بروكسل في حالة تأهب قصوى بعد اتهام شخص رابع بتورطه في اعتداءات باريس

بلجيكيون لـ«الشرق الأوسط»: الحذر مطلوب بدلاً من الفزع.. وتلميذ يقول: تعطيل الدراسة أنقذني من الاختبارات

جندي بلجيكي يحرس مدخل مقر المجموعة الأوروبية وسط استمرار الإجراءات الأمنية المشددة لليوم الرابع على التوالي في العاصمة بروكسل (رويترز)
جندي بلجيكي يحرس مدخل مقر المجموعة الأوروبية وسط استمرار الإجراءات الأمنية المشددة لليوم الرابع على التوالي في العاصمة بروكسل (رويترز)
TT

بروكسل في حالة تأهب قصوى بعد اتهام شخص رابع بتورطه في اعتداءات باريس

جندي بلجيكي يحرس مدخل مقر المجموعة الأوروبية وسط استمرار الإجراءات الأمنية المشددة لليوم الرابع على التوالي في العاصمة بروكسل (رويترز)
جندي بلجيكي يحرس مدخل مقر المجموعة الأوروبية وسط استمرار الإجراءات الأمنية المشددة لليوم الرابع على التوالي في العاصمة بروكسل (رويترز)

استمرت لليوم الرابع على التوالي حالة الاستنفار الأمني القصوى في بروكسل، عاصمة بلجيكا، وذلك لمواجهة تهديدات إرهابية، بينما تستمر الحالة على الدرجة الأقل في باقي أنحاء بلجيكا، وحتى يوم الاثنين المقبل على الأقل. وأبقت السلطات البلجيكية أمس على حالة التأهب القصوى في العاصمة بروكسل بعد اتهام شخص رابع يشتبه بتورطه في اعتداءات باريس التي أودت بحياة 130 شخصًا في 13 نوفمبر (تشرين الثاني).
وأمنيًا، قررت سلطات التحقيق البلجيكية إطلاق سراح 15 شخصًا من بين الأشخاص الـ16 الذين اعتقلتهم الشرطة مساء الأحد الماضي في أحياء متفرقة ببروكسل، ضمن حملات مداهمة شملت 22 منزلا، بهدف البحث عن مطلوبين أمنيين في ظل مخاوف من وجود خطط إرهابية علي غرار ما وقع أخيرًا في باريس، وبذلك تكون السلطات قد مددت اعتقال شخص واحد فقط للاشتباه في علاقته بالتهديد الإرهابية، وكانت السلطات اعتقلت خمسة أشخاص، أول من أمس (الاثنين)، في الإطار نفسه، وسيعرضون في وقت لاحق علي قاضي التحقيقات، للنظر في استمرار اعتقالهم أو إطلاق سراحهم.
واستمر أمس الوجود الأمني من خلال عناصر الجيش والشرطة في الشوارع، وحول المراكز الحيوية، مع تقليل الأنشطة التي تشهد وجود تجمعات كبيرة من المواطنين. وبحسب ما جرى الإعلان عنه من جانب رئيس الوزراء البلجيكي، الذي قال إن الوضع سيستمر على ما هو عليه حتى الاثنين المقبل، وسيتم إجراء تقييم للأمور «على أن تعود الأمور إلى طبيعتها بشكل تدريجي ابتداء من الأربعاء، بإعادة تشغيل محطات قطارات الأنفاق، وعودة التلاميذ إلى المدارس. وقد بدأت بالفعل صباح أمس شبكة الحافلات العمومية توسيع دائرة علمها لتشمل مناطق أوسع في بروكسل، كما جرى تشغيل الترام في مناطق مختلفة من بروكسل مما ساهم في تحقيق انسيابية أفضل من الأيام الماضية في تنقلات المواطنين التي كانت تقتصر على السيارات وبعض الحافلات وسيرًا على الأقدام، كما واصلت بعض المصالح الحكومية الثلاثاء فتح الأبواب أمام الجمهور، الذي بدأته منذ أول من أمس. وتجولت «الشرق الأوسط» في