روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

السفير الأميركي السابق في دمشق أكد أنه لا روسيا ولا أميركا ولا «الأطلسي» مع إشعال حرب عالمية ثالثة بسبب سوريا

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا
TT

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

يرى السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد، أن المفاوضات لحل الأزمة السورية التي اقترحتها خطة فيينا، ستكون صعبة جدًا، وأنه لا حل لمشكلة «داعش» طالما ظل الأسد رئيسًا.
وقال فورد: ليس التدخل الروسي أو إسقاط تركيا لطائرة روسية الذي غيّر اللعبة في سوريا، بل التدخل الإيراني وإرسال حزب الله اللبناني إلى القصير. ولولا ذلك، لكان انتهى حكم بشار الأسد.
وأكد أنه لن يكون هناك وقف إطلاق النار مع «داعش»، وشكك بإمكانية تحقيق ذلك مع «جبهة النصرة»، واقترح أن تطلب «الجبهة الإسلامية» من مقاتلي «النصرة» السوريين الانضمام إليها وترك «القاعدة»، عندها سيضطر قادة «النصرة» للعودة كل إلى بلاده. ورأى فورد أن الجيش السوري تعب جدًا، ولا يستطيع حتى استرجاع الغوطة الشرقية: «وبالتأكيد لن يكون قادرًا على إلحاق الهزيمة بداعش». ولفت إلى ضرورة البدء في التفكير بما سيحدث إذا رفض الأسد التسوية السياسية «قد يحذو الأسد حذو هتلر ويرفض التفاوض»، لكنه رأى أنه من الضروري أثناء المفاوضات بحث الأمن المحلي للقرى والمدن السنية والأمن المحلي للعلويين. وصل فورد إلى دمشق في يناير (كانون الثاني) 2011. وغادر السفارة في فبراير (شباط) 2014. قبل ذلك كان سفيرًا في الجزائر. وفي ما يلي نص الحوار الذي أجرته {الشرق الأوسط} مع روبرت فورد:

