الحصاد الثقافي السعودي: معرض دولي آخر للكتاب ومهرجان للأفلام السعودية

لقاء خادم الحرمين بالمثقفين يدفع عجلة الثقافة للأمام.. والإعلان عن عودة «الجنادرية» بعد توقف عام

جانب من {معرض جدة للكتاب} - ملصق {مسابقة أفلام سعودية} ({الشرق الأوسط})
جانب من {معرض جدة للكتاب} - ملصق {مسابقة أفلام سعودية} ({الشرق الأوسط})
TT

الحصاد الثقافي السعودي: معرض دولي آخر للكتاب ومهرجان للأفلام السعودية

جانب من {معرض جدة للكتاب} - ملصق {مسابقة أفلام سعودية} ({الشرق الأوسط})
جانب من {معرض جدة للكتاب} - ملصق {مسابقة أفلام سعودية} ({الشرق الأوسط})

مرت السعودية خلال عام 2015 بأحداث ثقافية كان لها الأثر في زيادة وتيرة الحركة الثقافية السعودية، وبعض هذه الأحداث كان أبرز ما شهدته البلاد خلال العام.
في هذا المجال يبرز لقاء خادم الحرمين الشريفين بالمثقفين السعوديين كأحد أهم أحداث العام الثقافية. وكان معرض جدة الدولي للكتاب حدثًا بارزًا، ليس على المستوى المحلي فقط بل تجاوزه إلى المستوى العربي، وكذلك إقامة معرضين دوليين للكتاب، أحدهما في الرياض والآخر في جدة، مع فارق زمني، معرض الرياض في الربع الأول للعام، وجدة في الربع الأخير للعام، أيضًا من الإنجازات الثقافية في 2015.
الدكتور عبد الله الحيدري رئيس نادي الرياض الأدبي يصف لقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في العام الماضي بالمثقفين والإعلاميين، وهو أحدهم، بالأهم كحدث ثقافي محلي في عام 2015. ويقول عن ذلك: «اللقاء الذي شاركت فيه ضم شرائح مختلفة من المثقفين رجالاً ونساء، مما يعطي دلالة واضحة على ما يكنه خادم الحرمين الشريفين من اهتمام وعناية بالثقافة والمثقفين، وبأهمية دورهم في تشكيل الوعي وبث التنوير». وكان للقاء، كما يضيف الحيدري دلالة أخرى، وهي «أهمية توحيد الجهود وتحديد الرؤية والتخطيط للطرح الإعلامي والخطاب الثقافي للتصدي للهجمات الظالمة التي تتعرض لها السعودية بين آونة وأخرى من بعض وسائل الإعلام المأجورة أو المعادية». وهو يرى أن لقاء المثقفين مع خادم الحرمين الشريفين وحواره معهم «سيكون له الأثر الكبير في تأكيد مكانتهم، وقوة وتأثير رسالتهم في الوقت الذي نجد فيه بعض الشباب يختطف من خلال أفكار شاذة وأطروحات غريبة».
وأشار إلى أن هذا اللقاء هو فاتحة للقاءات أخرى يحظى من خلالها المثقفون بالدعم المعنوي المستمر، لأداء رسالتهم المنوطة بهم في الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون التي تسعى دومًا لتحقيق الأهداف التي رسمت لها، ومن بينها الاهتمام بفئة الشباب.
شهدت السعودية في فبراير (شباط) الماضي عودة مسابقة أفلام السعودية التي تجتذب هواة الفن السابع من السعوديين، وذلك بعد توقف دام سبع سنوات، حيث أقيمت الدورة الأولى في عام 2008، في حين أعلنت الجهة المنظمة للمسابقة قبل نهاية العام الحالي بدء استقبال المشاركات للدورة الثالثة التي ستنظم في فبراير من عام 2016.
ويرى الدكتور عبد المحسن القحطاني صاحب مركز عبد المحسن القحطاني للدراسات الثقافية والإعلامية أن أبرز أحداث العام على التوالي معرض جدة الدولي للكتاب، وتوقف مهرجان الجنادرية لهذا العام، الذي ناهز ثلاثين عامًا من العمر وأحدث في السعودية على مر هذه السنين حراكًا ثقافيًا وأدبيًا لا يستهان به.
