ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

الأسلحة تتدفق على «داعش».. والجيش الوطني ينتظر

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي
TT

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

سيارة وحيدة طويلة وسوداء تقل ثلاثة مسؤولين تقف هنا وسط أسراب الذباب، في مدينة إمساعد الليبية القريبة من الحدود المصرية. مدينة تجارية عتيقة لكنها، بعد أربع سنوات من ثورات «الربيع العربي» باتت خاوية على عروشها. حركة الوزراء والنواب الذين يمرّون بها في طريقهم إلى مصر أصبحت أكثر من حركة التجار. ينادي أحدهم، وهو نائب في البرلمان الليبي، على عامل المطعم. لم يعد أحدٌ يهتم. ولم يتبق من هيبة رجال الدولة المنقسمة على نفسها منذ مقتل معمر القذافي في 2011 إلا أسماء وصفات من دون رنين وبلا بريق.
عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، وهو من قبيلة التبو التي تقاتل في صفوف الجيش الوطني ضد الميليشيات المتطرفة، يقول في حوار لـ«الشرق الأوسط» إن «الأسلحة والمقاتلين يتدفقون على تنظيم داعش في عدة مدن ليبية، جهارا نهارًا» ويتهم صراحة تركيا ودولتين عربيتين بدعم التنظيم، عبر البحر والجو والبر. غير أن الدول الثلاث تنفي هذا النوع من التهم التي كان وجهها لها أيضا قائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر أثناء زيارته للأردن قبل أسبوع.

المشكلة اليوم في ليبيا لا يبدو أنها تتعلق فقط بمساعي تسوية ملفات الماضي بين الأطراف المتقاتلة، بل أخذت القضية بعدًا جديدًا حين اتضح وجود سباق محموم للوصول إلى شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. إنه موعد انتهاء المدة القانونية لعمل البرلمان، وفقا للإعلان الدستوري. فمن سيتسلم السلطة من بعده يا ترى؟ وهل ليبيا، وهي على هذا القدر من الانفلات والفوضى، قادرة على إجراء انتخابات جديدة؟
في الرد على أسئلة «الشرق الأوسط» لا يخفي بعض مستشاري الجيش، مثل الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، الشكوك في مساعي مبعوث الأمين العام لأمم المتحدة، برناردينو ليون، الذي يسعى منذ عام، لعقد مصالحة بين أطراف النزاع.
ليون أيضًا يبدو أنه يريد للأمور أن تبقى على ما هي عليه حتى يقترب موعد انتهاء عمل البرلمان، وهنا يمكن للضغوط على السلطات الشرعية أن تثمر، كما يرى بعض القادة الليبيين. إنه يريد تشكيل «حكومة وفاق وطني» يشارك فيها ما يعرف بـ«تيار الإسلام السياسي»، بيد أن هذه الخطوة من شأنها أن تطيح بقائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر. ولهذا يقول الدكتور عبد الكريم إن القوت المسلحة لن تترك البلاد مرة أخرى لحكم المتطرفين، مشيرًا إلى أن رؤساء الأركان وكبار الضباط يلتفّون حول القائد حفتر.
في هذه الساحة من مدينة إمساعد كانت تقف ألوف الشاحنات الآتية من مصر والمحمّلة بمختلف أنواع البضائع، من قوالب الرخام حتى قوارير المياه وعلب حليب الأطفال. ليبيا دولة مستوردة للسلع الغذائية والأدوات الكهربائية ومواد البناء. ومعروفٌ أنها دولة نفطية قادرة على دفع الفواتير. إلا أن الأوضاع تغيرت إلى الأسوأ. لقد اختفى كل شيء. الدولار كان يساوي في أيام معمّر القذافي الأخيرة 1.3 دينار ليبي، ثم ارتفع في العام الماضي إلى 2.3 دينار، واليوم وصل إلى نحو 3 دنانير. كل هذا الشحّ، إضافة للفوضى والخراب والقتلى والمصابين، يدفع الليبيين لطلب الخلاص بأي طريقة. لقد ارتفع سعر كيس الطحين من نحو 50 سنتا أيام القذافي إلى أكثر من 15 دولارًا الآن. والكهرباء تأتي فقط ساعة أو ساعتين في اليوم. رواتب الموظفين ومستحقات المواطنين الشهرية التي تصرف لهم على ما يعرف بـ«كتيبات العائلة» تتأخر لشهرين وثلاثة. أما على «الطرق السريعة» فتنتشر حواجز المتطرّفين ومن بينهم عناصر «داعش»، وفي كل يوم يحقق هؤلاء المتشدّدون مكاسب جديدة. ولا سيما أن «الهدف الوحيد لهؤلاء المتشددين – كما يقول إبراهيم عميش، النائب في البرلمان الليبي عن مدينة بنغازي – هو العمل على تقسيم ليبيا وتشجيع الغزو الأجنبي للبلاد».
