مدبر هجمات باريس درس في مدرسة كاثوليكية وتسكع في الحانات

لعب دورًا أساسيًا في حملات التجنيد الخاصة بـ«داعش».. وعرف بحبه لإراقة الدماء

جنود خلال مداهمة ضاحية سان دوني شمال باريس أمس (أ.ب)
جنود خلال مداهمة ضاحية سان دوني شمال باريس أمس (أ.ب)
TT

مدبر هجمات باريس درس في مدرسة كاثوليكية وتسكع في الحانات

جنود خلال مداهمة ضاحية سان دوني شمال باريس أمس (أ.ب)
جنود خلال مداهمة ضاحية سان دوني شمال باريس أمس (أ.ب)

عندما تلقت عائلة عبد الحميد أباعود خبرًا من سوريا خلال الخريف الماضي بأنه قُتِل أثناء القتال مع تنظيم داعش، ابتهجت العائلة لما اعتبرته خبرًا سارًا عن ابن ضال باتت تحتقره.
وقالت شقيقته الأكبر ياسمينا في ذلك الوقت: «ندعو الله أن يكون عبد الحميد ميتا فعلا». لكن دعوات العائلة، ومعها آمال المسؤولين الأمنيين الغربيين، لم تستجب. في الواقع، كان أباعود، الذي كان يبلغ 26 عامًا حينها، في طريقه للعودة إلى أوروبا للالتقاء سرًا بالمتطرفين الإسلاميين الذين يقاسمونه عزمه على نشر الفوضى. وكان مرتبطًا في ذلك الحين بسلسلة عمليات إرهابية بلغت ذروتها مع هجمات باريس، مساء يوم الجمعة الماضي. وأعلن أباعود، في فيديو تجنيدي لتنظيم داعش باللغة الفرنسية صدر قبل وفاته المفترضة بوقت قصير: «بالطبع، ليس من المفرح إراقة الدماء. لكن، من وقت لآخر، من السار رؤية دماء الكفار».
وخلال رحلاته للعودة إلى أوروبا في نهاية العام الماضي، اقتفت أجهزة الأمن الأوروبية أثره، وتتبعت مكالماته الهاتفية إلى أثينا، وفقا لمسؤول عسكري أوروبي متقاعد. لكنها فقدت أثره حينها، وبعدها بفترة وجيزة ظهر في بلجيكا، حيث ترعرع وسط عائلة ناجحة معتدلة من أصل مغربي.
وفي الوقت الذي بدأ فيه أباعود رحلة العودة إلى أوروبا، وجّه أبو محمد العدناني، القيادي في تنظيم داعش الذي تعرض الولايات المتحدة الآن مكافأة مقدارها خمسة ملايين دولار لمن يقتله، نداءً حماسيًا لقتل الكفار. وقال العدناني في رسالة مسجلة: «إذا كان بإمكانك قتل كافر أميركي أو أوروبي، خصوصا الفرنسي الحاقد والقذر، فلتتوكل على الله وتقتله بأي وسيلة وبأي شكل كان».
وتحاول وكالات الاستخبارات الغربية، القلقة بشأن تخطيط «داعش» لتوسيع مجازره من الشرق الأوسط إلى أوروبا، تعقب مقاتلي «داعش» القادمين من سوريا إلى القارة. وأوردت محطة تلفزيونية بلجيكية تقريرا، الاثنين الماضي، يفيد بأن أجهزة الأمن تلقت تنبيها بعودة أباعود إلى أوروبا من خلال مكالمة هاتفية أجراها من اليونان برفيق له موجود في بلجيكا.
وأدى إدراك مسؤولي الأمن لعودة أباعود إلى أوروبا إلى شن عملية كبيرة لاعتراضه. وقد داهمت السلطات منزلاً آمنًا في يناير (كانون الثاني) للمتشددين. وهناك، قُتِل اثنان من رفاقه، أحدهما الشخص الذي هاتفه. وهللت السلطات البلجيكية بالغارة على أنها أحبطت «عملية إرهابية كبيرة».
