روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

السفير الأميركي السابق في دمشق أكد أنه لا روسيا ولا أميركا ولا «الأطلسي» مع إشعال حرب عالمية ثالثة بسبب سوريا

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا
TT

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

يرى السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد، أن المفاوضات لحل الأزمة السورية التي اقترحتها خطة فيينا، ستكون صعبة جدًا، وأنه لا حل لمشكلة «داعش» طالما ظل الأسد رئيسًا.
وقال فورد: ليس التدخل الروسي أو إسقاط تركيا لطائرة روسية الذي غيّر اللعبة في سوريا، بل التدخل الإيراني وإرسال حزب الله اللبناني إلى القصير. ولولا ذلك، لكان انتهى حكم بشار الأسد.
وأكد أنه لن يكون هناك وقف إطلاق النار مع «داعش»، وشكك بإمكانية تحقيق ذلك مع «جبهة النصرة»، واقترح أن تطلب «الجبهة الإسلامية» من مقاتلي «النصرة» السوريين الانضمام إليها وترك «القاعدة»، عندها سيضطر قادة «النصرة» للعودة كل إلى بلاده. ورأى فورد أن الجيش السوري تعب جدًا، ولا يستطيع حتى استرجاع الغوطة الشرقية: «وبالتأكيد لن يكون قادرًا على إلحاق الهزيمة بداعش». ولفت إلى ضرورة البدء في التفكير بما سيحدث إذا رفض الأسد التسوية السياسية «قد يحذو الأسد حذو هتلر ويرفض التفاوض»، لكنه رأى أنه من الضروري أثناء المفاوضات بحث الأمن المحلي للقرى والمدن السنية والأمن المحلي للعلويين. وصل فورد إلى دمشق في يناير (كانون الثاني) 2011. وغادر السفارة في فبراير (شباط) 2014. قبل ذلك كان سفيرًا في الجزائر. وفي ما يلي نص الحوار الذي أجرته {الشرق الأوسط} مع روبرت فورد:

* هل كنت مرتاحًا لتصريحات الرئيسين باراك أوباما وفرنسوا هولاند بأن تنظيم داعش خطير، إنما الرئيس السوري بشار الأسد يجب أن يرحل؟
- لم أطلع على تفاصيل التصريحات، إنما رأيي هو أنه لا حل لمشكلة «داعش»، وللمجندين الذين ينضمون إليها في سوريا، طالما ظل بشار الأسد رئيسًا.
* ما كان دوره في إطلاق العنان للإرهاب والإرهابيين؟
- الحكومة السورية، أولا الأب حافظ الأسد ثم الابن بشار، على قائمة الإرهاب الأميركية منذ عدة عقود. دورهما في دعم منظمات إرهابية في دول مثل لبنان أو العراق معروف. واتصالاتهما مع «الجهاد الإسلامي الفلسطيني» وحزب الله في لبنان وأيضا «القاعدة» في العراق عندما كانت القوات الأميركية في العراق، كلها أمور معروفة وواضحة. أنا لا أقول: إن بشار الأسد أوجد «داعش»، لكنه بكل تأكيد أحد العوامل التي أدت إلى وجود هذا التنظيم.
* لكن بالنسبة إلى الحرب الدائرة في سوريا، ما كان دور الأسد بالتحديد بالنسبة إلى الإرهاب، خصوصًا أنه بدأ بتهديد العالم بأنه سيعاني من الإرهاب في الأيام الأولى للحرب؟
- مفتي سوريا الشيخ بدر الدين حسون، هدد بأن الإرهابيين والانتحاريين سيصلون أوروبا والولايات المتحدة. قال هذا عام 2011. لا أعتقد أن حكومة بشار الأسد مسؤولة عن انفجارات باريس أو أنقرة أو سيناء، لكن هذه الحكومة مسؤولة عن إيجاد «القاعدة» في العراق، أيضا. عام 2011 أطلقت سراح عدد من المتطرفين، فانضموا إلى المعارضة المتطرفة. وأعتقد أن الحكومة كانت تعرف ذلك.
