مراكز أبحاث أميركية: 2016.. عام سعودي

بعد عام من تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم.. دور القيادة السعودية في حسم الملفات الإقليمية والدولية المعلقة

الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله الملك سلمان بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2015 (غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله الملك سلمان بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2015 (غيتي)
TT

مراكز أبحاث أميركية: 2016.. عام سعودي

الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله الملك سلمان بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2015 (غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى استقباله الملك سلمان بن عبد العزيز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2015 (غيتي)

بعد عام واحد فقط من تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في المملكة العربية السعودية، أشارت مراكز أبحاث أميركية إلى أن العام الحالي سيكون عامًا محوريًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما سيكون عامًا حيويًا في تاريخ العلاقات السعودية - الأميركية.
تقول مراكز أبحاث أميركية إنه بداية من الملف النووي الإيراني وتوسع طهران، وصولاً إلى التهديد الذي يمثله «داعش» والحرب في سوريا والصراع في اليمن والاضطرابات في ليبيا ومستقبل مصر والكثير من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها المنطقة، ظهرت المملكة العربية السعودية كحجر زاوية في المنطقة، حيث تعمل على سد الفراغ الذي خلفته مصر في الأمن الإقليمي إثر انشغالها بقضاياها الداخلية، كما أنها عازمة على ردع من يقفون وراء التدهور والمتمثلين في «داعش» من جهة أو إيران من الجهة الأخرى.
وبحسب ثلة من مراكز الأبحاث الأميركية تحاول المملكة الاضطلاع بهذا الدور رغم الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، وذلك بعدما تراجعت أسعار البترول ووصلت إلى أدنى مستوياتها خلال سبع سنوات، مما جعل من تخفيض الموازنات واتخاذ إجراءات تقشفية أمرًا ضروريًا.
من بين التحديات التي تواجه المملكة وقيادتها، الغموض الذي يحيط بالسياسة الأميركية، وتردد إدارة أوباما في مواجهة إيران، بالإضافة إلى تزامن ذلك مع موقفها المتذبذب تجاه الحرب على «داعش» وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا، ويمكن وضعه ضمن إطار ظاهرة «رئاسة البطة العرجاء»، وهي الميل العام في الشهور الأخيرة من كل إدارة رئاسية أميركية إلى عدم اتخاذ مبادرات جديدة والتركيز بشكل رئيسي على حماية «إرثها» للأجيال المقبلة. وفي ظل اقتراب الولايات المتحدة من العام الانتخابي، وتزايد المخاوف الأمنية في أعقاب الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها كل من باريس وسان برناردينو وكاليفورنيا، عادت السياسة الخارجية مرة أخرى إلى النقاش العام؛ حيث تتعالى الأصوات التي تطالب بالحاجة إلى استعادة الحلفاء التقليديين لأميركا في المنطقة.
وفي هذا السياق، تظهر المملكة العربية السعودية بقوة. فمما لا شك فيه ستلعب المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين دورا مهما في 2016، سواء في توجيه العالم العربي صوب السلام أو مساعدة الولايات المتحدة على أن تحدد طريقها في المنطقة وهو الطريق الذي كانت قد ضلت عنه إلى حد بعيد.
تشير تقارير أميركية إلى أنه من المتوقع أن يكون عام 2016 عاما صعبا على المستوى السياسي في الولايات المتحدة في ظل سباق شرس حول المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري والسباق الرئاسي العنيف بين المرشح الجمهوري وخصمه الديمقراطي. وفي هذه المرحلة المبكرة، يبدو حتى الآن أن هيلاري كلينتون هي المرشح الديمقراطي.
وعلى الجانب الجمهوري، تظهر استطلاعات الرأي ميلا للمرشح الشعبي دونالد ترامب الذي أثارت تصريحاته اللاذعة جدلا دوليا. وتحاول النخب الجمهورية أن تجتمع معا لكي تحبط ترشيح ترامب خوفا من ضعف احتمالية فوزه بانتخابات عامة. ولكن حتى الآن ما زال من غير الواضح ما إذا كانت تلك المساعي سوف تنجح أم لا أو من بين المرشحين يمكن أن يستفيد من خسارته.
وبغض النظر عمن سوف يحل محله، من المرجح أن يقدم الرئيس القادم تصحيحا لسياسات إدارة أوباما التي أقصت الحلفاء العرب التقليديين للبلاد.