* هل كنت مرتاحًا لتصريحات الرئيسين باراك أوباما وفرنسوا هولاند بأن تنظيم داعش خطير، إنما الرئيس السوري بشار الأسد يجب أن يرحل؟
- لم أطلع على تفاصيل التصريحات، إنما رأيي هو أنه لا حل لمشكلة «داعش»، وللمجندين الذين ينضمون إليها في سوريا، طالما ظل بشار الأسد رئيسًا.
* ما كان دوره في إطلاق العنان للإرهاب والإرهابيين؟
- الحكومة السورية، أولا الأب حافظ الأسد ثم الابن بشار، على قائمة الإرهاب الأميركية منذ عدة عقود. دورهما في دعم منظمات إرهابية في دول مثل لبنان أو العراق معروف. واتصالاتهما مع «الجهاد الإسلامي الفلسطيني» وحزب الله في لبنان وأيضا «القاعدة» في العراق عندما كانت القوات الأميركية في العراق، كلها أمور معروفة وواضحة. أنا لا أقول: إن بشار الأسد أوجد «داعش»، لكنه بكل تأكيد أحد العوامل التي أدت إلى وجود هذا التنظيم.
* لكن بالنسبة إلى الحرب الدائرة في سوريا، ما كان دور الأسد بالتحديد بالنسبة إلى الإرهاب، خصوصًا أنه بدأ بتهديد العالم بأنه سيعاني من الإرهاب في الأيام الأولى للحرب؟
- مفتي سوريا الشيخ بدر الدين حسون، هدد بأن الإرهابيين والانتحاريين سيصلون أوروبا والولايات المتحدة. قال هذا عام 2011. لا أعتقد أن حكومة بشار الأسد مسؤولة عن انفجارات باريس أو أنقرة أو سيناء، لكن هذه الحكومة مسؤولة عن إيجاد «القاعدة» في العراق، أيضا. عام 2011 أطلقت سراح عدد من المتطرفين، فانضموا إلى المعارضة المتطرفة. وأعتقد أن الحكومة كانت تعرف ذلك.
* هل تعتقد أن سوريا ستورط العالم تدريجيًا بحرب عالمية ثالثة، كما شاهدنا ما حدث بين تركيا وروسيا، وتحذير الأخيرة بأنها ستسقط أي طائرة في الأجواء السورية تعرقل عملياتها؟
- من المؤكد أن الوضع في سوريا يزداد صعوبة، لكن لا أعتقد أن روسيا أو الولايات المتحدة أو الحلف الأطلسي يريدون إشعال حرب عالمية ثالثة بسبب النزاع السوري، ما سنراه أنشطة إضافية روسية داخل سوريا، سنرى أيضا جهودًا دبلوماسية حثيثة لوضع حد لهذا النزاع. لا أقول: إن هذه الجهود ستؤدي سريعًا إلى الحل إنما ستُبذل جهود أكثر.
* ما الذي غيّر اللعبة في سوريا، التدخل الروسي أو العمليات الإرهابية في باريس؟
- لا أعتقد أن أيا منهما غيّر اللعبة. التدخل الروسي لم يُغير بشكل كبير الوضع على الأرض، فحرب الاستنزاف مستمرة. أعتقد أن المغيّر الأساسي للعبة في سوريا كان التدخل الإيراني بإرسال الميليشيات الشيعية في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من عام 2013.
* تقصد حزب الله
- صحيح، عندما تدخلوا في القصير. لو أن إيران لم تتدخل، لربما الأسد أنهى الحرب في عام 2013 أو بداية 2014. لكن التدخل الإيراني أطال الحرب، وكثرت ساحات المعارك التي انخرطت فيها ميليشيات عراقية ولبنانية في حلب ودرعا والقلمون والرقة.
* ألا يوجد مقاتلون من الباسيج الإيراني أم فقط مستشارون عسكريون؟
- شخصيًا لم أطلع على إثباتات مقنعة، إنما ما أستطيع قوله: إن الحرس الثوري الإيراني خسر ما لا يقل عن 5 جنرالات، وضباطًا كبارا. عندما يخسرون ضباطًا بهذه الرتبة، فإنه يعني أن الجنرالات كانوا على الخطوط القتالية الأولى، لذلك يجب أن يكون هناك مقاتلون، ليسوا بالضرورة جنودا إيرانيين، إنما نتابع المآتم في إيران. الذي حصل خلال سنوات حرب الاستنزاف أن الجيش السوري ازداد ضعفًا، وللتعويض ترسل إيران جنودًا شيعة من لبنان والعراق والأفغان اللاجئين الذين يعيشون في إيران مع بعض الإيرانيين، والآن يتلقون دعمًا عسكريًا جويًا من الروس.
* أنت تردد دائمًا، أن الأغلبية تنتصر في النهاية. من هي الأغلبية الآن: روسيا وإيران وحلفاؤهما أم التحالف الدولي؟
- لا تزال المعارضة السورية المسلحة تشكل الأغلبية، هناك جنود سنة أكثر لمحاربة الشيعة. المشكلة مع المعارضة المسلحة أن عدد أفرادها يفوق كمية تسلحها. من الواضح أنها تلقت أخيرًا المزيد من الأسلحة وربما رأيت كيف أن المعارضة أسقطت طائرة هليكوبتر روسية. القتال قوي، وببساطة، السبب لتدخل روسيا في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) كان من أجل منع سقوط حكومة الأسد وحلفائها الإيرانيين.
* لكن لماذا يريد الروس إنقاذ الأسد؟
- أعتقد أنك يجب أن تسألي الروس. وما أعتقده أن الروس حسب إعلانهم أنهم يريدون محاربة «داعش»، لكن أغلبية عملياتهم ضد الثوار الذين يقاتلون الأسد. والطائرة التي أسقطت إضافة إلى الهليكوبتر تشيران إلى أن الروس يتحركون في منطقة لا وجود لـ«داعش» فيها.
* ألا تعتقد أن الأسد محظوظ. لديه الغرب يقصف «داعش» وروسيا وإيران وحزب الله يقاتلون المعارضة. إلى أي مدى حسب اعتقادك سيحمي الحظ الأسد؟
- أعتقد أن بشار الأسد اتخذ قرارات رهيبة عامي 2011 و2012. لأنه كان يمكن للصراع أن يجد حلاً ببساطة بتقديم بعض التنازلات قبل أن يلجأ الشعب إلى السلاح. لا أعرف ما إذا كان للحظ دور. كل الدول ارتكبت أخطاء. لكن لا أعرف ما إذا كان الأسد محظوظًا أم لا، ما أعرفه أن سوريا حظها سيئ.
* من هي الدولة التي ارتكبت الخطأ الأكبر في سوريا؟
