مراكز أبحاث أميركية: 2016.. عام سعودي

بعد عام من تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم.. دور القيادة السعودية في حسم الملفات الإقليمية والدولية المعلقة

الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله الملك سلمان بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2015 (غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله الملك سلمان بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2015 (غيتي)
TT

مراكز أبحاث أميركية: 2016.. عام سعودي

الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله الملك سلمان بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2015 (غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله الملك سلمان بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2015 (غيتي)

بعد عام واحد فقط من تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في المملكة العربية السعودية، أشارت مراكز أبحاث أميركية إلى أن العام الحالي سيكون عامًا محوريًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما سيكون عامًا حيويًا في تاريخ العلاقات السعودية - الأميركية.
تقول مراكز أبحاث أميركية إنه بداية من الملف النووي الإيراني وتوسع طهران، وصولاً إلى التهديد الذي يمثله «داعش» والحرب في سوريا والصراع في اليمن والاضطرابات في ليبيا ومستقبل مصر والكثير من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها المنطقة، ظهرت المملكة العربية السعودية كحجر زاوية في المنطقة، حيث تعمل على سد الفراغ الذي خلفته مصر في الأمن الإقليمي إثر انشغالها بقضاياها الداخلية، كما أنها عازمة على ردع من يقفون وراء التدهور والمتمثلين في «داعش» من جهة أو إيران من الجهة الأخرى.
وبحسب ثلة من مراكز الأبحاث الأميركية تحاول المملكة الاضطلاع بهذا الدور رغم الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، وذلك بعدما تراجعت أسعار البترول ووصلت إلى أدنى مستوياتها خلال سبع سنوات، مما جعل من تخفيض الموازنات واتخاذ إجراءات تقشفية أمرًا ضروريًا.
من بين التحديات التي تواجه المملكة وقيادتها، الغموض الذي يحيط بالسياسة الأميركية، وتردد إدارة أوباما في مواجهة إيران، بالإضافة إلى تزامن ذلك مع موقفها المتذبذب تجاه الحرب على «داعش» وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا، ويمكن وضعه ضمن إطار ظاهرة «رئاسة البطة العرجاء»، وهي الميل العام في الشهور الأخيرة من كل إدارة رئاسية أميركية إلى عدم اتخاذ مبادرات جديدة والتركيز بشكل رئيسي على حماية «إرثها» للأجيال المقبلة. وفي ظل اقتراب الولايات المتحدة من العام الانتخابي، وتزايد المخاوف الأمنية في أعقاب الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها كل من باريس وسان برناردينو وكاليفورنيا، عادت السياسة الخارجية مرة أخرى إلى النقاش العام؛ حيث تتعالى الأصوات التي تطالب بالحاجة إلى استعادة الحلفاء التقليديين لأميركا في المنطقة.
وفي هذا السياق، تظهر المملكة العربية السعودية بقوة. فمما لا شك فيه ستلعب المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين دورا مهما في 2016، سواء في توجيه العالم العربي صوب السلام أو مساعدة الولايات المتحدة على أن تحدد طريقها في المنطقة وهو الطريق الذي كانت قد ضلت عنه إلى حد بعيد.
تشير تقارير أميركية إلى أنه من المتوقع أن يكون عام 2016 عاما صعبا على المستوى السياسي في الولايات المتحدة في ظل سباق شرس حول المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري والسباق الرئاسي العنيف بين المرشح الجمهوري وخصمه الديمقراطي. وفي هذه المرحلة المبكرة، يبدو حتى الآن أن هيلاري كلينتون هي المرشح الديمقراطي.
وعلى الجانب الجمهوري، تظهر استطلاعات الرأي ميلا للمرشح الشعبي دونالد ترامب الذي أثارت تصريحاته اللاذعة جدلا دوليا. وتحاول النخب الجمهورية أن تجتمع معا لكي تحبط ترشيح ترامب خوفا من ضعف احتمالية فوزه بانتخابات عامة. ولكن حتى الآن ما زال من غير الواضح ما إذا كانت تلك المساعي سوف تنجح أم لا أو من بين المرشحين يمكن أن يستفيد من خسارته.
وبغض النظر عمن سوف يحل محله، من المرجح أن يقدم الرئيس القادم تصحيحا لسياسات إدارة أوباما التي أقصت الحلفاء العرب التقليديين للبلاد.
في البداية، هناك دليل على أن هيلاري كلينتون تدعم بقوة تعزيز التحالف السعودي - الأميركي. ففي 2011، وخلال الفترة التي كانت تعمل فيها وزيرة للخارجية، كانت واحدة من أقوى المدافعين عن صفقة مبيعات السلاح التي تقدر بنحو 29.4 مليار دولار للمملكة بما فيها 84 طائرة مقاتلة من طراز «إف - 15» من شركة «بوينغ» وتحديث نحو 70 طائرة سعودية.
وقد صرح مساعد وزير الخارجية وقتذاك بأن الموافقة على الصفقة كانت من أكبر أولويات كلينتون على الصعيد الشخصي. وفي الشهور الأخيرة، وفي محاولة للتمييز بين مواقفها ومواقف الرئيس، كانت كلينتون دائما ما تتعهد باستعادة ثقة الحلفاء العرب التقليديين لأميركا خاصة المملكة العربية السعودية.
ومن جهة أخرى، يقدم اليمين الأميركي دعما قويا لتعزيز التحالف السعودي - الأميركي في مجموعة كبيرة من القضايا الإقليمية. فمن الركائز الأساسية لخطاب المرشحين الجمهوريين الحاجة إلى إحياء التحالفات التقليدية لأميركا في المنطقة العربية – خاصة مع المملكة العربية السعودية – والمعارضة القوية للرؤية السائدة في البيت الأبيض بأن أوباما كان مصدرا رئيسيا للاستقرار في المنطقة.
وعلى الرغم من أن الخطب والجدال بين المرشحين الجمهوريين في الشهور الأخيرة لم تتطرق إلى القضية بالتفصيل، فإن استطلاعا للآراء داخل مؤسسات السياسة المرتبطة بالحزب الجمهوري قدم فكرة حول نوع تركيبات السياسة التي يتبناها المعسكر. فوفقا لمذكرة تتعلق بالسياسة الأميركية السعودية قدمها جيمس فيليبس وهو زميل الباحثين بمعهد الشؤون الشرق أوسطية بمؤسسة التراث: «يجب على واشنطن أن تعرض مساعدة الرياض في تحديث أنظمة الدفاع الصاروخية الباليستية ودمجها في نظام أوسع متعدد المستويات يشمل دول مجلس التعاون الخليجي ونشر بطاريات الباتريوت المحمولة الخاصة بالولايات المتحدة أو بحلف شمال الأطلسي لتحييد التهديد الصاروخي الإيراني. كما يجب على الولايات المتحدة أن تعزز التعاون مع الاستخبارات السعودية والقوات البحرية لرصد شحنات الأسلحة الإيرانية الموجهة للجماعات التابعة لإيران مثل المتمردين الحوثيين في اليمن وهو ما يمثل تهديدا للسعودية بالإضافة إلى الحكومة اليمنية».