لكنها فشلت في الإطاحة بالهدف الرئيسي، الذي هو أباعود، الذي ذهب بطريقة ما إلى سوريا، التي يشير تنظيم داعش إليها بالاسم التاريخي «شام». وقال أباعود لاحقًا في مجلة «دابق» التابعة لـ«داعش»: «الله أعمى رؤيتهم، واستطعت المغادرة والقدوم إلى الشام، رغم مطاردتي من قبل كثير من وكالات الاستخبارات».
ومن غير المعروف ما إذا كان أباعود تواصل بشكل مباشر في سوريا مع العدناني، المدبر لما أطلق عليه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون برينان، الماضي الاثنين، اسم «جدول العمليات الخارجية لـ(داعش)». وباعتباره مقاتلا على مستوى منخفض، لم يكن من المرجح أن يكون أباعود اختلط بكبار الشخصيات في التسلسل الهرمي للتنظيم، بحسب خبراء في بلجيكا.
لكن الرجلين يتشاركان شغف الدعاية، حيث يعمل العدناني متحدثًا رسميًا باسم «داعش»، ويظهر أباعود في مختلف حملات التجنيد الخاصة بالتنظيم. ويمتلك أباعود رصيدًا لا يقدر بثمن لقادة «داعش» الراغبين في نقل معركتهم إلى أوروبا، يتمثّل في مجموعة من الأصدقاء والمعارف في أوروبا مستعدين لتنفيذ الهجمات.
ومثل الكثير من الجهاديين الذين نفذوا هجمات في أوروبا، بمن فيهم الأشقاء الذين هاجموا مقر مجلة «شارلي إبدو» الفرنسية الساخرة في يناير، أظهر أباعود اهتمامًا بالسرقة والمخدرات عندما كان شابا أكبر بكثير من اهتمامه بالإسلام، عكس المتشددين المتفانين الذين تفضلهم الجماعات المتطرّفة.
أما شقيقه عمر، فيمتلك متجر ملابس خارج ساحة السوق في حي مولينبيك ببروكسل، وتعيش عائلته في الجوار في شارع رو دو لافنير (شارع المستقبل)، بالقرب من مركز شرطة محلية.
وعلى الرغم من استنكاراته اللاحقة لسوء معاملة المسلمين في أوروبا، فإن أباعود تمتع بمزايا متاحة لعدد قليل فقط من أبناء المهاجرين، التي تشمل القبول في مدرسة كاثوليكية خاصة «كوليج سانت - بيير دي أوكل» في منطقة سكنية راقية ببروكسل. وكان أباعود طالبًا في الصف الأولى في مدرسة ثانوية، لكنه لم يبق فيها سوى عام واحد. وقالت مساعدة مدير مدرسة «سانت - بيير»، رفضت ذكر اسمها، إنه ترك الدراسة على ما يبدو، فيما قال آخرون إنه طُرِد من المدرسة لسوء سلوكه.
وبعدها، انضم أباعود إلى مجموعة من الأصدقاء في مولينبيك شاركوا في جرائم صغيرة متنوعة. وكان ضمن أصدقائه إبراهيم وصلاح عبد السلام، شقيقان كانا يقطنان على بُعد بضعة مبانٍ من مسكن أباعود، وهما الآن في مركز التحقيق في هجمات باريس. وكان إبراهيم عبد السلام أحد انتحاريي باريس، فيما يشكّل صلاح عبد السلام، الذي استأجر سيارة في بروكسل لنقل بعض المسلحين في هجمات باريس، الهدف من حملة المطاردة واسعة النطاق.