- عدة دول، روسيا، إيران، أميركا... لكن الخطأ الأكبر ارتكبته الحكومة السورية. سأعطيك مثلين. عندما بدأت الانتفاضة في سوريا، أول مظاهرة لم تكن في درعا بل في دمشق في ساحة الحرية في 11 فبراير 2011، حدثت بعد مرور ثلاثة أسابيع من وصولي إلى السفارة الأميركية، تظاهر الناس ضد تعسف شرطة السير، عندها توجه وزير الداخلية إلى المتظاهرين ووعدهم بمعاقبة الضابط المسؤول وطلب منهم التوقف عن التظاهر ففعلوا. شعرت بأن الحكومة السورية قامت بمهمة جيدة، لكن للأسف، بعد 3 أسابيع أطلقت الحكومة النار على متظاهري درعا بعدما أوقفت الشرطة أطفالا. إذن أكبر خطأ ارتكبته الحكومة السورية باللجوء إلى العنف ضد مظاهرات سلمية. لم يكن الشعب يطالب بإسقاط النظام في بداية الاعتصام. لم يبدأوا بهذه المطالبة إلا في شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) بعد مقتل الكثير من الناس. لهذا، يمكننا القول: إن تركيا أخطأت، كذلك روسيا، وأميركا، لكن الخطأ الأكبر كان على يد الحكومة السورية.
* بعد عمليات باريس، قال بعض الخبراء العسكريين، كون الغرب لن ينشر قوات برية في سوريا، فإن المقاتلين الذين أثبتوا أنفسهم هم الأكراد والقوات النظامية السورية؟
- أنا لا أتفق مع المحللين القائلين بأن الأكراد السوريين هم أفضل من يقاتل «داعش». صحيح أن الأكراد السوريين قاتلوا بشدة ضد «داعش»، وتكبدوا الكثير من الضحايا، لكن ليس دقيقًا أنهم أفضل من يقاتل «داعش»، بل هم الوحيدون الذين قاتلوا «داعش» وحصلوا على دعم جوي أميركي مباشر. غيرهم على الأرض لم يتلق هذا الدعم الجوي ولو حصلوا، لفعلوا الأفضل.
الحكومة الأميركية مترددة في توفير الدعم الجوي لأي من المجموعات العربية التي تقاتل الحكومة السورية و«داعش».
* ماذا بالنسبة إلى الجيش السوري؟
- بشأن إثبات نفسه أمام «داعش»؟
* نعم وقوته كجيش على الأرض؟
- أعتقد أن الجيش السوري قاتل جيدًا في بعض المناطق مثل دير الزور، غلب «داعش» عدة مرات، لكن الجيش السوري صار ضعيفًا جدًا حتى على استرجاع الغوطة الشرقية، بالتالي كيف يستطيع الذهاب إلى تدمر، إلى مدينة دير الزور، هذا مستحيل، ولن يحصل. وبالتأكيد لن يكون قادرًا على إلحاق الهزيمة بـ«داعش».
* حتى مع غطاء جوي أميركي؟
- القوة العسكرية الأميركية الجوية تساعد ولكن لا أعتقد أن للجيش السوري القدرة على استرجاع الجزء الشرقي من الغوطة. هناك حاجة لحكومة جديدة تستطيع أن تأتي بسوريين عرب وأكراد ليقاتلوا إلى جانب الجيش السوري في مواجهة «داعش». ومن الواضح أن بشار الأسد لا يستطيع أن يقنع السوريين لينضموا إليه ضد «داعش». إنه يحاول منذ 4 سنوات وفشل.
* لاحظنا، أن خطة السلام التي وافقت عليها 17 دولة في فيينا، لم تأت على ذكر مستقبل الأسد، أشارت إلى انتخابات حرة وعادلة بعد دستور جديد خلال فترة 18 شهرًا. سؤالي هو: هل الانتخابات تقرر رئيسًا جديدًا أم برلمانًا جديدًا؟
- أعتقد أن فكرة إجراء انتخابات في سوريا خلال 18 شهرًا، من الصعب تخيلها. كنت في العراق عندما قرر الأميركيون إجراء انتخابات، وكان أمرا مستحيلاً. والظروف في سوريا أصعب بكثير. إذ كيف ستكون هناك انتخابات في دولة مدمرة بالكامل تقريبًا، كيف يمكن تسجيل الناخبين؟ أو تسجيل النازحين، أو تسجيل اللاجئين؟ هذا أمر شديد الصعوبة. ثم يجب أن تكون هناك بنى تحتية لإدارة الانتخابات كالاتصالات مثلاً.
أغلب المدن السورية تحصل على ساعات قليلة من الكهرباء، وأخيرًا وهذه المشكلة الكبرى، كيف يمكن إجراء الانتخابات في سوريا حيث هناك 4 وكالات استخباراتية مختلفة. هناك: الأمن العسكري، الأمن الجوي، الأمن العام والأمن السياسي. كل واحد من هذه الأجهزة لن يقبل بانتخابات حرة.
* هذا يعني أنك لا تعتبر أن الانتخابات التي جاءت بالأسد رئيسًا كانت حرة؟
- أول مرة خاض الانتخابات حصل على 99 في المائة، المرة الثانية على 98 في المائة، والمرة الثالثة أثناء الحرب الأهلية 80 في المائة. بالطبع لا أعتبر أنها كانت حرة.
* لكن، لاحظنا أيضا أنه لا الأطراف المعارضة ولا الحكومة السورية دعما استراتيجية فيينا، كونها تطلب من كل الأطراف المتحاربة التوصل إلى وقف لإطلاق النار. ووزير الخارجية الأميركي جون كيري كان سعيدًا وهو يزف خبر وقف إطلاق النار خلال أسبوعين أو ثلاثة. ثم إن هذه الاستراتيجية ستؤسس لحكومة انتقالية؟
- أعرف الوزير كيري جيدًا، هو رجل ذكي جدًا ومستقيم، وهو رجل يؤمن بأن علينا أن نكون متفائلين أثناء العمل الدبلوماسي. لكنني أعتقد أن الوزير كيري يدرك جيدًا صعوبة العملية.
* لكنك أشرت في بداية الحديث إلى جهود ستبذل لإيجاد حل لهذه المشكلة. من الذي سيحلها وكيف ستجد حلاً؟
- الحل يجب أن يأتي عبر مسارين متلازمين. الأول يجب التوصل إلى اتفاق بين الدول الرئيسية الخمس وهي: تركيا، والسعودية، وإيران والولايات المتحدة وروسيا. يجب أن يتوصلوا إلى اتفاق بينهم حول إطار العمل للحل السياسي. ليسوا بحاجة إلى التفاوض حول كل التفاصيل. ثم يأتي المسار الثاني الذي يجب أن يضم سوريين فقط من المعارضة المسلحة والمعارضة السياسية والحكومة السورية. هنا يجب أن نتفق على كيفية انضمام الأكراد السوريين. فهل أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو مع الحكومة أو مع المعارضة. ربما يقتضي ذلك وفدين منفصلين.