وتراقب الولايات المتحدة باهتمام بالغ العام الجديد «الرجلين الأساسيين» في إدارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وهما ولي العهد الأمير محمد بن نايف، وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
فمن جهة كتب أحد كتاب الأعمدة البارزين في الولايات المتحدة والذي يكتب بصحيفة «نيويورك تايمز»، توماس فريدمان، مقالا إيجابيا للغاية حول مستقبل السعودية في أعقاب زيارته للرياض التي أجرى خلالها حوارا حصريا مع ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. فمن وجهة نظر فريدمان، كانت التغيرات الديموغرافية بالإضافة إلى حالة جديدة تسود بين الشباب مصدرا للدعوة إلى إجراء إصلاحات إيجابية لفترة من الزمن، ولكن «كان هناك دائما افتقار إلى قيادة مستعدة لاستغلال هذه الطاقة وتحويلها إلى إصلاحات». ويعتقد فريدمان أن الأمير محمد بن سلمان لديه القدرة على احتواء هذه الطاقة الشابة. ويصور فريدمان ولي ولي العهد بأنه رجل يعمل عن كثب مع أبيه ومع ولي العهد الأمير محمد بن نايف «بعدما اضطلع بمهمة تغيير الطريقة التي تدار بها المملكة العربية السعودية – بما في ذلك جهود تخفيف اعتماد البلاد على صادرات البترول وتمكين الجمهور من المشاركة في أداء الحكومة». كما نقل فريدمان عن محمد عبد الله الجدعان، رئيس مجلس هيئة السوق المالية السعودية تفاؤله بشأن مستقبل المملكة تحت القيادة الحالية: «لم أكن أبدا متفائلا بهذا القدر. فلدينا إيقاع لم نشهده من قبل كما أصبح لدينا نموذج في الحكومة لم نره من قبل».
وهناك أيضًا إحساس عام بالتفاؤل الأميركي حيال دور ولي العهد الأمير محمد بن نايف في العام الحالي خاصة في ما يتعلق بالمعركة ضد الإرهاب. فهناك إحساس بوجود رؤية ثقافية مشتركة معه، وهو ما يرجع في جانب منه إلى دراسته في الولايات المتحدة بكلية «لويس آند كلارك» في بورتلاند بأوريغون وهو ما يمكن أن يؤثر على المسؤوليات المهنية الموكلة إليه، حيث إنه قادر على التنقل بحرية بين عقليات مكافحة الإرهاب في العالم العربي أو في الغرب إذ إنه درس أيضًا في «مكتب التحقيقات الفيدرالي» في أواخر الثمانينات ثم درس في معهد «اسكوتلنديارد» لمكافحة الإرهاب في الفترة بين 1992 و1994. كما أحبط ولي العهد في مايو (أيار) 1998 - وفقًا لبروس ريدل، وهو زميل باحثين بمركز «بروكينغز» والذي قضى 30 عاما في مراقبة الاستخبارات الأميركية - أحبط مخططا لتنظيم القاعدة يستهدف الهجوم على القنصلية الأميركية في جدة عندما كان آل جور، نائبا للرئيس في ذلك الوقت. وبينما يرصد صناع السياسة الأميركيون التعاون في جهود مكافحة الإرهاب مع المملكة العربية السعودية العام الجديد، فإنهم يتطلعون لخبرات ولي العهد ولديهم إحساس بأنهم يستطيعون أن يثقوا في آرائه ونصائحه.
وفي 15 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت المملكة العربية السعودية أن 34 دولة قد وافقت على تشكيل «تحالف عسكري إسلامي» جديد لمكافحة الإرهاب من خلال مركز مشترك للعمليات يتمركز في الرياض.
ورحبت الكثير من الأصوات المرموقة في واشنطن بالمبادرة؛ فقد كتب زميل الباحثين بمركز بروكنغز، بروس ريدل: «يمكن لتحالف عسكري إسلامي قوي في مكافحة الإرهاب أن يحشد الدول الإسلامية في مواجهة تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية. كما يمكن أن يصبح منصة لاتخاذ إجراءات أكثر فعالية في مكافحة الإرهاب في المعركة الآيديولوجية من خلال حشد رجال الدين الإسلامي».
وبالنسبة للبيت الأبيض، أشارت إدارة أوباما إلى ترحيبها أيضًا بالتحالف الجديد - وإن كانت تجد صعوبة في الثناء على جهودها الشخصية في تكوين تحالف واسع خاص بها: ففيما كانت تحتفي بالمبادرة السعودية، قال المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش إرنست: «أعتقد أن السعوديين بذلوا جهودا حثيثة للتأكيد على أن هذا التحالف ليس بديلا عن التحالف المكون من 65 عضوا والذي أسسته الولايات المتحدة الأميركية وتقوده».
وقد يرجع ذلك «التوتر البناء» في جانب منه إلى تركيز إدارة أوباما فقط على الصراع ضد «داعش» وعدم الاهتمام الواضح بمكافحة الميليشيات التابعة لإيران. وعلى النقيض، قال ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بوضوح خلال المؤتمر الصحافي الذي تم إعلان التحالف الجديد خلاله بأنه لا يوجد هدف واحد للتحالف، بل إنه يستهدف الإرهاب بكافة صوره. ومن جانبهم، لاحظ المحللون بوسائل الإعلام الأميركية أنه بينما تضمن التحالف الجديد دولا لديها جيوش قوية مثل باكستان وتركيا ومصر، فإنه تضمن أيضًا دولا مزقتها الحروب مثل ليبيا واليمن، واستبعد الدول التي تخضع للنفوذ الإيراني مثل العراق وسوريا.
ولتقييم طبيعة التحالف في ضوء المتغيرات الإقليمية الأوسع، عقد ريدل مقارنة قوية بين مقاربة إدارة أوباما أحادية الجانب في مواجهة الإرهاب والمقاربة السعودية متعددة الجبهات: «بالنسبة للرياض، فإن المعركة ضد إيران بمثل أهمية المعركة ضد (القاعدة) و(داعش)».
بالنسبة للأميركيين الذين يشاركون السعودية رؤيتها بأن التوسع الإيراني يمثل تهديدا بنفس خطورة «داعش»، سوف يتم الترحيب على نحو خاص بالتحالف السعودي. فهناك آمال بأن يعمل التحالف إذا ما حافظ على تماسكه ووحدته السياسية كنوع من «الخطاب المركزي» العالمي في الصراع ضد كليهما خلال العام الجديد.
من جهة أخرى، تنظر واشنطن إلى الدور السعودي في مكافحة الحوثيين في اليمن ودعم استقرار البلاد خلال العام الجديد باعتباره من القضايا الأكثر أهمية التي تواجه المنطقة خلال العام الحالي.
في 26 ديسمبر، وضع ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا «موعدا مستهدفا» لبدء المحادثات في 25 يناير (كانون الثاني) في جنيف لاتخاذ قرار حول الحرب الأهلية في سوريا. وكان ذلك إثر شهور من الجهود الحثيثة وبدعم قوي من وزير الخارجية الأميركي جون كيري لوضع كل أطراف النزاع معا لحل المشكلة سياسيا. وعلى نحو يتفق مع الرؤية الإقليمية لإدارته، سعى كيري لكي تشترك كل من إيران وروسيا بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية.
ومع ذلك، فإن الحقيقة في المنطقة اليوم هي أن المملكة العربية السعودية وليست الولايات المتحدة هي من تبني صلات مع عدد من أطراف النزاع. فقد عززت الزيارات المتتالية التي قام بها ولي ولي العهد محمد بن سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو، حيث أعلنت المملكة عن صفقات اقتصادية جديدة مع الكرملين، وغيرها من المبادرات لصالح روسيا، النيات الطيبة بين البلدين وقد تكون قد عززت قدرة السعودية على تغيير الموقف الروسي في ما يتعلق بسوريا على نحو إيجابي. ومن ثم وبينما يبرز الإجماع الأميركي والدولي للضغط من أجل حل سياسي للنزاع، سوف تصبح الرياض وجهة مهمة للمباحثات والمفاوضات وحل المأزق الذي سيكون ضروريا لجعل إمكانية عقد صفقة أمرا ممكنا.
