«الجنس الناعم» يدخل البرلمان المصري

امرأة تترأس جلسته الإجرائية لأول مرة

مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
TT

«الجنس الناعم» يدخل البرلمان المصري

مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير
مارغريت عازر - د. هبة هجرس - د. آمنة نصير

صاحت وهي تركب العربة المكونة من ثلاثة إطارات (التوكتوك): «انتظروني». كانت هذه صيحات السيدة نورا البالغة من العمر 66 سنة، وهي تسعى للمشاركة في المظاهرات العارمة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وعادت السيدة نفسها للمشاركة في الاحتجاجات الكبرى التي أسقطت حكم الرئيس محمد مرسي. وتجلس نورا اليوم، في ظل النخلة أمام بيتها على آخر ناصية شارع محمود عساف، في ضاحية دار السلام في جنوب القاهرة، وهي تنتظر لكي ترى أول سيدة تترأس الجلسة الإجرائية للبرلمان المصري، وهي النائبة آمنة نصير. وتقول السيدة نصير لـ«الشرق الأوسط»: نعم.. إنني أهدي رئاستي لهذه الجلسة لسيدات مصر اللائي شاركن بقوة منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في صناعة هذا الواقع الجديد.

منذ ظهور الحياة النيابية في مصر إلى النور منذ نحو 150 سنة، لم تتمكن المرأة، أو كما يسميها البعض «الجنس الناعم»، من الحصول على كل هذه المقاعد بالانتخاب المباشر من المقترعين إلا اليوم. سيصل عدد النائبات إلى نحو 90، أو أقل قليلا، بعد أن تخرُج قائمة المعينين من جانب رئيس الدولة. يبلغ عدد مقاعد البرلمان 587 مقعدا، هي كالتالي: 120 لمن فازوا بنظام القوائم و440 لمن فازوا بالنظم الفردي، بالإضافة إلى 27 مقعدا يعينهم رئيس الجمهورية وفقا للدستور. تشعر النائبة هبة هجرس، بعد أن فازت، بالسعادة وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «الإنجاز الكبير الذي حققته المرأة في انتخابات البرلمان».
وتحمل السيدة هجرس درجة الدكتوراه في دراسات الإعاقة وعلم الاجتماع من بريطانيا، وفازت كمرشحة ضمن ائتلاف «في حب مصر». وتقول عن رؤيتها لعمل مجلس النواب القادم، في ظل وجود هذا العدد الكبير من السيدات، إنه «سيؤدي إلى تغير كبير.. السيدات سوف يقمن بنقلة نوعية في مجلس النواب». هذه هي المرة الأولى، منذ بداية تاريخ الحياة النيابية المصرية، التي تحصد فيها السيدات كل هذا العدد من أصوات الناخبين سواء كانوا رجالا أو نساء. حتى في الصعيد (جنوب مصر) الذي يشتهر بالانحياز للرجال، تمكنت بعض السيدات من التغلب على منافسيهن. وتضيف هجرس: «أعرف زميلة تغلبت على تسع مرشحين رجال. هذا مصدر فخر».
ومثلما فعلت في ثورة يناير ومن بعدها في ثورة يونيو (حزيران)، لم تتحرك السيدة نورا بمفردها في الفعاليات الضخمة التي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة. تقف تحت النخلة وتبدأ في جمع جاراتها. أحيانا يستأجرن أكثر من «توكتوك»، وأحيانا يركبن مترو الأنفاق من محطة دار السلام. وفي انتخابات البرلمان كانت في مقدمة زميلاتها في اللجنة الانتخابية الموجودة في مدرسة أحمد عرابي القريبة.
وبعد أيام قليلة ستجلس نورا مع سيدات شارع عساف لتشاهد النائبة نصير وهي تدير جلسة مجلس النواب. وتقول مارغريت عازر، التي فازت في الانتخابات، لـ«الشرق الأوسط»: «هذا أمر غير مسبوق في تاريخ البرلمان.. أرى أن السيدات لديهن إدراك بأن كل القضايا الموجودة في المجتمع هي تخص في نهاية المطاف المرأة باعتبارها نواة الأسرة، سواء في قضية التعليم أو الصحة أو القوانين الاقتصادية. وكما ساهمت في الاستحقاقات السابقة بقوة ستفعل ذلك في البرلمان».