ينظر عميش، الذي يرأس لجنة برلمانية معنية بالمصالحة بين الليبيين، إلى هذا الواقع المرير مجدّدًا، ويقول إن بلاده «مقبلة كما يبدو على (كابوس جديد)، إذ يخوض المتطرّفون منذ أكثر من سنة حربًا شرسة في بنغازي ضد السلطات الشرعية». وهو مثل كثيرين من القادة الليبيين، يخشى من مغبة التدخل الخارجي في رسم مستقبل ليبيا بالقوة العسكرية بحجة حالة الفوضى. لكن حالة التشرذم الداخلي والتمترس خلف البنادق ربما أصبحت أكبر من قدرة أي طرف على الحل حتى لو كان المبعوث ليون نفسه.
بعد الدوران من المنعطف الأول في مدينة إمساعد توجد ساحة تزيد مساحتها عن ثلاثة ملاعب كبيرة لكرة القدم أصبح يخيم عليها السكون. وفي الواجهة «مطعم المدينة» الذي يقدم الأكلات المسبكة واللحوم المقلية. حسب مدير المطعم، أجويدة «كنا نطبخ ونشوي للزبائن لحوم 13 إلى 15 خروفًا في اليوم. أما الآن فلا نبيع أكثر من ربع خروف ونضع الباقي في المبرّد انتظارا لليوم التالي».
هنا ينتظر ثلاثة من النواب ووزير في الحكومة ومستشاران في الجيش فناجين الشاي الأخضر المغلي، قبل أن يواصلوا الرحلة للعبور إلى مصر حيث أسس أول جيش ليبي عام 1939 لتحريرها من الاستعمار. ويقول عبد الكريم: «مصر تقف معنا، لكننا في حاجة إلى مزيد من الضغط على المجتمع الدولي لتحقيق ثلاثة أمور: الأول منع تدفق المقاتلين والأسلحة إلى الإرهابيين في ليبيا، والثاني رفع الحظر عن تسليح الجيش، والثالث المساعدة في بناء مؤسسات الدولة».
المظاهرات الصغيرة المتعارضة واللافتات التي تحمل شعارات متضاربة، ويرفعها البعض على واجهات المباني، تعكس حالة شديدة التعقيد لا تبشر بإمكانية التوصل إلى حلول سريعة لحسم الصراع. فهناك انتشار لـ«داعش» في مدن بنغازي ودرنة في الشرق، وسرت في الوسط، وصبراتة قرب حدود تونس في الغرب. أيضًا توجد جماعات متشددة أخرى مشابهة – وإن كانت تقاتله في بعض الأحيان – تتركز في العاصمة طرابلس وبعض المدن الأخرى، منها تنظيم «القاعدة» و«قوة فجر ليبيا» التي يديرها قادة متطرّفون من جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» التي أسسها شبان ليبيون
في ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان.
وبينما تزيد «قوة فجر ليبيا»، المحسوبة على مدينة مصراتة الساحلية، تحصّنها في طرابلس، يتحرك «داعش» للسيطرة على الهلال النفطي الممتد على ساحل البحر المتوسط من سرت إلى إجدابيا، لكن قادة الجيش يقولون: إنه يوجد تعاون بين العناصر المتطرّفة في البلاد، وكل فريق، سواءً كان «داعش» أو «القاعدة» أو «فجر ليبيا» يساعد الآخر لتحقيق الهدف نفسه.. ألا وهو ضرب الجيش والشرطة والسلطة الشرعية، أو على الأقل، تعطيلها انتظارا لاحتمال دخول البلاد في حالة فراغ في السلطة بانتهاء المدة القانونية لعمل البرلمان الشهر المقبل.