* هل تعتقد أن سوريا ستورط العالم تدريجيًا بحرب عالمية ثالثة، كما شاهدنا ما حدث بين تركيا وروسيا، وتحذير الأخيرة بأنها ستسقط أي طائرة في الأجواء السورية تعرقل عملياتها؟
- من المؤكد أن الوضع في سوريا يزداد صعوبة، لكن لا أعتقد أن روسيا أو الولايات المتحدة أو الحلف الأطلسي يريدون إشعال حرب عالمية ثالثة بسبب النزاع السوري، ما سنراه أنشطة إضافية روسية داخل سوريا، سنرى أيضا جهودًا دبلوماسية حثيثة لوضع حد لهذا النزاع. لا أقول: إن هذه الجهود ستؤدي سريعًا إلى الحل إنما ستُبذل جهود أكثر.
* ما الذي غيّر اللعبة في سوريا، التدخل الروسي أو العمليات الإرهابية في باريس؟
- لا أعتقد أن أيا منهما غيّر اللعبة. التدخل الروسي لم يُغير بشكل كبير الوضع على الأرض، فحرب الاستنزاف مستمرة. أعتقد أن المغيّر الأساسي للعبة في سوريا كان التدخل الإيراني بإرسال الميليشيات الشيعية في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من عام 2013.
* تقصد حزب الله
- صحيح، عندما تدخلوا في القصير. لو أن إيران لم تتدخل، لربما الأسد أنهى الحرب في عام 2013 أو بداية 2014. لكن التدخل الإيراني أطال الحرب، وكثرت ساحات المعارك التي انخرطت فيها ميليشيات عراقية ولبنانية في حلب ودرعا والقلمون والرقة.
* ألا يوجد مقاتلون من الباسيج الإيراني أم فقط مستشارون عسكريون؟
- شخصيًا لم أطلع على إثباتات مقنعة، إنما ما أستطيع قوله: إن الحرس الثوري الإيراني خسر ما لا يقل عن 5 جنرالات، وضباطًا كبارا. عندما يخسرون ضباطًا بهذه الرتبة، فإنه يعني أن الجنرالات كانوا على الخطوط القتالية الأولى، لذلك يجب أن يكون هناك مقاتلون، ليسوا بالضرورة جنودا إيرانيين، إنما نتابع المآتم في إيران. الذي حصل خلال سنوات حرب الاستنزاف أن الجيش السوري ازداد ضعفًا، وللتعويض ترسل إيران جنودًا شيعة من لبنان والعراق والأفغان اللاجئين الذين يعيشون في إيران مع بعض الإيرانيين، والآن يتلقون دعمًا عسكريًا جويًا من الروس.
* أنت تردد دائمًا، أن الأغلبية تنتصر في النهاية. من هي الأغلبية الآن: روسيا وإيران وحلفاؤهما أم التحالف الدولي؟
- لا تزال المعارضة السورية المسلحة تشكل الأغلبية، هناك جنود سنة أكثر لمحاربة الشيعة. المشكلة مع المعارضة المسلحة أن عدد أفرادها يفوق كمية تسلحها. من الواضح أنها تلقت أخيرًا المزيد من الأسلحة وربما رأيت كيف أن المعارضة أسقطت طائرة هليكوبتر روسية. القتال قوي، وببساطة، السبب لتدخل روسيا في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) كان من أجل منع سقوط حكومة الأسد وحلفائها الإيرانيين.
* لكن لماذا يريد الروس إنقاذ الأسد؟
- أعتقد أنك يجب أن تسألي الروس. وما أعتقده أن الروس حسب إعلانهم أنهم يريدون محاربة «داعش»، لكن أغلبية عملياتهم ضد الثوار الذين يقاتلون الأسد. والطائرة التي أسقطت إضافة إلى الهليكوبتر تشيران إلى أن الروس يتحركون في منطقة لا وجود لـ«داعش» فيها.
* ألا تعتقد أن الأسد محظوظ. لديه الغرب يقصف «داعش» وروسيا وإيران وحزب الله يقاتلون المعارضة. إلى أي مدى حسب اعتقادك سيحمي الحظ الأسد؟
- أعتقد أن بشار الأسد اتخذ قرارات رهيبة عامي 2011 و2012. لأنه كان يمكن للصراع أن يجد حلاً ببساطة بتقديم بعض التنازلات قبل أن يلجأ الشعب إلى السلاح. لا أعرف ما إذا كان للحظ دور. كل الدول ارتكبت أخطاء. لكن لا أعرف ما إذا كان الأسد محظوظًا أم لا، ما أعرفه أن سوريا حظها سيئ.