شوارع بروكسل أمس، لرصد ردود فعل المواطنين، من سكان بروكسل، سواء كانوا من البلجيكيين أو من المهاجرين، وفي شارع ليمونييه بوسط المدينة وأمام مبنى بلدية بروكسل، سألنا رجلا بلجيكيًا يعمل في مكتب البريد (رفض ذكر اسمه)، وقال: «هناك بعض الإزعاج بالنسبة للحياة اليومية، فانا أعمل هنا في مكتب البريد، إني أرى الحياة تغيرت، ولكن نتمنى أن تتغير إلى الأفضل، ويجب أن لا ننغلق على أنفسنا ونفزع، ولكن نكون حذرين، وأنا أتفهم هذه التحركات الأمنية التي تأتي بعد أيام من هجمات باريس، والتي لولاها ما كنا رأينا كل ذلك».
ويقول محمد الشعار وهو تاجر سوري مقيم ببروكسل منذ 18 عاما: «هذه الإجراءات لا يجب أن تغضب أحدًا، لأنها تهدف إلى تحقيق الأمن والسلامة لنا ولأولادنا، ولهذا علينا نحن أن نلتزم بتعليمات السلطات التي تعمل لمصلحة الجميع، وأنا متفائل بأن القادم سيكون أفضل إن شاء الله».
ولاحظت «الشرق الأوسط» وجود أطفال في التاسعة والعاشرة من العمر يركبون دراجاتهم في الشوارع وبالقرب من سيارات الجيش والشرطة، وسألناهم عن رأيهم في الأحداث وإغلاق المدارس، وقال فيكتور وهو بلجيكي، إنه يعلم أن المدرسة أغلقت بسبب تهديدات إرهابية بعد ما وقع في باريس وهو أمر يثير المخاوف، وقال إن لديه شعورًا مزدوجًا، فهو سعيد بعض الشيء لحصوله على إجازة من المدرسة، وفي الوقت نفسه غير سعيد لتعطل الدراسة»، أما زميله محمد فرد ضاحكا بأنه سعيد لتعطيل الدراسة يوم الاثنين الماضي، حيث كان من المفترض أن يؤدي امتحانًا شهريًا في المدرسة، وأضاف أنه سمع وزير الداخلية يقول إنه تقرر تعطيل الدراسة، واستجابت المدارس لهذا الأمر».
من جهتها وصفت صحيفة «لوسوار» البلجيكية بـ«المضرة» قرارات الحكومة الفيدرالية تمديد حالة التأهب القصوى حتى يوم الاثنين المقبل، بسبب وجود تهديدات إرهابية وشيكة تستهدف أماكن متفرقة في البلاد». وأشارت الصحيفة في مقالها الافتتاحي، أمس، إلى أن المواطنين أصبحوا أسرى للخوف، خصوصًا أن العمليات الأمنية التي تجري منذ أربعة أيام، لم تعطِ النتائج المرجوة ولم تسمح بإبعاد الخطر. ولفتت لوسوار النظر إلى الانطباع السيئ الذي تتركه الإجراءات الحكومية عن البلاد على الساحة الدولية: «نبدو أمام العالم كأننا رهائن لدى الإرهابيين، الذي لا يزالون يهددون العاصمة»، وفق الصحيفة.
وأوضحت الصحيفة أن الإجراءات الحكومية تحمل في طياتها الكثير من المخاطر، من أهمها الآثار بعيدة المدى المترتبة على الاتهامات الموجهة لشريحة معينة من السكان، والتجاذب السياسي القائم بين أحزاب اليمين واليسار، «تحاول بعض أحزاب اليمين المتطرف استثمار الوضع سياسيًا لاتهام الاشتراكيين بالمسؤولية عن نمو ظاهرة التطرف في العاصمة بشكل خاص»، حسب كلامها. وعبرت الصحيفة عن أسفها لما يجري، خصوصا أن بعض الدول المجاورة بدأت بـ«محاكمة» بلجيكا والحكم عليها كدولة تائهة في حالة الطوارئ، وذلك في إشارة إلى الانتقادات الفرنسية الموجهة للحكومة الفيدرالية في بروكسل. وأعلن وزير الخارجية البلجيكي ديديه ريندرز، عن نيته القيام بتحركات دبلوماسية «لتصحيح» صورة بلاده في الخارج.
