أسعار النفط تعيد رسم السياسات المالية لحكومات الشرق الأوسط

إيران تحتاج عامًا كاملاً للتأثير على السوق

أسعار النفط تعيد رسم السياسات المالية  لحكومات الشرق الأوسط
TT

أسعار النفط تعيد رسم السياسات المالية لحكومات الشرق الأوسط

أسعار النفط تعيد رسم السياسات المالية  لحكومات الشرق الأوسط

تسببت أسعار النفط التي تتأرجح حول مستوى 50 دولارا للبرميل منذ مطلع العام الحالي في إعادة رسم السياسات المالية لحكومات منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير. وبينما استطاعت دول كبرى في صناعة النفط، خاصة الخليجية منها، الصمود في مواجهة الضغوط، ظهرت دول أخرى فائزة من الانخفاض الكبير في الأسعار. وبينما تحاول منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) الحفاظ على حصتها السوقية في السوق العالمية، من خلال إبقاء الإنتاج دون تغيير عند نحو 30 مليون برميل يوميًا، أسفرت تلك الحالة عن نجاح مواز لصناعة النفط التقليدية في تكبيد صناعة النفط الصخري الأميركية خسائر فادحة.
واضطرت بعض الدول لتغيير سياستها المالية والإنتاجية والتوسعية نتيجة التراجع الكبير في أسعار النفط والذي أثر بدوره على إيرادات تلك الدول. وتراجعت أسعار النفط من 115 دولارًا للبرميل في يونيو (حزيران) 2014، إلى نحو 50 دولارًا حاليًا، وسط مطالب بتخفيض الإنتاج، إذ يعتبر النفط المورد الرئيسي للدول الأعضاء في منظمة أوبك والتي يبلغ عددها نحو 12 دولة، أبرزها السعودية المصدَر الأول في العالم، بخلاف الدول غير الأعضاء وأبرزها روسيا صاحبة أكبر احتياطي للنفط في العالم.
ولطالما تحتوي موازنات جميع الدول على أسعار النفط، إما لاستيراده أو تصديره، فما من شك أن الدول المستوردة للطاقة استفادت من انخفاض الأسعار، بينما تأثرت الدول المصدرة للنفط جراء التراجع.
المحلل المالي نائل الجوابري، قال لـ«الشرق الأوسط»: «بكل تأكيد ستتأثر السياسات المالية لدول الشرق الأوسط بعد تراجع أسعار النفط، وذلك لاعتماد تلك الاقتصادات بشكل كبير على واردات النفط لتمويل الجزء الأكبر من الموازنات العامة».
وأوضح الجوابري أن «بعض الدول النفطية بدأت تعاني من أزمات حقيقية بعد انخفاض الأسعار، الأمر الذي قد يدفع الجهات الحكومية إلى اعتماد خطط وإجراءات جديدة ستؤدي إلى تغير السياسات المالية لبعض دول مجلس التعاون الخليجي».
وخلال الفترة الماضية، ألغت بعض الدول خططا توسعية لمشاريع عملاقة، مثلما حدث في الجزائر، فضلاً عن تخفيض الدعم السخي في بعض الدول مثل الكويت والإمارات، ودراسة إمكانية تخفيضه في دول أخرى مثل السعودية. وفي مقابل ذلك، قامت الدول المستوردة للنفط مثل مصر بالاستفادة من فارق انخفاض الأسعار بزيادة صفقات الوقود للقضاء على أزمة الطاقة، التي أدت إلى إغلاق خطوط إنتاج لمصانع كبرى، كما استثمرت تونس هذا الفرق في دعم الصناعة. الخبير في قطاع التمويل والاستثمار أحمد العطيفي يقول إن «تراجع أسعار النفط سيؤثر على خطط الاستثمارات على مستوى العالم، وذلك من خلال سحب الدول النفطية بعضا من أرصدتها من بنوك وبورصات عالمية».
وأوضح العطيفي لـ«الشرق الأوسط» في اتصال هاتفي، أن البنوك العالمية والشركات الدولية ستضطر لإعادة هيكلة مالية بعد سحب الأرصدة، قائلاً: «العالم كله سيتأثر».
وانخفاض أسعار النفط سيساعد الدول المستوردة للطاقة في تخفيف الضغوط الواقعة على ميزان المدفوعات، ويفتح المجال لفرص استثمار جديدة، بما يدعم نمو الناتج المحلى الإجمالي، ويحسن من مستوى تدفق ونمو الإيرادات الحكومية، بالإضافة إلى تحسين الوضع الائتماني للبلاد وانخفاض معدلات التضخم، بحسب تقرير لمؤسسة «موديز» للتصنيفات الائتمانية صدر في سبتمبر (أيلول) الماضي.
ووفقا لتصريحات وزير المالية المصري هاني قدري، تراجعت تكلفة دعم الوقود في مصر بنحو 40 مليار جنيه خلال السنة المالية 2014 - 2015، بفضل هبوط أسعار النفط العالمية.. وهو ما يوضح تداعيات تراجع أسعار النفط على موازنات الدول. إلا أن تأثر دول الخليج سيكون محدودًا بتراجع الأسعار، وذلك نتيجة للاحتياطي النقدي الكبير بصناديقها السيادية، بحسب تقرير «موديز».
كما أعلن وزير المالية التونسي سليم شاكر أن اقتصاد بلاده، والمتوقع أن ينمو بنسبة 0.5 في المائة خلال عام 2015، تجنب الأسوأ هذا العام بفضل تراجع أسعار النفط.