هذه الأطراف عليها أن تتفاوض حول مستقبل سوريا، ليس من المعقول أن تقرر أميركا أو روسيا أو تركيا أو السعودية وإيران الرئيس السوري المقبل. هذه الدول الخمس يجب أن تدرك ذلك، وتترك الأمر للسوريين. هل تعرفين العبارة العربية: أهل مكة أدرى بشعابها. علينا أن نتذكر هذا بالنسبة إلى سوريا، إنما على هذه الدول أن تشجيع أصدقاءها السوريين على الدخول إلى القاعة والجلوس حول الطاولة وربما على الدول هذه أن تقف خارج الباب، حتى إذا ما طرف سوري غضب وخرج من قاعة المفاوضات، تتدخل الدولة المعنية وتقنعه بأنه لا يستطيع الخروج بل عليه العودة.
* كما فعلت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت مع ياسر عرفات الزعيم الفلسطيني الراحل؟
- تمامًا. لا أعرف ما إذا كان هذا الطرح سينجح وهذه ليست ضمانة للنجاح، بل هذه هي الطريقة الوحيدة للاتفاق على الحل الدبلوماسي. أما الدول الخارجية أميركا، روسيا، السعودية، تركيا وإيران فعليها أن تتفق على قائمة من القضايا التي على السوريين أن يتفقوا على تفاصيلها. ما هي الحكومة الجديدة؟ ما هي القيادة العليا لهذه الحكومة؟ ماذا سيحصل بالنسبة إلى المساعدات الإنسانية؟ ماذا سيحل بالسجناء السياسيين؟ كيف سيتم العمل على دستور جديد ومتى؟ كيف يضعون هيكلية للعلاقة بينهم وبين فرق أجنبية تقاتل على أرضهم، مثل «داعش» و«جبهة النصرة» وحزب الله اللبناني و«كتائب حزب الله» العراقي إلخ.. السوريون يجب أن يتفقوا حول كل هذا. لا تستطيع إيران أن تملي على المعارضة المسلحة بأن عليها أن تقبل بـ«كتائب حزب الله» العراقية في سوريا. الإيرانيون لا يستطيعون أن يفرضوا ذلك لأن القتال سوف يستمر عندها ولن يكون هناك سلام. لهذا يجب أن يكون هناك اتفاقات بين الجانب السوري من جهة وإيران، وروسيا، والولايات المتحدة، والسعودية وتركيا من الجهة الثانية، وعلينا بالتالي أن نحترم كلنا القرار السوري النهائي، سيكون من الصعب على السوريين أن يتفاوضوا. أنا متأكد من أن العملية ستأخذ سنة أو سنتين.
* خلال هذه السنة أو السنتين، هل سيكون هناك وقف لإطلاق النار؟
- لا أعرف. من الصعب علي أن أتخيل. إنما هل من الأفضل وجود وقف لإطلاق النار؟ نعم. وقف إطلاق نار شامل؟ نعم. إنما هل سيحترم الكل هذا الوقف لإطلاق النار؟ هل سيشمل إطلاق سراح كل السجناء؟ وهل سيشمل ممرات حرة للمساعدة الإنسانية؟
* لكن هذه عملية مختلفة!
- أعتقد، إذا طرف من الأطراف، لم يقبل هذا النوع من وقف إطلاق لنار، سيكون لديه دافع للاستمرار في القتال. دعيني أعطيك مثالاً، لنفترض أن النظام قال: إنه يريد وقف إطلاق النار، لكنه لا يقبل السماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى الوائر، عندها لماذا سيقبل «الجيش السوري الحر» أو «جيش الفتح» أن يستمر النظام بتجويع الوائر. لن يقبلوا وسوف يستمرون بالقتال.
* لكن، من يستطيع التحكم بـ«داعش» وإقناعه بقبول وقف إطلاق النار؟
- لا أحد. لن يكون هناك إطلاقًا وقف إطلاق النار مع «داعش». أنا شخصيًا أشك أن يكون هناك وقف إطلاق النار مع جبهة «النصرة»، لذلك ما سيحدث: إما أن تستمر جبهة «النصرة» بمقاتلة النظام، أو عليها أن تترك سوريا. إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين النظام، و«الجيش السوري الحر» و«الجبهة الإسلامية»، وإذا رفضت جبهة «النصرة» وقف إطلاق النار، عندها على «الجبهة الإسلامية» مقاتلة «النصرة»، ولا أعتقد أنها ستفعل ذلك، بل ربما تطلب من «النصرة» أن تغادر سوريا. أيضا، في حال وقف إطلاق النار، نحن ندرك أنه لن يكون هناك وقف إطلاق النار مع «داعش»، أما جبهة «النصرة» فإنها السؤال الأصعب، لأنهم أكثر احترافًا، لذلك أتصور أن بعض أعضاء «الجبهة الإسلامية» قد يطلبون من مقاتلين في جبهة «النصرة»: اتركوا «القاعدة» وانضموا إلينا أو انضموا إلى أي طرف سوري، وبذلك يدفعون قادة جبهة «النصرة» إلى العودة من حيث أتوا كالعراق مثلاً، أما المقاتلون السوريون فينضمون إلى مجموعات أخرى. أظن هذا ما يجب أن يحدث وإلا فإن القتال سيستمر.
* بما أننا ما زلنا نواجه مشكلة الأسد، هل سيبقى أو يرحل، ألا تعتقد أنه بعد بيان المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنه لا أحد يجب أن يتدخل، وأن الأسد يجب أن يبقى، فإن موقف الدول العربية التي تدعم الثوار سيزداد تشددًا؟
- نعم، أظن ذلك، وأظن أن أشخاصًا مثلي، طالبوا منذ زمن بالحل السياسي، وأرادوا مفاوضات، يجب أن نبدأ التفكير بماذا سيحدث إذا ما رفض الأسد الموافقة على تسوية سياسية. قرأت أخيرًا كتابًا عن نهاية الحرب العالمية الثانية، فيه أن النظام النازي في ألمانيا، رفض حتى النهاية التفاوض. كان هناك جنود سوفيات على سطح البرلمان الألماني (الرايخستاغ) ومع ذلك رفضت الحكومة التفاوض. لهذا ليس مستبعدًا، أن يحذو الأسد حذو هتلر ويرفض التفاوض. لذلك يجب أن نبدأ بالتفكير بهذا الاحتمال.
