مفتي «داعش» يتقرب من البغدادي بفتاوى التكفير

إسلاميو لندن: البنعلي له تاريخ فاشل في العلوم الشرعية

تركي البنعلي فقيه داعش يلقي خطبة العيد في مسجد الرقة
تركي البنعلي فقيه داعش يلقي خطبة العيد في مسجد الرقة
TT

مفتي «داعش» يتقرب من البغدادي بفتاوى التكفير

تركي البنعلي فقيه داعش يلقي خطبة العيد في مسجد الرقة
تركي البنعلي فقيه داعش يلقي خطبة العيد في مسجد الرقة

بين سرت الليبية والرقة السورية، بات منظّر تنظيم داعش البحريني تركي البنعلي المكنى بـ«أبو سفيان السلمي» يتنقل بشكل يثير الاستغراب، لا سيما أنه يعتبر من أحد أهم الآباء الروحيين للتنظيم المتطرف، إلا أن مصادر التنظيم، وبحسب أصوليين في لندن، أكدوا أنه عاد إلى الرقة، ونشر التنظيم صورًا للبنعلي خطيبًا لصلاة العيد في جامع النور بمدينة الرقة السورية، بعد أن كان قبل فترة وجيزة في مدينة سرت الليبية، بعد أن بثت إذاعة سرت المحلية التي يسيطر عليها تنظيم داعش في فبراير (شباط) الماضي، خطبًا ودروسًا لتركي البنعلي.
واحتلّت شخصية البحريني، البنعلي، الذي سحبت جنسيته، مساحة لافتة في التقارير والتغطيات التي واكبت تقدم تنظيم داعش في سوريا والعراق، ويعتبر اليوم حامل راية التكفير بلا منازع، وهو مفتي التنظيم الإرهابي، وأحد أكثر المؤثرين بين أقرانه، ويُتّهم بتجنيد العشرات من الشباب الخليجيين، وإرسالهم إلى جبهات القتال في الخارج.
قيادات أصولية في لندن أكدت لـ«الشرق الأوسط» أنهم عرفوا البنعلي عن قرب منذ عدة سنوات، بل إن هناك رسائل متبادلة بينهم، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة من رسائل البنعلي الإلكترونية إلى لندنستان قبل انضمامه إلى التنظيم الإرهابي، أي قبل هجرته إلى دولة البغدادي، وأحد هؤلاء هو د.هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن، الذي قدم لأحد كتب البنعلي بعنوان: «السلسبيل في قلة سالكي السبيل» عام 2012، وضمن المراسلات تتضح لغة التزلف والنفاق من البنعلي لشيوخه أبو محمد المقدسي وأبو قتادة والسباعي، ثم ينقلب عليهم ويطعن فيهم بعد انضمامه إلى دولة البغدادي.
من جهته يقول د. السباعي لـ«الشرق الأوسط»: إن البنعلي تلميذ علم شرعي فاشل تحول إلى مفتي التنظيم الإرهابي، وقال: إنه أدرجه معه في دورة شرعية تحت عنوان «مصادر السيرة» عبر «البالتوك» قبل عدة سنوات، ولكنه فشل فشلا ذريعا في النجاح والمرور منها، وأوضح أن البنعلي تحول إلى الفكر التكفيري، وهو اليوم ينفذ تعليمات قادة التنظيم في تكفير كل من لا يسير على هواهم.
ويضيف السباعي، بخصوص التسريبات على «تويتر» الخاصة بالبنعلي، أنه أرسل تلك المراسلات التي كانت مع البنعلي إلى بعض الشباب المحسوبين على العمل الإسلامي في بريطانيا ودول عربية حتى يتيقنوا من حقيقة البنعلي ولا يتبعوا خطاه في التطرف. وأشار إلى أن البنعلي كان يراسله بأسماء عدة وكنيات مختلفة، منها عبد الرحمن وأبو همام الأثري من البحرين، وهي مراسلات متواصلة منذ عام 2008، وكان يقول: تلميذكم البار، ويخاطبني بصاحب القلم السيال وإلى الشيخ المفضال، وإلى شيخ التوحيد أهديك هدية العيد، وأوصاف أخرى.