وأعلن رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال، عن الإبقاء على مستوى التأهب الأمني عند المستوى الرابع، في مؤتمر صحافي عقده مساء أمس، وأضاف أن هذا الأمر يعني أن التهديد ما زال وشيكًا وجديًا، مشددًا على أن حالة التأهب الأمني في باقي أنحاء البلاد تبقى عند المستوى الثالث. وذكر أن هذا الأمر يقضي أيضًا بالإبقاء على حظر التجمعات والأنشطة، التي تحظى بحضور جماهيري كبير، وكذلك تقييد حركة المواصلات العامة وإغلاق مراكز التسوق، وإغلاق المدارس والجامعات والمعاهد. وعبر رئيس الوزراء البلجيكي ميشال عن تصميم الحكومة الاستمرار بالعمل بشكل جدي مع كل الإدارات الأمنية من أجل التقدم نحو مستوى حياة «طبيعي»، في أسرع وقت ممكن، ولكنه نوه بوجود بعض التعديلات بخصوص المدارس التي يمكن أن يُعاد فتحها اعتبارًا من يوم الأربعاء «كما يمكن أن تعود المواصلات تدريجيًا إلى الوضع الطبيعي يوم الأربعاء أيضًا»، وأوضح أن القرارات تأخذ بعين الاعتبار كل المعلومات التي يتم الحصول عليها من مختلف الإدارات الأمنية العاملة في البلاد.
يُذكر أن العاصمة البلجيكية بروكسل تعيش، منذ يوم السبت الماضي، في ظل حالة تأهب أمني قصوى ساهمت في إحداث شلل نسبي في الحياة العامة في المدينة، هذا دون الحديث عن الخسائر المادية الناتجة عن خفض مستوى النشاط الاقتصادي. وكان قرار رفع مستوى التأهب قد اتخذ على خلفية هجمات باريس، في 13 من الشهر الحالي، ووجود دلائل على وجود علاقات بين المتورطين فيه وبين بعض الأوساط في بلجيكا، خصوصا لجهة استمرار فرار أحد المتورطين في الهجمات، وهو المدعو صلاح عبد السلام. وأشار رئيس الوزراء إلى أن هناك تعاونًا وثيقًا بين الأجهزة الأمنية البلجيكية ونظيرتها الأوروبية وغير الأوروبية، وقال: «لا نتعاون فقط مع السلطات المغربية، بل مع العديد من البلدان المجاورة والشريكة للتصدي لخطر الإرهاب»، على حد تعبيره.
ويوم السبت الماضي، خيّم الشلل على العاصمة البلجيكية، وتوقفت الحياة بشكل شبه تام، على خلفية رفع مستوى التأهب الأمني. وخلا ميدان غراند بلايس (وسط العاصمة) - والمعروف باكتظاظه بالرواد - من الحركة وبات فارغًا، إلا من جنود مسلحين وأفراد شرطة يقومون بدوريات تفقدية في الأرجاء. وإلى جانب الإجراءات الأمنية المتعلقة بقطاع النقل، أوصى مركز الأزمات، السبت الماضي، «السلطات الإدارية في 19 دائرة (في منطقة بروكسل) بالعمل على إلغاء الأحداث الكبرى على أراضيها وإلغاء مباريات في كرة القدم في عطلة نهاية الأسبوع». كما أوصى بالتوجه إلى السكان لإبلاغهم «بتجنب الأماكن التي تضم تجمعات كبيرة من الأشخاص وتعزيز الإجراءات الأمنية والعسكرية». وأوضح مطار بروكسل حيث تطبق الدرجة الثالثة من الإنذار أن «المسافرين يمكنهم أن يستقلوا الطائرات كالعادة، لكن التوقف في المنطقة المخصصة لإيصال المسافرين محظورة وأي سيارة تترك هناك ستُسحب فورا».