* من هي الدولة التي ارتكبت الخطأ الأكبر في سوريا؟
- عدة دول، روسيا، إيران، أميركا... لكن الخطأ الأكبر ارتكبته الحكومة السورية. سأعطيك مثلين. عندما بدأت الانتفاضة في سوريا، أول مظاهرة لم تكن في درعا بل في دمشق في ساحة الحرية في 11 فبراير 2011، حدثت بعد مرور ثلاثة أسابيع من وصولي إلى السفارة الأميركية، تظاهر الناس ضد تعسف شرطة السير، عندها توجه وزير الداخلية إلى المتظاهرين ووعدهم بمعاقبة الضابط المسؤول وطلب منهم التوقف عن التظاهر ففعلوا. شعرت بأن الحكومة السورية قامت بمهمة جيدة، لكن للأسف، بعد 3 أسابيع أطلقت الحكومة النار على متظاهري درعا بعدما أوقفت الشرطة أطفالا. إذن أكبر خطأ ارتكبته الحكومة السورية باللجوء إلى العنف ضد مظاهرات سلمية. لم يكن الشعب يطالب بإسقاط النظام في بداية الاعتصام. لم يبدأوا بهذه المطالبة إلا في شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) بعد مقتل الكثير من الناس. لهذا، يمكننا القول: إن تركيا أخطأت، كذلك روسيا، وأميركا، لكن الخطأ الأكبر كان على يد الحكومة السورية.
* بعد عمليات باريس، قال بعض الخبراء العسكريين، كون الغرب لن ينشر قوات برية في سوريا، فإن المقاتلين الذين أثبتوا أنفسهم هم الأكراد والقوات النظامية السورية؟
- أنا لا أتفق مع المحللين القائلين بأن الأكراد السوريين هم أفضل من يقاتل «داعش». صحيح أن الأكراد السوريين قاتلوا بشدة ضد «داعش»، وتكبدوا الكثير من الضحايا، لكن ليس دقيقًا أنهم أفضل من يقاتل «داعش»، بل هم الوحيدون الذين قاتلوا «داعش» وحصلوا على دعم جوي أميركي مباشر. غيرهم على الأرض لم يتلق هذا الدعم الجوي ولو حصلوا، لفعلوا الأفضل.
الحكومة الأميركية مترددة في توفير الدعم الجوي لأي من المجموعات العربية التي تقاتل الحكومة السورية و«داعش».
* ماذا بالنسبة إلى الجيش السوري؟
- بشأن إثبات نفسه أمام «داعش»؟
* نعم وقوته كجيش على الأرض؟
- أعتقد أن الجيش السوري قاتل جيدًا في بعض المناطق مثل دير الزور، غلب «داعش» عدة مرات، لكن الجيش السوري صار ضعيفًا جدًا حتى على استرجاع الغوطة الشرقية، بالتالي كيف يستطيع الذهاب إلى تدمر، إلى مدينة دير الزور، هذا مستحيل، ولن يحصل. وبالتأكيد لن يكون قادرًا على إلحاق الهزيمة بـ«داعش».
* حتى مع غطاء جوي أميركي؟
- القوة العسكرية الأميركية الجوية تساعد ولكن لا أعتقد أن للجيش السوري القدرة على استرجاع الجزء الشرقي من الغوطة. هناك حاجة لحكومة جديدة تستطيع أن تأتي بسوريين عرب وأكراد ليقاتلوا إلى جانب الجيش السوري في مواجهة «داعش». ومن الواضح أن بشار الأسد لا يستطيع أن يقنع السوريين لينضموا إليه ضد «داعش». إنه يحاول منذ 4 سنوات وفشل.