يذكر أنه تم الإعلان قبل نهاية العام عن عقد الدورة الجديدة للمهرجان الذي سيرعاه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في دورته الثلاثين التي تعقد في الثالث من شهر فبراير 2016.
ويرى القحطاني أن من أحداث العام ازدهار الصالونات الأدبية والثقافية بسماح وزارة الثقافة والإعلام للأفراد بإنشاء مراكز دراسات ثقافية، وحصل هو على تصريح بإنشاء مركز للدراسات الثقافية الإعلامية.
ويقول عبد العزيز السماعيل، مدير الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، إن عام 2015 شهد زيادة فروع الجمعية في مختلف مناطق السعودية، وتولت فروع الجمعية قيادة المشهد الثقافي العام. وتنوع الفعاليات التي نظمتها يدل دلالة واضحة على تسيدها للمشهد الثقافي العام في السعودية.
ومن أحداث العام، عودة مسابقة الأفلام السعودية للمرة الثانية بعد توقف طويل.
أما على مستوى النشر، فيقول خالد اليوسف المهتم بحركة النشر إن عام 2015 حمل كثيرا من الأخبار والفعاليات السارة بالنسبة إلى المثقفين السعوديين، فقد بلغ عدد العناوين في مختلف الفنون الأدبية نحو 430 عنوانًا شملت النقد والقصة والرواية وغيرها من فنون الأدب، كذلك شكل عام 2015 قفزة في مجال التأليف، حيث كانت المنشورات في تصاعد مستمر منذ سنوات.
وهو يعتبر معرض جدة الدولي للكتاب مكسبا للثقافة السعودية على وجه الخصوص والعربية بشكل عام، إذ جرت العادة أن يقام معرض واحد للكتاب في كل دولة باستثناء بعض الدول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، وإضافة معرض جدة إلى أجندة حركة النشر العربية يعطي دفعا للثقافة المحلية والعربية والحركة النشر بشكل عام.
بدوره يعتقد عادل الحوشان، ناشر سعودي، أن أبرز الأحدث هو معرض جدة الدولي للكتاب، فبعد أن كان السعوديون ينتظرون مناسبة واحدة لمعرض الكتاب تقام في العاصمة سنويًا، أصبحت الآن هناك مناسبتان هامتان لمعرض الكتاب ينتظرها المثقفون بكل شغف.
من جهة أخرى، يقول عباس حايك، كاتب مسرحي، إن عام 2015 كان فأل خير على المهتمين بالأفلام والعروض السينمائية في السعودية، وذلك بعودة مهرجان الأفلام في الدمام بعد سبع سنوات غياب، إذ نظم دورته الثانية في فبراير الماضي.
كما أطلق المهرجان والقائمون عليه البرنامج الوطني لتطوير صناعة الفيلم بشراكة كاملة بين جمعية الثقافة مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي، وفتح الباب لعروض أفلام مستمرة في مقار الفروع.
ومن بين ما ميز هذا العام أيضًا إقامة مهرجان الشعر في جمعية الثقافة والفنون بالدمام، الذي كان مهرجانًا ثقافيًا تمازجت فيه الفنون والآداب، بين الشعر والتشكيل والسينما والأفلام، بالإضافة إلى حفلات توقيع دواوين شعرية نظمتها الجمعية. وكذلك يشكل معرض الكتاب الدولي بجدة بعد غياب سنوات، من وجهة نظر حايك، واحدًا من أبرز أحداث العام الثقافية، لكنه يرى بالمقابل أن «التقشف» الذي أعلنته جمعية الثقافة والفنون كان الأكثر إثارة للجدل في عام 2015، خصوصا لدى المسرحيين، فالقرار أفرز حالة من الإحباط والتذمر أثر على الحركة المسرحية في البلد عموما. وعلى أثر ذلك لم تقدم فروع الجمعية عروضًا حسب المخطط له أو تنظم مهرجانات مثل مهرجان الدمام لمسرح الكبار ولمسرح الصغار أيضًا، إضافة إلى ذلك فقد حمل العام للمسرحيين إحباطا جديدًا بفشل الجمعية العمومية لجمعية المسرحيين السعوديين وبقاء هذا الكيان معطلاً بعد سنوات من الخلافات بين أعضاء مجلسه.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».