أميركا تعاقب العراق {بإطفاء عيونه الجوية} وتوقف عملياتها في الرمادي

مصدر أمني لـ {الشرق الأوسط} : خطوات العبادي غير محسوبة وخطر «داعش» سيهدد بغداد

أميركا تعاقب العراق {بإطفاء عيونه الجوية} وتوقف عملياتها في الرمادي
TT

أميركا تعاقب العراق {بإطفاء عيونه الجوية} وتوقف عملياتها في الرمادي

أميركا تعاقب العراق {بإطفاء عيونه الجوية} وتوقف عملياتها في الرمادي

كشف مصدر عراقي أمني رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة الأميركية وفي رد سريع على التحالف الرباعي الذي انضم له العراق، بادرت باتخاذ إجراءات فورية على الأرض كنوع من العقوبات.
وأضاف المصدر الذي تحدث من خلال الهاتف في لندن أن القوات الأميركية بدأت منذ مساء أمس بإيقاف عمليات التصوير الجوي في الرمادي والتي كانت تزود بها الجيش العراقي في حربه ضد «داعش»، وهو الأمر الذي يعد فقدانا للعراق عيونه الجوية التي يراقب بها «داعش» في الرمادي.
ولم تتوقف واشنطن عند هذا الأمر بل زادت أنها ستوقف عمليات الرمادي وملاحقة «داعش» والتي كان مخططا لها في وقت سابق، وهو الأمر الذي يتوقع أن يزيد من قوة «داعش» ويسهل عليه العمليات العسكرية على الأرض، إضافة إلى أن أميركا لن توفر أي غطاء جوي للعمليات التي ستقوم بها القوات العراقية ضد «داعش»، وهو الأمر الذي يتوقع أن يزيد الأوضاع تعقيدا، ويمثل خطرا على بغداد من «داعش».
وبين المصدر أن تلك الإجراءات التي بدأتها واشنطن توحي بأنها عقوبات موجهة إلى بغداد جراء التحالف الذي انضمت له العراق ولهفتها عليه، وهو الأمر الذي أكده رئيس وزراء العراق حيدر العبادي خلال حضوره جلسات هيئة الأمم المتحدة الأسبوع الماضي.
وأضاف المصدر أن تلك العقوبات لم تكن في الحسبان لدى الحكومة العراقية خاصة أن لديها جبهة مفتوحة في الأنبار حاليا وتتطلع إلى تعاون أميركي معها لقتال «داعش» هنالك إلا أن الموقف الأميركي سيحرج بغداد خلال الأيام المقبلة.
وفي هذا السياق توقع الخبير الاستراتيجي هشام الهاشمي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التحالف الرباعي لن يستمر لأكثر من 3 أو 4 شهور لأسباب مختلفة يتعلق قسم منها بالقدرات الروسية والإيرانية في ظل استمرار العقوبات عليهما حتى الآن.
وبين أن القسم الآخر يتعلق بالمباحثات التي سوف تبدأ بعد 3 شهور بين موسكو ودول الاتحاد الأوروبي حول العقوبات وهو ما يعني أن روسيا تعمل منذ الآن على ممارسة ضغوط من خلال المناورة في سوريا والعراق لأغراض المباحثات القادمة.
وزاد الهاشمي بقوله «الأميركان بدأوا الآن نوعا من عملية السخرية بضربات روسيا ضد المواقع السورية كونها من وجهة نظرهم لا تستهدف داعش بقدر ما تستهدف مواقع المعارضة السورية المعتدلة التي يمكن التفاهم معها في مرحلة ما بعد الأسد». وأضاف أن «الأميركان أبلغوا بغداد بشكل أو بآخر أن دعمهم سوف يكون شحيحا من الآن فصاعدا بسبب مراهنة العراق على التحالف الجديد».
وبالعودة للمصدر العراقي قال: «رغم محاولات رئيس الوزراء حيدر العبادي تخفيف لغة الاتفاق الرباعي الذي انضم إليه العراق إلى إيران وسوريا وروسيا فإنه مجرد خلية تنسيق استخباري إلا أن واشنطن ذهبت إلى ما هو أبعد من حدود الانزعاج من هذا التحالف وذلك بالبدء بالقيام بإجراءات على الأرض أشبه ما تكون عقوبات ضد الحكومة العراقية نتيجة لما عدوه هرولة عراقية غير محسوبة النتائج خلف حلف لم يتمكن من فعل شيء في سوريا منذ أربع سنوات من وجوده».
ويضيف المصدر أن التحالف رغم وجوده في وقت سابق وكان يتخذ من الأراضي السورية مقرا له لكنه طوال تلك الفترة لم يتمكن من عمل شيء بل بالعكس كانت نتيجته أن فقدت سوريا نحو 85 في المائة من أراضيها لصالح المعارضة بعد أن لم تتمكن الضربات الروسية فعل شيء، مشيرا إلى أن الجديد في هذا الحلف هو انضمام العراق إليه بهدف توسيع نطاق الضربات الجوية الروسية لتشمل العراق هذه المرة والتي تم التعبير عنها من خلال إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي ترحيبه بهذه الضربات مما يعني من الناحية العملية التمهيد لها.
وكان رئيس الوزراء حيدر العبادي أعلن أنه سيرحب بضربات جوية توجهها روسيا ضد تنظيم داعش في العراق مشيرا في تصريحات لقناة «الصحافة الفرنسية 24» أنه ناقش مع روسيا الضربات الجوية في العراق قائلا «ليس بعد، إنما هذا احتمال وإذا قدم لنا اقتراح سندرسه»، وقال: إن العراق يتوقع من التحالف الدولي والأميركيين أن يقدموا غطاء جويا كبيرا لحماية القوات العراقية، مشيرا إلى أن الدعم الذي يتلقاه العراق حتى الآن محدود لكن الهدف الأهم هو محاربة تنظيم داعش.