وتعد إحدى مناحي القضية السورية التي تحظى بأهمية خاصة لدى الرأي العام الأميركي هي مسألة مستقبل ملايين اللاجئين الذين فروا من إراقة الدماء في تلك الدولة التي مزقتها الحرب. وذلك حيث تفتخر الولايات المتحدة بأنها «دولة مهاجرين» وأن معظم سكانها هم أساسا أحفاد لاجئين من كل أنحاء العالم. ومن ثم فإن مسألة عدد اللاجئين السوريين الذين سوف تتمكن الولايات المتحدة نفسها من احتوائهم سوف يستمر في أن يظل قضية رئيسية خلال 2016، ومن ثم كان بعض المحللين السياسيين يتساءلون عن الدور الذي سوف تلعبه كل من المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
وتذكر دراسة حول اللاجئين السوريين في دول الخليج أجرتها لوري بلوتكين بوغارت من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن نحو نصف مليون سوري الآن يعيشون في المملكة العربية السعودية، وأن ثلث هذا العدد قد يكون قد استقر في المملكة منذ اندلاع العنف في سوريا في 2011. واحتفت بوجارت والكثير من زملائها بمعهد واشنطن بالقيادة السعودية والكرم المالي وكرم الضيافة الذي منحوه للاجئين السوريين، وهي السلوكيات التي سوف تلهم الأميركيين لكي يتحملوا جانبا من المسؤولية داخل حدودهم.
أما فيما يخص الوضع بالقاهرة فيعد استمرار الاضطرابات في مصر مصدر قلق كبير للولايات المتحدة. فمن جهة، كان المدافعون عن الإخوان المسلمين في واشنطن أقوياء في موقفهم ضد حكومة القاهرة. ومن جهة أخرى، هناك معسكر سياسي لا يقل عنه قوة يقف دفاعا عن الرئيس السيسي في واشنطن ويرحب بالدعم السعودي للحكومة المصرية في وقت كان ينظر فيه لالتزام إدارة أوباما تجاه البلاد بأنه لا يعتمد عليه.
بالنسبة لجيمس فيليبس، كبير الباحثين بمؤسسة التراث اليمينية في واشنطن: «تشترك كل من الرياض وواشنطن في الاهتمام بدعم الاستقرار في مصر ومساعدة القاهرة على هزيمة المتشددين». ولكن فيليبس أعرب أيضًا عن قلقه بشأن التقارب المتزايد بين القيادة المصرية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ودعا الرياض إلى «سحب عرضها بتمويل صفقة شراء مصر للأسلحة الروسية والعمل بدلا من ذلك مع القاهرة على إيجاد مصادر سلاح بديلة في أوروبا أو المملكة المتحدة».
وبشأن الأزمة الليبية ظهرت بشائر الأمل في ما يتعلق بالدولة التي مزقتها الحروب في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر عندما التقى عددا من القيادات السياسية الليبية لتوقيع اتفاق ترعاه الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية. فقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عن تهنئته وحذره في الوقت نفسه؛ حيث وصف الاتفاق بأنه «بداية الرحلة الصعبة». ولكن بالنسبة لدولة من المتشددين والحكومات المتصارعة ونحو 2.4 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية فورية، فإن ذلك يعد أفضل خبر سمعناه في الفترة الماضية.
وعلى الفور أعرب وزير الخارجية السعودي عن ترحيبه بالاتفاقية وأمله في أن تؤدي إلى استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا في ظل وحدتها القومية وتكاملها الإقليمي.
وبحسب سياسيين أميركيين سوف تكون القيادة السعودية حيوية في 2016 في ضمان تطبيق الاتفاقية الليبية وتعزيز قدرة الحكومة الليبية على الاستقرار وتأمين حدودها.
وفي ظل الاضطرابات الإقليمية والمخاوف المتعلقة بإيران، تمحور جانب كبير من المناقشات السياسية الأميركية مع حلول العام، حول الدعوة لتواصل أعمق مع المملكة العربية السعودية ككل (خادم الحرمين الشريفين، والجيل الشاب من القيادات الذي تبناه، والاتجاهات المشجعة التي تسود المجتمع) فلنأخذ في الاعتبار، على سبيل المثال، المقال الذي كتبه جاري أكرمان مؤخرا، وهو عضو سابق بالكونغرس في صحيفة واشنطن الشهيرة «ذا هيل»: «فلنعزز الروابط الأميركية مع المملكة العربية السعودية الجديدة»، حيث تحدث أكرمان عن التطلع العالمي المتزايد للجيل الجديد من الشباب السعودي. كما كتب بإيجابية حول الخطة الاقتصادية التي تحدث بشأنها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس أوباما بصحبة خادم الحرمين في البيت الأبيض. كما لمح إلى التقدم الذي تم إحرازه بشأن القضايا الاجتماعية في المملكة. ودعا أكرمان إلى تعزيز التحالف السعودي - الأميركي لكي يتضمن قدرا أكبر من الدعم للمصالح الأمنية للمملكة والقيادة الإقليمية بالإضافة إلى قدر أكبر من التعاون الاقتصادي والثقافي.
من الناحية الاقتصادية وخلال زيارة الملك سلمان وولي ولي العهد محمد بن سلمان للرئيس أوباما في البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) الماضي، عرض ولي ولي العهد خريطة طريق لقدر أكبر من المشاركة الأميركية في الاقتصاد السعودي. وتضمنت تلك الخريطة عروضا مفصلة حول الاستثمارات في التعدين والبترول والغاز وتجارة التجزئة والترفية والإسكان والبنية التحتية والصيرفة والخدمات التكنولوجية التي تتضمن جميعها امتيازات تقدم للشركات الأميركية وتقدر بمئات المليارات من الدولارات خلال السنوات الخمس التالية. ثم تعهد الملك سلمان بتقديم أكثر من 3 تريليونات دولار لدعم الشراكة الاقتصادية بين القطاعين الخاص والعام خلال السنوات الخمس المقبلة وتقديم أولوية خاصة لبناء الطرق الجديدة والموانئ وأنظمة السكة الحديد الحديثة. وهذا بالطبع ذو أهمية كبيرة للقطاع الخاص الأميركي الذي من المتوقع أن ينافس بشراسة مع البلدان الأخرى في أي عقود يتم طرحها. كما يدرك رجال الأعمال الأميركيون تماما حقيقة أن ولي ولي العهد محمد بن سلمان كان يتحرك بقوة لوضع خطط لتعزيز الاقتصاد السعودي وتنويع القطاع الخاص. وفي هذا الإطار، استعان بعدد كبير من الخبراء الغربيين – خاصة الأميركيين - لتقديم النصح بشأن تلك الخطط. ومن بين هؤلاء الخبراء كانت شركة «ماكينزي» للاستشارات والتي أصدرت تقريرا في بداية الشهر الحالي تقول فيه إن المملكة العربية السعودية يمكنها أن تضاعف الناتج المحلي الإجمالي وتوفر فرص عمل لنحو 6 ملايين سعودي بحلول عام 2030 إذا ما تمكنت من تحقيق «تحول منتج يعتمد على الاستثمارات».
ومن ثم، هناك آمال واسعة بشأن تزايد الدور الأميركي في إعادة تخطيط الاقتصاد السعودي خلال عام 2016.