من هذه الأزقة الضيقة، خرجت نورا التي لم تحصل على قسط وافر من التعليم، مع جاراتها، وراء موجات الشبان الذين كانوا في كل مرة يهتفون من أجل التغيير. وتحتفظ بصور لها وهي وسط الحشود في ميدان التحرير. وصور أخرى وهي تقف في طوابير الانتخابات الرئاسية، حيث اختارت الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي الزحام على الاقتراع على الدستور الجديد. وأخيرا وهي تقف أمام لجنة أحمد عرابي الانتخابية. ومن مثل هذه الضواحي الفقيرة جاءت الكثير من النائبات ليشغلن مقاعد البرلمان الجديد. وتقول النائبة هبة هجرس: «هذا شيء يُفرح».
وعن تفسيرها لفوز هذه العدد الكبير من السيدات، تضيف هجرس أن الأمر لا يقتصر فقط على مشاركة المرأة في ثورتي 25 يناير و30 يونيو.. «هناك أكثر من سبب. ما جعل المرأة متحمسة، وما شجعها، في الحقيقة، وما جعلها تنفض الخمول عن كتفيها في انتخابات مجلس النواب، يرجع للثقة التي اكتسبتها. شعرت أنها قادرة على التغيير.. المرأة كانت فاعلة بقوة في الثورتين وفي الانتخابين السابقين. انتخابات الرئاسة والاستفتاء على الدستور. أي في الاستحقاق الأول وفي الاستحقاق الثاني. كانت ناشطة بقوة، وشاركت المرأة بما لا يقل عن 60 في المائة في انتخاب الرئيس والاقتراع على الدستور».
وتعرب هجرس عن اعتقاها في أن «إحساس المرأة بالخطر أعلى من إحساس الرجل. هذا هو السبب الذي جعلها تشارك بقوة في الاستحقاق الأول والثاني ثم المشاركة في الانتخابات». وتشير إلى أن ظهور المرأة لم يكن متيسرا، بشكل مباشر، في استحقاق انتخابات الرئاسة واستحقاق الدستور، في 2014، بحكم طبيعة هذين الاستحقاقين. كانت تكتفي بالوقوف في الصف للإدلاء بصوتها، مقارنة بانتخابات البرلمان هذا العام، والتي أعطتها الفرصة للمشاركة فيها بشكل ظاهر للعيان. في السابق دعمت بصوتها الاختيار ودعمت القرار، لكن هذه المرة كان لديها الفرصة أن تنزل وتشارك بنفسها وتترشح وتفوز».
أجمل شيء في هذه المشاركة التحليل، كما تؤكد النائبة هبة.. «مثلا، هناك امرأة فازت على تسعة رجال. الشعب اختارها ووثق فيها وأعطاها صوته. حدث هذا في ضاحية إمبابة. هل تستطيع أن تتخيل أن يكون في ضاحية شعبية كل هذا الوعي لاختيار امرأة لتمثل الناس في البرلمان. البعض يرى أن هذه المرأة تساوي ألف رجل. فقد كانت إمكاناتها المالية محدودة جدا، ومع ذلك فازت».
النائبة التي فازت في إمبابة هي نشوى حسين هاشم، الشهيرة باسم «نشوى الديب». وتنتمي إلى عائلة متوسطة، ذات أصول صعيدية وبالتحديد من محافظة أسيوط، لكن لها وجود قديم في الضاحية التي تعد من أكثر ضواحي القاهرة الكبرى فقرًا وازدحامًا. ومثل كثيرات من المصريات شاركت الديب في ثورتي يناير ويونيو. ولها نشاط نقابي ومؤلفات من بينها كتاب «الحوار الإسلامي المسيحي عبر التاريخ». وعزّز من مكاسب السيدات في البرلمان الجديد نزولهن بأنفسهن لعقد لقاءات في الشارع مع الناخبين، مثل نشوى، وعدم الاعتماد على الإعلانات والدعاية كما يفعل المرشحون من المقتدرين الآخرين المنافسين لهن.