المنقذ الوحيد يبدو أنه يكمن، حتى الآن، في تشكيل «حكومة الوفاق الوطني» المنتظرة. وسيعقد ليون لقاء لهذا الغرض في جنيف قبل نهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، لكن المسألة على أرض الواقع لا تبدو بتلك البساطة. كيف سيفك الارتباط بين الميليشيات المتطرفة التي سيدخل ممثلون عنها في تركيبة «حكومة الوفاق»؟ وكيف ستحل مشكلة الجيش والتفافه حول حفتر الخصم اللدود للمتطرفين؟ وكيف ستعاد الوحدة لهيئة صياغة الدستور بعدما قاطعتها مكوّنات أساسية في المجتمع الليبي، هي الأمازيغ والطوارق والتبو؟ كما يتساءل لـ«الشرق الأوسط» عضو هيئة صياغة الدستور، خالد وهلي.
الذين لا يفضلون حلول ليون، لديهم بدائل أخرى مختلفة، منها الإسراع من خلال البرلمان في انتخاب رئيس للدولة، على أن يكون ذلك من داخل جسم البرلمان نفسه، وذلك قبل انتهاء مدته القانونية، حتى يمكن لهذا الرئيس أن يسد أي فراغ محتمل في السلطة. وهناك اقتراح آخر يراوح مكانه منذ نحو شهرين، ويقضي بتأسيس «مجلس عسكري» يكون لديه جاهزية ليتولى إدارة البلاد في حال حل البرلمان. وهنا يقول عيسى عبد المجيد: «نعم.. مسألة انتخاب رئيس للدولة من داخل البرلمان أمر وارد». بينما يشير عبد الكريم إلى أن موضوع تشكيل «المجلس العسكري» جرى التطرق إليه مع قادة من الجيش ومن البرلمان. بيد أن الأفكار التي ينثرها البعض حول مائدة الطعام وفناجين الشاي في إمساعد، قبل عبور الحدود للتشاور مع الجانب المصري وبعض الأطراف الدولية التي تزور القاهرة، تتعارض دائمًا مع مخاوف من وجود مخطط دولي للتدخل العسكري في ليبيا وتقسيمها إلى دويلات.
لماذا لا تتدخل سفن حلف شمال الأطلسي وحاملات الطائرات الأميركية في البحر المتوسط لمنع تدفق الأسلحة والمقاتلين على «داعش» وعلى التنظيمات المتطرفة الأخرى في ليبيا؟
هكذا يتساءل مستشار الجيش عبد الكريم، موضحًا أن الجيش رصد في الشهور الأخيرة تحرك الكثير من السفن الآتية من تركيا إلى ميناء مصراتة، وفي ميناء مصراتة يجري تفريغ حمولتها وتوزَّع على مراكب صغيرة يسميها الليبيون «جرافات» ومن ثم تُنقَل إلى موانئ يسيطر عليها المتطرّفون والدواعش في سرت وبنغازي ودرنة. الجيش يقصف هذه «الجرافات» بين وقت وآخر، ونجح بالفعل في إغراق بعضها بمن عليها من مقاتلين وما عليها من أسلحة في البحر، لكن الوضع العسكري ما زال صعبا ولا يمكن الحديث عن حسم كل شيء قبل نهاية العام. وحتى إذا لم ينته الحظر الدولي على تسليحه، فالجيش، وفق عبد الكريم «لن يستسلم وسيواصل حربه على المتطرفين، بمساعدة الدول الشقيقة والصديقة، مثل مصر التي تعد من أكثر الدول تضررا من وجود المتطرفين في هذا البلد المجاور لحدودها من ناحية الغرب».