مقدونيا الشمالية: «داعش» مسؤول عن هجوم على كنيس يهودي الشهر الماضي

علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقدونيا الشمالية: «داعش» مسؤول عن هجوم على كنيس يهودي الشهر الماضي

علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)
علم مقدونيا الشمالية أمام «نصب المحارب» في وسط العاصمة سكوبيي (أرشيفية - رويترز)

أعلنت أجهزة الاستخبارات في مقدونيا الشمالية، الجمعة، أن المشتبه بضلوعهم في الهجوم الذي استهدف كنيساً يهودياً في سكوبيي في أبريل (نيسان)، مرتبطون بتنظيم «داعش»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفادت وكالة الأمن القومي بأنها دهمت عقارات وأوقفت 7 أشخاص يُعتقد أنهم «جزء من مجموعة متطرفة مرتبطة عقائدياً بالشبكة العالمية لتنظيم (داعش)».

ولم يسقط ضحايا في الهجوم الذي وقع يوم عيد الفصح الأرثوذكسي في 12 أبريل (نيسان)، فيما لحقت أضرار بمدخل الكنيس بعد إضرام النار فيه.

وأفادت الشرطة بأنها وجّهت، عقب التوقيفات، أمس، اتهامات تتعلق بالإرهاب إلى شخصين يبلغان 21 و38 عاماً.

وقال المتحدث باسم الشرطة، غوتسه أندريفسكي، في بيان مصوّر: إنه «جرى احتجاز المشتبه بهما لمواصلة الإجراءات القضائية».

وأظهرت لقطات مراقبة نشرتها السفارة الإسرائيلية، يُعتقد أنها للواقعة، رجلين يرتديان خوذتي دراجة نارية يقفزان فوق سياج قبل أن يسكبا الوقود خارج المبنى ويشعلا النار في باحته الأمامية.

وأفاد المجتمع اليهودي المحلي في بيان عقب الحريق بأن الأضرار التي لحقت بالمبنى كانت محدودة.

من جهته، شكر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، سلطات مقدونيا الشمالية على التوقيفات. وقال إن «تحركهم السريع والحازم لمحاسبة الجناة يؤكد التزام مقدونيا الشمالية بحماية المجتمع اليهودي».


مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
TT

مبادرة ترمب لحرية «هرمز»... إحراج للأوروبيين أم مدخل للعمل المشترك؟

سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)
سفن محتجزة بمضيق هرمز كما تظهر في الصورة المأخوذة من منطقة مسندم العماني المطل على المضيق (رويترز)

باستثناء برقية وزعتها وزارة الخارجية الأميركية لسفاراتها عبر العالم، لم تشمل روسيا والصين وبيلاروسيا وكوبا، لم يتوافر كثير من المعلومات حول المبادرة الأميركية المتأخرة لإنشاء ما سمي «مبادرة حرية الملاحة البحرية» في مضيق هرمز المقفل عملياً بسبب الحصار الذي تفرضه إيران على البواخر والناقلات دخولاً وخروجاً، وأيضاً بسبب الحصار المطبق الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية.

وبالنظر للإرباك الذي يضرب سلاسل الإمداد في قطاعي النفط والغاز والأزمة الاقتصادية المستفحلة على المستوى العالمي، فإن توفير حرية الإبحار في المضيق تحول إلى تحدٍّ دولي يفرض نفسه على جميع دول العالم. من هنا، جاءت المبادرة الفرنسية - البريطانية لتشكيل «تحالف دولي» يضمن حرية الملاحة - التي كانت قبل نحو الشهر - في مضيق هرمز.

ويوم 17 أبريل (نيسان)، استضافت باريس، حضورياً وعن بعد، قمة موسعة ترأسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ضمّت 52 بلداً عبر العالم، بينهم 32 رئيس دولة وحكومة من التحالف الموعود. وبنتيجة المناقشات، فإن المشاركين توافقوا على إطلاق «مهمة متعددة الجنسية ودفاعية الطابع» لضمان حرية الملاحة في المضيق.

وحرص بيان «الإليزيه» على تأكيد أن المشاركين «ليسوا طرفاً» في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، وأنهم متمسكون بالتوصل إلى «تسوية صلبة وحل مستدام للنزاع عبر الوسائل الدبلوماسية». وحرصت الجهة المنظمة على القول إن الدول الثلاث المعنية بالحرب، لم تُدعَ للمشاركة في الاجتماع، وإن انطلاق المهمة لا يتم إلا بعد انتهاء العمليات الحربية، وبالطبع عبر التفاهم مع إيران والدول المطلة على الخليج.