وكانت السلطات قد ألقت القبض على أباعود لارتكابه بعض الجرائم الصغيرة في عام 2010، وقضى وقتًا في السجن نفسه في بروكسل الذي احتجز فيه إبراهيم عبد السلام، وفقا لمتحدث باسم المدعي الاتحادي البلجيكي ومحامي إبراهيم السابق. ومن غير المعروف إذا ما كان الرجلان على اتصال ببعضهما وهما في السجن، لكنهما لم يبقيا هناك لفترة طويلة. وبعد الإفراج عنهما، عادا إلى مولينبيك، وكانا يتسكعان غالبا في حانة متواضعة معروفة بأنها مكان استراحة لتجار المخدرات.
وفي خبر لا يسر عائلته، التي لم تُظهِر أي حماسة دينية، انتقل أباعود فجأة إلى سوريا في مطلع عام 2014، بحسب خبراء في الحركات المتطرفة يتعقبون المتشددين البلجيكيين. وبعد فترة وجيزة من وصوله إلى سوريا، حيث أقام لفترة في فيلا ضخمة في حلب مستخدمة لإيواء المتطرفين الناطقين باللغة الفرنسية، أوضح أباعود اختياره في فيديو: «طوال حياتي، أرى تدفق دماء المسلمين. أدعو الله بأن يكسر ظهور هؤلاء الذين يعارضونه، وأن يبيدهم».
وفي وقت سابق من العام الحالي، عثرت مجلة «باريس ماتش» الفرنسية على فيلم يظهر أباعود وهو مبتسم ويقول النكات أثناء سحبه الجثث بشاحنة صغيرة. وقال أباعود لمجلة «دابق»: «فجأة رأيت صورتي في جميع وسائل الإعلام»، مشيرا إلى أن «الله أعمى الكفار بفضله»، ولم يروه عندما عاد إلى أوروبا في نهاية العام الماضي. كما أنه أقنع بطريقة ما شقيقه الأصغر يونس، الذي كان لا يزال في مولينبيك وكان عمره 13 عامًا فقط، بالانضمام إليه في سوريا. وغادر الصبي بلجيكا متوجها إلى سوريا بنفسه، دون إثارة أي شبهة من السلطات.
وانضم والد أباعود إلى قضية المدعي العام ضد ابنه في مايو (أيار) لتجنيده يونس. وذكر عمر أباعود لصحافيين محليين في ذلك الوقت: «لا أستطيع تحمل ذلك بعد الآن. فأنا الآن أخضع للعلاج»، مضيفا أن ابنه جلب العار للعائلة. وتابع: «لقد دمر عائلتنا. لا أريد أن أراه مجددا بعد الآن». ويعيش والد أباعود الآن في المغرب، ويريد عرض ممتلكاته في «شارع المستقبل» للبيع، بحسب صديق للعائلة.
ويُشتبه أن أباعود زعيم فرع لتنظيم داعش في سوريا يسمى «كتيبة البتار الليبية»، الذي تعود جذوره إلى ليبيا. وقال بيتر فان أوستاين، الخبير في شؤون المتشددين البلجيكيين، إن هذا الفرع بالتحديد اجتذب الكثير من المقاتلين البلجيكيين بسبب اللغة والروابط الثقافية. ويعود الكثير من المسلمين البلجيكيين إلى أصول مغربية، وفقا لأوستاين، ويتحدثون لهجة موجودة في شرق المغرب مشابهة للهجة الليبية. وذكر أيمن جواد التميمي، الذي يدرس الجماعات المتطرفة في منتدى الشرق الأوسط، وهو مركز بحثي في واشنطن، أنه لا توجد أدلة حتى الآن على أن هجمات باريس تمت بأمر العدناني أو زعيم تنظيم داعش ككل أبو بكر البغدادي. في المقابل، أوضح التميمي أن جنود الفرع الليبي الذي يضم أباعود لعبوا دورا بارزا في تصدير العنف. وتكمن إحدى مهامهم في حبك المؤامرات التي تتضمن «المقاتلين الأجانب، والخلايا النائمة في أوروبا التي كانت على اتصال بأحد العناصر النشطة في سوريا والعراق، يشغل عادة منصب في مستوى أقل من المتوسط».
* خدمة «نيويورك تايمز»



ستارمر يتّهم إيران بمحاولة «إلحاق الأذى باليهود البريطانيين»

جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)
جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)
TT

ستارمر يتّهم إيران بمحاولة «إلحاق الأذى باليهود البريطانيين»

جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)
جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)

اتهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إيران بالسعي إلى «إيذاء اليهود البريطانيين»، مؤكداً أن بلاده بحاجة إلى «صلاحيات أقوى لمواجهة التهديدات الخبيثة التي تمثلها دول مثل إيران، لأننا نعلم على وجه اليقين أنهم يريدون إلحاق الضرر باليهود البريطانيين»، في أعقاب الهجوم الذي استهدف الجالية اليهودية في شمال لندن، وفي ظل تحذيرات متكررة من استخدام طهران لوكلاء لتنفيذ أعمال عنف داخل المملكة المتحدة.

وجاءت تصريحات ستارمر غداة حادث طعن مزدوج في منطقة غولدرز غرين شمال لندن، حيث تعرّض رجلان يهوديان، يبلغان 34 و76 عاماً، لإصابات خطيرة، قبل أن تعلن السلطات أن حالتهما مستقرة، في هجوم صنّفته الشرطة عملاً إرهابياً. وأعلنت الشرطة توقيف رجل يبلغ 45 عاماً للاشتباه في شروعه في القتل، بينما يعمل المحققون على تحديد الدوافع، بما في ذلك احتمال وجود صلة بجهات مرتبطة بإيران. وقال مفوض شرطة العاصمة مارك رولي إن المشتبه به لديه «تاريخ من العنف الخطير ومشكلات في الصحة النفسية»، مشيراً إلى احتمال تورطه في حادث آخر قبل ساعات من الهجوم.

مشاكل نفسية وسوابق عنيفة

أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن المشتبه به يُدعى عيسى سليمان، وهو بريطاني من أصل صومالي قدم إلى المملكة المتحدة في أوائل التسعينات، ويحمل الجنسية البريطانية. وكان قد أُحيل عام 2020 إلى برنامج «بريفنت» الحكومي لمكافحة التطرف قبل إغلاق ملفه في العام نفسه. وبعد توقيفه، نُقل لفترة وجيزة إلى المستشفى قبل أن يُحتجز لدى الشرطة، فيما تواصل السلطات تفتيش عنوان مرتبط به في جنوب شرقي لندن.

وتأتي الواقعة في سياق تصاعد الهجمات ضد الجالية اليهودية في بريطانيا، التي يقدَّر عدد أفرادها بنحو 300 ألف شخص، وسط زيادة ملحوظة في الحوادث المعادية للسامية عبر الإنترنت وفي الشوارع منذ هجوم «حماس» على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والحرب التي تلته على غزة، وفق مؤسسات رصد محلية.

ومنذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير (شباط)، شهدت لندن سلسلة من هجمات الحرق المتعمد استهدفت كُنساً ومواقع يهودية، إضافة إلى معارضين للحكومة الإيرانية. وأعلنت الشرطة توقيف 28 شخصاً على خلفية تلك الهجمات، التي لم تسفر عن إصابات، مع توجيه اتهامات إلى عدد منهم وإدانة مراهق بعد إقراره بالذنب.

دور إيراني

تبنّت عبر الإنترنت جماعة تُعرف باسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بعض هجمات الحرق العمد، كما ادّعت مسؤوليتها عن حادث الطعن، وهو ما قالت وزيرة الداخلية شابانا محمود إن السلطات تتحقق من مدى مصداقيته، في ظل تحذيرات أمنية من احتمال أن يكون الاسم مجرد واجهة.

ستارمر لدى عقده مؤتمراً صحافياً حول الهجوم الإرهابي في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)

وتتهم بريطانيا إيران باستخدام وكلاء إجراميين لتنفيذ هجمات على الأراضي الأوروبية تستهدف خصوصاً وسائل إعلام معارضة والجالية اليهودية. ووفق جهاز الاستخبارات الداخلية «إم آي 5»، تم إحباط أكثر من 20 مخططاً «قد يكون مميتاً» مدعوماً من إيران خلال عام واحد.

وفي مواجهة الضغوط المتزايدة، تعهد ستارمر بأن تلقى هذه الهجمات رداً «سريعاً وواضحاً» من نظام العدالة الجنائية، فيما قالت وزيرة الداخلية إن الحكومة تتعامل مع معاداة السامية بوصفها «قضية أمنية أولى».

تشريع جديد

وأعلنت الحكومة تخصيص 25 مليون جنيه إسترليني (33 مليون دولار) لتعزيز الحماية حول الكُنس والمدارس والمراكز المجتمعية، وزيادة الدوريات الأمنية في المناطق التي تضم كثافة سكانية يهودية. كما أكدت أنها ستطرح تشريعاً جديداً يسمح بملاحقة «الأفراد والجماعات الذين يعملون نيابة عن منظمات مدعومة من دول»، بما يتيح التعامل معهم على غرار قضايا التجسس.

جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (أ.ب)

وقالت الحكومة إن القانون المرتقب يأتي لمواجهة نمط متزايد من «التهديدات برعاية دول»، وسط تحذيرات أمنية من أن إيران، إلى جانب روسيا والصين، باتت تعتمد بشكل أكبر على عناصر غير رسمية لتنفيذ أنشطة عدائية. ولم تفصح وزيرة الداخلية عما إذا كان القانون الجديد سيستخدم ضد «الحرس الثوري» الإيراني، لكنها قالت لـ«سكاي نيوز»: «أتوقع أن أصدر قرارات في القريب العاجل عن جماعات سنصنفها على أنها مرتبطة بدول».

وكانت السلطات البريطانية قد وجهت في الشهر الماضي اتهامات لرجلين بموجب قانون الأمن القومي لتلقيهما توجيهات من إيران لتنفيذ أعمال مراقبة عدائية، كما أُدين ثلاثة أشخاص العام الماضي بتنفيذ هجوم حرق متعمد على شركات مرتبطة بأوكرانيا. ويقول مسؤولون إن ‌موسكو لجأت إلى مجرمين أو من لديهم مظالم قائمة في أعقاب طرد جواسيس روس بسبب واقعة تسميم العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال عام 2018.

في المقابل، نفت موسكو وبكين وطهران هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها «مسيسة».


زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

بوتين وترمب خلال «قمة ألاسكا» (أ.ب)
بوتين وترمب خلال «قمة ألاسكا» (أ.ب)
TT

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

بوتين وترمب خلال «قمة ألاسكا» (أ.ب)
بوتين وترمب خلال «قمة ألاسكا» (أ.ب)

طلبت كييف من واشنطن معلومات إضافية عن عرض الكرملين وقفاً لإطلاق النار يوم 9 مايو (أيار) 2026، تزامناً مع احتفالات روسيا بانتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، بعد أن ناقش الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال اتصال هاتفي، الأربعاء، احتمال وقف إطلاق نار مؤقت في حرب أوكرانيا، وفق ما أفاد به الجانبان.

صورة نُشرت يوم 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي: «لقد وجّهتُ ممثلينا بالتواصل مع فريق رئيس الولايات المتحدة وتوضيح تفاصيل مقترح روسيا لوقف مؤقت لإطلاق النار».

وذكر في منشور على منصة «إكس»: «سنستوضح ما المقصود بالضبط من هذا؛ هل هي بضع ساعات من الأمن من أجل إقامة عرض عسكري في موسكو، أم إنه أكثر من ذلك؟»، مضيفاً أن مقترح أوكرانيا هو وقف إطلاق نار طويل الأمد، و«أمن موثوق ومضمون للناس، وسلام دائم... أوكرانيا تسعى إلى السلام وتقوم بالعمل الدبلوماسي اللازم لوضع حد حقيقي لهذه الحرب».

وأشار مصدر في الكرملين إلى أن ⁠بوتين ‌طرح ‌خلال ​الاتصال وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار ⁠على ⁠أوكرانيا بمناسبة ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية في مايو. ولفت زيلينسكي إلى أن «مقترحنا يقضي بوقف طويل الأمد لإطلاق النار، وأمن موثوق به ومضمون للمدنيين، وسلام دائم. أوكرانيا مستعدّة للعمل من أجل ذلك بأيّ صيغة لائقة وفعّالة».

ويُعدّ العرض العسكري في 9 مايو، الذي يُقام في «الساحة الحمراء» ويشرف عليه بوتين، المحور الرئيسي لاحتفالات روسيا. لكن موسكو أعلنت هذا الأسبوع أن العتاد العسكري لن يُدرج في الفعاليات هذا العام، في إجراء احترازي على خلفية التهديد بضربات انتقامية أوكرانية، رغم أن المناسبة تستقطب عادة قادة دول حليفة لروسيا.

وكان الجيش الأوكراني كثّف في الأشهر الأخيرة ضرباته بعيدة المدى ضدّ أهداف طاقوية وأخرى عسكرية في عمق الأراضي الروسية.

وشكّل الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي بدأ في فبراير (شباط) 2022، أعنف نزاع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؛ إذ أسفر عن مقتل مئات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص.

وقال مستشار السياسة الخارجية في الكرملين، يوري أوشاكوف، إن بوتين منفتح على هدنة خلال الاحتفالات الروسية في «الساحة الحمراء». ووصف أوشاكوف المحادثة التي استمرت 90 دقيقة بأنها كانت «صريحة وذات طابع عملي»، مضيفاً أنها جاءت بمبادرة من الجانب الروسي.