* لاحظنا، أن خطة السلام التي وافقت عليها 17 دولة في فيينا، لم تأت على ذكر مستقبل الأسد، أشارت إلى انتخابات حرة وعادلة بعد دستور جديد خلال فترة 18 شهرًا. سؤالي هو: هل الانتخابات تقرر رئيسًا جديدًا أم برلمانًا جديدًا؟
- أعتقد أن فكرة إجراء انتخابات في سوريا خلال 18 شهرًا، من الصعب تخيلها. كنت في العراق عندما قرر الأميركيون إجراء انتخابات، وكان أمرا مستحيلاً. والظروف في سوريا أصعب بكثير. إذ كيف ستكون هناك انتخابات في دولة مدمرة بالكامل تقريبًا، كيف يمكن تسجيل الناخبين؟ أو تسجيل النازحين، أو تسجيل اللاجئين؟ هذا أمر شديد الصعوبة. ثم يجب أن تكون هناك بنى تحتية لإدارة الانتخابات كالاتصالات مثلاً.
أغلب المدن السورية تحصل على ساعات قليلة من الكهرباء، وأخيرًا وهذه المشكلة الكبرى، كيف يمكن إجراء الانتخابات في سوريا حيث هناك 4 وكالات استخباراتية مختلفة. هناك: الأمن العسكري، الأمن الجوي، الأمن العام والأمن السياسي. كل واحد من هذه الأجهزة لن يقبل بانتخابات حرة.
* هذا يعني أنك لا تعتبر أن الانتخابات التي جاءت بالأسد رئيسًا كانت حرة؟
- أول مرة خاض الانتخابات حصل على 99 في المائة، المرة الثانية على 98 في المائة، والمرة الثالثة أثناء الحرب الأهلية 80 في المائة. بالطبع لا أعتبر أنها كانت حرة.
* لكن، لاحظنا أيضا أنه لا الأطراف المعارضة ولا الحكومة السورية دعما استراتيجية فيينا، كونها تطلب من كل الأطراف المتحاربة التوصل إلى وقف لإطلاق النار. ووزير الخارجية الأميركي جون كيري كان سعيدًا وهو يزف خبر وقف إطلاق النار خلال أسبوعين أو ثلاثة. ثم إن هذه الاستراتيجية ستؤسس لحكومة انتقالية؟
- أعرف الوزير كيري جيدًا، هو رجل ذكي جدًا ومستقيم، وهو رجل يؤمن بأن علينا أن نكون متفائلين أثناء العمل الدبلوماسي. لكنني أعتقد أن الوزير كيري يدرك جيدًا صعوبة العملية.
* لكنك أشرت في بداية الحديث إلى جهود ستبذل لإيجاد حل لهذه المشكلة. من الذي سيحلها وكيف ستجد حلاً؟
- الحل يجب أن يأتي عبر مسارين متلازمين. الأول يجب التوصل إلى اتفاق بين الدول الرئيسية الخمس وهي: تركيا، والسعودية، وإيران والولايات المتحدة وروسيا. يجب أن يتوصلوا إلى اتفاق بينهم حول إطار العمل للحل السياسي. ليسوا بحاجة إلى التفاوض حول كل التفاصيل. ثم يأتي المسار الثاني الذي يجب أن يضم سوريين فقط من المعارضة المسلحة والمعارضة السياسية والحكومة السورية. هنا يجب أن نتفق على كيفية انضمام الأكراد السوريين. فهل أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو مع الحكومة أو مع المعارضة. ربما يقتضي ذلك وفدين منفصلين.
هذه الأطراف عليها أن تتفاوض حول مستقبل سوريا، ليس من المعقول أن تقرر أميركا أو روسيا أو تركيا أو السعودية وإيران الرئيس السوري المقبل. هذه الدول الخمس يجب أن تدرك ذلك، وتترك الأمر للسوريين. هل تعرفين العبارة العربية: أهل مكة أدرى بشعابها. علينا أن نتذكر هذا بالنسبة إلى سوريا، إنما على هذه الدول أن تشجيع أصدقاءها السوريين على الدخول إلى القاعة والجلوس حول الطاولة وربما على الدول هذه أن تقف خارج الباب، حتى إذا ما طرف سوري غضب وخرج من قاعة المفاوضات، تتدخل الدولة المعنية وتقنعه بأنه لا يستطيع الخروج بل عليه العودة.