في البداية، هناك دليل على أن هيلاري كلينتون تدعم بقوة تعزيز التحالف السعودي - الأميركي. ففي 2011، وخلال الفترة التي كانت تعمل فيها وزيرة للخارجية، كانت واحدة من أقوى المدافعين عن صفقة مبيعات السلاح التي تقدر بنحو 29.4 مليار دولار للمملكة بما فيها 84 طائرة مقاتلة من طراز «إف - 15» من شركة «بوينغ» وتحديث نحو 70 طائرة سعودية.
وقد صرح مساعد وزير الخارجية وقتذاك بأن الموافقة على الصفقة كانت من أكبر أولويات كلينتون على الصعيد الشخصي. وفي الشهور الأخيرة، وفي محاولة للتمييز بين مواقفها ومواقف الرئيس، كانت كلينتون دائما ما تتعهد باستعادة ثقة الحلفاء العرب التقليديين لأميركا خاصة المملكة العربية السعودية.
ومن جهة أخرى، يقدم اليمين الأميركي دعما قويا لتعزيز التحالف السعودي - الأميركي في مجموعة كبيرة من القضايا الإقليمية. فمن الركائز الأساسية لخطاب المرشحين الجمهوريين الحاجة إلى إحياء التحالفات التقليدية لأميركا في المنطقة العربية – خاصة مع المملكة العربية السعودية – والمعارضة القوية للرؤية السائدة في البيت الأبيض بأن أوباما كان مصدرا رئيسيا للاستقرار في المنطقة.
وعلى الرغم من أن الخطب والجدال بين المرشحين الجمهوريين في الشهور الأخيرة لم تتطرق إلى القضية بالتفصيل، فإن استطلاعا للآراء داخل مؤسسات السياسة المرتبطة بالحزب الجمهوري قدم فكرة حول نوع تركيبات السياسة التي يتبناها المعسكر. فوفقا لمذكرة تتعلق بالسياسة الأميركية السعودية قدمها جيمس فيليبس وهو زميل الباحثين بمعهد الشؤون الشرق أوسطية بمؤسسة التراث: «يجب على واشنطن أن تعرض مساعدة الرياض في تحديث أنظمة الدفاع الصاروخية الباليستية ودمجها في نظام أوسع متعدد المستويات يشمل دول مجلس التعاون الخليجي ونشر بطاريات الباتريوت المحمولة الخاصة بالولايات المتحدة أو بحلف شمال الأطلسي لتحييد التهديد الصاروخي الإيراني. كما يجب على الولايات المتحدة أن تعزز التعاون مع الاستخبارات السعودية والقوات البحرية لرصد شحنات الأسلحة الإيرانية الموجهة للجماعات التابعة لإيران مثل المتمردين الحوثيين في اليمن وهو ما يمثل تهديدا للسعودية بالإضافة إلى الحكومة اليمنية».
وتراقب الولايات المتحدة باهتمام بالغ العام الجديد «الرجلين الأساسيين» في إدارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وهما ولي العهد الأمير محمد بن نايف، وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
فمن جهة كتب أحد كتاب الأعمدة البارزين في الولايات المتحدة والذي يكتب بصحيفة «نيويورك تايمز»، توماس فريدمان، مقالا إيجابيا للغاية حول مستقبل السعودية في أعقاب زيارته للرياض التي أجرى خلالها حوارا حصريا مع ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. فمن وجهة نظر فريدمان، كانت التغيرات الديموغرافية بالإضافة إلى حالة جديدة تسود بين الشباب مصدرا للدعوة إلى إجراء إصلاحات إيجابية لفترة من الزمن، ولكن «كان هناك دائما افتقار إلى قيادة مستعدة لاستغلال هذه الطاقة وتحويلها إلى إصلاحات». ويعتقد فريدمان أن الأمير محمد بن سلمان لديه القدرة على احتواء هذه الطاقة الشابة. ويصور فريدمان ولي ولي العهد بأنه رجل يعمل عن كثب مع أبيه ومع ولي العهد الأمير محمد بن نايف «بعدما اضطلع بمهمة تغيير الطريقة التي تدار بها المملكة العربية السعودية – بما في ذلك جهود تخفيف اعتماد البلاد على صادرات البترول وتمكين الجمهور من المشاركة في أداء الحكومة». كما نقل فريدمان عن محمد عبد الله الجدعان، رئيس مجلس هيئة السوق المالية السعودية تفاؤله بشأن مستقبل المملكة تحت القيادة الحالية: «لم أكن أبدا متفائلا بهذا القدر. فلدينا إيقاع لم نشهده من قبل كما أصبح لدينا نموذج في الحكومة لم نره من قبل».