** ينشر بالتزامن
مع الشقيقة مجلة «المجلة»



أهالي غزة بين ثالوث الجوع والفقر والمرض... والعالم يحصي «العقود الضائعة»

طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
TT

أهالي غزة بين ثالوث الجوع والفقر والمرض... والعالم يحصي «العقود الضائعة»

طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)
طفل يجمع الخردة من مكبّ جنوب غزة (أ.ف.ب)

بين مجاعة وشيكة، وفقر مدقع، وأمراض لا تذر كبيراً ولا صغيراً، يقع سكان قطاع غزة محاصرين بين ثالوث شر لا يرحم، وقوات عسكرية لا تملك أي إنسانية.

وبعد نحو 14 شهراً من المأساة، يرى شهود عيان أن مَن مات في القطاع استراح، أما من عاش، فهو يحيا تجربة الاقتراب من الموت كل لحظة؛ سواء من القصف، أو من الجوع والمرض والفقر. تحدثت «الشرق الأوسط» إلى كثير من أهالي القطاع المحاصر والنازحين والمسؤولين الأمميين للوقوف على واقعهم اليوم.

يتذكر محمد، وهو اسم مستعار طلب محدِّثنا استخدامه، كأغلب النازحين الذين فضلوا عدم تعريفهم خشية تعرضهم لمشكلات، أيامه قبل الخروج هرباً من القطاع في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، فيقول: «كنا نسمع في أجواء الحي القصف ليلاً، وصفير القذائف المتوالية بينما تسقط قبل انفجارها، لنجلس طوال الليل نحاول أن نعرف أين سقطت ومن مات... ثم نصحو لنخرج جميعاً إلى الشوارع من أجل معرفة الحقيقة، وعزاء أسر الضحايا، وتهنئة من لا يزال حياً».

وبدوره يروي إياد، لـ«الشرق الأوسط»، معاناة عائلته في غزة بعدما اضطر لتركهم خلفه، فيقول باكياً: «تحدث معي إخوتي وقالوا لي، لديك فرصة للخروج من غزة إلى مصر، اذهب ولا تقلق علينا ولا على أمك وأخواتك البنات، فالبقاء هنا لن يعني إلا أن نموت جميعاً. على الأقل يمكنك من هناك إرسال بعض المال لإعانتنا، أو حتى تقدر أن تسحبنا خلفك إلى مصر... وعلى الأسوأ، إذا متنا نجد أحداً يدفننا».

الهروب إلى الأمام

الدكتور محمد أبو دوابة، محاضر أكاديمي في الجامعات الفلسطينية وباحث في المجال النفسي والاجتماعي، تحدث إلى «الشرق الأوسط» عن وجهة نظره في ما يعانيه سكان غزة كأكاديمي عاصر جزءاً كبيراً من الأحداث على الأرض، وقال: «العوامل في قطاع غزة متداخلة، ولا يمكن الفصل بين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والحلول المتاحة أصبحت لا تكفي لمشكلات الناس. وفي علم الاجتماع، عندما تكون هناك مشكلة وأنت في وسطها وتتحرك معها، فتراها من منظور... لكن إذا خرجت خارج الصندوق، تجد حالك تراها وأنت ثابت بشكل مختلف تماماً، وتشعر بالمعاناة التي يعانيها أهل غزة».

ظاهرة أخرى غريبة رصدها أبو دوابة وقال إنه يحاول دراستها، فقد لاحظ أن أهالي غزة ممن لديهم أولاد أو بنات صاروا يُقبلون على تزويج أبنائهم بكثافة، لا من أجل الفرح –«وهو إحساس قُتل عند الجميع»- حسب تعبيره؛ بل كنوع من أنواع تخفيف المسؤولية. فأهل البنت يريدون أن تدخل تحت غطاء الحماية الاجتماعية لزوجها، وأهل الولد يريدون أن يستقل عنهم.

ويتابع أبو دوابة: «لم يعد الزواج يمارَس بوصفه امتداداً ونواة للمجتمع لبناء الأسر، لكن هنا صار الوضع كله هروباً من الظروف الاقتصادية وتخفيف الأعباء على الأسر، فالوضع الاقتصادي ضرب نسيج المجتمع في مقتل. وفي العالم كله كلمة زواج تعني الفرح والسعادة والمستقبل والخلفة، فيما أهل غزة لا تمكنهم إقامة أفراح، ففي كل عائلة أكثر من شهيد وحالات ممتدة من الحداد، والفقر يحاصرهم من كل جانب».

أبرز القطاعات المتضررة في غزة (الشرق الأوسط)

ولادة تحت القصف

تجربة أخرى مريرة ترويها عزة، التي تقول إنها كانت في شهور الحمل الأخيرة وكان من المقرر أن تسافر مع زوجها قبل اشتعال الأزمة، لكن كل شيء تغير بعد بدئها.

تروي عزة: «تجربة آخر شهرين في الحمل كانت صعبة جداً في الحرب بسبب عدم توفر الغذاء الصحي للحامل وعدم وجود غاز الطهي، وأغلب الوقت شغالين على نار الحطب، وطبعا دخان كثير وكنت خايفة جداً على الجنين من دخان النار... والأكل اللي كان متوفر إما مكرونة أو عدس، ولو عاوزين حاجه دافية في البرد نشرب شاي من دون سكر».

وتواصل عزة شهادتها لـ«الشرق الأوسط»، فتقول: «وقت الولادة كان الاتصال مقطوعاً عن غزه كلها، ما فينا نكلّم الإسعاف لو صار وجع ولادة، وحتى سيارات الإسعاف كانت تُستهدف كثيراً... ولا فينا نطلع بالسيارة لأنه لا يوجد بنزين. وأي شخص عنده سيارة ومتوفر فيها بنزين كان يخاف يطلع ويخاطر بحياته لأنه بيتم قصف السيارات المدنية. وقتها بيتي كان بعيداً عن المستشفى وكان أفضل حل أروح بيت أهلي القريب نوعاً ما للمستشفى».

لكن لسوء الحظ تم إبلاغ المربع الذي يسكن فيه أهل عزة بالإخلاء، لأن الجيش الإسرائيلي سيتدخل برياً، فنزحت هي وأهلها مجدداً إلى بيتها. ومن شدة الرعب، لم تداهمها آلام الولادة، فذهبت إلى المستشفى للكشف، ليكتشفوا أن حالة الجنين ليست مطمئنة، فحجزوها 3 أيام لحين الولادة.

تقول عزة: «خلال هذه الأيام الثلاثة لم يكن هناك من غذاء سوى الحلاوة التي تدخل من خلال المساعدات. وضُرب المستشفى بقذيفة دبابة، لكنّ الله سلَّم. وعُدتُ إلى البيت لأجد أمراً آخر بالإخلاء، لم يكن أمامنا من خيار سوى الذهاب إلى المخيمات بابنتي حديثة الولادة... حيث البرد القارس، والأمطار تبلل كل شيء داخل الخيمة. ولا طعام إلا وجبة واحدة مكونة من نصف رغيف خبز، ومياه الشرب قليلة ولا يحبذ الشرب بعد الساعة السادسة مساءً لأنه غير مسموح بمغادرة الخيمة للحمامات مساءً... كل هذا أدى في النهاية لعدم تمكني من إرضاع طفلتي بشكل طبيعي، واضطررت لاستخدام الحليب الصناعي، الذي كنت أشك في صلاحيته بالأساس لكونه يباع في الشارع؛ لكن لم يكن أمامي أي خيارات».

