دمشق تعلن بدء استخدام أسلحة روسية جديدة.. و«البنتاغون» يشير إلى «مركز عمليات جوية»

خبير عسكري لـ {الشرق الأوسط}: هدف موسكو تثبيت القوات المرابضة حول العاصمة والساحل

صورة عبر الأقمار الصناعية التقطتها شركة ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية والاستشارات في أوستن، تكساس، تظهر طائرة النقل الروسية AN-124 كوندور في قاعدة جوية في اللاذقية على الساحل السوري الذي تسيطر عليه الحكومة (رويترز)
صورة عبر الأقمار الصناعية التقطتها شركة ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية والاستشارات في أوستن، تكساس، تظهر طائرة النقل الروسية AN-124 كوندور في قاعدة جوية في اللاذقية على الساحل السوري الذي تسيطر عليه الحكومة (رويترز)
TT

دمشق تعلن بدء استخدام أسلحة روسية جديدة.. و«البنتاغون» يشير إلى «مركز عمليات جوية»

صورة عبر الأقمار الصناعية التقطتها شركة ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية والاستشارات في أوستن، تكساس، تظهر طائرة النقل الروسية AN-124 كوندور في قاعدة جوية في اللاذقية على الساحل السوري الذي تسيطر عليه الحكومة (رويترز)
صورة عبر الأقمار الصناعية التقطتها شركة ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية والاستشارات في أوستن، تكساس، تظهر طائرة النقل الروسية AN-124 كوندور في قاعدة جوية في اللاذقية على الساحل السوري الذي تسيطر عليه الحكومة (رويترز)