وهناك أيضًا إحساس عام بالتفاؤل الأميركي حيال دور ولي العهد الأمير محمد بن نايف في العام الحالي خاصة في ما يتعلق بالمعركة ضد الإرهاب. فهناك إحساس بوجود رؤية ثقافية مشتركة معه، وهو ما يرجع في جانب منه إلى دراسته في الولايات المتحدة بكلية «لويس آند كلارك» في بورتلاند بأوريغون وهو ما يمكن أن يؤثر على المسؤوليات المهنية الموكلة إليه، حيث إنه قادر على التنقل بحرية بين عقليات مكافحة الإرهاب في العالم العربي أو في الغرب إذ إنه درس أيضًا في «مكتب التحقيقات الفيدرالي» في أواخر الثمانينات ثم درس في معهد «اسكوتلنديارد» لمكافحة الإرهاب في الفترة بين 1992 و1994. كما أحبط ولي العهد في مايو (أيار) 1998 - وفقًا لبروس ريدل، وهو زميل باحثين بمركز «بروكينغز» والذي قضى 30 عاما في مراقبة الاستخبارات الأميركية - أحبط مخططا لتنظيم القاعدة يستهدف الهجوم على القنصلية الأميركية في جدة عندما كان آل جور، نائبا للرئيس في ذلك الوقت. وبينما يرصد صناع السياسة الأميركيون التعاون في جهود مكافحة الإرهاب مع المملكة العربية السعودية العام الجديد، فإنهم يتطلعون لخبرات ولي العهد ولديهم إحساس بأنهم يستطيعون أن يثقوا في آرائه ونصائحه.
وفي 15 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت المملكة العربية السعودية أن 34 دولة قد وافقت على تشكيل «تحالف عسكري إسلامي» جديد لمكافحة الإرهاب من خلال مركز مشترك للعمليات يتمركز في الرياض.
ورحبت الكثير من الأصوات المرموقة في واشنطن بالمبادرة؛ فقد كتب زميل الباحثين بمركز بروكنغز، بروس ريدل: «يمكن لتحالف عسكري إسلامي قوي في مكافحة الإرهاب أن يحشد الدول الإسلامية في مواجهة تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية. كما يمكن أن يصبح منصة لاتخاذ إجراءات أكثر فعالية في مكافحة الإرهاب في المعركة الآيديولوجية من خلال حشد رجال الدين الإسلامي».
وبالنسبة للبيت الأبيض، أشارت إدارة أوباما إلى ترحيبها أيضًا بالتحالف الجديد - وإن كانت تجد صعوبة في الثناء على جهودها الشخصية في تكوين تحالف واسع خاص بها: ففيما كانت تحتفي بالمبادرة السعودية، قال المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش إرنست: «أعتقد أن السعوديين بذلوا جهودا حثيثة للتأكيد على أن هذا التحالف ليس بديلا عن التحالف المكون من 65 عضوا والذي أسسته الولايات المتحدة الأميركية وتقوده».
وقد يرجع ذلك «التوتر البناء» في جانب منه إلى تركيز إدارة أوباما فقط على الصراع ضد «داعش» وعدم الاهتمام الواضح بمكافحة الميليشيات التابعة لإيران. وعلى النقيض، قال ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بوضوح خلال المؤتمر الصحافي الذي تم إعلان التحالف الجديد خلاله بأنه لا يوجد هدف واحد للتحالف، بل إنه يستهدف الإرهاب بكافة صوره. ومن جانبهم، لاحظ المحللون بوسائل الإعلام الأميركية أنه بينما تضمن التحالف الجديد دولا لديها جيوش قوية مثل باكستان وتركيا ومصر، فإنه تضمن أيضًا دولا مزقتها الحروب مثل ليبيا واليمن، واستبعد الدول التي تخضع للنفوذ الإيراني مثل العراق وسوريا.
ولتقييم طبيعة التحالف في ضوء المتغيرات الإقليمية الأوسع، عقد ريدل مقارنة قوية بين مقاربة إدارة أوباما أحادية الجانب في مواجهة الإرهاب والمقاربة السعودية متعددة الجبهات: «بالنسبة للرياض، فإن المعركة ضد إيران بمثل أهمية المعركة ضد (القاعدة) و(داعش)».
بالنسبة للأميركيين الذين يشاركون السعودية رؤيتها بأن التوسع الإيراني يمثل تهديدا بنفس خطورة «داعش»، سوف يتم الترحيب على نحو خاص بالتحالف السعودي. فهناك آمال بأن يعمل التحالف إذا ما حافظ على تماسكه ووحدته السياسية كنوع من «الخطاب المركزي» العالمي في الصراع ضد كليهما خلال العام الجديد.