* كما فعلت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت مع ياسر عرفات الزعيم الفلسطيني الراحل؟
- تمامًا. لا أعرف ما إذا كان هذا الطرح سينجح وهذه ليست ضمانة للنجاح، بل هذه هي الطريقة الوحيدة للاتفاق على الحل الدبلوماسي. أما الدول الخارجية أميركا، روسيا، السعودية، تركيا وإيران فعليها أن تتفق على قائمة من القضايا التي على السوريين أن يتفقوا على تفاصيلها. ما هي الحكومة الجديدة؟ ما هي القيادة العليا لهذه الحكومة؟ ماذا سيحصل بالنسبة إلى المساعدات الإنسانية؟ ماذا سيحل بالسجناء السياسيين؟ كيف سيتم العمل على دستور جديد ومتى؟ كيف يضعون هيكلية للعلاقة بينهم وبين فرق أجنبية تقاتل على أرضهم، مثل «داعش» و«جبهة النصرة» وحزب الله اللبناني و«كتائب حزب الله» العراقي إلخ.. السوريون يجب أن يتفقوا حول كل هذا. لا تستطيع إيران أن تملي على المعارضة المسلحة بأن عليها أن تقبل بـ«كتائب حزب الله» العراقية في سوريا. الإيرانيون لا يستطيعون أن يفرضوا ذلك لأن القتال سوف يستمر عندها ولن يكون هناك سلام. لهذا يجب أن يكون هناك اتفاقات بين الجانب السوري من جهة وإيران، وروسيا، والولايات المتحدة، والسعودية وتركيا من الجهة الثانية، وعلينا بالتالي أن نحترم كلنا القرار السوري النهائي، سيكون من الصعب على السوريين أن يتفاوضوا. أنا متأكد من أن العملية ستأخذ سنة أو سنتين.
* خلال هذه السنة أو السنتين، هل سيكون هناك وقف لإطلاق النار؟
- لا أعرف. من الصعب علي أن أتخيل. إنما هل من الأفضل وجود وقف لإطلاق النار؟ نعم. وقف إطلاق نار شامل؟ نعم. إنما هل سيحترم الكل هذا الوقف لإطلاق النار؟ هل سيشمل إطلاق سراح كل السجناء؟ وهل سيشمل ممرات حرة للمساعدة الإنسانية؟
* لكن هذه عملية مختلفة!
- أعتقد، إذا طرف من الأطراف، لم يقبل هذا النوع من وقف إطلاق لنار، سيكون لديه دافع للاستمرار في القتال. دعيني أعطيك مثالاً، لنفترض أن النظام قال: إنه يريد وقف إطلاق النار، لكنه لا يقبل السماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى الوائر، عندها لماذا سيقبل «الجيش السوري الحر» أو «جيش الفتح» أن يستمر النظام بتجويع الوائر. لن يقبلوا وسوف يستمرون بالقتال.
* لكن، من يستطيع التحكم بـ«داعش» وإقناعه بقبول وقف إطلاق النار؟
- لا أحد. لن يكون هناك إطلاقًا وقف إطلاق النار مع «داعش». أنا شخصيًا أشك أن يكون هناك وقف إطلاق النار مع جبهة «النصرة»، لذلك ما سيحدث: إما أن تستمر جبهة «النصرة» بمقاتلة النظام، أو عليها أن تترك سوريا. إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين النظام، و«الجيش السوري الحر» و«الجبهة الإسلامية»، وإذا رفضت جبهة «النصرة» وقف إطلاق النار، عندها على «الجبهة الإسلامية» مقاتلة «النصرة»، ولا أعتقد أنها ستفعل ذلك، بل ربما تطلب من «النصرة» أن تغادر سوريا. أيضا، في حال وقف إطلاق النار، نحن ندرك أنه لن يكون هناك وقف إطلاق النار مع «داعش»، أما جبهة «النصرة» فإنها السؤال الأصعب، لأنهم أكثر احترافًا، لذلك أتصور أن بعض أعضاء «الجبهة الإسلامية» قد يطلبون من مقاتلين في جبهة «النصرة»: اتركوا «القاعدة» وانضموا إلينا أو انضموا إلى أي طرف سوري، وبذلك يدفعون قادة جبهة «النصرة» إلى العودة من حيث أتوا كالعراق مثلاً، أما المقاتلون السوريون فينضمون إلى مجموعات أخرى. أظن هذا ما يجب أن يحدث وإلا فإن القتال سيستمر.
