هل ستظل أميركا القوة العظمى لعام 2050؟

صاحب مصطلح «القوة الناعمة» في كتاب جديد يثير أصداء واسعة

جوزيف ناي
جوزيف ناي
TT

هل ستظل أميركا القوة العظمى لعام 2050؟

جوزيف ناي
جوزيف ناي

على عكس ما يشاع لن نتخلص من هيمنة الإمبريالية الأميركية عما قريب. كنا نعتقد أن الصين ستحل محلها بعد سنوات قريبة أو حتى حلت بالفعل، لكن أمانينا لن تتحقق بمثل هذه السرعة على ما يبدو، فالهيمنة الأميركية على العالم ستظل مستمرة حتى عام 2040، بل حتى عام 2050، كما يقول لنا البروفسور الأميركي المعروف، جوزيف ناي، في كتابه الجديد: «هل هي نهاية القرن الأميركي؟»، وهو كتاب أحدث ضجة كبرى، ولقي أصداء واسعة في الولايات المتحدة بعد صدوره قبل بضعة أشهر. ومعلوم أن جوزيف ناي هو صاحب المصطلح الشهير عن «القوة الناعمة» وتمييزها عن «القوة الخشنة» للأمم والشعوب، فليست الأساطيل الحربية هي وحدها التي تشكل قوة الدول المعاصرة وإنما الإشعاع الثقافي أيضا.
للتعريف به بشكل سريع نقول إن جوزيف ناي هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد وأحد أهم الاختصاصيين في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الأميركية، وقد شغل منصب نائب وزير في عهد كارتر، ثم منصب سكرتير مساعد لشؤون الدفاع في عهد كلينتون، وبالتالي فعنده خبرة عملية، بالإضافة إلى ثقافته النظرية، وبالأخص في حركة التاريخ العميقة. بالمناسبة كل شخص غير مختص بفلسفة التاريخ لا أعده مثقفا. هذا قرار اتخذته من زمان ولا مرجوع عنه، لماذا؟ لأنه لا يرى إلا أبعد من أنفه أو عصره، وكل مثقف لا يرى إلا أبعد من عصره لا يمكن أن يكون مفكرا، باعتراف جان جاك روسو نفسه.. ولذلك قد تقرأ يوميا عشرات المقالات والتحليلات للمثقفين أو الصحافيين العرب دون أن تجد إضاءة واحدة! لحسن الحظ هناك استثناءات واعدة.
المهم أن هذا الخبير العالمي يقول لنا إن كثيرين تنبأوا عدة مرات بأفول القوة الأميركية على مدار العقود السابقة، لكن في كل مرة كانت تخطئ تنبؤاتهم، وتظل أميركا القوة العالمية الأولى بشكل لا يقارن ولا يقاس. ففي الخمسينات من القرن الماضي عندما وصل الروس إلى القمر قالوا لنا إن أميركا انتهت، وإن الاتحاد السوفياتي سبقها كليا، وكانت النتيجة العكس. وفي الثمانينات عندما حققت اليابان تفوقا اقتصاديا ومصرفيا هائلا قالوا لنا إن أميركا انتهت وحلت محلها اليابان كقوة اقتصادية وتكنولوجية عظمى.. والآن يقولون لنا نفس الشيء عن الصين.. إلخ. كل هذه تكهنات متسرعة لا تصمد أمام الامتحان، فأميركا لا تزال حتى الآن على رأس الدول فيما يخص النمو السكاني، والتكنولوجيات الجديدة، والتربية والتعليم، والاختراعات.. إلخ. وفيما يخص القوة الناعمة فإن الجامعات الأميركية لا تزال هي الأفضل عالميا، فمن بين أفضل 20 جامعة في العالم هناك 15 جامعة أميركية! وبالتالي فأميركا في جهة، والعالم كله في الجهة الأخرى، وحتى أعداء الإمبريالية الأميركية يفتخرون بأنهم يرسلون أولادهم إلى هناك للتخرج في جامعات العم سام. نتحدث هنا عن الأغنياء العرب بالطبع بل وغير العرب، وسينما «هوليوود» لا تزال مهيمنة على العالم على الرغم من منافسة السينما الهندية وسواها لها، فالثقافة الأميركية مبدعة وتواصل الابتكار باستمرار، وهذا يقلص إلى حد ما من السمعة السيئة لأميركا بصفتها دولة الإمبريالية والهيمنة والتوسع والعدوان وإخافة الآخرين، فالقوة الناعمة، أو الإشعاع الثقافي، يخفف إلى حد كبير من العجرفة الأميركية أو ما يعتقده الآخرون كذلك.
والآن لننتقل إلى القوة الخشنة.. هل تعتقدون أن الصين قادرة على مواجهة أميركا عسكريا؟ إنكم واهمون، فميزانية وزارة الدفاع الأميركية متفوقة على ميزانية الصين بأربع مرات. صحيح أن الصين زادت مصاريف الدفاع والتسلح بنسبة 10 في المائة منذ عشر سنوات، لكن أمامها شوطا طويلا قبل أن تلحق بأميركا.. هل تعلمون أن الصين لا تملك إلا حاملة طائرات واحدة أما الولايات المتحدة فتملك أكبر وأضخم عدد منها في العالم، وبالتالي فلا ينبغي أن نبالغ في قوة الصين ونهول، كما يحلو للبعض أن يفعل. صحيح أن العدد لصالح الصين بسبب المليار ونصف المليار صيني تقريبا، ولكن ينبغي العلم بأن الرئيس الصيني خفض قواته العسكرية بنسبة ثلاثمائة ألف جندي، وهذا يعني أن الجيش الصيني ضخم عدديا، لكن فاعليته ليست بمستوى ضخامته، فهناك الكمية وهناك النوعية، ولا أحد يستطيع القول بأن نوعية الجيش الصيني تعادل نوعية الجيش الأميركي وخبرته وفاعليته.
