الجمهوريون والرقص السياسي على قضايا الإرهاب

هجمات باريس وكاليفورنيا الإرهابيتين دفعتا الناخبين بالحزب إلى اختبار مدى جدية المرشحين في محاربة التطرف

الجمهوريون والرقص السياسي على قضايا الإرهاب
TT

الجمهوريون والرقص السياسي على قضايا الإرهاب

الجمهوريون والرقص السياسي على قضايا الإرهاب

تدخل معركة ترشيحات الحزبين الجمهوري والديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية المقررة في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بداية الاختبارات الجماهيرية على مستوى الولايات، اعتبارًا من شهر فبراير (شباط) المقبل في ولاية آيوا، وهي ولاية زراعية متوسطة الحجم تقع في المنطقة المعروفة تاريخيا بالغرب الأوسط إلى الغرب من ولاية إيلينوي (حيث تقع مدينة شيكاغو). وحاليًا، بينما تبدو وزيرة الخارجية و«السيدة الأولى» السابقة هيلاري كلينتون المرشحة الأوفر حظًا بوضوح في سباق المرشحين عن الحزب الديمقراطي، تزدحم ساحة الجمهوريين بالمرشحين الذين يشكك كثرة من المراقبين في أن يحافظ كل منهم على مواقعه خلال الأسابيع والأشهر الأولى من الحملة. والملاحظ خلال الفترة الماضية بروز مرشحَين من خارج الطبقة السياسية التقليدية نجحا عبر خطبهما المتطرفة والمثيرة للجدل في لفت الأنظار إليهما، وإكسابهما نسبة لا بأس من التأييد على حساب الساسة الجمهوريين التقليديين، ولا سيما من وجوه مجلسي الكونغرس وحكّام الولايات.