وعلى صعيد مواز، كشف تقرير لشركة «بيكر هيوز» للخدمات النفطية أن شركات الحفر الأميركية أوقفت عمل 16 منصة في الأسبوع المنتهي في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لينخفض العدد الإجمالي للمنصات إلى 578، وهو الأدنى منذ يونيو 2010. وهذه أطول موجة من التخفيضات منذ يونيو، وهو ما يشير إلى أن الإنتاج قد ينخفض خلال الشهور المقبلة، وبالتالي تحسن الأسعار.
ويشير تراجع منصات الحفر النفطية قيد التشغيل إلى أن استراتيجية السعودية في الإصرار على إبقاء مستوى الإنتاج دون تغيير يؤتي بثماره التي تمثلت في المحافظة على حصة «أوبك» السوقية، بل وفتح أسواق جديدة.
وتبلغ تكلفة إنتاج برميل النفط العادي (الحلو) نحو 20 دولارًا، بينما ترتفع تكاليف إنتاج النفط الصخري إلى نحو 85 دولارًا، وهو ما يكشف عن أسباب تراجع منصات الحفر الأميركية وإغلاق بعض الحقول، بل واللجوء إلى شراء النفط من الدول الخليجية، والتي تحاول اكتساب جزء أكبر من السوق الأوروبية والآسيوية على حساب روسيا منتج النفط خارج «أوبك».
ومع عودة إيران لتصدير النفط مرة أخرى بعد رفع العقوبات الدولية، قلل مراقبون في السوق من أثر عودتها، بينما أبدى مسؤولون آخرون تخوفهم، مبررين خشيتهم تلك بمزيد من التراجع في أسعار النفط.
وقال بنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس، إن عودة إيران لإنتاج النفط تحتاج لنحو عام كامل لإحياء الآبار النفطية من جديد، بينما حذر وزير النفط الليبي ناجي المغربي، من عودة إيران لسوق النفط، لتأثير ذلك على تصدير النفط العربي بشكل عام. وتوقع الجوابري أن يزيد الفائض بالسوق بعد إعلان إيران الشهر الحالي عن سعر وكمية تصدير النفط، موضحًا أن الفائض اليومي في السوق من النفط يقدر حاليًا بـ550 مليون برميل.
وبلغ إنتاج إيران من النفط خلال العام الحالي نحو 2.8 مليون برميل يوميًا في المتوسط، بينما سجلت الصادرات نحو 1.1 مليون برميل يوميًا، وهو ما يمثل نصف مستويات ما قبل فرض العقوبات الدولية.
وتمتلك إيران خامس أكبر احتياطات النفط عالميًا، وتعد ثاني أكبر منتج للنفط بعد السعودية في منظمة «أوبك»، وتبلغ احتياطاتها من النفط نحو 157.8 مليار برميل.
وكان وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه قد أعلن مؤخرًا أن بلاده يمكنها زيادة صادراتها بنحو 500 ألف برميل يوميًا بعد رفع العقوبات، بالإضافة إلى زيادة أخرى بمقدار 500 ألف برميل في الستة أشهر التالية.
ومع استحواذ السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، على الحصة الأكبر في الإنتاج بـ«أوبك»، فإنها بذلك ستقود الدول الأعضاء للاستمرار في تطبيق استراتيجية الحفاظ على حصة المنظمة السوقية بإبقاء مستوى الإنتاج دون تغيير رغم تأثر موازنات تلك الدول، إلا أن المنافسة ضد كل من أميركا وروسيا تستلزم التضحية بجزء من الأرباح.
وأكد الجوابري أن انخفاض أسعار النفط على الدول الخليجية «سيؤثر بدرجات متفاوتة، وفقًا لاعتماد الحكومات على النفط في تمويل الميزانيات، وإن كانت معظم البلدان ستشهد تأثرًا فوريًا في معدلات الإنفاق العام، مع احتمال لجوء بعض الدول إلى تسييل أصول مملوكة لها لتمويل العجز المنتظر».
ومن المرجح أن توجه اقتصادات الدول خلال الفترة المقبلة السياسات العامة، فإلغاء مشاريع عملاقة وعدم التوسع في أخرى، بالإضافة إلى تسجيل عجز في موازنات بعض الدول ستضطر حكومات المنطقة لاتخاذ قرارات استثنائية.
وتوقع العطيفي «فرض ضرائب إضافية وتقليل قيمة الدعم (في الدول النفطية)، فضلاً عن تقليل المشاريع العملاقة وحجم المنح والمساعدات».
إلا أن السوق العربية ستظل متماسكة لعدة سنوات، طالما تهيأت الدول النفطية لتلك الفترة باستثمار الفوائض المالية، الأمر الذي يستمر معه ضخ استثمارات جديدة في قطاعات البنية التحتية والتعليمية والصحية.
من جهته، أشار محمد ماهر، العضو المنتدب لشركة «برايم» القابضة للاستثمارات المالية، إلى الفائض الكبير من السيولة والأصول للدول النفطية، فضلاً عن سعيها لإيجاد «إيرادات بديلة في الوقت الحالي»، على غرار رفع مستوى «أسعار الضرائب أو الجمارك مع إعادة النظر في الدعم».
ويرى ماهر أن «العجز المتحقق في موازنات الدول المصدرة للنفط سيذهب بنسبة أو بأخرى إلى موازنات الدول المستورة للنفط»، بحسب نسبة الدعم على المحروقات والوقود.



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.