* بعض الدبلوماسيين الغربيين يقولون: إنه إذا استطعنا أن نهزم «داعش» خلال الأشهر الـ18 المقبلة، ومن أجل إبقاء السلام في سوريا، فإنه من الممكن الإبقاء على الأسد إلى أجل غير مسمى كرئيس شكلي من دون أي سيطرة على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية؟
- لكن، هل سيقبل بشار الأسد هذا، لم يقبل بأي شيء أقل من تأييد 80 في المائة من الأصوات.
* هل يستطيع القول لا، للإيرانيين والروس وهو الآن مدين لهما، فقد أنقذا نظامه؟
- ما لاحظته أنه بعدما قال بوتين بأنه يجب إجراء انتخابات في سوريا، رد بشار الأسد والمسؤولون في وزارة خارجيته بأنه لن تكون هناك انتخابات في سوريا، قبل أن يتم إبعاد كل الإرهابيين عن سوريا. إذن هو قال لا لبوتين. لا أعتقد أن الحكومة السورية على توافق تام وعلى كل الأصعدة مع الحكومة الروسية.
* هذا يعني أن الحكومة السورية أقوى من الحكومة الروسية التي تساعدها!
- في بعض الأحيان، الضعف يجعلك قوية. رأيت هذا في العراق ما بين الحكومة العراقية والأميركيين فيما يتعلق بالحلول الصعبة عامي 2005 و2006. الكل كان يعتقد بأن الأميركيين يسيطرون بالكامل على الحكومة العراقية، إنما في الواقع كانت سيطرتهم قليلة جدًا، وكان العراقيون أذكياء برفضهم طلباتنا، لأنهم فهموا أن الأميركيين يحتاجون إلى تحقيق النصر. والروس يحتاجون نصرًا في سوريا.
* بعدما أجبتني على بيان خامنئي – بوتين، سؤالي هو التالي: لماذا ستقبل السعودية وقطر وتركيا بإقناع المعارضة السورية بالموافقة على خطة، إذا لم يحصلوا على ضمانة حول خروج الأسد من السلطة؟
- أظن أنه من المبكر جدًا للمعارضة السورية، ولأصدقاء المعارضة السورية المسلحة إقناعهم بأي شيء ما عدا المشاركة في المفاوضات.
* لكن إذا لم تضمن هذه المفاوضات خروج الأسد؟
- الدخول إلى قاعة المفاوضات والجلوس حول الطاولة، يختلف تمامًا وكثيرًا عن إعطاء التنازلات والمساومة خلال المفاوضات. الأمران مختلفان جدًا. لذلك أعتقد أنه من الضروري للمعارضة السورية، وضروري بالذات للمعارضة المسلحة أن تذهب إلى المفاوضات، لكن لا أعتقد أن أيا منا يستطيع أن يقنعها بأن تساوم على أي شيء، إلا قبل أن يكون واضحًا نوعية التنازل الذي ستقدمه الحكومة السورية، هذا إذا ما أرادت الحكومة السورية الإقدام عليه. إذن الأمران مختلفان. أولا الذهاب إلى المفاوضات، ثانيًا، وهذا مختلف، ويأتي لاحقًا، الإقدام على التبادل والتنازلات.
* ألا توجد طريقة لتشجيع الطائفة العلوية بأنه من أجل سلامتها ومستقبلها عليها استبدال الأسد؟
- أظن أنه مهم جدًا للطائفة العلوية المنهكة والتي فقدت الكثير من شبابها في القتال، أن تدرك أن لديها مستقبلاً في سوريا وأن قدرها ليس القتال حتى الموت من أجل بشار الأسد. لدي أمران أقولهما حول هذه المسألة: أولا، وبصراحة أن المعارضة السورية وعلى الأخص المعارضة المسلحة قامت بعمل رهيب فيما يخص العلويين. فمناداتهم بـ«النصيرييين» مرة بعد مرة كان شيئا سيئًا. وفي كل مرة ذهبوا إلى القرى وقتلوا مدنيين كان أمرا سيئًا أيضا. على المعارضة السياسية أن تكون واضحة، وبأنها لا تقاتل العلويين بل النظام. لكن المعارضة أدت عملاً سيئًا جدا. لو كنت علويًا سأخاف من «أحرار الشام».
النقطة الثانية: سيكون من الضروري خلال المفاوضات بحث الأمن المحلي، وكيف يمكن إنشاء الأمن المحلي بالنسبة للقرى والمدن السنية والأمن المحلي للعلويين.
القرى والمدن السنية تعرضت للقصف بالبراميل والكيماوي، عانت كثيرًا، أفهم جيدًا عندما يقولون: إننا عانينا أكثر من العلويين، فلماذا بالتالي علينا أن نقلق عليهم. هذا حق. لكن، من جهتهم فإن العلويين مع معرفتهم بأنهم سيتحملون مسؤولية جرائم ارتكبها النظام وليس الشعب السوري، فإنهم يحتاجون إلى تطمينات. وجزء من هذه التطمينات يجب أن يكون ضمن التفاوض على ترتيب أمني دولي.
* عدد من المراقبين يقول: إن الرئيس باراك أوباما لن يغير استراتيجيته تجاه سوريا، فهو فائز بجائزة نوبل للسلام، وسيترك المشكلة السورية للرئيس الأميركي المقبل. هل توافق، وهل تعتقد أن الأسد سيبقى في الحكم بعد مغادرة أوباما السلطة في يناير 2017؟
- لا أعرف ما إذا كان الأسد سيبقى حتى 2017. وكيف ستؤثر الحرب الدائرة على الأسد. لكن ما أظنه أن الرئيس أوباما يمثل الشعب الأميركي الذي لا يريد أن يتورط في الحرب السورية. لا يريد. الشعب الأميركي تعب بعد العراق، كان هناك انتقاد كثير للغزو الأميركي للعراق، حتى من دول عربية. الأميركيون يعرفون ذلك. أنا الآن أعيش خارج واشنطن، ودعيني أقول لك بأنه لا أحد هنا يريد التدخل في حرب في سوريا، يقولون: ليقرر المعنيون هناك.
عدد من العرب احتجوا لأن الأميركيين غزوا العراق والآن يحتجون لأن الأميركيين لم يغزوا سوريا. الأميركيون لا يريدون الذهاب إلى الحرب في سوريا.
* هل من كلمة أخيرة؟
- أظن أن ما علينا عمله كلنا، أن نصلي للسلام. يجب أن ننظر إلى صورة إيلان الكردي الطفل الذي لفظ البحر جثته. يجب أن تفكر بما تعرض له اللاجئون في الشتاء الماضي في لبنان وتركيا والأردن... الشتاء على الأبواب، وهذا يجب ألا يستمر.
* لكن الرئيس الأسد لم يذكر كلمة عن اللاجئين الهاربين من سوريا؟
- إن سجل الأسد بالنسبة للقضايا الإنسانية معروف جدًا.



سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجماعة الحوثية حكراً على خصومها؛ إذ بدأت خلال السنوات الماضية أصوات من داخل بيئتها الموالية توجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها، متهمةً قياداتها بالجباية، والفساد، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالح الجماعة وأجنحتها على مصالح المواطنين.

وفي أحدث هذه المواقف، هاجم محمد المقالح -القيادي السابق فيما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» التي أدارت انقلاب الجماعة- جماعة الحوثي واصفاً إياها بأنها «سلطة طاردة للحياة»، وقال إنها دفعت برؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين إلى مغادرة البلاد.

وقال المقالح، في تغريدة على منصة «إكس»، إن صنعاء شهدت خلال سنوات سيطرة الحوثيين نزيفاً وهجرة جماعية لرؤوس الأموال، وشرائح واسعة من النخب، إلى جانب مغادرة قنوات، ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى، وفق وصفه، حالة من الانكفاء على الذات، ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

مقر أمني حوثي تابع لما يُسمى جهاز «الأمن الوقائي» في صنعاء (الشرق الأوسط)

ولم يكتفِ المقالح بتوصيف التداعيات الاقتصادية، والاجتماعية، بل ربط الانقسامات داخل سلطة الحوثيين بما وصفه بقضية «الولاية»، معتبراً أنها استنزفت الجماعة، وأصبحت سبباً رئيساً في انقسامها.

وقال إن سلطة الحوثيين باتت «منقسمة على نفسها»، معتبراً أن السبب الجذري لذلك هو قضية الولاية التي قال إنها «تستهلكها، وستُهلكها حتماً».

وتحمل تصريحات المقالح دلالة سياسية لافتة، خصوصاً أنها صادرة عن شخصية عرفت المشهد الحوثي من الداخل، وسبق أن كانت جزءاً من بنيته السياسية، ما يمنح الانتقادات وزناً أكبر من تلك التي تصدر عن خصوم الجماعة التقليديين.

انشقاق من أمني

في مؤشر آخر على اتساع دائرة السخط، أعلن قبل أيام ضابط في جهاز الأمن المركزي التابع للحوثيين انشقاقه عن الجماعة، بعد أن حظي باهتمام واسع إثر ظهوره في تسجيل مصور اشتكى فيه من الجوع، وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

واشتهر النقيب أبو مرتاح الصيادي بعد ظهوره في تسجيل مصور قال فيه إنه «جائع»، قبل أن تتحول العبارة إلى مادة للتداول الواسع، باعتبارها تعبيراً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي تسجيل مصور جديد، قال الصيادي: «الحمد لله الذي أخرجني من بين الظالمين، والمجرمين. لقد نجوت بمعجزة».

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضح أنه خدم لسنوات في قوات الأمن المركزي، وأقر بدوره السابق في دعم الحوثيين، قائلاً إنه حشد الناس لفعاليات الجماعة، وشارك في عمليات أمنية، وجمع أموالاً من المدنيين، بينهم مالكو سيارات، لدعم أنشطتها، معرباً عن أسفه لذلك.

وقال إن انخراطه في التجنيد وتعبئة الناس كان من أكبر أخطائه، وزعم أن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار مقطع «أنا جائع».

وأضاف أن انتشار التسجيل أثار قلقاً لدى قيادات الجماعة، التي أمرت قوات الأمن في صنعاء بالبقاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

كما اتهم الصيادي مسؤولين ومشرفين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة، قائلاً إن بعض المحتجزين يقبعون فيها منذ أشهر بسبب خلافات بسيطة.

ويأتي ظهور الصيادي وانشقاقه في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متزايدة على جبهات القتال، وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للأوضاع الاقتصادية، والمعيشية في مناطق سيطرتها، بما يضيف بُعداً أمنياً إلى حالة السخط التي بدأت تظهر من داخل بيئتها.

اتهامات بالظلم والتمييز

في مسار موازٍ، صعّد الأكاديمي في جامعة عمران، والموالي سابقاً لجماعة الحوثيين، عبد السلام الكبسي، انتقاداته لسلطة الجماعة، وحكومتها، متهماً إياها بتحميل أبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وقال الكبسي، في منشور على «فيسبوك»، إن «الظلم الأعظم» يتمثل في إلقاء اللائمة على شخص مع معرفة أنه غير مسؤول عما حدث، وتحميله مسؤولية أمر «لم يعمله، أو يعلمه».

ولا تأتي هذه الانتقادات بمعزل عن مواقف سابقة للكبسي؛ إذ سبق له أن هاجم الأوضاع الاقتصادية والإدارية في مناطق سيطرة الحوثيين، وانتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذراً من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية في أحد المطاعم (رويترز)

كما انتقد الخطاب السياسي للجماعة، ورفض اختزال اليمن في مشروعها السياسي، أو تقديمها باعتبارها الممثل الوحيد للبلاد.

وامتدت خلافاته مع سلطة الحوثيين إلى ملفات أخرى، بينها قضايا الأراضي، والممتلكات، حيث وجه انتقادات لما اعتبره استغلالاً للنفوذ، ومحاولات للاستحواذ على ممتلكات المواطنين.

أما القيادي الحوثي عبد السلام جحاف، الذي يشغل منصب عضو مجلس شورى الجماعة، فقد اتخذ انتقاده منحى أكثر مباشرة، بعد ظهوره في تسجيل مرئي تحدث فيه بنبرة غاضبة عن ممارسات قال إنه تعرض لها من داخل المنظومة الحوثية التي ينتمي إليها.