تتزايد سخونة الجدل السياسي في سباق معركة الرئاسة الأميركية مع وجود مرشح جمهوري يميني متطرف على غرار الملياردير دونالد ترامب، قادر على إثارة الجدل واختلاق المعارك، وتصدر عناوين الصحف وعناوين الأخبار بتصريحاته الاستفزازية التي تأتي أحيانا غبية تنم عن جهل وسطحية، وأحيانا غائبة عن الواقع، ناهيك بأنها في معظم الأحيان مسيئة وتتسم بالعنصرية الفظّة.
ولقد أطلق ترامب جولة جديدة من التصريحات المثيرة للجدل، مساء الاثنين خلال ملتقى انتخابي بولاية ساوث كارولينا، داعيًا إلى منع المسلمين كافة من دخول أراضي الولايات المتحدة. إذ قال ترامب الذي يتبوأ راهنًا مرتبة متقدمة في استطلاعات الرأي العام بين الجمهوريين: «أقول لكم إن دونالد ترامب يدعو لمنع تام وكامل للمسلمين من دخول الولايات المتحدة حتى يتسنى للمشرعين معرفة ما الذي يجري»، وذلك في إشارة إلى المنفذين المسلمين لجريمة سان برناردينو (بولاية كاليفورنيا) الذين يشتبه في تعاطفهم مع تنظيم داعش. وأضاف المرشح اليميني المثير للجدل: «لا يمكن لبلادنا أن تظل ضحية لهجمات بشعة يشنها أشخاص لا يؤمنون إلا بـ(الجهاد)، وليس لديهم أي احترام للحياة البشرية»، على حد زعمه.
ومن جهة ثانية، قال كوري ليفاندوفسكي، مدير حملة ترامب الانتخابية، إن «حظر دخول المسلمين (الذي ينادي به ترامب) للولايات المتحدة لا ينطبق فقط على الأجانب الذين يتطلعون للهجرة إلى الولايات المتحدة فحسب، بل ينطبق أيضًا على المسلمين القادمين كسياح». وادعى ليفاندوفسكي أن استطلاع رأي – أجراه مركز غير معروف – يشير إلى أن «ربع المسلمين الذين يعيشون في الولايات المتحدة يعتقدون أن العنف ضد الأميركيين هو جزء من (الجهاد) الإسلامي وله ما يبرّره!».
وحقًا، أعرب كثيرون من أنصار ترامب عن موافقتهم على اقتراحه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معبّرين عن المخاوف المتزايدة التي تنامت خلال الأسابيع الماضية من تهديدات «داعش» ضد الولايات المتحدة، وكذلك في أعقاب هجمات العاصمة الفرنسية باريس الدامية في الثالث عشر من نوفمبر الماضي، وفي أعقاب جريمة سان برناردينو الجماعية التي أسفرت عن مقتل 14 شخصًا.
غير أن هذه التصريحات ما كانت الأولى من نوعها على لسان ترامب، بل سبق لرجل الأعمال الملياردير أن دعا من قبل إلى «فرض رقابة» على المساجد، كما حث السلطات على إعداد قواعد بيانات بجميع المسلمين الذين يعيشون في الولايات المتحدة. مع هذا، ناقض ترامب نفسه وتراجع عن بعض تصريحاته خلال لقاء مع شبكة «سي إن إن» التلفزيونية عندما سئل عما إذا كان المسلمون يشكلون خطرًا على الولايات المتحدة، فأجاب أنه يعتقد أن المسلمين «شعب عظيم». وأردف: «أنا أحب المسلمين... أعتقد أنهم شعب عظيم». وكان قبل ذلك قد تراجع أيضًا عن تصريحات صدرت عنه حول إعداد قواعد البيانات بجميع المسلمين الذين يعيشون في الولايات المتحدة، مُصرًا على أنها «كانت فكرة لأحد الصحافيين»، وهو بالتالي غير ملتزم بهذه الفكرة.
* آراء إزاء «التطرّف الإسلامي»
ومع العد العكسي لموعد المناظرة التلفزيونية المنتظرة بين مرشحي الحزب الجمهوري منتصف ديسمبر (كانون الأول) الحالي في مدينة لاس فيغاس لولاية نيفادا، أشارت التوقعات إلى جدل ساخن يحتدم بين المرشحين حول أي منهم يقدم «أفضل السياسات لمكافحة (التطرف الإسلامي)» و«أنجع الحلول لمكافحة (داعش) في إطار السياسة الخارجية»، وأفعل السبل لمنع تحول المسلمين داخل أميركا إلى متطرفين يقتلون الأبرياء» في إطار حماية الأمن القومي الأميركي.
والواضح أن المرشحين الجمهوريين المتنافسين يتأهبون للمزايدة ونيل بعضهم من بعض خلال المناظرة المرتقبة، بل ويعدون العدة للانقضاض على ترامب والتشهير بتصريحاته المسيئة للمسلمين في محاولة لكسب أصوات الجالية المسلمة من ناحية، وإظهار ترامب بمظهر الرجل المتعصّب غير المسؤول ما قد يؤدي إلى خفض شعبيته المتصاعدة بين الناخبين.