من جهة أخرى، تنظر واشنطن إلى الدور السعودي في مكافحة الحوثيين في اليمن ودعم استقرار البلاد خلال العام الجديد باعتباره من القضايا الأكثر أهمية التي تواجه المنطقة خلال العام الحالي.
في 26 ديسمبر، وضع ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا «موعدا مستهدفا» لبدء المحادثات في 25 يناير (كانون الثاني) في جنيف لاتخاذ قرار حول الحرب الأهلية في سوريا. وكان ذلك إثر شهور من الجهود الحثيثة وبدعم قوي من وزير الخارجية الأميركي جون كيري لوضع كل أطراف النزاع معا لحل المشكلة سياسيا. وعلى نحو يتفق مع الرؤية الإقليمية لإدارته، سعى كيري لكي تشترك كل من إيران وروسيا بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية.
ومع ذلك، فإن الحقيقة في المنطقة اليوم هي أن المملكة العربية السعودية وليست الولايات المتحدة هي من تبني صلات مع عدد من أطراف النزاع. فقد عززت الزيارات المتتالية التي قام بها ولي ولي العهد محمد بن سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو، حيث أعلنت المملكة عن صفقات اقتصادية جديدة مع الكرملين، وغيرها من المبادرات لصالح روسيا، النيات الطيبة بين البلدين وقد تكون قد عززت قدرة السعودية على تغيير الموقف الروسي في ما يتعلق بسوريا على نحو إيجابي. ومن ثم وبينما يبرز الإجماع الأميركي والدولي للضغط من أجل حل سياسي للنزاع، سوف تصبح الرياض وجهة مهمة للمباحثات والمفاوضات وحل المأزق الذي سيكون ضروريا لجعل إمكانية عقد صفقة أمرا ممكنا.
وتعد إحدى مناحي القضية السورية التي تحظى بأهمية خاصة لدى الرأي العام الأميركي هي مسألة مستقبل ملايين اللاجئين الذين فروا من إراقة الدماء في تلك الدولة التي مزقتها الحرب. وذلك حيث تفتخر الولايات المتحدة بأنها «دولة مهاجرين» وأن معظم سكانها هم أساسا أحفاد لاجئين من كل أنحاء العالم. ومن ثم فإن مسألة عدد اللاجئين السوريين الذين سوف تتمكن الولايات المتحدة نفسها من احتوائهم سوف يستمر في أن يظل قضية رئيسية خلال 2016، ومن ثم كان بعض المحللين السياسيين يتساءلون عن الدور الذي سوف تلعبه كل من المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
وتذكر دراسة حول اللاجئين السوريين في دول الخليج أجرتها لوري بلوتكين بوغارت من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن نحو نصف مليون سوري الآن يعيشون في المملكة العربية السعودية، وأن ثلث هذا العدد قد يكون قد استقر في المملكة منذ اندلاع العنف في سوريا في 2011. واحتفت بوجارت والكثير من زملائها بمعهد واشنطن بالقيادة السعودية والكرم المالي وكرم الضيافة الذي منحوه للاجئين السوريين، وهي السلوكيات التي سوف تلهم الأميركيين لكي يتحملوا جانبا من المسؤولية داخل حدودهم.
أما فيما يخص الوضع بالقاهرة فيعد استمرار الاضطرابات في مصر مصدر قلق كبير للولايات المتحدة. فمن جهة، كان المدافعون عن الإخوان المسلمين في واشنطن أقوياء في موقفهم ضد حكومة القاهرة. ومن جهة أخرى، هناك معسكر سياسي لا يقل عنه قوة يقف دفاعا عن الرئيس السيسي في واشنطن ويرحب بالدعم السعودي للحكومة المصرية في وقت كان ينظر فيه لالتزام إدارة أوباما تجاه البلاد بأنه لا يعتمد عليه.
بالنسبة لجيمس فيليبس، كبير الباحثين بمؤسسة التراث اليمينية في واشنطن: «تشترك كل من الرياض وواشنطن في الاهتمام بدعم الاستقرار في مصر ومساعدة القاهرة على هزيمة المتشددين». ولكن فيليبس أعرب أيضًا عن قلقه بشأن التقارب المتزايد بين القيادة المصرية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ودعا الرياض إلى «سحب عرضها بتمويل صفقة شراء مصر للأسلحة الروسية والعمل بدلا من ذلك مع القاهرة على إيجاد مصادر سلاح بديلة في أوروبا أو المملكة المتحدة».