ووجه جحاف انتقادات حادة إلى قيادات نافذة في الجماعة، متهماً إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده، والتضييق عليه، وتهديده، في تصعيد علني ينقل الخلافات من الغرف المغلقة إلى المجال العام.

عناصر حوثيون خلال فعالية تعبوية في صنعاء دعا لها زعيمهم (رويترز)

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له، حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس مستوى الاحتقان داخل الجماعة، خصوصاً أن الرجل عُرف خلال السنوات الماضية كأحد المدافعين عنها، والمهاجمين لخصومها.

ولا يُعد هذا أول خلاف لجحاف مع قيادات حوثية؛ إذ سبق أن انتقد قيادات من محافظة صعدة، معقل الجماعة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».


الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)

بدأت وزارة النقل اليمنية إجراء تقييم شامل لأداء المطارات في المناطق المحررة، في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد الاحتياجات والمشكلات واقتراح الحلول، ضمن توجه لتحسين أدائها ورفع كفاءتها، في وقت لا يزال فيه مركز المراقبة الجوية الرئيسي تحت سيطرة الجماعة الحوثية.

وخُصص الاجتماع التقييمي الأول لقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، الذي عُقد في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد، لمناقشة قطاع المطارات وسلامة الطيران، ومستوى الأداء والاحتياجات، وأبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل الجوي، وفي مقدمتها المطارات ومركز المراقبة الجوية.

ووفق المصادر الحكومية، وجَّه وزير النقل محسن العمري قيادة قطاعي المطارات وسلامة الطيران في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، ومديري المطارات في المناطق المحررة، برفع تقارير شاملة وشفافة تتضمن تقييماً دقيقاً لأوضاع المطارات في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد أبرز الإشكالات والاحتياجات والمقترحات والحلول، إلى جانب وضع آلية واضحة للتعامل مع الجهات المنتدبة والعاملة داخل المطارات.

مطار عدن الدولي أحد أبرز المطارات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

كما وجَّه الوزير برفع مستوى التنسيق وإخضاع جميع الجهات العاملة داخل المطارات للإشراف المباشر من إداراتها، وفقاً للقانون والنظام، مع رفع أي مخالفات إلى قيادة الوزارة لاتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.

تطوير ورفع كفاءة الكوادر

تأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتقييم مختلف قطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، لا سيما قطاع المطارات، والوقوف على مستوى أدائها واحتياجاتها، بما يعزز كفاءة منظومة النقل الجوي ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

ونبَّه الوزير العمري إلى أن وزارته تقف أمام مسؤولية وطنية كبيرة في تنظيم قطاعات النقل الجوي والبري والبحري، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم النافذة، ومعالجة الاختلالات الإدارية والفنية، وترسيخ الثقافة القانونية في مختلف مرافق الوزارة والهيئات التابعة لها.

مساعٍ يمنية لرفع كفاءة المطارات وتحسين جودة الخدمات للمسافرين (إعلام حكومي)

وطالب الوزير اليمني القائمين على قطاع الطيران المدني بالارتقاء بمستوى المطارات، وتوفير الحد الأدنى من الأجهزة والمعدات الملاحية والفنية اللازمة، والعمل على تطوير البنية التحتية للمطارات بما يتوافق مع معايير منظمة الطيران المدني الدولي والأنظمة والمعايير الدولية.

كما وجَّه بوضع خطة متكاملة للتدريب والتأهيل للعام الحالي، وإدراج الاحتياجات ضمن الموازنة العامة، لضمان رفع كفاءة الكوادر العاملة في قطاعات الهيئة والمطارات.

واطلع المشاركون في الاجتماع على حصيلة النقاشات التي أُجريت مع القيادة السياسية بشأن عدد من القضايا المتعلقة بقطاعات النقل، أبرزها مكافحة التهريب، وتنظيم عمل الجهات المنتدبة، وضمان تطبيق القوانين واللوائح والنظم المنظمة للعمل في المنافذ والمرافق التابعة لوزارة النقل.

وأكد الوزير مجدداً ضرورة الالتزام بالاختصاصات والصلاحيات المحددة بموجب قانون الطيران المدني واللوائح ذات الصلة، والعمل وفق الأطر القانونية والمؤسسية.

إعادة ضبط الإيرادات

بشأن إيرادات الهيئة العامة للطيران المدني، نبَّه الوزير العمري إلى أنها إيرادات عامة للدولة ينبغي الحفاظ عليها وعدم استنزافها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية.

وقال إن مسؤولية تطوير وتحسين أداء المطارات والقطاعات التابعة للهيئة مسؤولية مشتركة، وتتطلب العمل ضمن فريق واحد والتنسيق المستمر، وتجاوز الممارسات والاختلالات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وتصحيحها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة النافذة.

كما ناقش المجتمعون القضايا المتعلقة بقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني واحتياجاتها الفنية والتدريبية والتجهيزية، إضافة إلى أنشطة بعض القطاعات التابعة للهيئة، ومنها مركز المراقبة الجوية، ومستوى تنفيذ التوجيهات الصادرة من وزارة النقل، بما يخدم تنظيم العمل وتحسين الأداء والوصول إلى أفضل مستوى من الكفاءة والانضباط.

ويعاني قطاع الطيران المدني في اليمن من تداعيات الحرب والانقسام المؤسسي الذي طال مختلف قطاعات الدولة؛ ما أدى إلى تعقيدات في إدارة حركة الطيران والمجال الجوي.

وتدير الحكومة المعترف بها دولياً المطارات الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمها مطار عدن الدولي، ومطارا الريان وسيئون في محافظة حضرموت، ومطار المخا الدولي على ساحل البحر الأحمر، ومطار سقطرى الدولي، ومطار المهرة، في حين يدير الحوثيون مطار صنعاء، ويتحكمون بمركز المراقبة الجوية الرئيسي.

