مدبر هجمات باريس درس في مدرسة كاثوليكية وتسكع في الحانات

لعب دورًا أساسيًا في حملات التجنيد الخاصة بـ«داعش».. وعرف بحبه لإراقة الدماء

جنود خلال مداهمة ضاحية سان دوني شمال باريس أمس (أ.ب)
جنود خلال مداهمة ضاحية سان دوني شمال باريس أمس (أ.ب)
TT

مدبر هجمات باريس درس في مدرسة كاثوليكية وتسكع في الحانات

جنود خلال مداهمة ضاحية سان دوني شمال باريس أمس (أ.ب)
جنود خلال مداهمة ضاحية سان دوني شمال باريس أمس (أ.ب)

عندما تلقت عائلة عبد الحميد أباعود خبرًا من سوريا خلال الخريف الماضي بأنه قُتِل أثناء القتال مع تنظيم داعش، ابتهجت العائلة لما اعتبرته خبرًا سارًا عن ابن ضال باتت تحتقره.
وقالت شقيقته الأكبر ياسمينا في ذلك الوقت: «ندعو الله أن يكون عبد الحميد ميتا فعلا». لكن دعوات العائلة، ومعها آمال المسؤولين الأمنيين الغربيين، لم تستجب. في الواقع، كان أباعود، الذي كان يبلغ 26 عامًا حينها، في طريقه للعودة إلى أوروبا للالتقاء سرًا بالمتطرفين الإسلاميين الذين يقاسمونه عزمه على نشر الفوضى. وكان مرتبطًا في ذلك الحين بسلسلة عمليات إرهابية بلغت ذروتها مع هجمات باريس، مساء يوم الجمعة الماضي. وأعلن أباعود، في فيديو تجنيدي لتنظيم داعش باللغة الفرنسية صدر قبل وفاته المفترضة بوقت قصير: «بالطبع، ليس من المفرح إراقة الدماء. لكن، من وقت لآخر، من السار رؤية دماء الكفار».
وخلال رحلاته للعودة إلى أوروبا في نهاية العام الماضي، اقتفت أجهزة الأمن الأوروبية أثره، وتتبعت مكالماته الهاتفية إلى أثينا، وفقا لمسؤول عسكري أوروبي متقاعد. لكنها فقدت أثره حينها، وبعدها بفترة وجيزة ظهر في بلجيكا، حيث ترعرع وسط عائلة ناجحة معتدلة من أصل مغربي.
وفي الوقت الذي بدأ فيه أباعود رحلة العودة إلى أوروبا، وجّه أبو محمد العدناني، القيادي في تنظيم داعش الذي تعرض الولايات المتحدة الآن مكافأة مقدارها خمسة ملايين دولار لمن يقتله، نداءً حماسيًا لقتل الكفار. وقال العدناني في رسالة مسجلة: «إذا كان بإمكانك قتل كافر أميركي أو أوروبي، خصوصا الفرنسي الحاقد والقذر، فلتتوكل على الله وتقتله بأي وسيلة وبأي شكل كان».
وتحاول وكالات الاستخبارات الغربية، القلقة بشأن تخطيط «داعش» لتوسيع مجازره من الشرق الأوسط إلى أوروبا، تعقب مقاتلي «داعش» القادمين من سوريا إلى القارة. وأوردت محطة تلفزيونية بلجيكية تقريرا، الاثنين الماضي، يفيد بأن أجهزة الأمن تلقت تنبيها بعودة أباعود إلى أوروبا من خلال مكالمة هاتفية أجراها من اليونان برفيق له موجود في بلجيكا.
وأدى إدراك مسؤولي الأمن لعودة أباعود إلى أوروبا إلى شن عملية كبيرة لاعتراضه. وقد داهمت السلطات منزلاً آمنًا في يناير (كانون الثاني) للمتشددين. وهناك، قُتِل اثنان من رفاقه، أحدهما الشخص الذي هاتفه. وهللت السلطات البلجيكية بالغارة على أنها أحبطت «عملية إرهابية كبيرة».
لكنها فشلت في الإطاحة بالهدف الرئيسي، الذي هو أباعود، الذي ذهب بطريقة ما إلى سوريا، التي يشير تنظيم داعش إليها بالاسم التاريخي «شام». وقال أباعود لاحقًا في مجلة «دابق» التابعة لـ«داعش»: «الله أعمى رؤيتهم، واستطعت المغادرة والقدوم إلى الشام، رغم مطاردتي من قبل كثير من وكالات الاستخبارات».
ومن غير المعروف ما إذا كان أباعود تواصل بشكل مباشر في سوريا مع العدناني، المدبر لما أطلق عليه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون برينان، الماضي الاثنين، اسم «جدول العمليات الخارجية لـ(داعش)». وباعتباره مقاتلا على مستوى منخفض، لم يكن من المرجح أن يكون أباعود اختلط بكبار الشخصيات في التسلسل الهرمي للتنظيم، بحسب خبراء في بلجيكا.
لكن الرجلين يتشاركان شغف الدعاية، حيث يعمل العدناني متحدثًا رسميًا باسم «داعش»، ويظهر أباعود في مختلف حملات التجنيد الخاصة بالتنظيم. ويمتلك أباعود رصيدًا لا يقدر بثمن لقادة «داعش» الراغبين في نقل معركتهم إلى أوروبا، يتمثّل في مجموعة من الأصدقاء والمعارف في أوروبا مستعدين لتنفيذ الهجمات.
ومثل الكثير من الجهاديين الذين نفذوا هجمات في أوروبا، بمن فيهم الأشقاء الذين هاجموا مقر مجلة «شارلي إبدو» الفرنسية الساخرة في يناير، أظهر أباعود اهتمامًا بالسرقة والمخدرات عندما كان شابا أكبر بكثير من اهتمامه بالإسلام، عكس المتشددين المتفانين الذين تفضلهم الجماعات المتطرّفة.