قال مصدر عسكري سوري، أمس، إن القوات الحكومية السورية بدأت في الآونة الأخيرة استخدام أنواع جديدة من الأسلحة الجوية والأرضية المقدمة من روسيا، ما يمثّل تأكيدًا للدعم الروسي المتنامي لدمشق الذي شكّل مصدر قلق للولايات المتحدة. وقال مسؤولون في موسكو: «على واشنطن إجراء محادثات بين عسكريين» تفاديًا لأي احتكاك ميداني بين الدولتين.
وأكد مصدر عسكري أميركي، إن الولايات المتحدة رصدت بضع طائرات هليكوبتر روسية في مطار سوري في أحدث علامة على ما تعتقد واشنطن أنه وجود عسكري روسي في البلد الذي تعصف به حرب أهلية.
وقال المسؤول لـ«رويترز»، إنه تم التعرف على أربع طائرات هليكوبتر روسية بعضها قتالية رغم أنه من غير الواضح متى وصلت إلى سوريا. هذا في الوقت الذي لم يوضح فيه المصدر السوري طبيعة الأسلحة التي تحدث عنها، وفي ما إذا كانت من ضمن المجموعة التي أعلنت وسائل إعلام روسية أخيرًا، أنها قدمت لقوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهي عبارة عن 6 طائرات حربية من نوع «ميغ – 31»، وصواريخ «كورنيت» من الجيل الخامس، ومدفعية من عيار 130 ملليمترًا.
ويتحدث ناشطون عن أسلحة جديدة أدخلها النظام إلى الميدان السوري، بينها كاسحة الألغام الروسية UR - 77 التي انتشرت فيديوهات تثبت استخدامها في معركة جوبر، قائلين إنها من الأسلحة الروسية النوعية التي دخلت الميدان السوري عام 2014.
في غضون ذلك، وصف المصدر العسكري السوري، أمس، الأسلحة، بأنها ذات فعالية ودقة عالية. وقال في تصريحات لوكالة «رويترز» إن الجيش بدأ استخدامها خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد أن تدرب على استخدامها في سوريا في الشهور الأخيرة.
وقال المصدر ردًا على سؤال بشأن الدعم العسكري الروسي لسوريا: «يتم تقديم أسلحة جديدة وأنواع جديدة من السلاح. يتلقى الجيش السوري تدريبًا على استخدام هذه الأسلحة. في الحقيقة بدأ الجيش باستخدام بعض هذه الأنواع». وتابع: «الأسلحة ذات فعالية كبيرة ودقيقة للغاية وتصيب الأهداف بدقة».
وفي ظل إحجام عن الإعلان عن طبيعة الأسلحة، يؤكد خبراء أن السلاح الروسي، لن يقتصر على صفقة الطائرات والصواريخ الأولى. وقال رئيس مركز «الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية» الدكتور هشام جابر، إن التقارير الأميركية تشير بوضوح إلى وصول عربات مدرعة، وصواريخ وذخائر ولوجستية تنقل عبر الطائرات، مشيرًا في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «القوات الحكومية وبعد 4 سنوات من الحرب، خسرت أكثر من 40 في المائة من قدراتها البرية، بينما خسرت أكثر من 20 في المائة من قدراتها الجوية، نتيجة خسارة مطارات، وهو ما تحاول موسكو تعويضه في الصفقات الجديدة».
وأشار إلى أن روسيا «ستزود القوات السورية بمروحيات هجومية من نوع (مي 28) المخصصة للهجمات الليلية، فضلاً عن صواريخ متطورة ومتقدمة تدخل منظومة الدفاع الجوي مثل sa22 لزيادة فعالية السلاح الجوي»، فضلاً عن صواريخ مضادة للدروع وصواريخ جوية ذات الإصابات الدقيقة. ورأى جابر أن الإعلان الروسي، يليه الإعلان السوري «يدخل في إطار الحرب النفسية وإرسال رسائل روسية بأن سوريا خط أحمر بالنسبة لها»، معتبرًا أن الإعلان عن الأسلحة «هو عرض عضلات يشير إلى أن موسكو لن تتخلى عن حصتها في سوريا ووجودها في طرطوس، في حال انهيار مفاجئ للنظام».
وقال جابر، وهو عميد متقاعد من الجيش اللبناني، إن هذه الترسانة «تعوّض عن التراجع بالكادر البشري المقاتل في صفوف القوات النظامية»، مشددًا على أن هدف موسكو هو «تثبيت القوات المرابضة حول العاصمة والساحل، كون دمشق مهددة نتيجة معارك تحيط بها، كما أن اللاذقية مهددة في حال أي خرق من جهة جسر الشغور».
وأوضح جابر أن القوات الحكومية «تعاني نقصًا في العديد نتيجة عدم الالتحاق بالخدمة، وخسارة النظام لنحو 60 ألف مقاتل في صفوفه»، يُضاف إلى أنها «فقدت التفوق بالأسلحة البرية أمام أسلحة المعارضة التي كشفتها معركة إدلب»، مشيرًا إلى أن «جبهة النصرة كانت تمتلك 250 صاروخ تاو، استخدمت منها 120 في معركة السيطرة على إدلب وجسر الشغور، مما أدى إلى إعطاب آليات القوات الحكومية، وهو ما دفع بروسيا إلى رفده أيضًا بأسلحة متطورة للقوات البرية». وإلى جانب الإمدادات العسكرية الروسية للجيش السوري تزيد موسكو من عدد قواتها البرية في سوريا التي سقط في حربها الأهلية على مدى أربع سنوات نحو 250 ألف قتيل.
وعلق مصدر سوري معارض بريف حلب لـ«الشرق الأوسط»، بقوله، إن القوات النظامية «لا تنقصها الأسلحة المتطورة، وتتفوق ترسانتها بأضعاف على ترسانة المعارضة، ومع ذلك لم تستطع أن تحقق تقدمًا في الميدان السوري». وقال إن الإعلان عن أسلحة جديدة «هو دعائي بالمقام الأول، لتطمين جمهوره بعد سلسلة انتكاسات تعرض لها».
من ناحيتها، قالت وزارة الدفاع الأميركية، إن إرسال روسيا معدات وأفراد، يشير إلى استعدادات لإقامة مركز عمليات جوية في سوريا، حيث يشن ائتلاف تقوده الولايات المتحدة ضربات جوية ضد تنظيم داعش.
وتضمنت تقييمات أميركية سابقة بأن روسيا أرسلت نحو 200 من مشاة البحرية ودبابات قتالية ومدفعية ومعدات أخرى إلى مطار قرب مدينة اللاذقية الساحلية وهي معقل للرئيس السوري بشار الأسد.
وكان الجنرال لويد أوستن قائد القيادة المركزية الأميركية في الحرب على «داعش»، قد قال أول من أمس، في جلسة أمام لجنة الشؤون العسكرية بمجلس الشيوخ، في إجابة حول التحركات الروسية في سوريا، قال الجنرال أوستن: «نشهد زيادة في بناء الإمكانات الروسية داخل سوريا ونحاول معرفة نياتهم، وهم يقولون إنهم يريدون مكافحة (داعش) لكننا لا نعرف على وجه الدقة نياتهم».
وأضاف قائد القيادة المركزية الأميركية: «نحن في مرحلة مبكرة لتفسير أسباب التحركات الروسية وهناك قنوات كثيرة للاتصال معهم وسنبقي يقظين لأننا نستخدم المجال الجوي السوري في ضربات جوية أميركية ضد (داعش) وسنحاول تجنب أي صدامات أو اشتباكات محتملة».
وشدد الجنرال أوستن على أن نظام الرئيس بشار الأسد لا يواجه أي تهديدات تهدد استمراره في حكم سوريا، وأضاف، أن النظام السوري لديه قدرة على البقاء بسبب الإمدادات العسكرية على الأرض والدعم الذي يحصل عليه من كل من روسيا وإيران.
وفي رد على سؤال، قال إن أربعة إلى خمسة مقاتلين سوريين فقط يقاتلون على أرض المعركة في سوريا من إجمالي 60 مقاتلاً سوريًا قامت واشنطن بتدريبهم. وأكد أوستن، أن البنتاغون يعمل على بحث خيارات وخطط لكيفية إعادة وضع برنامج لتدريب القوات السورية المعارضة لمحاربة «داعش»، وهو البرنامج الذي تم رصد 500 مليون دولار لتنفيذه، لكن المقاتلين السوريين الذين دربتهم واشنطن (عددهم يصل إلى 54 مقاتلاً سوريًا) تعرضوا للخطف والقتل على يد جبهة النصرة في يوليو (تموز) الماضي، وهو ما اعتبرته الدوائر السياسية فشلاً كبيرًا ونكسة في سياسية الإدارة الأميركية تجاه سوريا.
وفي إجابته عن أسئلة أعضاء اللجنة رفض الجنرال أوستن، فكرة إقامة منطقة حظر طيران في شمال سوريا أو منطقة آمنة لحماية اللاجئين السوريين، مشيرًا إلى أن ذلك سيتطلب وجود جنود أميركيين على الأرض.
وأثارت شهادة الجنرال أوستن غضب السيناتور جون ماكين رئيس اللجنة الذي وصف شهادة أوستن بإحراز تقدم أميركي في الحرب ضد «داعش» بأنها منفصلة عن الواقع، وكرر مرتين أنه خلال عمله ثلاثين عامًا لم يسمع شهادة مثل ذلك.
وقال ماكين: «لا يوجد توافق بين ما يقوله الجنرال أوستن من تقدم ضد (داعش) وما يقوله الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة الذي اعترف بعدم إحراز تقدم أميركي كبير ضد (داعش) ووصف وضع أميركا بأنه مأزق تكتيكي».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.