وبشأن الأزمة الليبية ظهرت بشائر الأمل في ما يتعلق بالدولة التي مزقتها الحروب في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر عندما التقى عددا من القيادات السياسية الليبية لتوقيع اتفاق ترعاه الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية. فقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عن تهنئته وحذره في الوقت نفسه؛ حيث وصف الاتفاق بأنه «بداية الرحلة الصعبة». ولكن بالنسبة لدولة من المتشددين والحكومات المتصارعة ونحو 2.4 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية فورية، فإن ذلك يعد أفضل خبر سمعناه في الفترة الماضية.
وعلى الفور أعرب وزير الخارجية السعودي عن ترحيبه بالاتفاقية وأمله في أن تؤدي إلى استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا في ظل وحدتها القومية وتكاملها الإقليمي.
وبحسب سياسيين أميركيين سوف تكون القيادة السعودية حيوية في 2016 في ضمان تطبيق الاتفاقية الليبية وتعزيز قدرة الحكومة الليبية على الاستقرار وتأمين حدودها.
وفي ظل الاضطرابات الإقليمية والمخاوف المتعلقة بإيران، تمحور جانب كبير من المناقشات السياسية الأميركية مع حلول العام، حول الدعوة لتواصل أعمق مع المملكة العربية السعودية ككل (خادم الحرمين الشريفين، والجيل الشاب من القيادات الذي تبناه، والاتجاهات المشجعة التي تسود المجتمع) فلنأخذ في الاعتبار، على سبيل المثال، المقال الذي كتبه جاري أكرمان مؤخرا، وهو عضو سابق بالكونغرس في صحيفة واشنطن الشهيرة «ذا هيل»: «فلنعزز الروابط الأميركية مع المملكة العربية السعودية الجديدة»، حيث تحدث أكرمان عن التطلع العالمي المتزايد للجيل الجديد من الشباب السعودي. كما كتب بإيجابية حول الخطة الاقتصادية التي تحدث بشأنها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس أوباما بصحبة خادم الحرمين في البيت الأبيض. كما لمح إلى التقدم الذي تم إحرازه بشأن القضايا الاجتماعية في المملكة. ودعا أكرمان إلى تعزيز التحالف السعودي - الأميركي لكي يتضمن قدرا أكبر من الدعم للمصالح الأمنية للمملكة والقيادة الإقليمية بالإضافة إلى قدر أكبر من التعاون الاقتصادي والثقافي.
من الناحية الاقتصادية وخلال زيارة الملك سلمان وولي ولي العهد محمد بن سلمان للرئيس أوباما في البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) الماضي، عرض ولي ولي العهد خريطة طريق لقدر أكبر من المشاركة الأميركية في الاقتصاد السعودي. وتضمنت تلك الخريطة عروضا مفصلة حول الاستثمارات في التعدين والبترول والغاز وتجارة التجزئة والترفية والإسكان والبنية التحتية والصيرفة والخدمات التكنولوجية التي تتضمن جميعها امتيازات تقدم للشركات الأميركية وتقدر بمئات المليارات من الدولارات خلال السنوات الخمس التالية. ثم تعهد الملك سلمان بتقديم أكثر من 3 تريليونات دولار لدعم الشراكة الاقتصادية بين القطاعين الخاص والعام خلال السنوات الخمس المقبلة وتقديم أولوية خاصة لبناء الطرق الجديدة والموانئ وأنظمة السكة الحديد الحديثة. وهذا بالطبع ذو أهمية كبيرة للقطاع الخاص الأميركي الذي من المتوقع أن ينافس بشراسة مع البلدان الأخرى في أي عقود يتم طرحها. كما يدرك رجال الأعمال الأميركيون تماما حقيقة أن ولي ولي العهد محمد بن سلمان كان يتحرك بقوة لوضع خطط لتعزيز الاقتصاد السعودي وتنويع القطاع الخاص. وفي هذا الإطار، استعان بعدد كبير من الخبراء الغربيين – خاصة الأميركيين - لتقديم النصح بشأن تلك الخطط. ومن بين هؤلاء الخبراء كانت شركة «ماكينزي» للاستشارات والتي أصدرت تقريرا في بداية الشهر الحالي تقول فيه إن المملكة العربية السعودية يمكنها أن تضاعف الناتج المحلي الإجمالي وتوفر فرص عمل لنحو 6 ملايين سعودي بحلول عام 2030 إذا ما تمكنت من تحقيق «تحول منتج يعتمد على الاستثمارات».
ومن ثم، هناك آمال واسعة بشأن تزايد الدور الأميركي في إعادة تخطيط الاقتصاد السعودي خلال عام 2016.

** ينشر بالتزامن
مع الشقيقة مجلة «المجلة»



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني