هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

المتصالح مع طهران.. وزير الدعاية الذي يكرّر سقوطه

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟
TT

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

كان يتحدّث عما سماها خطة الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور لعزل مصر عن العالم العربي وتغيير ملامح الحياة فيها، في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ومعها اتجهت مصر إلى الاتحاد السوفياتي في عز الاشتغال بوأد المعسكر الغربي للشيوعية.
وعاد بذات النبرة والبنية الهيكلية لخطاب الكلمات مسترسلا، يحاول الثورة على صورة التحليلات الواقعية بعلاج هو الداء. كيف لا، وهو المكروه اليوم كما الأمس من كل التيارات والأحزاب السياسية، عدا مرحلة صانع بريقه في المرحلة الناصرية، ليكون في دفتر مخضرمي الصحافة العربية.

في كل مرحلة يمتدح محمد حسنين هيكل قائدها، وبعدها لا يلبث أن ينقلب على من رسم الإطراء لهم. فبعد عبد الناصر، صاغ مقالاته في صحيفته «الأهرام» التي رأس تحريرها قرابة العقدين مدادًا من ذهب لحقبة الرئيس أنور السادات، قائلاً عنه: «سيظل السادات قائدًا تاريخيًا لشعبه، وهي قيادة يتضاءل أمامها كرسي الرئاسة إلى جوار مقعد القائد والزعيم الذي يمثله السادات نفسه». لكنه عاد منقلبًا عليه رغم انتصارات «حرب أكتوبر»، وبعدها انقلب على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك رغم أن مبارك كان مَن كسر قيودًا أمنية كانت تحيط بمعصميه بعد أن شمله الإيقاف بعد اغتيال السادات.
ومع مرحلة الثورة المصرية في يناير (كانون الثاني) 2011 كان متحمّسا لأفكار الثورة الشبابية، وانتقد «المجلس العسكري» الذي قاد الجمهورية إلى مسار تأمين الانتقال نحو المرحلة الديمقراطية. وقبل وصول «الإخوان المسلمين» إلى الحكم كان من أشد الناقمين عليهم واصفًا وصولهم إلى السلطة بأنه «كارثة»، لكن بعد سقوط «الإخوان» بأيام عقد هيكل اجتماعًا مع قيادات من حزب الحرية والعدالة الإخواني لبحث سبل إعادة الجماعة إلى الواجهة، وذلك في سبتمبر (أيلول) من عام 2013، رغم اتهامه للجماعة من قبل بإحراق مكتبته ومنزله.
وبعد إنقاذ الجيش لمصر نتيجة فشل محمد مرسي وجماعته في السلطة، قال إنه يرفض ترشح الفريق عبد الفتاح السيسي (وزير الدفاع آنذاك) في أعقاب سقوط نظام مرسي. وأضاف هيكل: «أعرف أن الرجل يواجه مأزقًا شديدًا، وفي آخر لقاء لي معه رأيت أمامي رجلاً حائرًا ولديه أسباب حقيقية للحيرة، فهو يواجه مأزقًا حقيقيًا»، كون الجيش المصري سيفقد بريقه، لكن وكالعادة، عاد وكأن الكلمات لا تحفظ في أرشيف الصحافة الذي يعشق هيكل تقليب صفحاته، ليقول إن الرئيس السيسي «أنقذ مصر» من محاولات صياغة خريطة جديدة للمنطقة.
الواقع أن تصريحات هيكل تحاط دومًا بكم هائل من الجدل واللغط لما تتضمنه عادة من مغالطات تاريخية وتحليلات يعتبرها أهل الشأن بعيدة عن أبجديات التحليل الرصين، وهذا ما وضعه في مرمى كثيرين انتقدوا طروحاته، لا سيما تلك التي توهم القارئ والمتابع له بأنه كان في مطابخ الظل وراء العديد من القرارات حول الشرق الأوسط.
ومن أحدث تحليلاته المثيرة للجدل واللغط ما ورد في حوار صحافي أجرته معه صحيفة «السفير» اللبنانية يوم 21 من شهر يوليو (تموز) الماضي، وخلاله عاود هيكل الظهور على خلفيات أحداث كبرى في المنطقة، كان أبرزها «عاصفة الحزم» التي أغضبت إيران لأنها قوضت مخطط طهران الإقليمي المنطوي على دعم ميليشيا الحوثي وترسيخ هيمنتها على اليمن.
هيكل قال في حواره الشهير، الذي وقف فيه صراحةً في صف إيران - وهو المعتاد خلال حواراته الأخيرة على القول إن إيران صاحبة النصر الأكبر بعد الاتفاق النووي مع قوى المجتمع الدولي - إن «السعودية ودول الخليج أضعف من أن تشاغب على الاتفاق». ثم اعتبر أن السعودية، التي دعمت مصر بعد ثورتيها في يناير 2011 و30 يونيو (حزيران) 2013 «دولة غير قابلة للبقاء»!
من ناحية أخرى، دافع هيكل خلال الحوار مع «السفير» عن نظام بشار الأسد رغم الأعداد الهائلة من الضحايا والنازحين والمشردين، بفعل الفظائع التي يقترفها نظام الأسد بحق الشعب السوري. كذلك دافع عن حزب الله ذراع إيران في المنطقة، معتبرًا أن قتاله ضد السوريين داخل الأراضي السورية قتال «الدفاع عن نفسه، وليس في معركة إثبات نفوذ»، وذلك رغم ما تكشفه دول الخليج من أن الحزب في قفص الاتهام بسبب سعيه إلى ضرب استقرار الخليج من بابي البحرين والكويت.
ولم ينسَ هيكل خلال الحوار المذكور مع «السفير» - التي سوّقت لقب «الأستاذ» على هيكل، وجعلت منطلق أسئلتها من باب إيران ومن ثم قياس ذلك على الداخل اليمني وعلاقة الخليج باليمن - القول إنه يرى من مصلحة مصر التقارب مع إيران، وهي (أي مصر) التي طوت تلك الصفحة التي أحدثها حكم محمد مرسي في عامه الوحيد.