الرئيس دونالد ترمب يتظاهر بتصويب بندقية قنص أثناء حديثه مع الصحافيين في قاعة المؤتمرات الصحافية بالبيت الأبيض - واشنطن 6 أبريل (أ.ب)

المبادرة الأميركية

في السياق المذكور، يمكن النظر للمبادرة الأميركية الجديدة على أنها «منافسة» للمبادرة الأوروبية - الدولية. ووفق البرقية الصادرة عن «الخارجية» الأميركية، التي كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» أول من اطلع عليها، فإنها وليدة تعاون بين وزارتي الخارجية والدفاع، وإنها «تمثل خطوة أولى حاسمة في إنشاء هيكل أمني بحري لما بعد النزاع في الشرق الأوسط». وعدّت البرقية «هذا الإطار ضرورياً لضمان أمن الطاقة على المدى الطويل، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية، والحفاظ على حقوق وحرية الملاحة في الممرات البحرية المهمة».

وتعتبر مصادر دبلوماسية في باريس أن المبادرة الأميركية «يمكن أن تشكل تحدياً بالنسبة للأوروبيين ولأعضاء الحلف الأطلسي» الذين شن عليهم الرئيس ترمب هجمات متكررة، بسبب امتناعهم عن مد يد المساعدة للقوات الأميركية في مضيق هرمز. وثمة سؤالان يطرحان بقوة؛ الأول: هل ثمة إمكانية للدمج بين «المهمتين»؟ والثاني: هل هاتان المهمتان يمكن أن تقوما معاً وفي أي ظروف؟

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده صباح الجمعة بأبوظبي، مع نهاية جولته الخليجية التي قادته إلى المملكة السعودية وعمان والإمارات، سُئل وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن هذا الملف المعقد. وأهم ما قاله بصدده أمران؛ الأول أن باريس تلقت «مؤخراً جداً» معلومات حول المبادرة الأميركية التي وصفها بأنها «ليست من الطبيعة نفسها» للمبادرة التي أطلقها الرئيس ماكرون.

بيد أنها، وبالنظر للمعلومات التي وصلت إلى باريس، رأى بارو أنها «تندرج في إطار من التكامل» مع المبادرة الأولى. أما الأمر الثاني فهو اعتباره أنها «ليست منافسة للمبادرة التي أطلقناها». لكن باريس، رغم ذلك، «تركز اهتمامها الكامل على المبادرة التي أطلقناها».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً بالأمم المتحدة في 27 أبريل بمناسبة الاجتماع المخصص لمعاهدة منع انتشار السلاح النووي (رويترز)

الحذر الفرنسي - الأوروبي

واضح أن الوزير الفرنسي يلتزم موقفاً حذراً؛ إن بسبب «حداثة» المشروع الأميركي، أو بسبب حاجة باريس للتشاور مع القادة الأوروبيين المنخرطين في المبادرة الأولى، التي سعى بارو لتسويقها في العواصم الخليجية الثلاث التي زارها.

وفي أي حال، فإن المبادرة الأميركية بحاجة لمزيد من التوضيح، خصوصاً أن برقية «الخارجية» تدخل عاملاً مبهماً بإشارتها إلى «إدارة مشتركة» بين وزارتي الحرب والخارجية. كذلك، فإنها تدخل عامل إبهام جديداً بتأكيدها أن المبادرة المذكورة «تختلف عن حملة الضغوط القصوى» التي يقودها الرئيس ترمب على إيران، كما أنها غير «مرتبطة بالمفاوضات الجارية» مع طهران.

ويبدو من المستحيل الفصل بين مجريات الحرب في حال استجدت، وتوفير المرور الآمن في مضيق هرمز. كذلك يصعب عزلها عن «المفاوضات الجارية» التي هي عملياً متوقفة، ثم تتعين الإشارة إلى عامل بالغ الأهمية؛ قوامه أن الأوروبيين يصرون على أمرين؛ الأول: الطابع الدفاعي لمبادرتهم، والثاني، وقد شدد عليه بارو في أبوظبي، أن انطلاقتها «سوف تتم بالتنسيق مع الدول المطلة على المضيق». ولمزيد من الإيضاح، ذكر باور أن المهمة الأوروبية «ستعمل على لم شمل الدول التي لم تكن جزءاً من هذه الحرب»، أي بعيداً عن الولايات المتحدة.