أما بالنسبة للملابس، فتقول عزة إن سكان القطاع يتعاونون في توفير ملابس الأطفال المستعملة بعضهم لبعض، فيما كانت تضطر لإبقاء على حفاظة ابنتها لأكثر من 10 ساعات كونها غير متوافرة. وتضيف: «أساساً موضوع الصحة آخر ما يمكن أن تفكر فيه في المخيمات... الاستحمام متاح مرة كل أسبوعين، وغسيل الملابس باليد على شاطئ البحر، وطبعاً شيء مثل الفوط الصحية النسائية تَرَفٌ غير موجود من الأساس».

نساء بطلات و«قلة حيلة»

وضع النساء -بصورة خاصة- المأساوي، دفع «الشرق الأوسط» إلى التوجه إلى الدكتور معز دريد، المدير الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، الذي أوضح وجود أكثر من 155 ألف امرأة حامل أو مرضع داخل قطاع غزة حالياً، أغلبهن لا يجدن رعاية كافية بما يؤدي إلى تفاقم خطورة الأوضاع الصحية، وبينما تحاول الهيئات الأممية بكل السبل إيجاد وسائل لدعمهن ودعم غيرهن، إلا أنها تقف «قليلة الحيلة» في ظل الحصار ومنع دخول المساعدات، خصوصاً بعد حظر «أونروا» من ممارسة دورها، والتي كانت تعد العمود الفقري الأساسي للمؤسسات الأممية كافة داخل القطاع، ودورها بلا بديل ولا يعوَّض.

سيدة فلسطينية تُطعم طفلها وسط الأنقاض في منطقة نهر البارد جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال دريد: «الوضع كارثي، وعدد القتلى في غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 يناهز حالياً 45 ألف شخص، وهذا يعادل 6 أضعاف عدد القتلى خلال مجمل الأعوام الـ15 التي سبقت الأحداث الحالية. كما أن التركيبة الديمغرافية لهؤلاء الضحايا شهدت تغيراً فارقاً، إذ إن 70 في المائة منهم من النساء والأطفال، بعكس كل الأحداث والأعوام الماضية، مما يؤكد زيادة الاستهداف الأعمى للسكان دون التفرقة بين المدنيين وغيرهم... وهذا المعدل يساوي قتل ما يناهز 3 من السيدات والأطفال في كل ساعة يومياً منذ بداية الحرب!».

وأكد دريد أن بعض الأسر نزحت أكثر من 10 مرات من أجل الهرب من الضربات، ولا يوجد مكان آمن في غزة، والخدمات غير متوفرة، والأوضاع في غاية السوء.

وحول المساعدات التي تقدمها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في غزة، أوضح دريد أنها قدمت مساعدات غذائية ونقدية لنحو 75 ألف امرأة وأسرهن، «من بينهن 14 ألف امرأة مسؤولات بالكامل عن أسرهن نظراً لغياب أي عائل لأسباب الوفاة أو الاعتقال أو خلافه، إضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي. كما تتعاون الهيئة مع منظمات فلسطينية في غزة تقودها النساء، واللاتي نثمن ونقدر دورهن وصمودهن في ظل الأوضاع والصعاب الحالية».

وأفاد دريد بأن المساعدات التي تصل إلى مستحقيها شحيحة جداً، ليس بسبب قلة التمويل أو تقاعس مقدمي الدعم، ولكن بسبب العوائق التي تفرضها قوى الاحتلال، وغياب القدرة على تأمين هذه المساعدات القليلة التي تعبر إلى داخل القطاع، وهو أيضاً ما يقع تحت مسؤولية قوة الاحتلال وفقاً للقانون الدولي.

وبعد نحو 14 شهراً من الحرب، يؤكد دريد أنه مع مستويات الفقر والبطالة والدمار الهائلة في غزة، ومع فقدان العائل الأساسي لنحو 8 آلاف من الأسر، تشير التحليلات إلى أن النساء فقدن روافد الدخل ومصادر الرزق بشكل فائق... ومع توحش التضخم، أصبحت حالة هؤلاء النساء مأساوية.

تجريف وجوع

وفي ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها أهالي القطاع، حاولت بعض القرى أن تلجأ إلى زراعة احتياجاتها الغذائية، بل نجح أهالي جباليا وبيت لاهيا، على سبيل المثال، في تحقيق ما يشبه الاكتفاء الذاتي زراعياً... لكنَّ القوات الإسرائيلية اجتاحت الأراضي ودمرت البنية التحتية عمداً، بما يشمل الأراضي وقنوات الري وحتى مزارع الإنتاج الحيواني والسمكي، وذلك تحت ستار البحث عن الأسلحة والأنفاق، حسب شهادات شهود عيان وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إلى جانب فرض قيود على دخول البذور والأسمدة إلى القطاع.

رجل يختبئ خلف عمود فيما ينتشر الدخان والغبار نتيجة انفجار خلال غارة إسرائيلية استهدفت مدرسة في غزة (أ.ف.ب)

وعلى هامش إحدى الفاعليات الخاصة التي حضرتها «الشرق الأوسط» في القاهرة، قال عبد الحكيم الواعر، مساعد المدير العام والممثل الإقليمي لمنظمة الأغذية والزراعة في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، إن «التحدي الأكبر للمنطقة العربية بشكل عام فيما يخص الأمن الغذائي هو الحروب والنزاعات، وخلال النزاعات المطولة والممتدة مثل الوضع في غزة، يوجد أثر كبير على قطاع الزراعة والغذاء».

وأضاف الواعر أن «ذلك يعود إلى عدة عوامل، أولها هجران الناس والمزارعين أراضيهم، مما يتسبب في خلل المنظومة الزراعية، خصوصاً أنهم في حالة نزوح دائم من منطقة إلى أخرى. وذلك بالإضافة إلى الدمار المباشر لهذه الأراضي، فقد جرى تدمير نحو 70 في المائة من الأراضي الزراعية في غزة، سواء بالضرب المباشر خلال العمليات العسكرية أو عبر التجريف، وتأثراً بحركة الآليات الثقيلة... كما نضبت الثروة السمكية تقريباً داخل القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، والثروة الداجنة انتهت بالكامل لأنه لا توجد إمدادات، وبقي جزء قليل جداً من الثروة الحيوانية، الذي نحاول كمؤسسات دولية دعمه بالمدخلات الضرورية مثل العلف والتحصينات والمغذيات. وبالإضافة إلى ذلك لا توجد مصادر مياه أو غذاء آمنة ونظيفة ولا كافية، والمساعدات الغذائية شبه متوقفة».

وأكد الواعر أن «كل سكان» غزة أصبحوا للمرة الأولى يقعون تحت خطر التهديد بالجوع، حيث إنهم إمَّا يقعون في الفئة الخامسة (المجاعة) أو الرابعة (الكارثة)، وهي الفئة التي لا يتحصل فيها الإنسان على وجبة واحدة يومياً بصفة منتظمة.

مكان غير صالح للحياة

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فلم يكفِ سكان قطاع غزة كل ما يمرون به، ليُنكَبوا بوقف إسرائيل دخول المساعدات الشحيحة بالأساس.

وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع يواجه عراقيل كثيرة، ومن أصل 423 حركة مساعدات إنسانية تم التنسيق لها مع السلطات الإسرائيلية في الفترة من الأول إلى 20 أكتوبر الماضي، تم تسهيل 151 حركة فقط، ورُفضت 189، وعطلت البقية. وفيما يتعلق بحركة وصول المساعدات إلى شمال القطاع، قال المكتب الأممي إنه تم تسهيل 4 حركات فقط من أصل 66 حركة مخططاً لها في ذات الفترة.

التأثير الاقتصادي والشرائح التي شملها هامش الفقر (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد عدنان أبو حسنة، المتحدث باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أن هناك تراجعاً بالغاً في مستويات الأمن الغذائي في قطاع غزة، وأن الوضع في الجنوب «على أبواب مجاعة حقيقية»، فيما دخل الشمال مجاعة فعلية، ودخلت المنظومة الصحية بشكل عام مرحلة الانهيار. وأشار إلى تكرار رفض طلبات دخول المساعدات الغذائية والطبية إلى القطاع من جانب الحكومة الإسرائيلية. وضرب مثالاً بأن الأسبوع الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) شهد مرور 37 شاحنة يومياً فقط، من بينها شاحنات مياه وأدوية وخيام، وذلك لخدمة 2.3 مليون ساكن للقطاع.

ولفت المسؤول الأممي، خلال «مائدة مستديرة» حضرتها «الشرق الأوسط» بمكتب الأمم المتحدة في القاهرة، إلى نقطة أخرى مهمة تؤكد معاناة سكان القطاع، إذ إن مئات الآلاف من السكان صاروا مصابين باضطرابات نفسية وعقلية نتيجة ما يمرون به من مأساة، حيث قدمت «أونروا» أكثر من 800 ألف استشارة نفسية في غزة خلال الفترة الماضية. كما حذر من أن المياه في غزة غير صالحة للشرب على الإطلاق، وكل المياه ملوثة ولا يمكن تنقيتها بعد تدمير منظومة الصرف الصحي تماماً.

حصار من كل الجوانب

وتشير أحدث تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا)، والصادرة في شهر نوفمبر إلى أن مستوى الفقر في دولة فلسطين بشكل عام قفز إلى 74.3 في المائة في عام 2024، مؤثراً على أكثر من 4.1 مليون شخص، من بينهم 2.61 مليون يدخلون تحت هذا الخط للمرة الأولى. فيما تشير التقديرات إلى قفزة متوقعة لما يُعرف باسم «مؤشر الفقر متعدد الأبعاد» -الذي يقيس الفقر وفقاً لعدد من الأبعاد مثل مستوى المعيشة والوصول إلى الخدمات وغيرها- من 10.2 في المائة (وفقاً لقياسات عام 2017) إلى 30.1 في المائة في عام 2024... وكل ذلك بالتزامن مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 35.1 في المائة مقارنةً بسيناريو عدم وجود حرب، وارتفاع البطالة إلى 49.9 في المائة (التقديرات الحالية من أغلب المسؤولين -وفي ظل غياب أرقام دقيقة- تشير إلى مستويات بطالة تفوق 85 في المائة من السكان).

فلسطينيون يجلسون وسط الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية على منزل بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

مؤشر خطير آخر تشير إليه البيانات، مع تدهور مؤشر التنمية البشرية في فلسطين إلى مستوى 0.643 نقطة فقط، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق منذ بداية تسجيل البيانات في عام 2004، فيما هوى المؤشر في قطاع غزة تحديداً إلى 0.408 نقطة، ماحياً كل ما اكتسبه على مدار أكثر من 20 عاماً.

كما تشير «إسكوا» إلى أن عدد الإصابات في غزة تخطى 102 ألف شخص، فيما تخطى عدد القتلى 43 ألف شخص، من بينهم أكثر من 17 ألف طفل وأكثر من 7 آلاف امرأة.

تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تشير أيضاً إلى أن هناك نحو 1.9 مليون نازح داخلياً في قطاع غزة بما يمثل 90 في المائة من مجمل السكان البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، خصوصاً أن نحو 87 في المائة من الوحدات السكنية في القطاع إما دُمِّرت وإما تضررت بشدة. وأن من بين هؤلاء السكان أكثر من 345 ألف في حالة مجاعة شديدة (المرحلة الخامسة)؛ و876 ألفاً في حالة خطرة (المرحلة الرابعة)، فيما يواجه 91 في المائة من السكان ظروفاً غذائية غاية في السوء تضعهم في المرحلة الثالثة على مقياس الأزمة الغذائية.

دمار البشر والحجر

وتوضح تقديرات تقارير «أوتشا» أن نحو 68 في المائة من الأراضي الزراعية في القطاع قد تم تدميرها، وكذلك 52 في المائة من الآبار الزراعية، و44 في المائة من المشاتل أو الصوب الزراعية، و70 في المائة من أسطول الصيد. وتابعت أن 95 في المائة من الماشية أيضاً ماتت، نتيجة إمّا القصف وإمّا عدم الرعاية وإمّا الاستهلاك من دون قدرة على الإحلال.

وتشير بيانات دولية أخرى إلى أن نحو 80 في المائة من المرافق التجارية في قطاع غزة، و68 في المائة من شبكة الطرق فيها دُمِّرت، وفقاً للحسابات والتقديرات حتى صيف العام الجاري. كما أن أكثر من 650 ألف طالب لا يحصلون على تعليم مستدام، خصوصاً مع احتياج أكثر من 87 في المائة من المباني في مدارس قطاع غزة لإعادة بناء.

أطفال فلسطينيون يجري إجلاؤهم من موقع تعرَّض لقصف إسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ب)

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أصدر البنك الدولي تقريراً بالاشتراك مع الأمم المتحدة، يقدِّر تكلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية في غزة في ثلاثة أشهر (من بداية الحرب حتى يناير «كانون الثاني» الماضي فقط) بنحو 18.5 مليار دولار، أي ما يعادل 97 في المائة من إجمالي الناتج المحلي للضفة الغربية وقطاع غزة معاً عام 2022.

كما أشار التقرير إلى انقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه كامل منذ الأسبوع الأول للصراع. ومع تدمير أو تعطيل 92 في المائة من الطرق الرئيسية، وتدهور البنية التحتية للاتصالات، أصبح إيصال المساعدات الإنسانية الأساسية إلى السكان صعباً للغاية.

ويؤكد التقرير أن «الدمار خَلَّفَ كمية هائلة من الحطام والأنقاض تقدر بنحو 26 مليون طن قد تستغرق سنوات لإزالتها والتخلص منها»، أما على المستوى الإنساني، فقال: «تعرضت النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة للقدر الأكبر من الآثار التراكمية الكارثية على صحتهم البدنية والنفسية والعقلية، مع توقع أن يواجه الأطفال الأصغر سناً عواقبَ سوف تؤثر على نموهم وتطورهم طوال حياتهم».

وأفاد التقرير بأنه مع تضرر أو تدمير 84 في المائة من المستشفيات والمنشآت الصحية، ونقص الكهرباء والمياه لتشغيل المتبقي منها، لا يحصل السكان إلا على الحد الأدنى من الرعاية الصحية أو الأدوية أو العلاجات المنقذة للحياة. وتعرَّض نظام المياه والصرف الصحي تقريباً للانهيار، وأصبح لا يوفر سوى أقل من 5 في المائة من خدماته السابقة، مما دفع السكان إلى الاعتماد على حصص مياه قليلة للغاية للبقاء على قيد الحياة. وبالنسبة إلى نظام التعليم فقد انهار، حيث أصبح 100 في المائة من الأطفال خارج المدارس النظامية.