وبالفعل، هاجم عدد من المرشحين الجمهوريين تصريحات ترامب ورموه بتهمة «الافتقار إلى الخبرة». وقال كريس كريستي، حاكم ولاية نيوجيرسي: «هذا هو الشيء الذي يقوله شخص ليس لديه أي خبرة ولا يعرف عما يتحدث. نحن لسنا بحاجة إلى اللجوء إلى مثل هذا الأمر، بل ما يتعين علينا فعله هو زيادة أنشطة الاستخبارات، كما أننا أيضًا بحاجة إلى التعاون مع الأميركيين المسلمين المسالمين الذين يريدون إعطاءنا المعلومات الاستخباراتية عن أولئك المتطرفين». أيضًا انتقد جون كاسيك، حاكم ولاية أوهايو تصريحات ترامب معتبرًا أنها «تزيد من الانقسامات، وهي سبب كافٍ للقول إن ترامب لا يصلح لقيادة الولايات المتحدة».
وخارج مجموعة الساسة التقليديين، أكد المرشح بن كارسون، وهو طبيب الأعصاب المتقاعد الذي سبق له أن أصدر تصريحات سابقة ترفض وصول مسلم إلى منصب الرئاسة الأميركية، تمسكه بتسجيل ورصد تحركات كل زائر للولايات المتحدة بغض النظر عن ديانته، رافضًا الدعوة الانتقائية لدين واحد.
أما سيدة الأعمال كارلي فيورينا فرأت في تصريحات ترامب «رد فعل مبالغًا فيه، في مقابل رد الفعل البطيء للرئيس باراك أوباما». وأشارت إلى أن «ترامب يلعب على وتر المخاوف لدى الأميركيين».
وفي مطلق الأحوال، يشير المحللون إلى أن هذه النوعية من التصريحات غير المسؤولة من المرجح أن تعكّر صفو السباق الجمهوري للرئاسة وتضع الحزب الجمهوري أمام تحديات كبيرة، وتدفع خصوم ترامب من المرشحين الجمهوريين الآخرين إلى الانخراط في نقاشات حول إجراء اختبار إلى الخلفية الدينية لكل شخص راغب في الدخول إلى الولايات المتحدة.
* حسابات السباق
جدير بالذكر أنه في ظل ميل الجمهوريين الجلي إلى اليمين، يرى كل مرشح جمهوري طامح إلى تسليط الأضواء عليه كمرشح جدي أن يظهر بمظهر المرشح الأقوى في مسألة حماية الأمن القومي الأميركي والسياسة الخارجية. وعلى الرغم من تجربة كريس كريستي، حاكم نيوجيرسي، ولا سيما توليه منصب المدعي العام الاتحادي في قضايا الإرهاب بالولاية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وكذلك على الرغم من خبرة السيناتور ماركو روبيو (من ولاية فلوريدا) في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، فإن المخطط الاستراتيجي ستيف شميت يعتقد أن كل مؤهلات وخبرة المرشحين الجمهوريين الآخرين ما زالت لا تتفوق على ترامب في أذهان كثرة من الناخبين الجمهوريين.
وينبع نجاح ترامب حتى الآن، وفقًا للاستراتيجيين الجمهوريين، من التباين بين أسلوبه القوي مقابل أسلوب أوباما السلبي والهادئ في وجه الهجمات الإرهابية. كذلك يعكس ترامب الغضب والقلق الذي يشعر به كثيرون من الناخبين. ووفق شميت، «دائمًا يكون الرئيس الجديد رد فعل للرئيس الحالي، وبالتالي فعندما ينظر الناخبون إلى أوباما ويرون ضعفه وعجزه وتردده فإنهم يتطلعون إلى أمثال ترامب لرغبتهم في زعيم قوي لأن شخصية ترامب هي النقيض الحقيقي لشخصية أوباما».
أيضًا، على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت إلى ترامب بسبب تصريحاته المثيرة للجدل، يستبعد بعض المحللين والخبراء أن تسفر عن انخفاض في تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، وبالأخص في صفوف الناخبين الجمهوريين الذين تثبت النتائج خلال السنوات الأخيرة ميلهم أكثر فأكثر إلى اليمين وتبنيهم مواقف محافظة متشددة كالمواقف التي تعبر عنها جماعة «حفلة الشاي». ولعل هذا الواقع ما يذهب بعيدًا في تفسير ظاهرة احتفاظ رجل الأعمال الملياردير اليميني بالمرتبة الأولى في استطلاعات الرأي بين الجمهوريين لعدة أشهر، على الرغم من تصريحاته المتطرفة والعنصرية أحيانا.
* معركة آيوا
على صعيد آخر، يقول محللون آخرون إن تصريحات ترامب الخاصة بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة «سلاح جديد فعال» يستخدمه ترامب الآن ليستعيد موقعه في صدارة الاستطلاعات بين المتنافسين الجمهوريين في آيوا، بعدما أظهرت استطلاعات للرأي تراجعًا نسبيًا في نسبة التأييد الذي كان يتمتع به في هذه الولاية بالذات. إذ تشير بعض التقارير إلى تراجع ترامب في آيوا إلى المرتبة الثانية التي يتقاسمها مع السيناتور ماركو روبيو (من ولاية فلوريدا)، وتقدم السيناتور تيد كروز (من ولاية تكساس) إلى المرتبة الأولى. وحسب المراقبين والمحللين حقق السيناتور كروز تقدمه في آيوا بنتيجة كسبه تأييد ستيف كينغ، عضو مجلس النواب الأميركي عن الولاية، وهو يتمتع بنفوذ قوي مع تيار المحافظين في أوساط الحزبيين الجمهوريين بالولاية.
