صناديق التحوط تواجه عامًا صعبًا في 2016

قيمتها تصل إلى 3 تريليونات دولار.. وتكبدت خسائر «مؤلمة» في 2015

تعرضت صناديق التحوط للخسائر، في جزء منها، بسبب أنها عملت على تكديس الكثير من الشركات نفسها - التي تعرف في العادة باسم «فنادق صناديق التحوط» (رويترز)
تعرضت صناديق التحوط للخسائر، في جزء منها، بسبب أنها عملت على تكديس الكثير من الشركات نفسها - التي تعرف في العادة باسم «فنادق صناديق التحوط» (رويترز)
TT

صناديق التحوط تواجه عامًا صعبًا في 2016

تعرضت صناديق التحوط للخسائر، في جزء منها، بسبب أنها عملت على تكديس الكثير من الشركات نفسها - التي تعرف في العادة باسم «فنادق صناديق التحوط» (رويترز)
تعرضت صناديق التحوط للخسائر، في جزء منها، بسبب أنها عملت على تكديس الكثير من الشركات نفسها - التي تعرف في العادة باسم «فنادق صناديق التحوط» (رويترز)

عندما يقوم ديفيد اينهورن، مؤسس شركة «غرينلايت كابيتال»، باستضافة المستثمرين في المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي في يناير (كانون الثاني) الحالي فإن ضيوفه سوف يتناولون عشاءهم في قاعة المتحف أسفل الحوت الأزرق الكبير الذي يبلغ طوله 94 قدما.
يعقد ويليام إيه أكمان اجتماعا بعد ذلك بأسبوع، في مكتبة نيويورك العامة في بريانت بارك، حيث يجتمع هو والمستثمرون في شركته – «بيرشينغ سكوير» لإدارة رأس المال – في القاعات التاريخية المشيدة من الرخام والخشب والذهب.
ولسوف تكون الإعدادات من الفخامة والرفاهية كما كانت كذلك عبر السنوات الماضية، غير أن الظروف ستكون مختلفة أشد الاختلاف: حيث يكون مديرو صناديق التحوط، وهم من أصحاب المليارات، إلى جانب العديد من أقرانهم، تحت ضغوط كبيرة لكي يفسروا للمستثمرين كيف خسروا الكثير من الأموال خلال 2015.
مع صدور أرقام الأداء النهائية لصناعة إدارة الأموال، يبقى شيء واحد في منتهى الوضوح: لم يقترب عام 2015 من نهايته بدرجة كافية بالنسبة للعديد من المديرين والمستثمرين. فقد واجه مديرو صناديق التحوط، مثل السيد اينهورن، والسيد اكمان، والسيد لاري روبينز، المستثمرين بمفاجأة عمق خسائرهم المالية خلال هذا العام - والتي جاءت في أرقام مضاعفة بالنسبة لبعض المحافظ الاستثمارية خلال أوائل شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
سوف تكون ضغوط المستثمرين على مديري صناديق التحوط هائلة من أجل أداء أفضل في عام 2016. ويتوقع القليل من محللي البنوك أداء أفضل للأسهم خلال العام المقبل مما كانت عليه خلال هذا العام، حيث توقعوا لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للأسهم أن ينتهي خلال هذا العام من دون تغيير كبير يُذكر عن بدايته. والتوقعات الحالية بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف يواصل رفع أسعار الفائدة - وهي الخطوة التي اتخذها البنك المركزي الأميركي في ديسمبر الماضي لأول مرة خلال عقد كامل - قد يكون لها تأثيرها على الأسواق وتزيد من تعقيد الاحتمالات بشأن التعافي السريع والقوي في العام الجديد.