* «الحالم بالسياسة من باب الصحافة»
محمد حسنين هيكل، العجوز ذو التسعين عامًا، يوصف بـ«الحالم بالسياسة من باب الصحافة». كان مستشارًا إعلاميًا لعدد محدود من الزعماء السياسيين المصريين، ورغم أنه تدرج بقوة وبزغ نجمه كمحلل لخريطة الشرق الأوسط، يظل خروجه بعد المرحلة الناصرية كارثيًا، فكثير من التحليلات تسقط خارج دفة الحدث، وقراءاته تساق إلى هوامش غير مرتبة. لا حقيقة تقع ولا تحليل يصيب، وربما في وصف الكاتب محمد علي إبراهيم، عن حسنين هيكل أنه «كان مؤسسة ذاتية نجح في ترسيخها وتسويقها في عقول الأجيال المتلاحقة. وكانت النتيجة أنه أساء للتاريخ والباحثين».
يُعد هيكل مدافعًا متحمسًا عن إيران وأعوانها في المحيط العربي، مع أن أول كتبه كان عن إيران، وحمل عنوان «إيران فوق بركان» الصادر عام 1951، واليوم وفق رؤيته يرى أن الخليجيين لديهم مخاوف وصفها بـ«غير المبرّرة» من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من دون أن يتطرق حتى في صولاته التلفزيونية الأخيرة إلى شيء من النقد حول إيران.
وفي أواخر عام 2013، لم يرَ هيكل أن حزب الله حقًا تنظيم إرهابي، وفي تبريره ما ذهب إليه استشهد بالأمم المتحدة - التي ينتقدها غالبًا - فقال إنها لم تستطع أن تجعل الحزب في قائمة التنظيمات الراعية للإرهاب. ومن ثم، انغمس في تمرير فكرة «المقاومة» والمواجهة ضد إسرائيل، مطالبًا بأن يكون حزب الله وزعيمه حسن نصر الله ضمن الحسابات. فهو يراه فاعلاً ولاعبًا رئيسيًا في المنطقة، بينما لا يرى قص أجنحة إيران في سوريا ولبنان والعراق، وهذا ما يجده محللون تفسيرًا لمعارضته «عاصفة الحزم» التي أعادته إلى الواجهة الإعلامية بعدما اتخذ قرارًا بالركون للراحة، فعاد حاملاً لواء المعارضة ضد العاصفة، في ظل مشاركة القوات المصرية ضمن قوات التحالف، حفاظًا على الأمن القومي العربي.
أما موقفه الوحيد الثابت الذي لم يتغيّر عنه منذ الستينات، رغم تكالب الظروف وتغير هوى الأحداث، فهو موقفه السلبي من الخليجيين؛ إذ لم يقف هيكل ولو بالكلمة الحق مع الخليجيين الذين أسهموا في إنقاذ مصر ودعموها في مراحل حاسمة وتحدّيات جمّة وأخطار متلاحقة تطاردها، بل هو يعتبر الخليج فرصة له أن يعوم بين خيراته، واللعنات أكثر من شكره.
ثمة محللون وكتّاب عرب مقتنعون بأنه مصاب بـ«عقدة الخليج والسعودية»، إذ لا تتغير صيغة خطاباته تجاه قادة الخليج، بل بدأت تأخذ الطابع الثوري على السعودية مع صعود الثورة الخمينية في إيران، وهو ما يجد التفسير من تقارب تيارات الود مع طهران وكذلك جماعة الإخوان المسلمين مع هيكل.