وفي أي حال وفي أكثر من مناسبة، أفادت مصادر فرنسية رفيعة المستوى، بأن مروجي المبادرة الأوروبية يودون أن يبقوا بعيداً عما تقوم به الولايات المتحدة. ولعل العنصر الذي من شأنه تغيير المعادلة؛ إشارة البرقية الأميركية إلى أن الهيكل البحري الذي تسعى إليه واشنطن بشراكتها مع دول لم تسمِّها، لن يطلق «إلا بعد انتهاء النزاع في الشرق الأوسط»؛ أي بعد توقف الحرب، وهو ما يتلاقى مع الرؤية الأوروبية. وفي كل مناسبة تتوافر، يركز الأوروبيون على «التقدم» الذي أحرز في المشاورات الخاصة لإطلاق مبادرتهم. ولهذا الغرض، استضافت لندن وباريس مجموعة من الاجتماعات للتعرف على الدول الراغبة والقادرة على توفير الإمكانات العسكرية واللوجستية والمالية. ويشبه الأوروبيون بين المهمة الجديدة وعملية «أسبيدس» التي أطلقوها في عام 2023، لضمان سلامة وحرية الإبحار في البحر الأحمر؛ بدءاً من قناة السويس وحتى باب المندب.

ولأن واشنطن تعي «المنافسة» الأوروبية، ورغبة منها في ضم أكبر عدد ممكن من الأطراف، فإن تصورها للمهمة التي تطلقها جاء فضفاضاً؛ إذ جاء فيها: «نرحب بجميع مستويات المشاركة، ولا نتوقع من دولتكم تحويل الأصول والموارد البحرية بعيداً عن الهياكل والمنظمات البحرية الإقليمية القائمة». وبكلام آخر، فإن واشنطن ترحب بأي طرف يود الانضمام للمبادرة مهما تكن مساهمته فيها، ما يوجد سباقاً بينها وبين المبادرة الأوروبية.

وفي المحطات الثلاث التي زارها، شدد بارو على أهمية اعتماد الحلول الدبلوماسية وتجنب معاودة الحرب، وعلى ضرورة الإسراع في إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، رافضاً الخطط الإيرانية لفرض رسوم على البواخر وناقلات النفط، معتبراً أن ذلك يخالف قوانين البحار والممرات المائية. وحرص بارو على إبراز التقدم الذي حققه الأوروبيون حتى اليوم، مشيراً إلى أن إحدى مهمات جولته الخليجية كانت لعرض المبادرة الأوروبية.

ولا تخفي باريس رغبتها في انضمام الدول الخليجية إليها، ما من شأنه أن يوفر لها ثقلاً إضافياً في المنافسة القائمة مع واشنطن. وفي أي حال، من الواضح أن أياً من المهمتين لن يرى النور قريباً، طالما لم يحسم مصير أزمة الخليج؛ وهو الشرط الذي يرتهن المبادرتين معاً.


ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
TT

ارتباك في البنتاغون غداة تلويح ترمب بسحب قوات من أوروبا

ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)
ترمب برفقة وزير الحرب والخارجية في قمّة للناتو بلاهاي يوم 25 يونيو 2025 (رويترز)

في لحظة تتقاطع فيها الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران مع القلق الأوروبي من روسيا، فتح الرئيس دونالد ترمب جبهة جديدة داخل حلف شمال الأطلسي، ملوّحاً بخفض أو سحب قوات أميركية من ألمانيا، ثم من إسبانيا وإيطاليا، رداً على مواقف أوروبية رافضة أو متحفظة تجاه الحرب. صحيفة «بوليتيكو» قالت في تقرير لها إن تهديد ترمب بخفض القوات في ألمانيا أحدث «صدمة» داخل البنتاغون، حيث قال مساعد في الكونغرس إن وزارة الدفاع «لم تكن تتوقعه» ولم تكن تخطط لأي خفض للقوات في ألمانيا، ولا سيما أنه يخالف مراجعة مطولة للانتشار العسكري الأميركي العالمي لم توصِ بانسحابات كبيرة من أوروبا.