والآن لنتحدث عن القوة الاقتصادية، ولنقارن الآخرين بأميركا.. لا ريب أن الصين حققت نجاحات كبرى على هذا الصعيد في السنوات الأخيرة، وتستحق كل تقدير، لأنها أخرجت الملايين من شعبها من جحيم الفقر، وهي الآن أصبحت الاقتصاد العالمي الثاني بعد أميركا، والبعض يقول بأنها قد تتجاوز أميركا نحو عام 2030 إذا ما استمر نموها الاقتصادي الحالي على نفس الوتيرة 7 في المائة، لكن خبراء آخرين يقولون لنا إن ذلك لن يتحقق قبل 2040 أو 2050، لأن معدل النمو الاقتصادي الصيني سينخفض إلى 3 أو 4 في المائة في السنوات المقبلة، لكن حتى لو أصبحت الصين أكبر اقتصاد في العالم من حيث الضخامة والحجم فلن تكون الاقتصاد الأكثر تقدما وفاعلية.
ينبغي العلم بأن عدد الشركات متعددة الجنسيات أو العابرة للقارات يصل إلى خمسمائة في العالم حاليا، من بينها نحو خمسين شركة لأميركا وحدها، ومن بين أكبر خمس وعشرين شركة عالمية تملك أميركا تسع عشرة وحدها، وبالتالي فالهيمنة الأميركية ساحقة في هذا المجال. يضاف إلى ذلك أن سكان الصين أصبحوا يشيخون بسبب سياستها السكانية القائمة على الحد من النسل، وبالتالي فالصين عندها مشكلات حقيقية، ومن أهمها نظامها السياسي الديكتاتوري؛ نظام الحزب الواحد الذي لا يعرف معنى الديمقراطية والتناوب على الحكم.. فإلى متى ستظل قادرة على الاحتفاظ بهذا النظام الشيوعي سياسيا والرأسمالي اقتصاديا؟ يوجد هنا تناقض هائل غير محلول وقد يفجر الصين لاحقا.
نضيف أن الاقتصاد الأميركي كان يمثل 22 في المائة من الاقتصاد العالمي عام 2000، وقد ينخفض لاحقا إلى نسبة 18 في المائة، بسبب صعود البرازيل بشكل خاص.
والآن لنتحدث عن شؤون الطاقة والبترول.. قبل عشرين سنة كانوا يقولون بأن أميركا ستصبح عالة على بترول الآخرين أكثر فأكثر، لكن أصبح الآن واضحا أنها قد تتوصل إلى الاستقلالية الكاملة في هذا المجال عام 2020 أي غدا أو بعد غد، وبالتالي فحتى هنا نلاحظ أن أميركا متفوقة وتملك أوراقا جديدة لم تكن في الحسبان.. وعلى أي حال فإن الدكتور جوزيف ناي يعتقد أن أميركا ستظل القوة العظمى الأولى حتى بعد عام 2050.
لا ريب في أنها لن تكون الوحيدة كما عليه الحال حاليا، وإنما ستكون هناك قوى عظمى أخرى مثل الصين والهند والبرازيل.
هناك نقطة أساسية؛ وحدة الاتحاد الأوروبي، كان بإمكانه أن يهدد هيمنة أميركا على العالم لو أنه كان موحدا سياسيا، لكن من المستحيل أن يتوحد، لأنه مشكل من عدة أمم مختلفة مثل الأمة الفرنسية والأمة الألمانية والأمة الإنجليزية.. إلخ، يضاف إلى ذلك أن الاتحاد الأوروبي ليس عدوا لأميركا ولا يمكن أن يكون، لماذا؟ لأنه ينتمي إلى نفس النطاق الحضاري الذي يدعى الغرب، فالقيم الأساسية مشتركة بين الطرفين.
ينبغي ألا ننسى أن «أميركا هي بنت أوروبا» كما يقول الجنرال ديغول، وإن تفوقت البنت على الأم لاحقا.
وأخيرا.. يرى البروفسور جوزيف ناي أن الخطر على أميركا لا يأتي من جهة الصين، كما يتوهم كثيرون، وإنما من جهة الإرهاب الأصولي والهجوم الإلكتروني.
هنا تكمن مشكلة أميركا لعشرين وربما لخمسين سنة مقبلة، فحقد «داعش» و«القاعدة» وكل الجماعات الراديكالية عليها كبير جدا، وبالتالي أميركا تخشاها أكثر من الصين بمرات. نقول ذلك وبخاصة أن القيادة الصينية تظل عقلانية في تصرفاتها وتحسب حساباتها بدقة ويمكن التفاوض معها.. الصين لا تمثل خطرا وجوديا على أميركا مثل ألمانيا «الهتلرية» أو الاتحاد السوفياتي لستالين.. وبالتالي فلن تكون هناك حرب باردة مع الصين.
في الصين هناك فلسفة كونفوشيوس وحكمته العميقة، وهي تطبع العقلية الصينية على الرغم من الشيوعية، الصين ليست متهورة.. الصين ليست صدام حسين ولا «بن لادن» ولا «البغدادي»!
أما مع «داعش» فمن يستطيع أن يتفاوض؛ إما أن يفجروك وإما أن تفجرهم، ولا يوجد حل آخر.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».