وقالت موسكو إن بوتين عرض خلال المكالمة رؤيته بشأن الوضع على خطوط الجبهة، واتهم كييف بتنفيذ هجمات ضد المدنيين، مع إعادة تأكيد أهداف روسيا في الحرب. وأضاف الكرملين أنه يفضل مع ذلك تحقيق هذه الأهداف عبر التفاوض.

فلاديمير بوتين خلال ترؤسه اجتماعاً لـ«مجلس الأمن القومي» في موسكو (أ.ب)

وفي البيت الأبيض، قال ترمب عن بوتين: «أجرينا محادثة جيدة جداً، وأنا أعرفه منذ فترة طويلة». وعند سؤاله عمّا إذا كانت حرب إيران أم حرب أوكرانيا ستنتهي أولاً، قال ترمب إنه لا يعرف، مشيراً إلى أن كلتيهما قد تسير ضمن «إطار زمني متشابه». وأضاف: «أعتقد أن أوكرانيا، عسكرياً، قد هُزمت».

كما قال ترمب إنه يعتقد أن بوتين كان مستعداً منذ فترة للتوصل إلى اتفاق. وأضاف: «أعتقد أنه كان مستعداً لإبرام صفقة منذ فترة. وأعتقد أن بعض الأشخاص جعلوا الأمر صعباً عليه لإتمامها». وكان ترمب قد غير موقفه من حرب أوكرانيا مرات عدة، لكنه تعرض مراراً لانتقادات بسبب مواقف عُدّت متعاطفة مع روسيا.

وأضاف ترمب، خلال لقائه رواد الفضاء من مهمة «أرتيميس2» في البيت الأبيض، أنه اقترح خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الروسي «وقف إطلاق النار لبعض الوقت» في الحرب الدائرة بأوكرانيا. وتابع ترمب: «أعتقد أنه قد يفعل ذلك»، ثم سأل الصحافيين عمّا إذا كان بوتين قد أعلن بالفعل وقف إطلاق النار.

وقال ترمب إن بوتين، كما نقلت عنه «رويترز»، عرض المساعدة في مسألة اليورانيوم المخصب لدى إيران، وهو عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب معها، لكن «قلت إنني أفضل أكثر أن تعمل على إنهاء الحرب مع أوكرانيا». وأضاف ترمب: «قلت له: قبل أن تساعدني؛ أريد إنهاء حربك».

قال ديميتري ميدفيديف، نائب رئيس «مجلس الأمن الروسي»، الخميس، إنه ليس من المرجح أن تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط بفاعلية في صراعات دولية، مشيراً إلى تصرفاتها على الساحة العالمية. وتتعارض تصريحات ميدفيديف؛ الرئيس الروسي السابق، على ما يبدو، مع الموقف الرسمي للكرملين الذي يرى أن الولايات المتحدة تلعب دوراً قيماً في السعي إلى حل سلمي بين روسيا وأوكرانيا.

وقال ميدفيديف، أمام الحضور في منتدى تعليمي: «من الصعب عدّ دولة تختطف رؤساء وتشن حروباً بهذه السهولة وسيطاً فعالاً في جميع المواقف». وأشار بهذا، على ما يبدو، إلى حرب إيران، وكذلك إلى عملية القوات الخاصة الأميركية التي أمر بها الرئيس دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) الماضي للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات.

الدخان وألسنة اللهب يتصاعدان من مصفاة «توابسي» النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

ومع ذلك، فإن ميدفيديف أقر بأن إدارة ترمب تبذل جهوداً لحل الأزمة الأوكرانية على عكس الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، على حد قوله.

ومن ناحية أخرى، قال في الفعالية نفسها إن أوروبا تمر بعملية عسكرة شبهها بالتحضيرات التي سبقت الحرب العالمية الثانية.