ويقول مراقبون إن خطورة التهديد لا تكمن في احتمال تنفيذه الفوري وحده، بل في أنه يحوّل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا من ركيزة استراتيجية للردع إلى أداة ضغط سياسية. فمن وجهة نظر ترمب، لم يعد انتشار القوات مسألة التزام أطلسي أو حسابات أمنية بعيدة المدى، بل ورقة عقابية ضد حكومات ترفض الانخراط في حربه ضد إيران أو تنتقد أداء واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، قال جون هاردي، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، إن ألمانيا تمثل محوراً حرجاً للعمليات العسكرية الأميركية، بما في ذلك عملية «الغضب الملحمي»، مضيفاً أن تعريض هذا الدور للخطر «سيكون بمثابة إطلاق النار على أقدامنا». ورأى هاردي أنه «بينما تحب إدارة ترمب تذكير الحلفاء بأن (الناتو) طريق ذو اتجاهين، سيكون من الأفضل للبيت الأبيض أن يتذكر ذلك هو أيضاً».

غضب من برلين ومدريد وروما

قال ترمب، الخميس، إنه «على الأرجح» سيسحب القوات الأميركية من إسبانيا وإيطاليا، مُتّهماً روما بأنها «لم تكن مفيدة لنا»، وواصفاً مدريد بأنها كانت «فظيعة... فظيعة تماماً». وهو ما عُدّ رداً على رفض إسبانيا وإيطاليا السماح لطائرات عسكرية أميركية مشاركة في حرب إيران باستخدام قواعدهما.

كما جاء ذلك بعد تهديد مماثل لألمانيا، على خلفية انتقادات المستشار فريدريش ميرتس الذي قال إن الولايات المتحدة تتعرض لـ«إذلال» من إيران في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، قبل أن يخفف من حدة انتقاده في الأيام الماضية.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد مارس الماضي (أ.ف.ب)

ويرى بعض الأوروبيين أن هذه التصريحات تشي بأن ترمب يتعامل مع الخلافات داخل «الناتو» كاختبار ولاء مباشر. فإسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز سعت إلى تقديم نفسها كقوة أوروبية موازنة لترمب، فيما بدأت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، رغم قربها السابق منه، تنأى بنفسها عنه مع اقتراب انتخابات 2027. أما برلين، فرغم سماحها باستخدام قاعدة رامشتاين لتنسيق العمليات ضد إيران، وجدت نفسها في مرمى الهجوم بعد تصريحات ميرتس.

صدمة داخل البنتاغون

أبرز ما نقلته «بوليتيكو» أن تهديد ترمب لم يكن ثمرة خطة جاهزة داخل وزارة الدفاع. فقد أكد ثلاثة مسؤولين دفاعيين أن منشوره بشأن ألمانيا كان أول ما يسمعه كثيرون داخل البنتاغون عن احتمال تحريك جديد لسحب مئات أو آلاف الجنود. وقال مساعد في الكونغرس إن الوزارة «لم تكن تتوقع ذلك، ولم تكن تخطط لأي نوع من خفض القوات»، لكنه أضاف أن تصريحات ترمب تُؤخذ بجدية؛ لأنه كان جاداً في ولايته الأولى حين أمر عام 2020 بسحب 12 ألف جندي من ألمانيا، قبل أن يتعثر التنفيذ.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض 3 مارس الماضي (أ.ب)

أما كُلفة التنفيذ فتبدو ضخمة ومعقدة. فألمانيا تستضيف ما بين 35 و40 ألف جندي أميركي، وتوفر أراضي للقواعد من دون مقابل، إضافة إلى قوة عاملة محلية تدعم الوجود الأميركي. كما تضمُّ مقرين أساسيين للقيادة الأميركية: القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية، إلى جانب أكبر مستشفى عسكري أميركي خارج الأراضي الأميركية. ونقلت «بوليتيكو» عن تود هاريسون، مُحلّل ميزانية الدفاع في معهد «أميركان إنتربرايز»، أن الانسحاب يتضمن كلفة نقل، وربما كلفة إنشاءات ضخمة إذا نُقلت القوات إلى أماكن مثل بولندا، حيث لا توجد منشآت جاهزة لإيوائهم.

