الفلسفة البيئية: نحو أخلاق طبيعية بديلة

خطابها ذو نزعة نقدية جذرية انشغل بتقديم الأدوات المفهومية والمعرفية

الفلسفة البيئية: نحو أخلاق طبيعية بديلة
TT

الفلسفة البيئية: نحو أخلاق طبيعية بديلة

الفلسفة البيئية: نحو أخلاق طبيعية بديلة

ظل الفلاسفة والمفكرون يوجهون عظيم عنايتهم إلى العالم بمختلف ألوانه ومكوناته، بحثًا في مسألة خلقه وبدايته، والمادة التي صدر عنها. لذلك قضى هؤلاء ردحا من الزمن، يقلبون الأمر على وجوه شتى، وقد كان منهم من استعان بالعقل ليدرك منتهى الحقيقة، بينما استنجد آخرون بالوحي لينيروا رؤيتهم حول الخليقة وتسديدها.
وقد شحذ هذا التنوع في الرؤى، السؤالَ وأغناه حول الموضوع، ما برر البحث في قضية خلق العالم، وبدايته، وأصوله الغيبية أو المادية. فصرنا نلحظ كيف حكمت انشغالات الفلسفة اليونانية والإسلامية والمسيحية الوسطى، تصورات الفلاسفة، وضمنتها مضامين معينة امتدت لغاية بداية النهضة. إلا أن تطورات معرفية وعلمية في مجال العلوم الحقة، الفلكية منها خاصة، والرياضية والفيزيائية، أحالت الإنسانية على توجه إنتروبولوجي غيَّر مسعى المعرفة، عندما منح الأولوية للأنشطة العقلية البشرية والتجريبية، كمصادر لبناء العلم والحقيقة من جهة، وحور السؤال المتصل بالعالم والطبيعة من التوجه نحو البدايات والأصول، إلى الانشغال بكيفية صيرورة العالم وصيرورة الأحداث فيه، والقوانين الناظمة له من جهة أخرى. فصار البحث في الطبيعة، منذ فلسفة الأنوار، تابعًا لمنطق الإنسان في النظر والفهم، ومرسخًا لمركزية إنسانية منقطعة النظير وذات بعد إثني أوروبي، ترك بصماته الحضارية على شتى المفاعيل الثقافية والعلمية والعملية المعاصرة، مما سوغ مطلب مراجعة مقومات الحداثة الغربية وأسئلتها الأنوارية وتصوراتها المعرفية، كما هو الحال في المقاربات الفلسفية الأميركية البيئية، التي أعادت طرح سؤال الأخلاق ومساءلة وضعية الإنسان في الوجود، وفق منظور ما بعد حداثي.
لقد ظل سؤال الأخلاق منذ اللحظة الكانطية، يراوح منطلقاته الأنوارية الصرفة المقعدة، لرؤية إنسية منقطعة النظير، حلت محل كل الأطر المعرفية لقضية الفعل البشري. إذ تم الانفصال جذريا عن المقاربات الدينية الغيبية والفلسفية الطبيعية ذات الصلة العميقة بالتفاعلات التاريخية للغرب، التي ضجت بمختلف ألوان الصراع والاقتتال والإقصاء والتهميش.
ولعل الاختيار العقلاني الصرف للفعل البشري، كمدخل ميتافيزيقي، تم تبنيه فكريا من قبل كثير من الفلاسفة لمحاولة رأب الصدع بين الذوات البشرية، عن طريق الاحتكام إلى مكون العقل، كمرجع معرفي في بناء الحقيقة والتنظير للفعل البشري ولمآلاته، إلا أن ذلك أفضى إلى ترسيخ نزعة إنسية مغالية في تمجيد الحياة البشرية والتمركز حول مقوماتها ومطالبها وانشغالاتها، ولو على حساب باقي الموجودات والكائنات.
في سياق هذا المنظور، صار الإنسان يحتل مرتبة منقطعة النظير، يعلو ولا يعلى عليه، هو قيمة القيم وغاية الغايات.. أو لنقل بكلمات يسيرة ودالة: إنه دحرج طقوس القداسة وضروبها وسعى إلى مركزتها في ذاته البشرية.