أحد منظري لندنستان أرسل رسالة لـ«الشرق الأوسط» قال فيها عن البنعلي: «جراء طفولته المعرفية، لم يصدق الفتى نفسه وهو يركب الأوهام، فطفق يهذي ظنًا أنه صار شيئا في غابة الأقزام» ويضيف: «كان قبل العقوق يضرب أكباد الهواتف إلينا ورسائله ببريد شبكة العنكبوت شاهدة على تزلفه، كان يستطير فرحًا بكلمة أو جملة منا يفتخر بها بين أقرانه! ويتوسل إلينا أغيثونا بشهادة مكتوبة تكون له عيدا بين أهله وعشيرته».
واعتقل البنعلي في البحرين العام 2007 مع بعض رفاقه بتهمة التكفير فيما عرف بـ«خلية السقيفة»، إشارة إلى سقيفة بني ساعدة، وقد أطلق سراحه بعد سلسلة من المحاورات نظمها له مسؤولو السجن مع شيوخ سلفيين مقرّبين، ومنع البنعلي من دخول بعض الدول العربية في السنوات السابقة، كتونس ومصر والكويت والإمارات وقطر والسعودية، إلا أنه ظلّ يتمتع بحرية التنقل من وإلى البحرين لغاية مطلع العام 2014.
سافر إلى ليبيا عقب سقوط نظام القذافي، إذ تظهر كثير من الفيديوهات المرفوعة على موقع «يوتيوب» لقاءه بمتطرفين في مدينة سرت وإلقاءه فيهم سلسلة من المحاضرات. وسافر إلى سوريا مرتين على الأقل منذ اندلاع الأحداث فيها آخرها في أغسطس (آب) 2013، كما يتضح من رسائله المنشورة في الأشهر الأولى من العام 2013 والتي كان يختمها بتوقيعه مع عبارة أرض الشام المباركة. وقد عاد منها إلى البحرين قبل أن يعلن عن هجرته النهائية إلى دولة البغدادي في فبراير 2014.
وبالنسبة إلى كتب البنعلي، قال السباعي إنها في الأعم سرقات أدبية من الطراز الرفيع من كتب مشايخ وفقهاء سبقوه في العالم، وهناك مراسلات أخرى مع البنعلي لا أريد أن أنشرها حفاظا على ماء وجهه، وقد أرسلت بعضها إلى الدكتور طارق عبد الحليم لتنظيمها، من أجل تأريخها. ووصف البنعلي بأنه رجل عاق لشيوخه، فقد تمرد على شيخه عاصم البرقاوي أبو محمد المقدسي، وأبو قتادة الفلسطيني، وللشيخ الحدوشي.
وأوضح أن تركي كان في بدايته لا يعرف أين يقف وفي أي صف، مع «القاعدة» أم «داعش» أم السلفية الجهادية، وهو رجل عرف عنه التردد، وكان دائما يسأل النصيحة، لكنه اليوم بات يتصدر الإفتاء في دولة الخلافة ويرفع راية التكفير لمن لا يبايع البغدادي زعيم التنظيم الإرهابي، لا أعرف ماذا حدث له؟ فقد أصيب بعد الانضمام إلى «داعش» بداء الغرور والنرجسية الشديدة، وهذا ينطبق عليه القول: «فلما اشتد ساعده رماني»، من خلال ما سماه في «ترجمة العدناني»، وفيه يقدم لأبو محمد العدناني المتحدث باسم دولة الخلافة، ولكنه أشبه بتعريف المجهول للمجهول. ويقول السباعي: «أول ما صدم صدمني بعد أن وصفني بتلميذ الرافضة»، بعد أن كان يطلب نسخا من كتبي وكنت أهديتها وأرسلتها إليه في المحرق بالبحرين قبل هجرته الداعشية.
