التغيرات الميدانية في سوريا بعد شهر من التدخل العسكري الروسي

الغارات حصدت نحو 600 قتيل في 10 محافظات ونفذ سلاح الجو الروسي 1391 طلعة ودمر 1623 هدفا

التغيرات الميدانية في سوريا بعد شهر من التدخل العسكري الروسي
TT

التغيرات الميدانية في سوريا بعد شهر من التدخل العسكري الروسي

التغيرات الميدانية في سوريا بعد شهر من التدخل العسكري الروسي

بعد شهر كامل من شن طائرات سلاح الجو الروسي غارات جوية في سوريا، وتوفيرها غطاء جويًا للعمليات البرية التي ينفذها جيش النظام السوري في البلاد، أفاد تقرير بأن الغارات الروسية طالت معظم المحافظات، وتسببت بمقتل نحو 600 شخص.
حسب التقرير، الذي نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية» شنت الطائرات الروسية غارات في عشر محافظات من أصل 14 محافظة، بينها الرقة ودير الزور معقلا تنظيم داعش في شمال سوريا وشرقها. غير الغارات تركزت بشكل أساسي على محافظات حماه (وسط) وإدلب (شمال غرب) واللاذقية (غرب) وحلب (شمال) وحمص (وسط)، حيث بدأت قوات النظام بإسناد جوي روسي عمليات برية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ضد الفصائل الإسلامية والمقاتلة. وخلال الأسبوع الحالي، استهدفت طائرات حربية روسية للمرة الأولى محافظة درعا (جنوب)، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، حيث لا وجود لـ«داعش»، موسعة بذلك نطاق عملياتها الجوية.
وفي المقابل، بقيت أربع محافظات بمنأى عن الغارات الروسية، هي الحسكة (شمال شرق) الخاضعة بمجملها لسيطرة الميليشيات الكردية، فيما تتمركز قوات النظام في مركز المحافظة أي مدينة الحسكة، ومحافظتي السويداء (جنوب) ذات الغالبية الدرزية، وطرطوس (غرب)، اللتين تسيطر عليهما قوات النظام، بالإضافة إلى محافظة القنيطرة في هضبة الجولان حيث تتقاسم فصائل معارضة وإسلامية وقوات النظام السيطرة.
من جهة ثانية، أورد التقرير أن سلاح الجو الروسي نفّذ منذ بدء حملته 1391 طلعة جوية ودمّر 1623 هدفًا – وصفتها الجهات الحكومية في موسكو بـ«الإرهابية» – كما جاء على لسان قائد العملية العسكرية في سوريا الجنرال آندريه كارتابولوف، بحسب ما نقلت عنه وكالات الأنباء الروسية أمس. وتجدر الإشارة إلى أن لدى روسيا اليوم منشآت لوجستية عسكرية في ميناء طرطوس، على البحر الأبيض المتوسط، لكنها تتخذ من مطار حميميم إلى الجنوب من مدينة اللاذقية قاعدة عسكرية لعملياتها الجوية.
وبحسب بيانات وزارة الدفاع الروسية، تستخدم موسكو طائرات حربية من طراز «سوخوي سو - 24» و«سوخوي سو - 25» و«سوخوي سو - 30» و«سوخوي سو - 34». ووفقًا للوزارة الروسية فإن هليكوبترات حربية روسية منشورة أيضًا في سوريا، لكنها لم تتطرق إلى استخدامها أم لا، في البيانات التي تصدرها حول الغارات الجوية.
وعلى صعيد آخر، في السابع من أكتوبر، ذكرت وزارة الدفاع الروسية أن أربع سفن من أسطول بحر قزوين أطلقت 26 صاروخًا على 11 هدفًا لتنظيم داعش في سوريا. وأرسلت روسيا كذلك المئات من المظليين وعناصر القوات البحرية لضمان أمن منشآتها في طرطوس واللاذقية، في محافظتي طرطوس واللاذقية حيث تتركز الأقلية العلوية التي ينتمي إليها رئيس النظام السوري بشار الأسد، من دون أن يشارك هؤلاء في العمليات العسكرية على الأرض، على حد قولها.