أما شقيقه عمر، فيمتلك متجر ملابس خارج ساحة السوق في حي مولينبيك ببروكسل، وتعيش عائلته في الجوار في شارع رو دو لافنير (شارع المستقبل)، بالقرب من مركز شرطة محلية.
وعلى الرغم من استنكاراته اللاحقة لسوء معاملة المسلمين في أوروبا، فإن أباعود تمتع بمزايا متاحة لعدد قليل فقط من أبناء المهاجرين، التي تشمل القبول في مدرسة كاثوليكية خاصة «كوليج سانت - بيير دي أوكل» في منطقة سكنية راقية ببروكسل. وكان أباعود طالبًا في الصف الأولى في مدرسة ثانوية، لكنه لم يبق فيها سوى عام واحد. وقالت مساعدة مدير مدرسة «سانت - بيير»، رفضت ذكر اسمها، إنه ترك الدراسة على ما يبدو، فيما قال آخرون إنه طُرِد من المدرسة لسوء سلوكه.
وبعدها، انضم أباعود إلى مجموعة من الأصدقاء في مولينبيك شاركوا في جرائم صغيرة متنوعة. وكان ضمن أصدقائه إبراهيم وصلاح عبد السلام، شقيقان كانا يقطنان على بُعد بضعة مبانٍ من مسكن أباعود، وهما الآن في مركز التحقيق في هجمات باريس. وكان إبراهيم عبد السلام أحد انتحاريي باريس، فيما يشكّل صلاح عبد السلام، الذي استأجر سيارة في بروكسل لنقل بعض المسلحين في هجمات باريس، الهدف من حملة المطاردة واسعة النطاق.
وكانت السلطات قد ألقت القبض على أباعود لارتكابه بعض الجرائم الصغيرة في عام 2010، وقضى وقتًا في السجن نفسه في بروكسل الذي احتجز فيه إبراهيم عبد السلام، وفقا لمتحدث باسم المدعي الاتحادي البلجيكي ومحامي إبراهيم السابق. ومن غير المعروف إذا ما كان الرجلان على اتصال ببعضهما وهما في السجن، لكنهما لم يبقيا هناك لفترة طويلة. وبعد الإفراج عنهما، عادا إلى مولينبيك، وكانا يتسكعان غالبا في حانة متواضعة معروفة بأنها مكان استراحة لتجار المخدرات.
وفي خبر لا يسر عائلته، التي لم تُظهِر أي حماسة دينية، انتقل أباعود فجأة إلى سوريا في مطلع عام 2014، بحسب خبراء في الحركات المتطرفة يتعقبون المتشددين البلجيكيين. وبعد فترة وجيزة من وصوله إلى سوريا، حيث أقام لفترة في فيلا ضخمة في حلب مستخدمة لإيواء المتطرفين الناطقين باللغة الفرنسية، أوضح أباعود اختياره في فيديو: «طوال حياتي، أرى تدفق دماء المسلمين. أدعو الله بأن يكسر ظهور هؤلاء الذين يعارضونه، وأن يبيدهم».
وفي وقت سابق من العام الحالي، عثرت مجلة «باريس ماتش» الفرنسية على فيلم يظهر أباعود وهو مبتسم ويقول النكات أثناء سحبه الجثث بشاحنة صغيرة. وقال أباعود لمجلة «دابق»: «فجأة رأيت صورتي في جميع وسائل الإعلام»، مشيرا إلى أن «الله أعمى الكفار بفضله»، ولم يروه عندما عاد إلى أوروبا في نهاية العام الماضي. كما أنه أقنع بطريقة ما شقيقه الأصغر يونس، الذي كان لا يزال في مولينبيك وكان عمره 13 عامًا فقط، بالانضمام إليه في سوريا. وغادر الصبي بلجيكا متوجها إلى سوريا بنفسه، دون إثارة أي شبهة من السلطات.
وانضم والد أباعود إلى قضية المدعي العام ضد ابنه في مايو (أيار) لتجنيده يونس. وذكر عمر أباعود لصحافيين محليين في ذلك الوقت: «لا أستطيع تحمل ذلك بعد الآن. فأنا الآن أخضع للعلاج»، مضيفا أن ابنه جلب العار للعائلة. وتابع: «لقد دمر عائلتنا. لا أريد أن أراه مجددا بعد الآن». ويعيش والد أباعود الآن في المغرب، ويريد عرض ممتلكاته في «شارع المستقبل» للبيع، بحسب صديق للعائلة.
ويُشتبه أن أباعود زعيم فرع لتنظيم داعش في سوريا يسمى «كتيبة البتار الليبية»، الذي تعود جذوره إلى ليبيا. وقال بيتر فان أوستاين، الخبير في شؤون المتشددين البلجيكيين، إن هذا الفرع بالتحديد اجتذب الكثير من المقاتلين البلجيكيين بسبب اللغة والروابط الثقافية. ويعود الكثير من المسلمين البلجيكيين إلى أصول مغربية، وفقا لأوستاين، ويتحدثون لهجة موجودة في شرق المغرب مشابهة للهجة الليبية. وذكر أيمن جواد التميمي، الذي يدرس الجماعات المتطرفة في منتدى الشرق الأوسط، وهو مركز بحثي في واشنطن، أنه لا توجد أدلة حتى الآن على أن هجمات باريس تمت بأمر العدناني أو زعيم تنظيم داعش ككل أبو بكر البغدادي. في المقابل، أوضح التميمي أن جنود الفرع الليبي الذي يضم أباعود لعبوا دورا بارزا في تصدير العنف. وتكمن إحدى مهامهم في حبك المؤامرات التي تتضمن «المقاتلين الأجانب، والخلايا النائمة في أوروبا التي كانت على اتصال بأحد العناصر النشطة في سوريا والعراق، يشغل عادة منصب في مستوى أقل من المتوسط».
* خدمة «نيويورك تايمز»



زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.


الكرملين يأمل في أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» مع كييف بعد الانتخابات

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

الكرملين يأمل في أن يواصل ترمب «جهود إحلال السلام» مع كييف بعد الانتخابات

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي في أنكوريج يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

أعرب الكرملين، الأربعاء، عن أمله في أن يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب جهود الوساطة للتوصل إلى حل للنزاع في أوكرانيا، وذلك عقب فوز خصومه الديمقراطيين في انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة.

وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف «لا يزال الرئيس ترمب يزاول مهامه، ونأمل بصدق أن يواصل أيضاً جهوده لإحلال السلام»، وذلك بحسب مقطع مصوّر نشره الصحافي الروسي المقرب من الكرملين ألكسندر يوناشيف.

بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)

فيما أبدى وزير ​الخارجية الألماني يوهان فاديفول تفاؤله باستمرار الدعم لأوكرانيا داخل ‌الولايات ‌المتحدة، ​بعد ‌أن ⁠سيطر الديمقراطيون ​على مجلسي الشيوخ ⁠والنواب في الانتخابات.

وقال فاديفول للصحافيين في ⁠برلين: «فيما يتعلق ‌بأوكرانيا، أشعر ببعض ‌التفاؤل ​بأنه ‌سيكون هناك ‌الآن المزيد من المناقشات في الكونغرس، بما في ‌ذلك بين الحزبين، حول ما يمكن ⁠التعاون ⁠فيه لدعم أوكرانيا. أعتقد أنهم كانوا يتحفظون بشأن هذه المسألة منذ فترة طويلة خلال الحملة الانتخابية».

بوتين مستقبلاً مبعوثَي ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين بموسكو يوم 5 سبتمبر (رويترز)

وقبل أسبوع من الموعد المقرر لاستئناف محادثات السلام الثلاثية التي توسطت فيها الولايات المتحدة وتستضيفها أبوظبي، استمرت الاستهدافات المتبادلة للبنى التحتية بين طرفي النزاع. وقال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الاثنين، إن الولايات المتحدة ستجمع وفدين من أوكرانيا وروسيا في ​أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر (​تشرين الثاني) لمناقشة إنهاء الصراع، واتفاقات الأمن بعد الحرب، وتخفيف حدة التوتر.