تأتي الخسائر الفادحة هذا العام في وقت صعب بالنسبة للصناعة التي تقترب من 3 تريليونات دولار، ولقد وجهت بعض صناديق التقاعد أسئلة مفتوحة بشأن القيمة التي تضيفها صناديق التحوط إلى المحفظة في ضوء هياكل الرسوم الباهظة. تفرض صناديق التحوط في المعتاد نسبة 2 في المائة من الأصول التي تديرها و20 في المائة من الأداء، مما يعني إفساح المجال للمديرين لتأمين الرواتب بملايين الدولارات حتى في ظل خسارتهم لأموال المستثمرين.
تعرضت صناديق التحوط للخسائر، في جزء منها، بسبب أنها عملت على تكديس الكثير من الشركات نفسها - والتي تعرف في العادة باسم «فنادق صناديق التحوط» بسبب شهرتها الواسعة بين مختلف مديري صناديق التحوط - والتي شهدت هبوطا حادا في الأسهم في أواخر العام الحالي. ومن بينها شركات «صن إديسون»، و«ويليامز»، و«شينيري» للطاقة، و«فاليانت الدولية» للأدوية، والتي شهدت دعاية سلبية إثر الزيادات الكبيرة في أسعار بعض الأدوية.
خسر كل صندوق من صناديق التحوط، التي راهنت على صعود أسهم الطاقة في عام 2015، ولا يزيد سعر تداول براميل النفط في الوقت الحالي على 40 برميلا للدولار.
جاءت الخسائر الأخرى نتيجة لتأثير الدومينو الناجم بدوره عن أحداث الاقتصاد الكلي، بما في ذلك التحركات المفاجئة في العملات من قبل البنوك المركزية في الصين، وسويسرا، وفي غير ذلك من الدول، إلى جانب هبوط أسعار النفط، وانهيار أسعار السلع والاضطرابات التي تشهدها الأسواق الناشئة.
بالنسبة للعديد من الشركات، كان عام 2015 عاما قاسيا، حيث حققت الشركات أرباحا كبيرة في النصف الأول من العام لتهبط الأرباح تماما خلال الأشهر الستة التالية. وسوف يكون المستثمرون في شركة «بيرشينغ سكوير» على دراية بمشاعر الاضطراب الحادة التي تجلبها تلك التقلبات. قبل عام من الآن، شهدت شركة «بيرشينغ سكوير» واحدا من أفضل أعوامها، حيث حققت أرباحا بما يقرب من 40 في المائة. وفي الأسبوع الأول من أغسطس (آب)، ارتفع الصندوق الرئيسي للشركة بنسبة 11 في المائة خلال العام. ومن ذلك الحين، ظلت الشركة على مسار تنازلي وكبير، حيث تهاوت جُل رهاناتها على شركتي «فاليانت» و«بلاتفورم» للمنتجات المتخصصة.
وبحلول يوم 22 ديسمبر الماضي، هبطت المحفظة الرئيسية لشركة «بيرشينغ سكوير» بواقع 19.5 في المائة لهذا العام.
ومن الخسائر الكبيرة أيضا المشهودة في عام 2015 كانت خسارة شركة «غرينلايت كابيتال» لمالكها السيد اينهورن لنسبة 20 في المائة، وكذلك خسارة شركة «غلينفيو» لإدارة رؤوس الأموال لمالكها السيد روبينز لنسبة 17 في المائة. أما أرقام الأداء، عبر نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، فكانت متضمنة في تقرير بنك «إتش إس بي سي». حتى جون إيه بولسون، الذي حقق المليارات من الرهان في الفقاعة السكانية، خسر أيضا أموال المستثمرين في ثلاثة صناديق للتحوط خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
لكن هناك بعض النجوم الصاعدة على الرغم من الأرقام الكئيبة، حيث ارتفع متوسط صناديق التحوط، وفقا لمقياس المؤشر المركب لأبحاث صناديق التحوط، بنسبة 1 في المائة. وقد ارتفع أداء مجموعة صغيرة من تلك الصناديق على خلفية العام المخيب للآمال في أسواق الأسهم والسندات، وذلك مع توجه مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للهبوط القليل في الأيام الأخيرة من عام 2015.