وفي الوقت نفسه، يضيف عبد الكريم «ما زالت هناك طائرات تركية تهبط في مطار مصراتة الذي لا تسيطر عليه السلطات الشرعية في البلاد، وتديره الميليشيات المتطرفة»، واتهم الدولتين العربيتين الأخريين بمساعدة المتطرفين عبر مطار معيتيقة القريب من طرابلس ومطار الكفرة القريب من الحدود مع مصر، لكن مساعداتها عن طريق الجو تراجعت بعد ضبط طائرة كانت محملة بالأسلحة ومتجهة للمتشددين في ليبيا. مع هذا، ويقول عبد الكريم إن آخر رصد لهبوط طائرات في ليبيا من هذه الدولة كان منذ نحو ثلاثة أشهر.
على أي حال، حفتر نفسه عاد من جديد، قبل أيام، واتهم تركيا والبلدين العربيين المذكورين آنفًا بدعم الإرهاب في ليبيا، قائلا إن الجماعات المسلحة المتشددة تتلقى الدعم من هذه البلدان. ويسعى حفتر راهنًا لدى دول شقيقة وصديقة لفك الحظر الدولي المفروض على تسليح الجيش. وبالفعل زار أخيرًا الأردن (العضو العربي غير الدائم في مجلس الأمن) وباكستان التي لها علاقات حسنة مع الصين، خاصة أن هذه الأخيرة عضو دائم في مجلس الأمن. ويشدد حفتر على أن الجيش الليبي «يحارب الإرهاب نيابة عن العالم».
اتهام الدول الثلاث المشار إليها لا يقتصر على العسكريين، مثل حفتر ومستشاريه، أو نواب بالبرلمان ومستشاريه، بل هو أمر شائع حتى في أوساط الناشطين، وبالأخص، الذين يعملون بالقرب من مناطق تهريب الأسلحة والمقاتلين. ويقول يوسف غالي، الناشط في الجنوب الليبي، إن هذا النوع من التهريب مستمر خاصة بين حدود ليبيا وحدود مالي عبر النيجر، وبين حدود ليبيا مع السودان. لكنه يضيف «مع ذلك، فإن قوة المتشددين في الجنوب تتراجع باستمرار، على عكس تنامي داعش في الشمال الأوسط.. إنهم هنا (في الجنوب) في ضعف دائم.. وأعتقد أنهم في تراجع مستمر بسبب عجزهم عن شن أي هجمات منذ فترة طويلة. وهم الآن في موقع الدفاع لأنهم يحاولون الدفاع عن مواقعهم من خلال حفر خنادق وعمل سواتر ترابية خاصة في منطقة أوباري».
في هذه الأثناء، المتغيرات التي طرأت على مدينة إمساعد الحدودية، رغم بعدها عن واجهة الأحداث الكبيرة، تعطي مؤشرات على ما تسير إليه الأوضاع. إذ كانت المدينة أثناء حكم الإخوان في مصر مركزًا لتهريب البشر والأسلحة على جانبي الحدود. لكن بوصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم في مصر، تغيرت الأمور وشددت مصر إجراءاتها على الحدود، وشنت غارات حربية على قواعد «داعش» قرب درنة، وهي مستمرة بمراقبة الوضع عن كثب. ويؤكد اللواء علاء أبو زيد، محافظ مطروح، أقرب محافظة مصرية للحدود الليبية، أن أعمال التهريب مع ليبيا تراجعت إلى حد كبير.
استعادة الدولة المصرية حضورها عقب إزاحة الإخوان عن الحكم، لم يؤثر فقط على حدودها مع ليبيا، بل على حدود ليبيا عمومًا. فلدى مصر اتفاقات تعاون مع الجيش الليبي، وعلاقتها مع السلطات الشرعية في ليبيا قوية. ويحرص الكثير من القادة الليبيين على توجيه التحية لمواقفها خاصة مواقف السيسي. كذلك ظهرت ملامح تشديد الرقابة على حدود ليبيا مع السودان، من خلال الخلافات بين مهربي الأسلحة والذخائر والآليات والبشر. ولبعض القبائل امتداد داخل ليبيا والسودان. تتركز هذه القبائل في بلدة الكفرة، وشهدت عمليات اقتتال بين أهم قبيلتين هناك، وهما الزويّة التي لها عناصر موالية للمتشدّدين، والتبو المنحازة للجيش الوطني، وذلك خلال الأسابيع الماضية، سقط على إثرها، كما يقول غالي، العشرات بين قتلى وجرحى من الطرفين.