وفي محافظة الشرقية بشرق الدلتا (شمال البلاد)، فازت المرشحة نوسيلة أبو العمر في دائرة فاقوس بعدما خاضت معركة انتخابية شرسة ليس مع باقي المرشحين الرجال الأغراب فقط، ولكن مع شقيقها أيضًا.. وإجمالا يمكن لمن يرغب في إعادة قراءة الانتخابات وتحليل نتائجها أن يشعر بهذا المتغير في ما يتعلق بمزاج الناخبين الذي أفرز كل هؤلاء النائبات من كل هذه المناطق. أو كما تقول النائبة هجرس: من يحلل الأمر سيشعر بالفخر ليس لفوز المرأة فقط ولكن للطريقة التي جرى بها هذا الفوز، وكيف أن الشعب لديه وعي وكيف أن لديه القدرة على التمييز والثقة في هؤلاء المرشحات. هذا شيء مبهج. وتضيف أن هذا النجاح، بهذا الكم، وبهذا العدد، يحمل دلالات مختلفة، حتى بالنسبة للأماكن التي فازت فيها المرشحات، لا بد من النظر إليها بعين الاعتبار. فقد فازت الكثير منهن في دوائر في الصعيد، وما أدراك ما الصعيد، حيث لا يمكن لأحد أن يتخيل أن الرجال هناك يمكن أن يصوتوا لامرأة. النتيجة مبهرة للمرأة وليست بسيطة.
لكن كيف ترى النائبات الجديدات أنفسهن في عمل مجلس النواب؟
تقول السيدة هجرس: «هذا سيؤدي إلى متغير كبير.. السيدات سوف يقمن بنقلة نوعية في هذا المجلس. سيكون هناك اهتمام أكبر بقضايا المرأة وسيكون هناك اهتمام أكبر بوجهة نظر المرأة في قضايا الدولة. حين تكون رؤيتك لقضية ما من زاوية واحدة، تختلف عن رؤيتك لها من زاويتين. وجهة نظر المرأة ستكون إضافة فاعلة. وحين تكون هناك مناقشات لقضايا تخص المرأة سيكون هناك عدد كبير من النائبات يمكن لهن أن يشاركن بفاعلية في هذه القضايا وطرح وجهة نظرهن والدفاع عنها بشكل أفضل».
ويمكن تصور ما يشبه التكتل النسائي في البرلمان الجديد. ويبدو من المناقشات المبدئية التي جرت في اجتماعات مغلقة على النائبات السيدات فقط، أن التنسيق بينهن ستكون له الأولوية عن التنسيق مع الكيانات أو التيارات السياسية التي ينتمين إليها، إلا أن المتوقع بشكل عام أن يعمل جميع النواب والنائبات من أجل إنجاح جهود الدولة في التغلب على المصاعب الاقتصادية والأمنية التي نتجت عن سنوات الاضطرابات منذ 2011 حتى الآن.
أكبر موقع شغلته المرأة المصرية في البرلمان كان في عهد مبارك حين تولت لعدة دورات موقع وكيل مجلس الشعب، وحلت في بعض الجلسات محل رئيس المجلس في إدارة الجلسة. وكانت أشهر هؤلاء الدكتور آمال عثمان، التي كانت قبل دخولها البرلمان وزيرة للشؤون الاجتماعية والتأمينات. أما أول نائبة منتخبة في البرلمان في عهد ما بعد 1952 فهي النائبة راوية عطية. كان ذلك عام 1957، إلا أنها لم تحظ بشهرة تذكر بسبب قصر مدة البرلمان في تلك المرحلة. وعاشت الحياة البرلمانية في مصر بعد ذلك على أمل أن تتمكن المرأة من شغل عدد مناسب من المقاعد يعكس وجودها وأهميتها في المجتمع.
وجرت محاولات من جانب الدولة لتخصيص مقاعد للنساء مرة بنظام الكوتة (الحصة) ومرة بالتعيين طوال السنوات العشرين الماضية. وبموازاة ذلك ظهرت مجالس شبه رسمية ومنظمات أهلية ولجان حزبية تعمل على إقناع الناخبين باختيار المرأة كمرشحة مثلها مثل الرجل. ومن بين هذه المجالس والمنظمات واللجان، «المجلس القومي للمرأة» الذي كانت ترأسه سوزان مبارك زوجة الرئيس الأسبق مبارك. و«منظمة جبهة المرأة العربية» و«لجنة اتحاد النساء التقدمي»، وغيرها الكثير.