هذا، وتزعم روسيا أن حملتها الجوية تستهدف تنظيم داعش ومجموعات أخرى تصفها بـ«إرهابية» أخرى، لكن دولا غربية وعربية عدة تتهمها بتعمد استهداف الفصائل المعارضة المعتدلة التي تواجه قوات النظام أكثر من تركيزها على الجماعات المتطرفة. وهنا نشير إلى أنه في الكثير من المحافظات التي تستهدفها الغارات الروسية، ومنها حماه وإدلب واللاذقية، لا وجود فعليا لتنظيم داعش. وحقًا، تتهم الفصائل المعارضة المعتدلة، المدعومة من الولايات المتحدة، موسكو باستهدافها، ومن بينها لواء «صقور الجبل» الذي أعلن في السابع من أكتوبر أن الغارات الروسية دمّرت مستودعاته الرئيسية في ريف حلب الغربي.
من جانب آخر، بدأ جيش النظام السوري والميليشيات الطائفية الموالية والتابعة له بدعم من مقاتلي حزب الله اللبناني في السابع أكتوبر، هجومًا بريًا بغطاء جوي روسي في ريف محافظة حماه الشمالي، واستهدف الهجوم بالذات مجموعة من القرى والبلدات القريبة من طريق دمشق - حلب الدولي. كذلك شهد ريف حماه الشمالي والشمالي الشرقي أول تنسيق عسكري بين قوات النظام والطائرات الروسية. وتمكن الجيش من السيطرة على قرى المغير والبحصة وعطشان، لكنه خسر قرى سكيك ولحايا ومعركبة، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان». وفي ريف محافظة اللاذقية الشرقي، سيطرت قوات النظام على غالبية تلال الجب الأحمر باستثناء التل الأهم المشرف على سهل الغاب وجسر الشغور وريف محافظة إدلب الجنوبي الغربي. وتحظى منطقة سهل الغاب بأهمية استراتيجية وهي عبارة عن مثلث يصل محافظات حماه واللاذقية وإدلب.
وشمالاً، تمكنت قوات النظام في ريف محافظًا حلب الجنوبي من السيطرة وفق «المرصد» على ست قرى وعدد من التلال والمزارع المحيطة بها، بينما ادعى جيش النظام أنه سيطر «على خمسين قرية ومزرعة» في المنطقة تبلغ مساحتها «أكثر من 120 كيلومترًا مربعًا».
وفي المقابل، خسرت قوات النظام اثر هجوم عنيف شنه «داعش» جزءًا من طريق خناصر - أثريا الحيوي الذي تستخدمه لنقل إمداداتها من وسط البلاد باتجاه مناطق سيطرتها في مدينة حلب، حيث يعاني مئات الآلاف من السكان في الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام من حصار خانق.
أما فيما يتعلق بعدد الضحايا بعد التدخل الروسي، فقد أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» يوم أول من أمس (الخميس) أن مراسليه على الأرض سجلوا مقتل 595 شخصا جراء الغارات الروسية منذ انطلاقها، بينهم 185 مدنيا، 48 منهم من الأطفال. في حين يتوزع القتلى في صفوف المقاتلين البالغ عددهم الإجمالي 410 بين «279 مقاتلا من الفصائل المعارضة وجبهة النصرة و131 عنصرًا من تنظيم داعش». ومع ملاحظة أن روسيا أعلنت من جهتها أنها قتلت 300 «إرهابي» على الأقل في غارات على حلب والرقة فقط، من دون تفاصيل إضافية، في موازاة نفيها بشدة استهداف أو قتل مدنيين.
ومعلوم، أن الحملة الروسية تتزامن مع حملة غارات أخرى يشنها الائتلاف الدولي والعربي منذ 23 سبتمبر 2014 ضد تنظيم داعش.
وبحسب «المرصد» قُتل 3650 شخصًا على الأقل جراء غارات الائتلاف منذ انطلاقها حتى 23 أكتوبر 2015. ويتوزّع القتلى بين 226 مدنيًا و3276 مقاتلاً من «داعش» و136 مقاتلا على الأقل من «جبهة النصرة» و11 آخرين من فصائل معارضة.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.