* بما أننا ما زلنا نواجه مشكلة الأسد، هل سيبقى أو يرحل، ألا تعتقد أنه بعد بيان المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنه لا أحد يجب أن يتدخل، وأن الأسد يجب أن يبقى، فإن موقف الدول العربية التي تدعم الثوار سيزداد تشددًا؟
- نعم، أظن ذلك، وأظن أن أشخاصًا مثلي، طالبوا منذ زمن بالحل السياسي، وأرادوا مفاوضات، يجب أن نبدأ التفكير بماذا سيحدث إذا ما رفض الأسد الموافقة على تسوية سياسية. قرأت أخيرًا كتابًا عن نهاية الحرب العالمية الثانية، فيه أن النظام النازي في ألمانيا، رفض حتى النهاية التفاوض. كان هناك جنود سوفيات على سطح البرلمان الألماني (الرايخستاغ) ومع ذلك رفضت الحكومة التفاوض. لهذا ليس مستبعدًا، أن يحذو الأسد حذو هتلر ويرفض التفاوض. لذلك يجب أن نبدأ بالتفكير بهذا الاحتمال.
* بعض الدبلوماسيين الغربيين يقولون: إنه إذا استطعنا أن نهزم «داعش» خلال الأشهر الـ18 المقبلة، ومن أجل إبقاء السلام في سوريا، فإنه من الممكن الإبقاء على الأسد إلى أجل غير مسمى كرئيس شكلي من دون أي سيطرة على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية؟
- لكن، هل سيقبل بشار الأسد هذا، لم يقبل بأي شيء أقل من تأييد 80 في المائة من الأصوات.
* هل يستطيع القول لا، للإيرانيين والروس وهو الآن مدين لهما، فقد أنقذا نظامه؟
- ما لاحظته أنه بعدما قال بوتين بأنه يجب إجراء انتخابات في سوريا، رد بشار الأسد والمسؤولون في وزارة خارجيته بأنه لن تكون هناك انتخابات في سوريا، قبل أن يتم إبعاد كل الإرهابيين عن سوريا. إذن هو قال لا لبوتين. لا أعتقد أن الحكومة السورية على توافق تام وعلى كل الأصعدة مع الحكومة الروسية.
* هذا يعني أن الحكومة السورية أقوى من الحكومة الروسية التي تساعدها!
- في بعض الأحيان، الضعف يجعلك قوية. رأيت هذا في العراق ما بين الحكومة العراقية والأميركيين فيما يتعلق بالحلول الصعبة عامي 2005 و2006. الكل كان يعتقد بأن الأميركيين يسيطرون بالكامل على الحكومة العراقية، إنما في الواقع كانت سيطرتهم قليلة جدًا، وكان العراقيون أذكياء برفضهم طلباتنا، لأنهم فهموا أن الأميركيين يحتاجون إلى تحقيق النصر. والروس يحتاجون نصرًا في سوريا.
* بعدما أجبتني على بيان خامنئي – بوتين، سؤالي هو التالي: لماذا ستقبل السعودية وقطر وتركيا بإقناع المعارضة السورية بالموافقة على خطة، إذا لم يحصلوا على ضمانة حول خروج الأسد من السلطة؟
- أظن أنه من المبكر جدًا للمعارضة السورية، ولأصدقاء المعارضة السورية المسلحة إقناعهم بأي شيء ما عدا المشاركة في المفاوضات.
* لكن إذا لم تضمن هذه المفاوضات خروج الأسد؟
- الدخول إلى قاعة المفاوضات والجلوس حول الطاولة، يختلف تمامًا وكثيرًا عن إعطاء التنازلات والمساومة خلال المفاوضات. الأمران مختلفان جدًا. لذلك أعتقد أنه من الضروري للمعارضة السورية، وضروري بالذات للمعارضة المسلحة أن تذهب إلى المفاوضات، لكن لا أعتقد أن أيا منا يستطيع أن يقنعها بأن تساوم على أي شيء، إلا قبل أن يكون واضحًا نوعية التنازل الذي ستقدمه الحكومة السورية، هذا إذا ما أرادت الحكومة السورية الإقدام عليه. إذن الأمران مختلفان. أولا الذهاب إلى المفاوضات، ثانيًا، وهذا مختلف، ويأتي لاحقًا، الإقدام على التبادل والتنازلات.