ويذكر شهود عيان أن طائرات يقال: إنها من دون طيار تتحرك في السماء في جنوب ليبيا. وسجّل قبل نحو ثلاثة أشهر قصف أميركي لاجتماع كان يشارك فيه، في جنوب بلدة إجدابيا الليبية، القيادي الجزائري في تنظيم القاعدة، مختار بلمختار، ضمن سلسلة أميركية لاستهداف قادة المتشددين، إذ سبقها اختطاف رجلين آخرين على الأقل من كل من طرابلس وبنغازي. وعما إذا كان يرى أي احتمال لضربات دولية لمواقع المتطرفين خاصة «داعش»، كما حدث مع بلمختار، يقول غالي: لا أعتقد ذلك، أو بالأصح لا أدري، مشيرا في الوقت نفسه إلى استمرار تحليق «طائرات مجهولة الهوية في الأجواء بين الحين والآخر».
قادة عسكريون يرون أن الجيش يستطيع سحق المتطرفين و«داعش» ومنع الهجرة غير الشرعية عبر البلاد إذا ما توافر له السلاح «لكن النوايا الغربية بالذات تجاه الجيش لا تبدو طيبة»، أو هكذا يراها مستشارون مقربون من حفتر، مثل المستشار عبد الكريم. وفي محاولة لخلق زخم شعبي حول القوات المسلحة، سيعلن في غضون الأيام المقبلة عن «جبهة النضال الوطني»، من مجموعات من الناشطين الليبيين والمواطنين، لدعم الجيش. وهذه الجبهة ستسعى أيضا لـ«المصالحة الوطنية الليبية» ودعم قوات الجيش في الحرب على الإرهاب، بعيدا عن أي تدخل خارجي.
من ناحية أخرى، غضب حفتر من «كيل بعض الدول الغربية بمكيالين» ظهر بوضوح خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها فريق من لجنة العقوبات الدولية إلى ميناء طبرق، لتوقيف باخرة تحمل علم ليبيريا كانت تحمل 52 مدرعة عسكرية كمساعدات للجيش آتية من إحدى الدول العربية. إذ رفض كل من حفتر ورئيس الأركان، عبد الرزاق الناضوري، مقابلة الفريق الأممي كنوع من التعبير عن الاستياء من التضييق على الجيش. واكتفى حفتر بإيفاد العميد عبد السلام الحاسي رئيس غرفة العلميات، للتحاور مع مندوبي لجنة العقوبات. ويقول مسؤول عسكري حضر اللقاء بين أعضاء الفريق الأممي والحاسي إن هذه الواقعة جرت قبل نحو عشرة أيام وإنه كان لدى لجنة العقوبات معلومات عن وصول شحنة المساعدات.. «المعلومات كانت صحيحة.. وصلت الشحنة للميناء بالفعل لكنها لم تكن قد أنزلت حمولتها بعد». والحمولة عبارة عن 52 مدرعة عسكرية. وبعدها حطت طائرة فريق لجنة العقوبات في طبرق. كانوا ثمانية معظمهم أوروبيون. فسألهم الحاسي أسئلة عن وجهتهم ولماذا. ومن ثم انتقدهم، وأخبرهم قائلا: هل أنتم لا ترون حقيقة ما يجري من أوضاع في ليبيا؟ ما هي قصتكم؟
يوضح المصدر أن الحاسي كان يقول ذلك بطريقته حتى أنك إذا رأيته من بعيد تعتقد أنه يلقي لهم بكلمات الترحيب لا الانتقادات الحادة. ويضيف أن الحاسي قال لأعضاء الفريق أيضًا «الجماعات الإرهابية تأتيها كل أنواع الأسلحة، من البحر والجو والبر، وتحط في مصراتة وغيرها، ولم يحتج أحد ولم يتدخل للتحدث مع داعمي الميليشيات المتطرفة». ووفقا للمصدر نفسه تابع الحاسي حديثه للفريق الأممي قال لهم «هل لا ترون ما يجري؟ هل لا تبصرون؟.. لماذا لم تروا إلا الـ52 سيارة مدرعة؟ هذه سيارات خاصة لقوات الشرطة لحماية الليبيين من القتل. فلماذا بدأتم تتحركون الآن؟».
