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى بيانات وطنية رسمية، بأن موجة الحر الاستثنائية التي ضربت أوروبا في يونيو أسفرت عن تسجيل ما لا يقل عن 12 ألف حالة وفاة فوق المعدّل الاعتيادي في نحو عشرة بلدان أوروبية.