هل ستظل أميركا القوة العظمى لعام 2050؟

صاحب مصطلح «القوة الناعمة» في كتاب جديد يثير أصداء واسعة

جوزيف ناي
جوزيف ناي
TT

هل ستظل أميركا القوة العظمى لعام 2050؟

جوزيف ناي
جوزيف ناي

على عكس ما يشاع لن نتخلص من هيمنة الإمبريالية الأميركية عما قريب. كنا نعتقد أن الصين ستحل محلها بعد سنوات قريبة أو حتى حلت بالفعل، لكن أمانينا لن تتحقق بمثل هذه السرعة على ما يبدو، فالهيمنة الأميركية على العالم ستظل مستمرة حتى عام 2040، بل حتى عام 2050، كما يقول لنا البروفسور الأميركي المعروف، جوزيف ناي، في كتابه الجديد: «هل هي نهاية القرن الأميركي؟»، وهو كتاب أحدث ضجة كبرى، ولقي أصداء واسعة في الولايات المتحدة بعد صدوره قبل بضعة أشهر. ومعلوم أن جوزيف ناي هو صاحب المصطلح الشهير عن «القوة الناعمة» وتمييزها عن «القوة الخشنة» للأمم والشعوب، فليست الأساطيل الحربية هي وحدها التي تشكل قوة الدول المعاصرة وإنما الإشعاع الثقافي أيضا.
للتعريف به بشكل سريع نقول إن جوزيف ناي هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد وأحد أهم الاختصاصيين في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الأميركية، وقد شغل منصب نائب وزير في عهد كارتر، ثم منصب سكرتير مساعد لشؤون الدفاع في عهد كلينتون، وبالتالي فعنده خبرة عملية، بالإضافة إلى ثقافته النظرية، وبالأخص في حركة التاريخ العميقة. بالمناسبة كل شخص غير مختص بفلسفة التاريخ لا أعده مثقفا. هذا قرار اتخذته من زمان ولا مرجوع عنه، لماذا؟ لأنه لا يرى إلا أبعد من أنفه أو عصره، وكل مثقف لا يرى إلا أبعد من عصره لا يمكن أن يكون مفكرا، باعتراف جان جاك روسو نفسه.. ولذلك قد تقرأ يوميا عشرات المقالات والتحليلات للمثقفين أو الصحافيين العرب دون أن تجد إضاءة واحدة! لحسن الحظ هناك استثناءات واعدة.
المهم أن هذا الخبير العالمي يقول لنا إن كثيرين تنبأوا عدة مرات بأفول القوة الأميركية على مدار العقود السابقة، لكن في كل مرة كانت تخطئ تنبؤاتهم، وتظل أميركا القوة العالمية الأولى بشكل لا يقارن ولا يقاس. ففي الخمسينات من القرن الماضي عندما وصل الروس إلى القمر قالوا لنا إن أميركا انتهت، وإن الاتحاد السوفياتي سبقها كليا، وكانت النتيجة العكس. وفي الثمانينات عندما حققت اليابان تفوقا اقتصاديا ومصرفيا هائلا قالوا لنا إن أميركا انتهت وحلت محلها اليابان كقوة اقتصادية وتكنولوجية عظمى.. والآن يقولون لنا نفس الشيء عن الصين.. إلخ. كل هذه تكهنات متسرعة لا تصمد أمام الامتحان، فأميركا لا تزال حتى الآن على رأس الدول فيما يخص النمو السكاني، والتكنولوجيات الجديدة، والتربية والتعليم، والاختراعات.. إلخ. وفيما يخص القوة الناعمة فإن الجامعات الأميركية لا تزال هي الأفضل عالميا، فمن بين أفضل 20 جامعة في العالم هناك 15 جامعة أميركية! وبالتالي فأميركا في جهة، والعالم كله في الجهة الأخرى، وحتى أعداء الإمبريالية الأميركية يفتخرون بأنهم يرسلون أولادهم إلى هناك للتخرج في جامعات العم سام. نتحدث هنا عن الأغنياء العرب بالطبع بل وغير العرب، وسينما «هوليوود» لا تزال مهيمنة على العالم على الرغم من منافسة السينما الهندية وسواها لها، فالثقافة الأميركية مبدعة وتواصل الابتكار باستمرار، وهذا يقلص إلى حد ما من السمعة السيئة لأميركا بصفتها دولة الإمبريالية والهيمنة والتوسع والعدوان وإخافة الآخرين، فالقوة الناعمة، أو الإشعاع الثقافي، يخفف إلى حد كبير من العجرفة الأميركية أو ما يعتقده الآخرون كذلك.
والآن لننتقل إلى القوة الخشنة.. هل تعتقدون أن الصين قادرة على مواجهة أميركا عسكريا؟ إنكم واهمون، فميزانية وزارة الدفاع الأميركية متفوقة على ميزانية الصين بأربع مرات. صحيح أن الصين زادت مصاريف الدفاع والتسلح بنسبة 10 في المائة منذ عشر سنوات، لكن أمامها شوطا طويلا قبل أن تلحق بأميركا.. هل تعلمون أن الصين لا تملك إلا حاملة طائرات واحدة أما الولايات المتحدة فتملك أكبر وأضخم عدد منها في العالم، وبالتالي فلا ينبغي أن نبالغ في قوة الصين ونهول، كما يحلو للبعض أن يفعل. صحيح أن العدد لصالح الصين بسبب المليار ونصف المليار صيني تقريبا، ولكن ينبغي العلم بأن الرئيس الصيني خفض قواته العسكرية بنسبة ثلاثمائة ألف جندي، وهذا يعني أن الجيش الصيني ضخم عدديا، لكن فاعليته ليست بمستوى ضخامته، فهناك الكمية وهناك النوعية، ولا أحد يستطيع القول بأن نوعية الجيش الصيني تعادل نوعية الجيش الأميركي وخبرته وفاعليته.