إن تقدير كرامة الإنسان، وفق هذا المقترب الميتافيزيقي، ومكانته بين ثنايا مكونات العالم المحيط به، انتهى إلى ضرورة استعادة المقولة السفسطائية «الإنسان مقياس كل شيء». فالطبيعة والحياة والإنسان والتاريخ والدين، وغيرها من ممكنات الكينونة، ظلت حبيسة التوجيه الإنساني للفلسفة الغربية، تأملا وتنظيرا وفعلا. فاستحكمت فيه نزعة تملكية، آل بها الوجود وما فيه إلى شيء يُمتلك ويقدر، كأداة قابلة للاستغلال والاستثمار، لتلبية رغبات اقتصادية وسياسية مطبوعة بالهيمنة والتجبر والاستهلاك والإلهاء.
فما يشاهد اليوم، من ظلم الإنسان لذويه، ومن إفراط في هدر مناحي حياة «شركاء» الوجود من الحيوان، والتفريط في مسخرات الخالق للمخلوق، واستغلال واسع لخيرات الأرض المادية، يدعو بإلحاح لتعديل الرؤى وتصويبها معرفيًا، حتى لا يتحول الإنسان إلى ضحية لما يفعل ويصنع في دنيا الوجود، رؤى وجب أن تكون تكاملية واعتدالية، وتتخطى عتبة التجزؤ والاختزال.
يمكن القول إن الإنسان جزء من الطبيعة أو مكون من مكوناتها، ومع ذلك يعتبر الشق الوحيد في المنظومة الكونية المتميز بالمعرفة والمسؤولية، «مما يوجب الموازنة بين الإحساس بالانتماء للطبيعة، وبين وضعية الاستثناء داخلها، مع أن ذلك لا يبرر حصر الطبيعة في مجرد منجم للاستغلال لما في ذلك من غصب فاضح لانتماء الإنسان للنسق الطبيعي».
يبدو أن إشكال البيئة ولد الكثير من الأسئلة التي أثارها الفلاسفة والمهتمون حول انعكاسات انحراف الفعل الإنساني وآثاره السلبية على الحياة والطبيعة، منها: هل البشر هم الكائنات الوحيدة التي تمتلك قيمة أصلية في الكون، أم أن للعالم الطبيعي، بمكوناته المختلفة، قيمته الخاصة به المستقلة عن التقدير النفعي للإنسان؟ ما الذي يسوغ القول بأن للناس إلزامات أخلاقية إزاء بعضهم بعضا، دون غيرهم من الكائنات والمنظومات الإيكولوجية الحاضنة للجميع؟
كل من يطلع على الأدبيات الفلسفية الإيكولوجية يجد أنها تنشغل بسؤال البيئية عمومًا، وبدراسة العلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية والبيئة التي تعيش فيها، أي دراسة واقع المنظومة البيئية بمستوياتها الثلاثة: المستوى المادي (العناصر المادية في الطبيعة) والمستوى الحي (الكائنات الحية) والمستوى الإنساني.
إلا أن أهم ما يميز خطاب الفلسفة البيئية، هو نزعته النقدية الجذرية التي تنشغل بتقديم الأدوات المفهومية والمعرفية للكشف عن حقيقة البيئة وقضاياها ومشكلاتها. أي أن الخطاب الإيكولوجي يعمل على تهيئة الأطر النظرية والعملية القمينة بفهم الأزمة البيئية وانعكاساتها العامة على كل مكونات الوجود، والكفيلة «بمراجعة فكرية للنظرة الحديثة إلى العالم، التي نشأت في الغرب الأوروبي وحكمت رؤاه وامتدت تأثيراتها إلى بقية أنحاء العالم، وشكلت في الوقت نفسه، نواة الحضارة الحديثة والمعاصرة، وأنماط الحياة والاجتماع والتمدن التي نشرتها في العالم».