وفيما يخص الحالة الصحية والغذائية في القطاع، أشارت التقارير الأممية إلى أن 96 في المائة من الأطفال في عمر 6 إلى 23 شهراً، والنساء، لا يحصلون على احتياجاتهم الأساسية من العناصر الغذائية الكافية نتيجة النقص الحاد في التنوع الغذائي. مقدرةً أن نحو 50 ألف طفل من أبناء القطاع يحتاجون إلى علاج لسوء التغذية خلال العام الجاري.

وفيما يخص وضع القطاع الطبي، تشير الإحصاءات إلى أن 19 مستشفى (من بين مجموع 36 مستشفى) خرجت عن العمل، فيما تعمل الـ17 مستشفى الباقية بصورة جزئية؛ إما نتيجة تضرر بنيتها التحتية، وإما نتيجة الافتقار إلى المعدات والأدوات الأساسية وإما نتيجة نقص في طواقم العمل الطبية... ونتيجة لذلك، فإن نحو 14 ألف مريض في حالات متباينة يحتاجون للإخلاء الطبي خارج القطاع من أجل إنقاذ حياتهم.

آلام مضاعَفة

الأوضاع الصحية السيئة التي يشير إليها الجميع داخل قطاع غزة، وسط بنية تحتية تعاني من دمار هائل، جعلت «الشرق الأوسط» تسأل منظمة «أطباء بلا حدود» حول الوضع هناك، وهل تمارس المنظمة عملها بشكل طبيعي؟

الدكتور أحمد أبو وردة، مدير الأنشطة الطبية في مستشفى ناصر بخان يونس، أجاب قائلاً: «بالطبع لا، نحاول في (أطباء بلا حدود) بذل كل ما بوسعنا لتقديم أفضل خدمة طبية ممكنة للمرضى والمصابين بالوضع الحالي؛ لكن الكل يعلم صعوبة دخول المستلزمات والمعدات الطبية والأدوية منذ إغلاق معبر رفح».

ويشير أبو وردة إلى أنه لا يوجد حالياً سوى نحو 1000 موظف في كل أفرع المنظمة في قطاع غزة، مؤكداً أن «الحاجة كبيرة جداً وهناك فجوات في بعض التخصصات حتى اليوم».

ومع استهداف المستشفيات، فإن عدد الأسرّة المتاحة للمرضى صارت محدودة للغاية، ويتم التعامل مع الحالات حسب الأولوية الصحية، حسب أبو وردة، الذي يوضح أن أعداد الحالات من ذوي الأمراض المزمنة، خصوصاً داخل المخيمات صارت «مهولة»، حيث إن «معظم سكان القطاع متكدسون في منطقة صغيرة للغاية بظروف بيئية وصحية سيئة للغاية، ويتردد يومياً على عيادات الرعاية الأولية آلاف المرضى من ضمنهم الأمراض المزمنة، وفي ظل الوضع الحالي الكثير من أدويتهم غير متوفرة».

تجويع ممنهَج وفساد

شاهِد آخر من داخل القطاع، طلب تعريفه باسم وسام، قال: «بدأت الحرب في أكتوبر، وكانت بالتوازي معها هناك حرب اقتصادية تمثلت في جميع مناحي الحياة لأول مرة في تاريخ المعارك العسكرية ضد الفلسطينيين... من قطع جميع أواصر الحياة والضرب العنيف على كل أوتار الاقتصاد؛ يعني آلة القتل الإسرائيلية تطول الناس من ناحية، ومن الأخرى تقطع الكهرباء ليتم دفع الصناعة بالكامل إلى الشلل وتوقف التجارة بالكامل بعد إغلاق المعابر ليصبح هناك نقص حاد في الموارد السلعية».

وسام، الذي يعمل بأحد المراكز الحكومية ذات الصلة بالتجارة، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الوضع صار خطيراً بالفعل حالياً، لأن المخزون السلعي الاستراتيجي انخفض بشكل حاد، ليصبح لا يكاد يكفي 72 ساعة إثر الإغلاق الكامل للمعابر وقطع الإمدادات. ويتابع وسام: «فيما يخص الغاز مثلاً، فقد أصبح يدخل القطاع بشكل متقطع. والاعتماد حالياً على ما يدخل بشكل مباشر لأن الخزانات أصبحت بلا قيمة، فما يدخل ينفد في ذات اللحظة».

أطفال يحملون أواني معدنية ويتزاحمون للحصول على الطعام من مطبخ يتبع الأعمال الخيرية في خان يونس بقطاع غزة (إ.ب.أ)

أيضاً هناك أزمة أخرى، فالمواد السلعية التي تمر ليست منتظمة ولا منسَّقة، وعن ذلك يقول: «ما بيعطوك كامل المواد من احتياجاتك مرة واحدة... اليوم ممكن يمر منظفات وشغلات ثانوية ويقطعوا عنك اللحم والأرز والمواد الأساسية، عشنا آخر 10 أيام على هذه الشاكلة. بتلاقي أيام تانية نزلّك لحم ودجاج لكن بشكل أقل من الكميات المطلوبة، وبيصير سعرها عالي طبعاً. وهذا شكل مقنن لقطع المصادر الغذائية الأساسية وتوصيل الناس إلى مراحل كبيرة من سوء التغذية، وبتلاقي الناس كلها هزيلة وتعبانة لأنهم ما بيحصلوا على وجبة كاملة... لازم يكون في نقص في شيء».

فساد داخلي؟

لم يكن وسام وحده الذي يشير إلى الفساد، ورغم أن الكل يُدين الطرف الإسرائيلي سواء في المجازر أم الحصار والتجويع لسكان قطاع غزة، إضافةً إلى مسؤولية دولة الاحتلال عن توصيل المساعدات وفقاً للقانون الدولي، فإن كثيراً من قاطني القطاع والهاربين منه يُدينون الإدارة المحلية في قطاع غزة بأنها جزء من الأزمة، سواء بالضلوع في استغلال الوضع، أو السكوت عن الفساد.

وأشار عدد كبير ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» إلى أن الإدارة المحلية تسيطر على توزيع المساعدات الأممية، لكنَّ الفساد يتسلل إلى جانب من هذه المنظومة حيث تكثر السرقات للمستودعات، إضافةً إلى فرض ضرائب باهظة و«إتاوات» على مرور أي بضائع داخل القطاع... وكل ذلك أدى إلى حالة شح شديدة بالأسواق، وتضخم متوحش كسر ظهور سكان قطاع غزة.

ويرى خبير اقتصادي من داخل القطاع، طلب تعريفه باسم الدكتور وليد، أن «حماس» تسيطر على السيولة النقدية داخل القطاع، حيث أشارت تقديرات إسرائيلية إلى أن حجم الأموال التي جمعتها «حماس» خلال عام من الحرب تتجاوز 750 مليون دولار، من بيع المساعدات عدا عن الضرائب التي جمعتها، بالإضافة إلى السيولة النقدية التي قامت ببيعها. علماً أن الحركة سيطرت على خزانة بنك فلسطين المحدود التي كانت تحتوي على ما يقرب من 140 مليون دولار في بداية الحرب، حسب مصادر محلية ودولية.

آفاق مالية غائمة

وفيما يخص القطاع المالي في غزة إثر كل هذه التحديات العنيفة، تبلغ قيمة محفظة البنوك في غزة نحو مليار دولار، وتبلغ قيمة قطاع التمويل الأصغر في المنطقة نحو 54 مليون دولار، حسب تقارير الأمم المتحدة.