وفي العراق كانت المفاجأة من النجف حين أعلن أحمد الصافي ممثل المرجعية الدينية في كربلاء أمس الجمعة ترحيبها بتوسيع نطاق الحرب ضد «داعش» من خلال التحالف الرباعي، إذ قال: «إن المعركة التي يخوضها العراق ليست معركة العراقيين لوحدهم بل معركة العالم بأسره»، داعيًا إلى «تضافر الجهود لمكافحته وأن يتوسع نطاق التصدي له من كل الجهات كونه يستهدف الإنسانية وحضارتها».
وفي الوقت الذي أعلن فيه الأكراد أنهم غير معنيين بهذا التحالف فقد واصل العرب السنة من خلال كتلهم السياسية تحفظهم على إنشاء هذا التحالف. وفي هذا السياق دعا ائتلاف متحدون للإصلاح الذي يتزعمه أسامة النجيفي الحكومة العراقية إلى توضيح المعلومات بشأن الاتفاق الرباعي بين العراق وروسيا وإيران وسوريا كي يكون الموقف النهائي منه مبنيا على حقائق وليس توقعات.
وقال بيان للائتلاف بأنه تدارس في اجتماع لقيادته برئاسة أسامة النجيفي وحضره وزراء ونواب الائتلاف الوضع السياسي والأمني وبخاصة في المحافظات التي تشهد المواجهة مع تنظيم داعش الإرهابي، وتدارس المجتمعون أوضاع الأهل في هذه المناطق وسبل تعزيز صمودهم ضد سيطرة الإرهاب.
وأضاف البيان «تداول المجتمعون الاتفاق الأمني الرباعي الذي عقد مؤخرا بين العراق وإيران وروسيا وسوريا، وبعد مناقشة مستفيضة تضمنت الأسباب والنتائج المتوقعة وآليات تنفيذ الاتفاق وتأثيراته على المحافظات التي تتعرض للإرهاب، وطبيعة المشاركة السورية، توصل المجتمعون إلى توصيات بشأنه منها الطلب من الحكومة توضيحات ومعلومات كي يكون الموقف النهائي منه مبنيا على حقائق وليس توقعات».
وكان مسؤول أميركي أكد ما سبق أن نشرته «الشرق الأوسط» بشأن تجميد عمليات الجيش العراقي في محيطي الرمادي والفلوجة لاستعادتهما من سيطرة تنظيم داعش، عازيا السبب إلى أن القوات العراقية غير مدربة من أجل التصدي لأساليب التنظيم المتطرف القتالية.
وصرح المتحدث باسم العمليات العسكرية الأميركية ضد تنظيم داعش في العراق، الكولونيل ستيف وارن، للصحافيين في اتصال عبر الدائرة المغلقة من بغداد أن الجهود العسكرية لاستعادة الرمادي أرجئت جزئيا بسبب درجات الحرارة القياسية خلال الصيف وأيضا بسبب الطريقة التي يدافع بها المتطرفون عن المدينة التي سيطروا عليها في أواسط مايو (أيار) الماضي، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
وكانت مصادر عشائرية عراقية ومسؤولون محليون في محافظة الأنبار أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن القوات الأميركية في قاعدة الحبانية جمدت عمليات الجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي الهادفة لاستعادة الرمادي والفلوجة وأنها في المقابل توسع تعاونها مع مقاتلي العشائر.
وفي هذا السياق، قال الشيخ رافع عبد الكريم الفهداوي، شيخ عشائر البو فهد في الأنبار وأحد أبرز قادة العشائر فيها: «إن اعتماد القوات الأميركية الآن على مقاتلي العشائر في الأنبار وتدريبهم وتجهيزهم بالسلاح والاشتراك معهم في معارك برية على الأرض ومساندتهم عبر طائرات الأباتشي وسلاح الطيران التابع لقوات التحالف الدولي جاء لسد الفجوة الحاصلة بالجيش العراقي والضعف الواضح في عملياته التي تقتصر الآن على إقامة سواتر وخطوط صد دفاعية تاركة زمام المبادرة لعصابات تنظيم داعش».
وأشار الفهداوي إلى أن «الحرب معقدة للغاية ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالرمادي، كونها دائما كانت تحت قيادة عسكرية سيئة. ولا بد من عودة كبار الضباط والخبراء للخدمة في الجيش العراقي، بعدما حلت سلطة الاحتلال الجيش العراقي وعدم عودة هؤلاء الضباط المهرة بحجة ارتباطهم بالنظام السابق أعطى فرصة كبيرة للتنظيم الإرهابي لاستقطاب البعض منهم الأمر الذي مكن العصابات الإرهابية من امتلاك رؤية عسكرية ناجحة تفوق من خلالها على الجيش الحالي الذي يخضع للتدريب منذ 12 عامًا على يد الأميركيين».
وتابع الفهداوي أن «خسارة مدننا في محافظة الأنبار لا تعني انتصارا لـ(داعش) وإثباتا لقوته بقدر ما تعني وجود خلل كبير في قيادة الجيش العراقي، والسبب الرئيسي يكمن في أن قوات الجيش العراقي تشكلت على حساب مزاج الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق وبشكل واضح، وتم إبعاد كل الضباط السابقين والكفؤين من حملة الشهادات العسكرية وأصحاب الخبرات في إدارة القوات المسلحة أثناء المعارك والحروب، واستقدام ضباط فاشلين ومنهم من لا يحمل أي شهادة عسكرية».



الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

رغم تصعيد الجماعة الحوثية في مختلف جبهات القتال، وتداعيات الحرب الاقتصادية، والمالية، قررت الحكومة اليمنية المضي في تنفيذ خطة واسعة لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة، في مسعى لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته، وتحسين قدرته على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات للسكان.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الدولة اليمنية ضغوطاً متراكمة فرضتها سنوات الحرب، بما في ذلك الاختلالات الإدارية، والمالية، وتضخم الهياكل التنظيمية، وتداخل الاختصاصات، إلى جانب تحديات التشريعات، والموارد البشرية، وآليات اتخاذ القرار.

وعقدت اللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي اجتماعها الأول في العاصمة المؤقتة عدن برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، وناقشت خطة عملها، وآليات الانتقال إلى التنفيذ، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً للبدء بالإصلاحات، وعدم انتظار تحسن الظروف العامة في البلاد.

الإصلاحات الحكومية في اليمن تحظى بدعم دولي واسع (إعلام حكومي)

وأكد الزنداني أن الإصلاح المؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة فاعلية الدولة، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة مواردها بكفاءة، وتحسين مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن سنوات الحرب راكمت اختلالات في الهياكل، والتشريعات، والموارد البشرية، والمالية، وآليات اتخاذ القرار.

وتستهدف الخطة في مرحلتها الأولى، طبقاً للمصادر الرسمية، عدداً من الوزارات، والمؤسسات الحكومية التي ستُختار وفق معايير واضحة، لتكون نماذج عملية يمكن تقييم نتائجها، والاستفادة منها قبل توسيع نطاق الإصلاح ليشمل بقية مؤسسات الدولة.