تهديد يضعف واشنطن

عسكرياً، قد يبدو التهديد مُوجّهاً إلى الأوروبيين، لكنه يطول مصالح الولايات المتحدة نفسها. وهنا تبرز أهمية تعليق جون هاردي. فهو لا يدافع عن ألمانيا من زاوية أوروبية فقط، بل من زاوية المصلحة الأميركية المباشرة.

فقوله إن تعريض الدور الألماني للخطر يُشبه «إطلاق النار على أقدامنا» يختصر المفارقة الأساسية في تهديدات ترمب؛ فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس خدمة مجانية تقدمها واشنطن للحلفاء، بل أصل استراتيجي تستخدمه الولايات المتحدة لتوسيع قدرتها على الحركة والردع والعمليات. فالوجود الأميركي في ألمانيا ليس مجرد مساهمة في أمن أوروبا، بل عقدة مركزية في قدرة واشنطن على التحرك عالمياً. القواعد هناك تُستخدم لعبور القوات إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وتدعم الردع النووي، وتوفر مستشفيات ومناطق تدريب واسعة للقوات الأميركية وقوات «الناتو».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في البيت الأبيض (رويترز)

وفي هذا الصّدد، قال مسؤول ألماني لـ«بوليتيكو» إن سياسة ترمب القائمة على «التهديدات الفجة وصلت إلى حدودها»، مضيفاً أن انسحاب القوات الأميركية من ألمانيا «سيضعف الولايات المتحدة نفسها بشدة». ويعكس ذلك تحوّلاً في المزاج الأوروبي، فالعواصم التي اعتادت القلق من الانسحاب الأميركي باتت ترى أن واشنطن تستخدم أمنها الجماعي كرهينة سياسية، في وقت تتهم فيه أوروبا روسيا بالاستعداد لاحتمال تهديد أراضي «الناتو» في السنوات المقبلة.

وتزداد المفارقة أن تهديد ترمب جاء بعد مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي طالما سعى إلى تقليص وجود الناتو في أوروبا، كما تزامن مع اجتماعات لرئيس أركان الدفاع الألماني الجنرال كارستن بروير في واشنطن لبحث استراتيجية دفاعية ألمانية جديدة.

قيود الكونغرس

ورغم نبرة ترمب العالية، لا تبدو الطريق مفتوحة أمام انسحاب سريع. فقانون الدفاع الذي أصبح نافذاً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يمنع البنتاغون من خفض عدد القوات الأميركية في أوروبا إلى أقل من 76 ألفاً قبل تقييم الأخطار والتصديق على أن ذلك يخدم المصالح الأمنية الأميركية. وهذا يمنح الكونغرس ورقة مهمة لكبح أي قرار متسرع، خصوصاً إذا بدا أقرب إلى عقوبة سياسية منه إلى إعادة تموضع استراتيجية.

الرئيس ترمب يتحدث إلى جنود في قاعدة فورت براغ بنورث كارولاينا يوم 10 يونيو 2025 (أ.ب)

ومع ذلك، بدت ردود الجمهوريين حذرة، حيث قال السيناتور كيفن كرامر إنه يحتاج إلى سماع المزيد عن الاستراتيجية خلف هذا التفكير، مشدداً على أن رامشتاين قاعدة «استراتيجية ومهمة». أما السيناتور مايك راوندز، عضو لجنة القوات المسلحة، فقال إنه لا يرى تحولاً فعلياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه أوروبا، معتبراً أن الرئيس كان يرُدّ على تصريحات ألمانية، وأن الأهم هو النظر إلى «الأفعال» لا التعليقات العلنية.

ورغم أن البعض يرى أن ترمب يختبر مرة أخرى حدود العلاقة الأطلسية، لكن التساؤلات تتزايد عمّا إذا كانت القوات الأميركية في أوروبا ستبقى ضمانة ردع مشتركة، أم تتحوّل إلى أداة مقايضة مرتبطة بمواقف الحكومات من حرب إيران؟ ومجرد طرح السؤال يُضعف صورة «الناتو»، ويمنح موسكو وطهران مادة دعائية ثمينة، ويفتح داخل واشنطن سجالاً مُكلفاً بين من يرى في التهديد وسيلة لإجبار الأوروبيين على الاصطفاف، ومن يعتبره مقامرة قد تضُرّ بالقوة الأميركية بقدر ما تربك الحلفاء.