وتدير «المجلس القومي للمرأة»، في الوقت الراهن، وهو مجلس مهم في مصر، السفيرة ميرفت التلاوي. وفي الشهور الماضية ساعد المجلس بالتعاون مع المنظمات الأهلية واللجان الحزبية والنقابات وغيرها، في تسمية المئات من النساء والفتيات اللائي يصلحن لخوض انتخابات البرلمان الأخيرة. ونظم المجلس دورات تدريبية على العمل النيابي والسياسي، بغض النظر عن انتماء المتدربات لهذا الحزب أو ذاك. ويعد المجلس فوز نائبات وردت أسماؤهن في قوائمه منذ البداية، نجاح له أيضًا، رغم تراجع إمكانياته وتعرضه للتهميش خلال فترة حكم الإخوان القصيرة.
سؤال للنائبة هبة: هل ترين نفسك قريبة من تكتل سياسي بعينه تحت قبة البرلمان؟ تجيب بكل ثقة: «أنا في ائتلاف دعم مصر. كنت في تحالف انتخابي هو (في حب مصر). وهذا التحالف جرى حله بعد انتهاء الانتخابات. نحن كمستقلين في البرلمان سنعمل كمستقلين، وهذا لا يمنع من العمل مع ائتلاف دعم مصر أيضًا. وهي مثل كثير من المصريين ترى أن البلاد تمر بمخاطر جمة منذ ثورة يناير حتى اليوم، مرورا بمرحلة حكم الإخوان برئاسة الرئيس الأسبق مرسي». ومن المصطلحات السياسية التي كان يحلو للمصريين استخدامها للتعبير عن ظاهرة العزوف عن المشاركة في الحياة العامة، مصطلح «حزب الكنبة»، والذي يشير إلى الغالبية التي كانت لا تحبذ النزول للشارع للمشاركة في التغيير. لكن المرأة دفعت حزب الكنبة للخروج حين حاول الإخوان الهيمنة على الدولة في 2013.
تقول هجرس: «نحن دخلنا في ثورة في 2011، ثم أصيبت هذه الثورة بالارتباك، وتعرضت للسرقة. ما حدث أننا عدنا مرة أخرى لتصحيح المسار في 2013. هل سمعت عن حزب الكنبة. معظم السيدات هن اللائي جعلن حزب الكنبة ينزل إلى الشارع في ثورة 30 يونيو ضد الإخوان. حملت السيدات الكنبة بالفعل ونزلن بها وجلسن عليها في الشارع، كصرخة منهن لمن لا يحبون المشاركة ولمن يفضلون مشاهدة التطورات وهم جالسون في بيوتهم».
وتضيف قائلة إنه «لا يمكن أن نترك البلد يتعرض للهزات والارتجاجات، ونصمت. لا بد من الاستقرار. كان لا بد للمرأة أن تنزل لتشارك في صناعة هذا الاستقرار. قرون الاستشعار عند المرأة أكثر حساسية من الرجل، لأنها هي التي تحمي الأسرة ومستقبلها، وهذا الذي جعلها تنتفض وتنزل للمشاركة في الاستفتاء على الدستور وفي انتخابات الرئاسة، وأخيرا في انتخابات البرلمان الجديد سواء كمرشحة أو ناخبة».
ويعطي فوز المرأة في انتخابات البرلمان دافعا لها لخوض انتخابات المحليات المقبلة. تقول هجرس: «أعتقد أن انتخابات المحليات المقبلة ستشهد حضورا للسيدات أكبر من السابق. ستكون المرأة فيها أكثر إبهارا. تعلم أن المحليات أكثر الأماكن التي توصم بالفساد، ولا بد للمرأة أن تتدخل لوضح حد لكل هذا. الفساد في المحليات معروف منذ سنوات. وسترى السيدات حين يشاركن في انتخابات المحليات وكيف سيشاركن بقوة في القضاء على هذا الفساد، لأن هذا هو الآفة التي لا بد أن نقتلعها في المرحلة المقبلة».