والآن لنتحدث عن القوة الاقتصادية، ولنقارن الآخرين بأميركا.. لا ريب أن الصين حققت نجاحات كبرى على هذا الصعيد في السنوات الأخيرة، وتستحق كل تقدير، لأنها أخرجت الملايين من شعبها من جحيم الفقر، وهي الآن أصبحت الاقتصاد العالمي الثاني بعد أميركا، والبعض يقول بأنها قد تتجاوز أميركا نحو عام 2030 إذا ما استمر نموها الاقتصادي الحالي على نفس الوتيرة 7 في المائة، لكن خبراء آخرين يقولون لنا إن ذلك لن يتحقق قبل 2040 أو 2050، لأن معدل النمو الاقتصادي الصيني سينخفض إلى 3 أو 4 في المائة في السنوات المقبلة، لكن حتى لو أصبحت الصين أكبر اقتصاد في العالم من حيث الضخامة والحجم فلن تكون الاقتصاد الأكثر تقدما وفاعلية.
ينبغي العلم بأن عدد الشركات متعددة الجنسيات أو العابرة للقارات يصل إلى خمسمائة في العالم حاليا، من بينها نحو خمسين شركة لأميركا وحدها، ومن بين أكبر خمس وعشرين شركة عالمية تملك أميركا تسع عشرة وحدها، وبالتالي فالهيمنة الأميركية ساحقة في هذا المجال. يضاف إلى ذلك أن سكان الصين أصبحوا يشيخون بسبب سياستها السكانية القائمة على الحد من النسل، وبالتالي فالصين عندها مشكلات حقيقية، ومن أهمها نظامها السياسي الديكتاتوري؛ نظام الحزب الواحد الذي لا يعرف معنى الديمقراطية والتناوب على الحكم.. فإلى متى ستظل قادرة على الاحتفاظ بهذا النظام الشيوعي سياسيا والرأسمالي اقتصاديا؟ يوجد هنا تناقض هائل غير محلول وقد يفجر الصين لاحقا.
نضيف أن الاقتصاد الأميركي كان يمثل 22 في المائة من الاقتصاد العالمي عام 2000، وقد ينخفض لاحقا إلى نسبة 18 في المائة، بسبب صعود البرازيل بشكل خاص.
والآن لنتحدث عن شؤون الطاقة والبترول.. قبل عشرين سنة كانوا يقولون بأن أميركا ستصبح عالة على بترول الآخرين أكثر فأكثر، لكن أصبح الآن واضحا أنها قد تتوصل إلى الاستقلالية الكاملة في هذا المجال عام 2020 أي غدا أو بعد غد، وبالتالي فحتى هنا نلاحظ أن أميركا متفوقة وتملك أوراقا جديدة لم تكن في الحسبان.. وعلى أي حال فإن الدكتور جوزيف ناي يعتقد أن أميركا ستظل القوة العظمى الأولى حتى بعد عام 2050.
لا ريب في أنها لن تكون الوحيدة كما عليه الحال حاليا، وإنما ستكون هناك قوى عظمى أخرى مثل الصين والهند والبرازيل.
هناك نقطة أساسية؛ وحدة الاتحاد الأوروبي، كان بإمكانه أن يهدد هيمنة أميركا على العالم لو أنه كان موحدا سياسيا، لكن من المستحيل أن يتوحد، لأنه مشكل من عدة أمم مختلفة مثل الأمة الفرنسية والأمة الألمانية والأمة الإنجليزية.. إلخ، يضاف إلى ذلك أن الاتحاد الأوروبي ليس عدوا لأميركا ولا يمكن أن يكون، لماذا؟ لأنه ينتمي إلى نفس النطاق الحضاري الذي يدعى الغرب، فالقيم الأساسية مشتركة بين الطرفين.
ينبغي ألا ننسى أن «أميركا هي بنت أوروبا» كما يقول الجنرال ديغول، وإن تفوقت البنت على الأم لاحقا.
وأخيرا.. يرى البروفسور جوزيف ناي أن الخطر على أميركا لا يأتي من جهة الصين، كما يتوهم كثيرون، وإنما من جهة الإرهاب الأصولي والهجوم الإلكتروني.
هنا تكمن مشكلة أميركا لعشرين وربما لخمسين سنة مقبلة، فحقد «داعش» و«القاعدة» وكل الجماعات الراديكالية عليها كبير جدا، وبالتالي أميركا تخشاها أكثر من الصين بمرات. نقول ذلك وبخاصة أن القيادة الصينية تظل عقلانية في تصرفاتها وتحسب حساباتها بدقة ويمكن التفاوض معها.. الصين لا تمثل خطرا وجوديا على أميركا مثل ألمانيا «الهتلرية» أو الاتحاد السوفياتي لستالين.. وبالتالي فلن تكون هناك حرب باردة مع الصين.
في الصين هناك فلسفة كونفوشيوس وحكمته العميقة، وهي تطبع العقلية الصينية على الرغم من الشيوعية، الصين ليست متهورة.. الصين ليست صدام حسين ولا «بن لادن» ولا «البغدادي»!
أما مع «داعش» فمن يستطيع أن يتفاوض؛ إما أن يفجروك وإما أن تفجرهم، ولا يوجد حل آخر.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.