وتشمل عملية الإصلاح مراجعة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات، ومنع التداخل، والازدواجية، إلى جانب تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، واللوائح، والتحول الرقمي، وربط الإصلاح المؤسسي بالإصلاحين المالي، والإداري.

تحديات التنفيذ

تكتسب الخطوة أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة اليمنية في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الإصلاحات المؤسسية، وفق الرؤية الحكومية، أمراً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، أو تحسن الوضع الاقتصادي.

وتراهن الحكومة على أن تحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الرقابة والشفافية يمكن أن يساعد في التعامل مع جانب من التحديات الاقتصادية، والمالية، ويتيح للدولة استخدام مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.

وقال رئيس الوزراء إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الاختلالات إلى إصلاح جذورها، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية، وعلى أساس تقييم واقعي لأوضاع الوزارات، والمؤسسات.

تحديث منظومة التشريعات اليمنية سيتطلب انتظام عمل البرلمان (إعلام حكومي)

ولا تخفي الحكومة أن تنفيذ الخطة يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحديث عدد من القوانين، واللوائح، وهي إجراءات يتطلب بعضها موافقة مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه جلسات المجلس غير منتظمة.

لكن هذا التحدي لا يبدو عائقاً أمام بدء العملية، إذ يمكن للحكومة المضي في الجوانب التنفيذية التي تدخل ضمن صلاحياتها، وبالتوازي مع استكمال مشاريع القوانين والتشريعات اللازمة، وطرحها أمام السلطة التشريعية عند انعقاد جلساتها.

إعادة بناء الدولة

تنظر الحكومة اليمنية إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين قدرتها على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

وستعمل اللجنة الوزارية على الانتقال سريعاً من مرحلة التشخيص وإعداد التصورات إلى التنفيذ الفعلي، مع وضع مؤشرات لقياس النتائج، ورفع تقارير دورية بشأن مستوى الإنجاز، والتحديات، والمعالجات المطلوبة.

ومن شأن نجاح المرحلة الأولى أن يمنح الحكومة نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، وتوسيع الإصلاح تدريجياً إلى بقية مؤسسات الدولة.

وبذلك لا تقدم الحكومة اليمنية خطة الإصلاح باعتبارها مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، وإنما كجزء من الاستجابة للظروف الحالية، ومحاولة استعادة فاعلية مؤسسات الدولة من داخل الأزمة نفسها.

وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وأضعفت موارده، قد يمثل البدء بإصلاح الجهاز الحكومي، رغم صعوبة الظروف، خطوة باتجاه بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحويل الإصلاح من شعار مؤجل إلى مسار عملي يبدأ بما هو ممكن اليوم، ويتوسع تدريجياً في المستقبل.

وكانت آخر عملية للإصلاح المؤسسي نفذت في بداية الألفية الجديدة، ومن خلالها تمت إعادة توصيف الوظائف العامة، وإعادة هيكلة جزء منها، وترافقت مع إجراءات رفع الدعم الحكومي عن كثير من المواد الغذائية، والوقود.

وسبق للحكومات اليمنية المتعاقبة أن اتخذت إجراءات اقتصادية قاسية، منها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة، كما خفضت النفقات العامة، وأبرمت اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي التزمت من خلاله برفع الدعم عن قطاع الكهرباء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام.

كما تم دمج عدد من الوزارات، لكنها لم تستكمل إعادة الهيكلة، سواء للوزارات القائمة التي تعاني من تضخم هيكلي، أو الوزارات التي تم دمجها قبل أن تبدأ الحكومة الحالية هذه العملية.


الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وسّعت الجماعة الحوثية عمليات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس في محافظة عمران، شمال صنعاء، عبر إجراءات جديدة شملت توزيع استمارات ذات طابع عسكري على الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، في خطوة تعكس مساعيها لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، وفق مصادر تربوية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» و«هيئة التعبئة العامة» التابعتين للجماعة، وبالتنسيق مع مكتب التعليم الخاضع لسيطرتها في المحافظة، شرعتا منذ أيام في تسجيل الطلاب ضمن قوائم تحمل اسم «قوات التعبئة والاستنفار»؛ تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج تعبئة، قبل الدفع ببعضهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت المصادر أن مشرفين حوثيين كثَّفوا جولاتهم الميدانية إلى مدارس مدينة عمران، عاصمة المحافظة، وعدد من المديريات التابعة لها، حيث وزَّعوا استمارات على الطلاب لجمع بياناتهم وفتح قنوات مباشرة لاستقطابهم وإلحاقهم بأنشطة ودورات عسكرية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجماعة تحديات متزايدة في توفير القوى البشرية، بالتزامن مع استمرار الخسائر التي تلحق بعناصرها المشاركين في العمليات العسكرية؛ وهو ما يدفعها، حسب المصادر، إلى توسيع عمليات الاستقطاب لتشمل فئات عمرية أصغر.

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

وأثارت عملية إدخال الطلاب في مسارات التعبئة والاستقطاب مخاوف تربوية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة والتجنيد، وتعريض الأطفال والمراهقين لضغوط قد تدفعهم إلى الانخراط في أنشطة عسكرية أو مرتبطة بها.

ويرى تربويون أن إدخال إجراءات الاستقطاب والتجنيد إلى المدارس في عمران ومدن يمنية أخرى يمثل انتهاكاً لوظيفة المؤسسات التعليمية، ويعرّض الأطفال والقاصرين لخطر الاستغلال العسكري والفكري، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على مستقبلهم الدراسي والنفسي والاجتماعي.

وحذَّرت المصادر التربوية من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول المدارس بيئةً مفتوحة للتعبئة والاستقطاب، ويضع الطلاب تحت ضغوط تؤثر في مسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية، بدلاً من أن توفر لهم المؤسسات التعليمية بيئة آمنة للتعلم والنمو.

دعوة للحماية

في مواجهة هذه الممارسات، دعت نقابة المعلمين اليمنيين في عمران، العاملين في القطاع التربوي إلى التصدي لأي محاولات لاستغلال المدارس والمنابر التعليمية في نشر الأفكار الطائفية أو الترويج للتعبئة القتالية واستقطاب الطلاب.

وشددت النقابة، في بيان، على ضرورة الحفاظ على حيادية المؤسسات التعليمية وحماية حقوق الأطفال في الحصول على بيئة تعليمية آمنة، ومنع جرّهم إلى النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه وحماية مستقبل اليمن.

الحوثيون يلزمون المدارس في مناطق سيطرتهم ببرامج تعبوية والحشد للقتال (إكس)

وأكدت النقابة أهمية توفير بيئة تعليمية مستقلة وآمنة للطلاب، وتجنيب المؤسسات التعليمية في المحافظة مختلف أشكال التعبئة والاستقطاب العسكري، داعية المعلمين والتربويين في المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التمسك بالرسالة التعليمية القائمة على قيم التسامح والمواطنة.

كما دعت إلى حماية المدارس من التأثيرات التي تلحق الضرر بالعملية التعليمية، في ظل ما تصفه مصادر تربوية بتزايد محاولات الجماعة توظيف المؤسسات التعليمية في عمليات التعبئة الفكرية والعسكرية.

تجنيد واسع

كان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أشار في تقرير سابق إلى أن محافظة عمران تُعدّ من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلاً لحالات تجنيد الأطفال ومقتل المجندين منهم في صفوف الحوثيين.

ووفق التقرير، سُجلت نحو 2688 حالة تجنيد وقتل لأطفال في المحافظة خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) 2014 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021، مع الإشارة إلى استمرار الجماعة منذ ذلك الحين في تجنيد مزيد من الأطفال في مناطق نفوذها، واستخدام المدارس في عمليات التعبئة والاستقطاب.

الحوثيون مُستمرون في استقطاب الطلبة وتحويل المدارس مراكز للتدريب (إكس)

وفي السياق ذاته، وثَّقت «منظمة ميون لحقوق الإنسان» في وقت سابق استخدام وزارتي الدفاع والتعليم في حكومة الجماعة غير المعترف بها دولياً أكثر من 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكز لتجنيد الأطفال وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأكدت المنظمة أن الجماعة مستمرة في تجنيد الأطفال بصورة ممنهجة، وحرمانهم من حقهم في الحياة والتعليم، وتعريضهم لخطر الموت والإصابة، بما يهدّد مستقبلهم وينتهك، حسب المنظمة، القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.


لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