ويتطرق السباعي إلى دخول البنعلي امتحانا عبر «البالتوك» في دورة «مصادر السيرة» عام 2009، ولكنه كان مثل تلميذ فاشل لم ينجح من الدور الأول، وليس هذا من باب التعيير، وصممنا له شهادة دراسية أرسلناها إليه في البحرين بعد نجاحه في الدور الثاني. وتطرق السباعي إلى لغة الانحطاط التي كان يتحدث بها البنعلي في رسائله الإلكترونية إلى شيوخه في بريطانيا: «نكتب إليكم من أرض الخلافة إلى أرض الكفر والضلال عند إليزابيث»، مضيفا أن البنعلي: «بدأ يضع نفسه في مصاف شيوخه مثل المقدسي وأبو قتادة»..
وينقل أصوليون حكايات البنعلي داخل التنظيم مع مقربين منه أنه تزوج من امرأتين من التنظيم إحداهما أم سمية التونسية، وأن لديه سبيتين، إلا أنه بات يكفر اليوم كل من يخالفه الرأي، أو لا يبايع البغدادي، حتى يتقرب أكثر من القيادات العليا في التنظيم الإرهابي.
ورغم ذلك فإن المعلومات الواردة من «داعش» في سوريا والعراق، تقول: إن جماعة البغدادي استخدموا البنعلي للطعن في الشيوخ، ولم يسندوا إليه أي منصب رسمي في «دولة الخلافة»، ويقول أحد المقربين منه لـ«الشرق الأوسط» إنه يلقي الدروس الشرعية في مساجد الرقة، ودوره لا يتعدى سوى تفسير نصوص تكفير الجماعات المناوئة لهم مثل «جبهة النصرة» و«أحرار الشام»، وغيرهما من الجماعات المقاتلة، ودوره اليوم هو تبرير أعمال «داعش» من ذبح وقتل للأبرياء وتفجير المساجد وتفخيخ مقار الجماعات المقاتلة أو الأسواق، بالبحث عن مسوغ شرعي لهذه الأفعال، كذلك الرد على الشيوخ الذين يدينون هذه الأعمال الإرهابية.
وفي ذات السياق، يقال: إن الكتيب أو المطوية التي وزعت في المواقع التي سيطرت عليها «داعش» في العراق وسوريا، كانت من صياغة وتأليف تركي البنعلي يطلب من السكان المحليين البيعة للبغدادي وكانت بعنوان «مدوا الأيادي لبيعة البغدادي»، ودعاهم إلى مبايعة زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، حيث تضمنت المطوية شروحات البنعلي حول أسباب أحقية البغدادي في مبايعته خليفة لهم.
وحسب مصادر الأصوليين في لندن على اطلاع بما يجري داخل «دولة الخلافة»، فإن البغدادي لا يثق في أمور الفتوى، إلا في العراقيين المقربين منه، حيث مهمتهم إصدار الفتاوى، وتعميمها على الجميع، وأعرب بعضهم أن نهاية البنعلي ستكون مثل نهاية أبو عمر الكويتي، الذي بايع البغدادي، وقتله بعد أن اختلف معه، في بعض المسائل، وليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها قادة التنظيم أحد المفتين الشرعيين، ثم يكون السجن أو القتل مصير من يعارض أو يفكر في التمرد على زعيم التنظيم.
ويتطرق السباعي إلى رسالة إلكترونية وردت من البنعلي إلى لندن بتاريخ 17 مايو (أيار) 2010. وفيها يقول: السلام عليكم شيخنا كيف أحوالكم؟ ما أخباركم؟ ما آخر إنجازاتكم العلمية؟ لقد سمعت أنكم تعملون على شرح كتاب الشريعة، هل هذا صحيح؟ هل من الممكن أن ترسلوا لي كل مدة من الزمن بعض الفوائد العلمية تخصونني بها، لكي أحدث بها عنكم فأقول : «حدثني شيخنا هاني»، فإنها شرف للعبد الفقير، وأي شرف، تلميذكم البار، وفقكم الله إلى ما يحبه ويرضاه. وفي رسالة أخرى بتاريخ 12 يونيو (حزيران) 2011 يقول البنعلي: أعيد اليوم ما طلبته منكم، الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وأعيده اليوم عليكم لما اشتد الأمر، فكيف إذا كان العبد الشيخ في عون إخوانه، في شتى بقاع الأرض، أرجو ألا تردني وإن رددتني فأنت على العين والرأس، أقبل منك ذلك، وأنت مكانكم بين الضلوع.. إن اللجنة الشرعية في منبر التوحيد والجهاد يقصدها المستفتون من كل بقاع الأرض، ولكن عدد مشايخ الإفتاء لا يجاوز أصابع اليد، ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، ما رأيكم شيخنا أن تكون ضمن اللجنة، حتى لو تجيب على 3 أسئلة كل أسبوع، تعلم شيخنا أن عددا من المشايخ قد اعتقلوا وعلى رأسهم شيخنا أبو محمد المقدسي نحن بحاجة ماسة إليكم. أما التوقيع هذه المرة، يقول السباعي، فكان «تلميذكم البار أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري»، وهي كنية البنعلي الأثيرة إلى نفسه. وفي رسالة أخرى من البنعلي مؤرخة 21 يونيو 2009: «لقد استمتعنا بمناظرة الظاهري في حكم المعازف، هل تؤذن لي بإرسال البحث الذي تحدثت إليكم عنه، وهو بحث عن النوافح النسكية تلميذكم البار».
وفي رسالة أخرى بتاريخ 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2009» السلام عليكم شيخنا، ما هي آخر أخبار المضايقات التي تتعرضون لها، والدعوى المرفوعة عليكم، بشرنا فقد اشتقنا إليكم. وفي رسالة أخرى بتاريخ 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 يقول فيها: بارك الله فيكم شيخنا الحبيب الأريب، نصيحة رائعة وفيت وكفيت، جعل الله كلماتك في ميزان حسناتكم، شيخي المفضال صاحب القلم السيال.
ويعلق السباعي بالقول: كنت نصحته مرارا ألا يتقعر في اللفظ وأن يقلل من السجع في حديثه إلى الناس وأن يقلل من الاقتباسات من الآخر، وأن يراعي شخصيته في الكتابة، وأن يراعي أخطاءه النحوية وينتبه لها، وتحت يدي
أكثر من 50 رسالة إلكترونية، ثم بعد ذلك يتطاول على الجميع بعد أن بات بوقا للبغدادي، وظل يتزلف لأبو محمد
المقدسي مفتيًا في منبر التوحيد والجهاد، وهو موقع لمناصري فكر «القاعدة».
وتكشف رسائل البنعلي عن اعتداده الشديد بنفسه وعن انتفاخ نرجسي فائض. بل إنه وحسبما يروي عنه أحد الأصوليين، كان يُسأل عن أبو همام الأثري فيزكيه ويمدح علمه ويوصي بمؤلفاته وفي نهاية المطاف تبين أن أبو همام الأثري، هو نفسه تركي البنعلي.
ويقول عن نفسه: «من نعم الله على العبد الفقير؛ أنني في بعض الأحيان أصوب وأصحح للدكاترة والمدرسين؛ حتى قال لي أحدهم لما تعقبت عليه في مسألة: اثنان لا يحسدان؛ الأستاذ لا يحسد تلميذه، والأب لا يحسد ولده. كما يقول أيضًا إني أروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبر أكثر من ثلاثمائة طريق، فلله الحمد والمنة. حتى قال شيخنا العلامة عمر الحدوشي عن العبد الفقير: لو كان البخاري حيًا لجعله من رجاله، ومن الطبقة الأولى».
وكذلك يقول عن نفسه: أعداء هذا المنهج الألمع، من المرتدين وأهل البدع؛ منعوني من أمورٍ كثيرة؛ كعزلهم إياي من إمامة المسلمين، ومنعهم إياي من التدريس في المساجد؛ لكن ها هو صوت العبد الفقير يعبر القارات، ويصل لشتى المجتمعات، ويُترجم إلى غير العربية من اللغات على رغم أنف كل حاسد لئيم.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.