لكن أعضاء الفريق لم يتوقفوا كثيرا عند انتقادات الحاسي، وبدأ أحد هؤلاء الأعضاء السؤال عن أوراق شحنة السيارات المدرعة، ومَن صرّح بدخولها إلى ميناء طبرق، ومن أين أتت. وأجاب الحاسي إجابات على أسئلة أخرى كانت تشغل الجيش، قائلا إن السلطات الشرعية الليبية سبق وتقدمت للجنة العقوبات الدولية بالكثير من القوائم التي تشمل المعدات والأسلحة المطلوبة لسد حاجات القوات المسلحة من أجل محاربة الإرهاب، وحتى الآن لم تبتوا فيها. وقال للفريق الأممي أيضا إن «الطلبيات التي يحتاجها الجيش موضوعة في ملف كامل جرى تسليمه للأمم المتحدة عدة مرات في الشهور الأخيرة، لكنكم لم تردوا عليه. ولم تبتوا فيه. لماذا لم تبتوا فيه؟ ما الهدف؟».
ويضيف المصدر أنه كانت هناك محاولات من الحاسي ومن قادة آخرين في الجيش لإقناع الفريق الأممي بالسماح بإنزال السيارات التي كانت على وشك النزول بالفعل على رصيف الميناء. وقال أحد القادة لوفد لجنة العقوبات إن المدرعات تابعة لقوات الشرطة، وإن الجيش كان يسعى لتسلمها لأنه هو المشرف على مثل هذه الأعمال باعتباره في حالة حرب. بيد أن أعضاء اللجنة الثمانية توجّهوا إلى الميناء وصعدوا على ظهر الباخرة، وأخبروا قائدها بطبيعة مهمتهم، وأمروه بألا يفرغ حمولة الباخرة، والعودة بها من حيث أتت.
استغرقت مهمة الفريق الأممي عدة ساعات، وبعد تأكدهم من مغادرة الباخرة بما عليها، رفضوا المبيت في طبرق. ربما لشعورهم بأنهم غير مرحب بهم هنا. ومن جانبها تقول مصادر بالأمم المتحدة على علاقة بالملف الليبي إنه في حال التوصل إلى «حكومة وفاق وطني»، فإنه سينظَر في رفع العقوبات الدولية عن ليبيا بما فيها حظر تسليح الجيش، والعمل على بسط الاستقرار ومساعدة الليبيين في بناء دولتهم. وتنفي هذه المصادر وجود محاباة للجماعات المتشدّدة التي تهيمن على طرابلس، قائلة إن «بنود التوافق الوطني واضحة، والهدف منها ليس التدخل الخارجي في شؤون ليبيا، ولا الانحياز لطرف على حساب الآخر، ولكن الهدف هو جمع الأطراف المتصارعة على مشتركات من أجل الخروج من النفق المظلم قبل فوات الأوان». ليون، من جهته، قام بزيارة خاصة إلى القاهرة أخيرًا، التقى خلالها بعدد من أعضاء البرلمان الليبي وذلك لإزالة المخاوف التي تتعلق بمستقبل البرلمان والجيش وتشكيلة الحكومة المقبلة. ووفقا لمصادر ليبية شاركت في هذه اللقاءات، فإن ما جرى التوصل إليه مطمئن ومبشر لكن العقبات تكمن دائما في التفاصيل، كطريقة اختيار وزير للدفاع في الحكومة الجديدة ومستقبل حفتر، وصلاحيات مجلس الدولة الذي سيتكون من النواب السابقين في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته، وشروط التمديد لعمل البرلمان الحالي بعد أكتوبر. وإلى أن ينعقد الاجتماع المقبل بين الليبيين في جنيف، تظل خيارات المستقبل مفتوحة على كل الاحتمالات.



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.