كان غابريل بولتكين، وهو المدير السابق لشركة «ساك للاستشارات المالية»، مع صندوق التحوط الذي يديره باسم «ميلفين كابيتال»، الحالة الشاذة الوحيدة في تلك الصناعة. حيث إن «ميلفين كابيتال»، وهو صندوق التحوط ذو التركيز على الأسهم والذي بدأ العام الماضي، قد حقق أرباحا تقترب من 40 في المائة بحلول منتصف نوفمبر الماضي، وفقا لأحد الأشخاص المطلعين على أداء الصندوق والذي تحدث مفضلا عدم ذكر هويته. كان بولتكين واحدا من كبار متداولي أسهم المستهلكين لدى شركة «ساك للاستشارات المالية»، وهي صندوق التحوط الذي أسسه في السابق السيد ستيفن إيه كوهين.
من بين صناديق التحوط البارزة الأخرى التي تبدو مستعدة لتحقيق أفضل أداء لهذا العام هي صندوق «إسرائيل إنغلادندر» لشركة «ميلينيام» لإدارة رؤوس الأموال، والذي حقق أرباحا بنسبة 11 في المائة خلال شهر نوفمبر الماضي، وصندوق «شام ادرانغي» لشركة «كيريسديل كابيتال»، والذي ارتفع بمقدار 18 في المائة في الفترة نفسها، كما صرح بذلك أناس مطلعون على أرقام أداء تلك الشركات. كما حققت شركة «رينيسانس للتكنولوجيا»، التي أسسها جيمس إتش سيمونز، مع صندوقين للتحوط تديرهما، زيادة بمقدار 16 في المائة، وفقا لأحد الأشخاص من ذوي الدراية بأرقام الأداء والذي تحدث مفضلا عدم ذكر هويته.
نشر عدد كبير من الشركات أيضا أرباحا أكثر تواضعا في عام 2015، ومن بينهم شركة «سوفريتا كابيتال» لصاحبها آرون كوين، والتي حققت أرباحا بنسبة 7 في المائة بحلول نهاية نوفمبر الماضي، وشركة «سابا كابيتال»، التي أسسها بواز وينشتاين، والتي حققت أرباحا بنسبة 6 في المائة خلال منتصف ديسمبر الماضي، وفقا لأشخاص على دراية بأرقام أداء هذه الشركات.
على الرغم من أن جُل الاهتمام كان منصبا على الخاسرين في عام 2015، فلم يكن الأداء الضعيف وحده هو السبب في بلاء تلك الصناعة. لكن العام نفسه اشتمل على عدد من الإغلاقات البارزة وسداد العوائد لدى بعض الشركات ذات الأسماء التجارية الكبيرة. كما تسارعت الوتيرة كثيرا خلال الربع الثالث من هذا العام.
وقد أجبرت ثلاث من كبريات الشركات الاستثمارية - «بين كابيتال»، ومجموعة «فورترس» الاستثمارية، و«بلاك روك» - على إغلاق صناديق التحوط لديها. كما تخير مايكل بلات الإذعان لشركة «بلو كريست كابيتال» مع ارتفاع مطالب المستثمرين.
تكبدت شركة «كلارين رود» لإدارة الأصول، والتي تملك أغلب أسهمها مجموعة «كارلايل» للأسهم الخاصة، ما يقرب من 3 مليارات دولار في سداد عوائد المستثمرين هذا العام، كما أفاد بذلك أحد المطلعين على الشؤون هناك. ولقد شهد أداء الشركة صدمة قوية هذا العام من خلال الاستثمار في مجال الطاقة، والمجالات المالية، واليونان. وكان من المتوقع لسداد العوائد أن يقلل من الأصول تحت إدارة الشركة إلى ما يقرب من مليار دولار، مقارنة بـ8 مليارات دولار كانت تحت إدارتها من قبل.
ومع ذلك، يحوم العدد الإجمالي لإغلاقات صناديق التحوط هذا العام مقتربا من إجمالي العام الماضي بمقدار 731، وفقا إلى بيانات «بريكين».
لكن المعروف عن «وول ستريت» إنتاج المتداولين الذين يحققون الأرباح المالية الكبيرة، ثم يواجهون هبوطا حادا، ثم يعاودون التداول لمرة ثانية وربما ثالثة. وذلك من الأمور التي، من دون شك، تراهن صناديق التحوط عليها في عام 2016.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.