تروم الفلسفة الإيكولوجية اعتماد الآلية النقدية التجاوزية، بغية تأسيس مشروع إنساني جديد، يُقوّم أعطاب الحداثة ويعيد ترتيب وضع الإنسان في الطبيعة ودوره فيها. وعادة ما يستسيغ روادها إطلاق لفظ الاخضرار على مشروعهم العام، كرديف للانسجام والتناغم بين مكونات الوجود، وهو مشروع يغيب المركزية البشرية أو أفضلية الإنسان وأسبقيته على كل الكائنات.
يستند رواد فلسفة الأخلاق البيئية، على قناعة أساسية مفادها أن للطبيعة قيمة أصلية وذاتية، تستلزم البحث في الواجبات الأخلاقية البشرية حيال المنظومة البيئية برمتها (حيوانات، نباتات..)، عبر تعديل قاعدة المعايير الأخلاقية، ذات المنشأ العقلاني الغربي الصرف، وتوسيعها لتشمل الكائنات غير البشرية، بغية تحريرها من النزعة النفعية الضيقة، إقرارًا بخيريتها الأصلية الذاتية.
فالفلسفة البيئية إذن، فلسفة ثورية بامتياز، تحكمها نزعة طبيعية تحريرية للقيم الأخلاقية، التي حكمت الحيوان والطبيعة في تاريخ الغرب، بغية التخلص من كل طرائق الفلسفة الغربية التقليدية، والسعي بدلا عنها، إلى تطوير فلسفة قيمية جديدة، تعتمد على منظور إيكولوجي شامل كفيل بتغيير القيم الاجتماعية، وبلورة مُثل ثقافية بديلة. ولعل ذلك ما جعل رواد الفلسفة الأخلاقية (توم ريغان، بيتر سينغر..) يحرثون أرضا جديدة في الفلسفة الخلقية، عندما تمكنوا من تجاوز عتبة المعايير الإنسانية الصرفة في التقدير والتقويم، وأسسوا لبنات منظور شمولي يجعل من «الحياة» معيارا كليا لتقدير الإنسان والحيوان معا.
وعلى المنوال نفسه، انبنت رؤية الإيكولوجي ألدو ليوباولد، على الدعوة إلى تحرير مفهوم المجتمع الإنساني، ذي النزعة الإنتروبولوجية الخالصة، وتوسيع حدوده الضيقة ليشمل كل الكائنات (التربة، المياه، النباتات والحيوانات..)، حتى يستقيم الحديث عن مجتمع طبيعي، يسوغ الانتقال من الأقاليم البشرية إلى الأقاليم الحيوية. ولأن معاني الغيرية لم تعد تنحصر دلالاتها عند حد إنساني خالص، فقد أضحت تشمل باقي الموجودات والمكونات الأرضية، وترسخ أخلاقا نوعية جديدة تجعل قيم التعاطف والخيرية تعبر كل الحدود والموجودات على الأرض، وتسهم في بناء حضارة أرضية سليمة، تقوم على الموازنة بين المصالح البشرية وبين مصالح الموجودات الطبيعية، ثم مصالح الأرض عموما.
يتضح مما سبق، أن المقاربة الإيكولوجية الأخلاقية بمختلف ألوانها، سعت إلى تأسيس خطاب إيكولوجي عميق، يتجاوز ضحالة اختيارات المجتمعات الصناعية في معالجة الأزمات البيئية، ويراجع الطرق التقليدية للفلسفة الغربية ونموذجها الإرشادي المعرفي الحداثي، بغرض تطوير بدائل فلسفية كفيلة بصياغة مُثل أخلاقية جديدة، تستجيب لمستجدات الإنسان المعاصر، وتعيد تقييم المحيط البيئي، بناء على منطلقات تروم التوازن الطبيعي وفق منطق تعاقدي طبيعي خلاق، يضمن التقدير العادل والشمولي لكل الموجودات.



روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»