النائبة مارجريت عازر تدخل البرلمان وهي مزودة بخبرة من العمل السياسي والانتخابي لسنوات كثيرة، خاصة في مناطق شمال القاهرة. وتقول إن مجلس النواب الجديد «مختلف.. فيه جميع المكونات والطوائف والفئات. أعتقد أن هذا سيثري الحياة البرلمانية. يضم عددا كبيرا من النساء، وفيه عدد من الأقباط والشباب.. حتى المصريون بالخارج ممثلون فيه. أعتقد أن الكل سيعمل على تحقيق آمال وطموحات الشعب الذي انتخبه، وخصوصا أن البرلمان لن يكون فيه حزب حاكم ولا أغلبية تستطيع أن تفرض أجندتها على الآخرين كما كان الحال من قبل».
وتعرب عن سعادتها وهي تصر على التذكير بأن «عدد السيدات العضوات في مجلس النواب، واللائي جئن عن طريق الانتخابات، عدد غير مسبوق في تاريخ البرلمان»، مشيرة إلى أن «السيدات يدخلن البرلمان وهن حاضرات الذهن ومعهن الملفات التي تحتاج إلى علاج ونقاش وبحث تحت القبة. عليهن أعباء كثيرة. فبالإضافة إلى الأجندة التشريعية، عليهن محو الموروثات الاجتماعية الموجودة داخل المجتمع المصري، والتي تقول إن السيدة لا تصلح لكل المناصب، وسيكون عليهن أن يثبتن العكس وأن يعملن بجد. ونحن نقوم بالتحضير لهذا الأمر».
وتتوقع السيدة عازر أن يشهد المصريون «دورة برلمانية مختلفة مع النساء، خاصة في شأن طرح موضوعات ومشروعات قوانين هامة جدا للمجتمع ككل. وليس كما يعتقد الكثير من الناس من أن جهودها في البرلمان ستنصب على قضايا المرأة فقط. أرى أن السيدات لديهن إدراك بأن كل القضايا الموجودة في المجتمع هي تخص، في نهاية المطاف، المرأة باعتبارها نواة الأسرة، سواء في قضية التعليم أو الصحة أو القوانين الاقتصادية.. عموما ستجد عملها في مجلس النواب قوي جدا. فكما ساهمت في الاستحقاقات السابقة بقوة ستفعل ذلك في البرلمان».
وتعد الدكتورة آمنة نصير نفسها، باعتبارها أكبر أعضاء مجلس النواب سنا، لرئاسة جلسة الإجراءات وفقا لما ينص عليه الدستور. وتبدأ الجلسة بأداء النواب لليمين الدستورية ثم انتخاب رئيس للبرلمان ووكيلين. والدكتورة نصير مولودة في محافظة أسيوط عام 1948، وهي مفكرة معروفة وأستاذ للفلسفة الإسلامية والعقيدة بجامعة الأزهر، وتشغل أيضًا عضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولها مؤلفات كثيرة.
وتنظر لرئاستها المقررة لجلسة الإجراءات على أنها «قضاء وقدر». وتقول: «أنا لم أختر يوم مولدي، مثلما لم أختر ترؤس الجلسة الإجرائية للبرلمان. لم أضع بروتوكولا بأن يكون أكبر الأعضاء سنا هو من يرأس الجلسة. لا دخل لي في هذا.. لا اختيار لي ولا فضل. ولذلك أنا في الحقيقة أقول إن ما قدره الله لي، وليس لي فيه أي اختيار أو أي جهد، أهديه للمرأة المصرية».
وعما إذا كانت تشعرين بالرهبة قبل الجلوس على مقعد رئاسة الجلسة الإجرائية، ردت في ثقة: «لا.. أقول لك لماذا، لأنني متمرسة. أعني أنني جلست من قبل على أقوى من هذا، في مؤتمرات دولية في ألمانيا وفي النمسا وفي هولندا، وناقشت رسائل جامعية في كبرى الجامعات الدولية، وكان هناك في بعض الأوقات مناقشة أكثر من رسالة جامعية في وقت واحد.. فالمسألة بالنسبة لي ليست جديدة.. أي ليس فيها رهبة. هذا عمل أمارسه منذ أربعين سنة».
وعن توقعاتها لمستوى عمل المرأة في البرلمان، تقول إنها تتمنى أن يكون عملا مختلفا بهذا العدد الكبير من السيدات.. «أنا جلست مع النائبات الجديدات في عدة اجتماعات ولديهن العزيمة والقوة والتصميم بأنهن لن يتركن هذه الفرصة الذهبية».



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.