* ألا توجد طريقة لتشجيع الطائفة العلوية بأنه من أجل سلامتها ومستقبلها عليها استبدال الأسد؟
- أظن أنه مهم جدًا للطائفة العلوية المنهكة والتي فقدت الكثير من شبابها في القتال، أن تدرك أن لديها مستقبلاً في سوريا وأن قدرها ليس القتال حتى الموت من أجل بشار الأسد. لدي أمران أقولهما حول هذه المسألة: أولا، وبصراحة أن المعارضة السورية وعلى الأخص المعارضة المسلحة قامت بعمل رهيب فيما يخص العلويين. فمناداتهم بـ«النصيرييين» مرة بعد مرة كان شيئا سيئًا. وفي كل مرة ذهبوا إلى القرى وقتلوا مدنيين كان أمرا سيئًا أيضا. على المعارضة السياسية أن تكون واضحة، وبأنها لا تقاتل العلويين بل النظام. لكن المعارضة أدت عملاً سيئًا جدا. لو كنت علويًا سأخاف من «أحرار الشام».
النقطة الثانية: سيكون من الضروري خلال المفاوضات بحث الأمن المحلي، وكيف يمكن إنشاء الأمن المحلي بالنسبة للقرى والمدن السنية والأمن المحلي للعلويين.
القرى والمدن السنية تعرضت للقصف بالبراميل والكيماوي، عانت كثيرًا، أفهم جيدًا عندما يقولون: إننا عانينا أكثر من العلويين، فلماذا بالتالي علينا أن نقلق عليهم. هذا حق. لكن، من جهتهم فإن العلويين مع معرفتهم بأنهم سيتحملون مسؤولية جرائم ارتكبها النظام وليس الشعب السوري، فإنهم يحتاجون إلى تطمينات. وجزء من هذه التطمينات يجب أن يكون ضمن التفاوض على ترتيب أمني دولي.
* عدد من المراقبين يقول: إن الرئيس باراك أوباما لن يغير استراتيجيته تجاه سوريا، فهو فائز بجائزة نوبل للسلام، وسيترك المشكلة السورية للرئيس الأميركي المقبل. هل توافق، وهل تعتقد أن الأسد سيبقى في الحكم بعد مغادرة أوباما السلطة في يناير 2017؟
- لا أعرف ما إذا كان الأسد سيبقى حتى 2017. وكيف ستؤثر الحرب الدائرة على الأسد. لكن ما أظنه أن الرئيس أوباما يمثل الشعب الأميركي الذي لا يريد أن يتورط في الحرب السورية. لا يريد. الشعب الأميركي تعب بعد العراق، كان هناك انتقاد كثير للغزو الأميركي للعراق، حتى من دول عربية. الأميركيون يعرفون ذلك. أنا الآن أعيش خارج واشنطن، ودعيني أقول لك بأنه لا أحد هنا يريد التدخل في حرب في سوريا، يقولون: ليقرر المعنيون هناك.
عدد من العرب احتجوا لأن الأميركيين غزوا العراق والآن يحتجون لأن الأميركيين لم يغزوا سوريا. الأميركيون لا يريدون الذهاب إلى الحرب في سوريا.
* هل من كلمة أخيرة؟
- أظن أن ما علينا عمله كلنا، أن نصلي للسلام. يجب أن ننظر إلى صورة إيلان الكردي الطفل الذي لفظ البحر جثته. يجب أن تفكر بما تعرض له اللاجئون في الشتاء الماضي في لبنان وتركيا والأردن... الشتاء على الأبواب، وهذا يجب ألا يستمر.
* لكن الرئيس الأسد لم يذكر كلمة عن اللاجئين الهاربين من سوريا؟
- إن سجل الأسد بالنسبة للقضايا الإنسانية معروف جدًا.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.