وميدانياً؛ قال جهاز الأمن الأوكراني، الخميس، إن طائراته المسيّرة قصفت مصفاة نفط قرب مدينة بيرم الروسية، في ثاني هجوم على منشآت نفطية بالمنطقة، في وقت تسعى فيه كييف إلى الحد من عوائد موسكو من الطاقة التي تستخدمها لتمويل الحرب. وأضاف الجهاز أن المصفاة؛ المملوكة لشركة «لوك أويل» وتقع على مسافة تزيد على 1500 كيلومتر من الأراضي الأوكرانية، من كبرى المصافي في روسيا، وأن طاقتها الإنتاجية تبلغ نحو 13 مليون طن سنوياً.

اشتعال النيران في سيارة بمنطقة بيلغورود الروسية بعد غارة أوكرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وذكر الجهاز أن الهجوم، وفقاً للمعلومات الأولية، استهدف وحدة رئيسية للمعالجة الأولية للنفط داخل المصفاة؛ ما أدى فعلياً إلى تعطيلها. وأضاف أن هجوماً آخر استهدف محطة ضخ نفط في المنطقة، كانت توفر إمدادات الخام للمصفاة. وقال إن المحطة تعرضت لهجوم خلال الليل تسبب في اندلاع بؤر جديدة للحريق.

في المقابل، قال مسؤولون، الخميس، إن طائرات روسية مسيّرة هاجمت مدينة أوديسا في جنوب أوكرانيا خلال الليل لثاني مرة هذا الأسبوع؛ ما أسفر عن إصابة 18 شخصاً على الأقل وإلحاق أضرار بمبان سكنية. وقال سيرهي ليساك، رئيس الإدارة العسكرية في أوديسا، إن الضربات تسببت في أضرار بالغة بمنطقة بريمورسكي المركزية، حيث تضررت بنايات سكنية عالية وأخرى مؤلفة من 5 طوابق. وأضاف ليساك عبر تطبيق «تلغرام» أن الهجمات تسببت في اندلاع حرائق كبيرة بالطوابق العليا وعلى أحد الأسطح، وأنه تم احتواؤها منذ ذلك الحين.


زيلينسكي: حرب إيران تركت أوكرانيا معلّقة في انتظار مفاوضات السلام

صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)
صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: حرب إيران تركت أوكرانيا معلّقة في انتظار مفاوضات السلام

صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)
صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن بلاده تعيش حالة من الجمود في انتظار استئناف محادثات السلام بين واشنطن وطهران، التي قد تُنهي الحرب مع روسيا، مؤكداً أن الاضطراب الناجم عن النزاع في إيران يمثل عقبة رئيسية أمام استئناف تلك المفاوضات.

وفي مقابلة هاتفية مع وكالة بلومبيرغ للأنباء، اليوم الخميس، أوضح زيلينسكي أن أوكرانيا لم تتلق بعدُ أي إشارات جديدة من الجانبين الروسي أو الأميركي بشأن موعد استئناف المفاوضات، مضيفاً أن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لا يزالان يدرسان فكرة زيارة كييف.

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تُظهر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين بطهران (إ.ب.أ)

وخلص الرئيس الأوكراني إلى أنه لا توجد أي مؤشرات جديدة حول موعد أو مكان انعقاد المحادثات التي ترعاها إدارة الرئيس دونالد ترمب، قائلاً: «أعتقد أن الأمر كله مرهون بكيفية تطور الأوضاع في الشرق الأوسط».

ومع دخول الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا عامها الخامس، توقفت مفاوضات السلام بين الطرفين في منتصف فبراير (شباط) الماضي، بعد الجولة الأخيرة التي عُقدت في جنيف، وهي المفاوضات التي لم تشهد تقدماً يُذكَر منذ البداية. ثم خرجت العملية عن مسارها بالكامل لاحقاً بسبب الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وكان زيلينسكي قد طلب من الولايات المتحدة توضيحاً بشأن مقترح موسكو لوقف إطلاق النار بدءاً من 9 مايو (أيار) المقبل.

وقال زيلينسكي، في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اليوم الخميس: «سنوضح ما المقصود من هذا المقترح تحديداً؛ هل هو بضع ساعات من الأمن من أجل عرض عسكري في موسكو، أم شيء آخر؟».

وأضاف زيلينسكي: «مقترحنا هو وقف إطلاق نار طويل الأمد، وأمن موثوق ومضمون للشعب، وسلام دائم».

وقال زيلينسكي إنه كلَّف فريقه بالتواصل مع الجانب الأميركي للحصول على مزيد من التفاصيل.