وتأتي مراجعة وزارة النقل لأداء المطارات ووضعها في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إعادة تنظيم مؤسسات النقل والمنافذ، وتعزيز الرقابة على الموارد والإجراءات التشغيلية، مع التركيز على رفع جاهزية المطارات وتحسين مستوى السلامة والخدمات ومكافحة التهريب.


انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
TT

انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)

في بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، لم يعد تراجع التمويل الخارجي للقطاع الصحي مجرد أزمة مالية تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بل بات تهديداً مباشراً لاستمرار خدمات يعتمد عليها ملايين السكان، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية وتتقلص الموارد بسبب استمرار الحوثيين في منع تصدير النفط والغاز.

وحذّر وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، من التداعيات المتفاقمة للانحسار الحاد في الدعم الخارجي، داعياً إلى خطة انتقالية تقلل الاعتماد على المساعدات الدولية وتحمي الخدمات الصحية الأساسية من صدمة التمويل.

وقال بحيبح، خلال اجتماع موسع في العاصمة المؤقتة عدن، إن القطاع الصحي يمر بمرحلة «دقيقة»، وإن انخفاض التمويل الخارجي يفرض إعادة النظر في طريقة إدارة الموارد وتحديد الأولويات، والعمل على بناء نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.

ويأتي تحذير الوزير في وقت تناقش فيه السلطات الصحية مشروعاً جديداً يموله البنك الدولي في مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، في محاولة لتعزيز الخدمات في المناطق المستهدفة والحفاظ على قدرة المرافق الصحية على العمل.

لكنه شدد على أن استمرار الدعم الدولي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء قدرة محلية على تمويل الخدمات الصحية.

فجوة التمويل

تعني أي فجوة جديدة في تمويل القطاع الصحي، واقعياً، مزيداً من الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية والكوادر الطبية، وقد تعني بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية رحلة أطول بحثاً عن العلاج، أو دفع تكاليف لا تستطيع تحملها، أو ببساطة تأجيل العلاج حتى تتفاقم الحالة.

وقال بحيبح إن المطلوب هو التعامل مع حجم التحدي «كما هو»، والعمل وفق الموارد المتاحة، من دون أن يعني ذلك الاستسلام للظروف أو التراجع عن مسؤولية الدولة تجاه المواطنين.

وزارة الصحة اليمنية تبحث الحد من الاعتماد على التمويل الخارجي (إعلام حكومي)

ورأى أن الانخفاض الكبير في التمويل الخارجي يفرض على الوزارة والسلطات الصحية إعادة ترتيب الأولويات ووضع خطة لـ«الخروج السلس» من الاعتماد الكبير على التمويل الدولي، بما يمنع حدوث صدمة مفاجئة في الخدمات.

ويدق هذا التوجه ناقوس الخطر من تقليص الخدمات الصحية، في بلد لا تزال 40 في المائة من منشآته الصحية خارج الخدمة بسبب الحرب التي أشعلها الحوثيون، مع تدهور كبير في الوضع الاقتصادي واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.

الاعتماد على الذات

الاجتماع، وفق المصادر الرسمية، ناقش مكونات مشروع البنك الدولي الجديد وأولوياته، إلى جانب مراجعة تجربة المشروع السابق الممول من البنك ضمن مشروع رأس المال البشري، وما قدمه من دعم وتدخلات للقطاع الصحي.

ويهدف المشروع الجديد إلى دعم مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، وتعزيز قدرة المرافق الصحية المستهدفة على مواصلة تقديم خدماتها.

تراجع الدعم الدولي يضع القطاع الصحي اليمني أمام ضغوط متزايدة (إعلام حكومي)

غير أن حجم التحدي يتجاوز مشروعاً واحداً، إذ تسعى السلطات الصحية إلى التعامل مع مشكلة أكثر عمقاً تتمثل في كيفية الحفاظ على الخدمات عندما تتراجع المساعدات الخارجية التي ساعدت طوال سنوات الحرب في سد جزء من الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المحلية.

وقال بحيبح إن المرحلة المقبلة تتطلب حماية الخدمات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وتوجيه الموارد المحدودة إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تشتيتها على تدخلات لا تملك الجهات الصحية القدرة على تمويلها بصورة مستدامة.

ودعا الوزير اليمني إلى تعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة والإدارة، وتطوير الشراكات، وتشجيع المبادرات المحلية والمجتمعية، مع الحفاظ على الشراكات القائمة مع المنظمات والمانحين وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.

وقال إن «الاعتماد على الذات أصبح ضرورة وليس خياراً»، داعياً مسؤولي الصحة إلى عدم انتظار الحلول من الخارج والعمل على إيجاد بدائل محلية قابلة للتنفيذ.

الدعم الدولي أوصل الخدمات الصحية إلى مناطق نائية في اليمن (إعلام حكومي)

كما طرح تعزيز المساهمة المجتمعية كأحد البدائل الممكنة، لكنه شدد على أن مشاركة المجتمع يجب ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة، وإنما إلى رافد منظم وشفاف للخدمات الصحية.

وخلص اجتماع وزارة الصحة إلى وضع توجهات لتعزيز تنفيذ مشروع البنك الدولي ورفع جاهزية المرافق الصحية، بالتوازي مع البحث عن حلول طويلة الأمد لأزمة التمويل.

لكن التحدي الأكبر، وفق توجهات الوزارة، لم يعد فقط كيف يحصل القطاع الصحي على تمويل جديد، بل كيف يمنع انهيار الخدمات عندما ينحسر التمويل الخارجي؛ وهي معادلة سيكون المواطن اليمني، في نهاية المطاف، أول من يدفع ثمنها.