ونفّذت سلطة النقد الفلسطينية وقفاً مؤقتاً للقروض حتى سبتمبر (أيلول) 2024، على الرغم من أن التأثير على كفاية رأس المال والسيولة كان كبيراً. وتقدَّر الخسائر المباشرة التي تكبَّدتها مرافق القطاع المالي في غزة بأكثر من 14 مليون دولار، بالإضافة إلى التأثير الإجمالي للظروف الاقتصادية المتدهورة على المحفظة المصرفية.

فلسطينيون يلتقطون رزم مساعدات أُلقيت من الجو على شمال غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وهناك أيضاً مخاوف بشأن استعادة السيولة النقدية المتاحة في غزة قبل الحرب. وتؤكد التقارير أنه «لمعالجة نقص السيولة، قدمت سلطة النقد الفلسطينية بعض المساعدات، لكن مشكلات السيولة والوصول إلى الخدمات المالية لا تزال قائمة. ويظل انكشاف النظام المصرفي على القطاع العام مرتفعاً، حيث تجاوز مستوى 2.5 مليار دولار في يوليو (تموز) 2024. وتشير النسبة المتزايدة من الشيكات المرتجعة -التي تصل إلى 9 في المائة من قيمة جميع الشيكات في الربع الأول من عام 2024، حتى 25 في المائة في بعض الحالات- إلى ملف مخاطر مالية كلية متنامٍ».

وفي تقرير للبنك الدولي، صدر في مايو (أيار)، أكد أن وضع المالية العامة للسلطة الفلسطينية قد تدهور بشدة في الأشهر الأخيرة قبل صدوره، مما يزيد بشكل كبير من مخاطر انهيار المالية العامة. وأشار إلى «نضوب تدفقات الإيرادات إلى حدٍّ كبير بسبب الانخفاض الحاد في تحويلات إيرادات المقَاصَّة المستحقة الدفع للسلطة الفلسطينية والانخفاض الهائل في النشاط الاقتصادي. وتؤدي الفجوة الآخذة في الاتساع بسرعة بين حجم الإيرادات والمصروفات لتمويل الحد الأدنى من الإنفاق العام إلى أزمة في المالية العامة».

وأوضح التقرير أنه في نهاية عام 2023، وصلت الفجوة التمويلية إلى 682 مليون دولار، وأنه من المتوقع أن تتضاعف هذه الفجوة خلال الأشهر المقبلة لتصل إلى 1.2 مليار دولار. وأفاد بأن زيادة المساعدات الخارجية وتراكم المتأخرات المستحقة للموظفين العموميين والموردين هي خيارات التمويل الوحيدة المتاحة للسلطة الفلسطينية.

وفقد الاقتصاد الفلسطيني ما يقرب من نصف مليون وظيفة منذ أكتوبر 2023. يشمل ذلك فقدان ما يُقدَّر بنحو 200 ألف وظيفة في قطاع غزة، و144 ألف وظيفة في الضفة الغربية، و148 ألفاً من العمال المتنقلين عبر الحدود من الضفة الغربية إلى سوق العمل الإسرائيلية. وختم التقرير بعبارة: «ومع ضبابية المشهد وعدم اليقين بشأن آفاق عام 2024، من المتوقع حدوث انكماش اقتصادي آخر يتراوح بين 6.5 و9.6 في المائة».

7 عقود ضائعة

وفي تقديرات أخرى لـ«إسكوا»، فإنه في حال دخول الاقتصاد الفلسطيني إلى السيناريو الأسوأ مع عدم التعافي المبكر من آثار الحرب، واستمرار التضييق الإسرائيلي على السكان وبقاء مستوى المساعدات على وضعها الحالي، فإنه من المتوقع تهاوي الناتج المحلي الإجمالي بنحو 20.1 في المائة في 2025، وصولاً إلى 34 في المائة في 2034، مقارنةً بأوضاع ما قبل الحرب.

في تقرير آخر صادم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، صدر في أكتوبر الماضي بمناسبة مرور عام على حرب غزة، أكد أن «آثار الحرب أدت إلى تراجع التنمية في غزة بما يناهز 69 عاماً»، وأنه «دون رفع القيود الاقتصادية، وتمكين جهود التعافي، والاستثمار في التنمية، لن يقدر الاقتصاد الفلسطيني على استعادة مستويات ما قبل الحرب والتقدم للأمام بالاعتماد على تدفق المساعدات الإنسانية وحدها».

مقتل أكثر من 10 أشخاص إثر قصف إسرائيلي على منزل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير التقييم إلى أن خطة شاملة للتعافي وإعادة الإعمار، تجمع بين المساعدات الإنسانية والاستثمارات الاستراتيجية في التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب رفع القيود الاقتصادية وتعزيز الظروف المواتية لجهود التعافي، من شأنها أن تساعد في إعادة الاقتصاد الفلسطيني إلى المسار الصحيح ليستعيد توافقه مع خطط التنمية الفلسطينية بحلول عام 2034 -ولكنَّ هذا السيناريو لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت جهود التعافي غير مقيدة.

وقال أخيم شتاينر، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: «تؤكد التوقعات الواردة في هذا التقييم الجديد أنه في قلب المعاناة الإنسانية والخسائر الفادحة في الأرواح، تَلوح في الأفق إرهاصات أزمة إنمائية خطيرة تُعرِّض مستقبل الأجيال الفلسطينية القادمة للخطر». وأضاف: «يشير التقييم إلى أنه حتى لو تم تقديم المساعدات الإنسانية كل عام، فإن الاقتصاد قد لا يستعيد مستوى ما قبل الأزمة لمدة عقد أو أكثر. ويحتاج الشعب الفلسطيني إلى استراتيجية قوية للإنعاش المبكر يتم تنفيذها حالما تسمح الظروف على الأرض، كجزء لا يتجزأ من مرحلة المساعدة الإنسانية، من أجل إرساء الأسس للتعافي المستدام».

معركة الصبر والصمود

وحول الوضع النفسي حالياً لسكان غزة، يقول الدكتور محمد أبو دوابة: «المعروف عن الشعب الفلسطيني قدرته على الصمود، لا أتحدث عن المقاومة العسكرية، بل على مقاومة الظروف الصعبة... فهل ما وصلنا إليه يعد حالة يأس؟ في رأيي -وبعد عام كامل من الأزمة وظروف يمكن أن تضرب هذه الروح في مقتل- إننا بشر نُبدع في (آليات الصبر واستراتيجيات الصمود)».

وحول تجربته الشخصية، يقول أبو دوابة: «في بداية الأزمة، عملت متطوعاً في مستشفى الأقصى متخصصاً نفسياً... لكن كم كانت المهمة صعبة جداً، مثلاً ماذا يمكن أن نقول لشخص كل عائلته استُشهدت؟ وكان لي منذ سنوات ورقة بحثية في مؤتمر حول الصحة النفسية، أتكلم فيها عن (اضطرابات ما بعد الصدمة)، وأن ما يحدث في غزة هو صدمة مستمرة (Ongoing trauma) وليست صدمة عبرت بالفعل... ولكن هذه المرة فإن طول أمد هذه الصدمة المستمرة يجعلنا نشعر أن الناس بدأوا يصرخون بأنهم بشر وليسوا صامدين أو ناجين، فالناجي من الموت في غزة شخص يموت من الصدمة أكثر من 100 مرة في اليوم».