وقالت السلطات الروسية، الأربعاء، إنها تعمل على إعادة التيار الكهربائي في شبه جزيرة القرم، بعدما أدّت ضربات أوكرانية إلى انقطاعه. وتستهدف أوكرانيا القرم التي ضمّتها موسكو في عام 2014، بانتظام بهجمات جوية تقول كييف إنها تأتي ردّا على الهجوم الروسي على أراضيها.

وقالت وزارة الطاقة الروسية، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن أوكرانيا «شنّت ضربات على منشآت للبنية التحتية للطاقة» خلال الليل، ما أدّى إلى انقطاع الكهرباء عن سكان القرم. وقالت على «تلغرام»: «اعتمدنا جداول لقطع التيار مؤقتاً بهدف معالجة آثار الهجوم في أسرع وقت وإعادة الكهرباء تدريجياً».

وقالت ‌السلطات ​في منطقة ‌بيلغورود ⁠الروسية، ​التي تقع ⁠على الحدود ⁠مع ‌أوكرانيا، ‌الأربعاء، ​إن ‌ثلاثة ‌أشخاص ‌قتلوا في هجمات ⁠بطائرات مسيرة ⁠أوكرانية على المنطقة.

كما أفادت السلطات المحلية بمقتل شخصين على الأقل في هجوم روسي على منطقة زابوريجيا الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا. وقال حاكم منطقة زابوريجيا، ميخايلو سيميكين، في منشور على تطبيق «تلغرام»، صباح الأربعاء، إن روسيا هاجمت بلدة فيلنيانسك مرتين. وأدى الهجوم إلى مقتل امرأة تبلغ من العمر 52 عاماً ورجل يبلغ 63 عاماً، كما أُصيب رجل آخر يبلغ من العمر 59 عاماً. ولم يقدم سيميكين تفاصيل عن طبيعة الهجوم، فيما أفادت تقارير بتضرر عدد من المباني السكنية.

من جهتها، تندّد كييف بالقصف الروسي الذي يستهدف شبكة الطاقة في أوكرانيا ويحرم السكان في أنحاء البلاد من الكهرباء، في وقت تنخفض فيه درجات الحرارة مع اقتراب الشتاء.

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

وتنفي كل من ‌روسيا وأوكرانيا استهداف المدنيين عمداً. وجاء الهجوم بعد يوم واحد من انتهاء وقف ⁠إطلاق ⁠النار الذي استمر ستة أيام بهدف إجلاء المدنيين من بلدة أوليشكي الواقعة في جنوب أوكرانيا وتسيطر عليها القوات الروسية.

وأظهر مرسوم صادر في أوكرانيا، ونشر الأربعاء، أن الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي منح ميلانيا ترمب السيدة الأولى في الولايات المتحدة وسام شرف رسمياً؛ تقديراً لدورها في المساعدة على تنظيم عملية إجلاء مدنيين من إحدى المدن الواقعة ‌على جبهة ‌القتال الأسبوع ​الماضي. وأشار ‌المرسوم، ⁠المؤرخ ​في الثاني ⁠من نوفمبر، إلى «مساهمتها الشخصية الكبيرة» في الدعم الإنساني لأوكرانيا وعملها لمساعدة الأطفال الأوكرانيين، بما شمل مَن تم ترحيلهم أو نقلهم ⁠قسراً من مناطق تحتلها روسيا.

وأفادت وكالة الأنباء الروسية الرسمية «تاس» بأن أوكرانيا هاجمت مجدداً خلال الليل منشأة تابعة لإحدى كبرى شركات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في روسيا. وقالت شركة «أوزون» الروسية العملاقة للتجارة الإلكترونية، الأربعاء، إن أحد مستودعاتها في جنوب البلاد تعرض لهجوم بطائرة مسيّرة.

واستهدفت كييف سلسلة من المواقع اللوجستية في أنحاء روسيا، بما فيها شركة «أوزون» ومنافستها «وايلدبيريز»، وهي أكبر شركة تجزئة عبر الإنترنت في البلاد، والتي تزعم أوكرانيا أنها زودت مكونات للجيش الروسي.

وتُعد «أوزون» ثاني أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا، وتنتشر نقاط التسلم وخزائن التسليم التابعة لها عبر البلاد. وأفادت الشركة بأن حريقاً اندلع في مستودعها في مدينة أديغيسك في جنوب روسيا، ما استدعى إخلاء الموظفين، مشيرة عبر «تلغرام» إلى أن أحداً لم يصب في الهجوم.