حتى اللحظة سجلت شعبية كروز في آيوا نسبة 24 في المائة من أصوات ناخبي الحزب الجمهوري في الانتخابات الحزبية، بينما يحظى ترامب بنحو 19 في المائة، يليه بفارق بسيط السيناتور روبيو بتأييد يبلغ 17 في المائة، ويأتي بعد هؤلاء بن كارسون بـ13 في المائة، في حين يحصل حاكم ولاية فلوريدا السابق جيب بوش (نجل الرئيس الأسبق جورج بوش الأب وشقيق الرئيس السابق جورج بوش الابن) على 6 في المائة، والسيناتور راند بول (ولاية كنتاكي) على 4 في المائة. ويتذيل القائمة كل من كارلي فيورينا وجون كاسيك بأقل من 3 في المائة لكل منهما.
آيمي ديفيدسون، المحللة السياسية، قالت أخيرًا معلقة إن ترامب دأب خلال الأشهر الستة الماضية على «إشاعة روح التعصّب على المسرح الرئيسي للسياسية الأميركية. ودعوته إلى الحظر الديني للراغبين في دخول الولايات المتحدة فكرة غير مسبوقة في التاريخ الأميركي وتتعارض مع القيم الأميركية والدستور الأميركي». وأشارت إلى أنه سبق لترامب إطلاق تصريحات مسيئة والتهجم على المكسيكيين في مستهل حملته الانتخابية، داعيًا إلى ترحيلهم من الولايات المتحدة وتشييد جدار فاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك. كذلك شن هجومًا ضد النساء وأدلى بتصريحات كانت مسيئة للمرأة، والآن انتقلت بوصلة تصريحاته إلى المسلمين.
* قضايا تشغل الناس
إلا أن بعض المحللين يعتقدون أن دونالد ترامب شخصية انتهازية أكثر منها شخصية متعصبة. ويذهب هؤلاء إلى حد القول إنه مستعد لقول أي شيء وفعل أي شيء لتحسين فرصه في استطلاعات الرأي قبل الأسابيع الأخيرة من التجمّعات الانتخابية للجمهوريين في آيوا خلال فبراير المقبل. وهو يعتقد أن تحقيق نتيجة طيبة في آيوا يؤمن لحملته قوة دفع مهمة، ويفرضه مرشحًا جديًا في حلبة الجمهوريين الذين تبين استطلاعات أجريت أخيرًا أن أحدًا منهم لن يتمكن – وفق الظروف والمعطيات الحالية طبعًا – من التغلب على هيلاري كلينتون إذا ما رشحها الحزب الديمقراطي رسميًا.
ويقول المحلل الاستراتيجي تيري كيسي إن من الواضح أن تصريحات ترامب تخلق كثيرا من الاهتمام لدى الناخبين، والملاحظ أنه تعمد في البداية تبني قضايا مثل الهجرة غير القانونية، ومن ثم انتقل بعدها إلى قضيا أخرى تشغل الناس مثل الأمن والسلامة ومكافحة التطرف.
أما صحيفة «بوليتيكو» فتقول إن الهجمات الإرهابية التي هزت باريس، وبعدها الحادث الإرهابي في سان برناردينو بكاليفورنيا، دفعت الناخبين الجمهوريين – الذين هم أساسًا من المحافظين – أكثر فأكثر إلى الرغبة في اختبار مدى صلابة المرشحين وجدية مواقفهم في مواجهة خطري «التطرف الإسلامي» و«الإرهاب».
وبناء عليه، يدرك ترامب وأمثاله من الطارئين على الساحة السياسية التقليدية، في قرارة نفوسهم، أنهم يفتقرون إلى الخبرة في ميدان السياسة الخارجية، كما أنهم لا يستطيعون كسب دعم قيادات مجربة ومحنكة تتمتع بالخبرة والفهم في المجالين الدولي والأمني. لا خيار أمامهم إلا الاستفادة من إطلاق مواقف صارمة وحازمة في مواجهة التطرف والإرهاب. وفعلاً، أشار استطلاع لشبكة «سي إن إن» خلال الأسبوع الماضي إلى أنه ينظر إلى ترامب على أنه أفضل المرشحين الجمهوريين أهلية للتعامل مع تنظيم داعش المتطرف، وكذلك مع ملف السياسة الخارجية!
على أي حال، يشتد الجدل منذ الآن حول مَن سيفوز بترشيح الحزب الجمهوري في معركة آيوا الحزبية خلال فبراير القادم، ومن سيتمكن ستشكل محطة هذه الولاية نقطة انطلاق مفيدة في المواجهات التمهيدية في الولايات الأخرى على امتداد البلاد وصولاً إلى المؤتمر الحزبي الكبير الحاسم. والسؤال الذي يفرض نفسه بلا شك هو: كيف ستكون معايير المنافسة؟ هل بإطلاق مزيد من التصريحات المستفزة وبث المخاوف ومشاعر الكراهية والعنصرية وأجواء الاستقطاب؟... واستطرادًا: هل يمكن أن يكون دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري لخوض سباق الرئاسة لعام 2016؟



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.