وألحقت ضربات سابقة أضراراً بمركز تابع لشركة «أوزون» في سامارا في جنوب روسيا وبمراكز لوجستية في محج قلعة الواقعة أيضاً في جنوب روسيا، بالإضافة إلى منشأة تابعة للشركة في ضواحي سان بطرسبورغ. وتسببت الهجمات على المستودعات الروسية في تكبيد الجانب الروسي خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

وأدى تصاعد القتال بين أوكرانيا وروسيا إلى تضاؤل الآمال في تحقيق تقدم في المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة والمقرر عقدها الأسبوع المقبل.

من جانب آخر، اتهمت السلطات الأوكرانية يوليا مندل، المتحدثة الأولى باسم الرئيس زيلينسكي، بالخيانة بعد أن وجهت انتقادات للرئيس.

ويزعم جهاز الأمن والاستخبارات الداخلية في أوكرانيا أن مندل تمارس «أنشطة إعلامية وتخريبية ضد أوكرانيا». وبعد تحليل ظهورها العلني وتصريحاتها، خلص مكتب المدعي العام وجهاز الأمن الأوكراني إلى أن مندل تضر بسمعة بلادها على الساحة الدولية، وتبرر ممارسات «نظام الكرملين» والحرب الروسية ضد أوكرانيا.

وأشار مكتب المدعي العام إلى مقابلة أجرتها مندل مع المعلق الأميركي المحافظ تاكر كارلسون، كأساس للاشتباه فيها. وتم استخدام تصريحات لمندل، مثل «أعتقد أن أوكرانيا على وشك الاختفاء»، و«انظر، بلادي تشهد تراجعاً»، في الدعاية الروسية.

كما فتحت السلطات الأوكرانية، الثلاثاء، تحقيقاً غداة صدامات اندلعت على خلفية تقارير عن احتجاز عسكريين فارّين من الخدمة في منطقة كييف، واتهامات بتعرّضهم للتعذيب. وتجمّع عشرات الأشخاص أمام مبنى في ضواحي كييف إثر تداول معلومات تفيد باحتجاز أشخاص فيه رغماً عنهم وتعرّضهم للعنف. وشهد التجمّع صدامات مع الشرطة.

وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي شبّاناً يحاولون قلب حافلة للشرطة ويرشقون عناصرها بالبيض، فيما دوّت طلقات تحذيرية. وأظهرت مقاطع أخرى عدداً من الأشخاص يغادرون المبنى باتجاه سيارة إسعاف، بعضهم بوجوه متورّمة أو إصابات ظاهرة، فيما بدا آخرون في حالة صدمة. وندّد رئيس الإدارة الرئاسية كيريلو بودانوف، الذي توجّه إلى المكان ليلاً بـ«أحداث غير مقبولة» تهدف إلى «تقسيم الأوكرانيين»، مؤكداً أنها ما كانت لتحدث «من دون تأثير خارجي»، في إشارة ضمنية إلى روسيا.

وقال المحقّقون في بيان: «بعد تداول معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي عن احتجاز عسكريين بصورة يُشتبه أنها غير قانونية (داخل منزل)، تجمّع مواطنون قرب المنزل. وتطوّر الحادث إلى مواجهات أُطلقت خلالها أعيرة نارية وتضرّرت مركبات تابعة للشرطة». وأضافوا أن التحقيق سيركّز على تحديد «ظروف وشروط إقامة العسكريين» في منزل يُستخدم «سكناً مؤقتاً» لهم، والتحقّق ممّا إذا كانوا محتجزين فيه بالفعل رغماً عنهم.

من جهته، أعلن جهاز الأمن الأوكراني «إس بي يو» تحديد هويات «أكثر من مائة شخص» شاركوا في الصدامات، مؤكداً أن المبنى المعني «منشأة تابعة للحرس الوطني».

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وطالب مفوّض حقوق الإنسان دميترو لوبينيتس بكشف «المهام التي كان العسكريون وممثّلو الحرس الوطني» يؤدّونها في المكان، والتحقّق «ممّا إذا كانت أحكام القانون قد روعيت». كما دان «اعتداء مدنيين على عسكريين». ويعكس الحادث التوترات المرتبطة بالتعبئة العسكرية التي تلقى معارضة واسعة في أوكرانيا. وفي يوليو (تموز)، اندلعت صدامات شارك فيها نحو مائتي شخص في لفيف، كبرى مدن غرب أوكرانيا، بعدما جنّد عسكريون شاباً.