ولقد ألف المؤرخ العراقي سيار الجميّل، عام 1999، كتابًا عنونه بـ«تفكيك هيكل»، آخذًا البعد النقدي في ما يعتمد عليه هيكل في وثائقه ومستنداته وبعض مقالاته وتصريحاته، وقبلها ارتباطاتها الشخصية والفكرية. وجعله تحت مجهر نقدي واستعراض شامل وردود تاريخية خاصة في علاقة المملكة الأردنية متخذًا - أي الجميّل - وضع الطبيب المشخّص لكل السموم التي يحاول تسويقها عن دور الأردن ملكًا وشعبًا في القضايا العربية، ومثلها دور المغرب والعراق إزاء القضايا العربية، وهي للعلم أدوار لا تروق للصحافي السياسي هيكل.
ويبرز الجميّل كأحد الناقدين بل وأشدهم شراسة في مواجهة هيكل، رغم تكرار قول الأول إنه لا يبحث عن مجد سوى أنه - والحديث ما زال عن سيار الجميّل: «مؤمن بأن هيكل يلعب دورًا خطيرًا عندما يتلقف الناس كتبه أو يجلسون للاستماع إلى حكاياه.. من دون أن ينبههم أحد إلى طبيعة ما يكتبه أو ما يقول».
الدكتور الجميّل الذي قال عن هيكل إنه «بارع في اللف والدوران.. يستطيع أن يجعل من اللون الأبيض أسود ومن الأسود أبيض.. لكنه يفر من الميدان حين يرى أن هناك من سيجادله أو يعلمه أسلوب الكشف عن الحقيقة»، فتح النار مجدّدًا على الصحافي والكاتب المصري الذي يراه البعض قامة تاريخية عالية عبر كتاب «بقايا هيكل»، مستعرضًا في فصول عدة نشرت بعضها صحف مصرية ومنها صحيفتا «الوفد» و«روز اليوسف» ما يعطي الانطباع بالرأي بأن هيكل يجد المعارضة حتى من طيف واسع من المصريين، رغم هرميته التي شكّلها بين الباحثين والطلبة في مصر.
يقول المؤرخ الجميّل إن اتهاماته للعديد من الزعماء بعد رحيلهم مباشرة تلفيقية وخطيرة من القصص والأكاذيب عنهم ولا أساس لها من الصحة، بعد أن يكون قد مدحهم وهم أحياء، ومنهم: أنور السادات والملك حسين والملك سعود والملك فيصل والملك الحسن الثاني والملك إدريس وشاه إيران وغيرهم.
من جهة ثانية، يعتبر المفكر والكاتب السعودي علي العميم أن الجميّل لم يوفق في عرض المادة الكبيرة عن هيكل، لكنه رغم ذلك يعد ما أنجزه بداية جادة وجدية لدراسة شاملة وموسعة ودقيقة لهيكل. وأردف العميم الذي صفّ ذلك الرأي في كتابه «شيء من النقد.. شيء من التاريخ» أن أقوى السجالات وأمتنها التي تعرضت لمنهجية التفكير لدى محمد حسنين هيكل هو كتاب فؤاد زكريا «كم عمر خريف الغضب.. هيكل وأزمة العقل العربي»، الذي ألفه بعد كتاب هيكل «خريف الغضب». ولقد قدّم زكريا من خلاله طروحات نقدية كاشفًا عن أقنعة عربية كان يحرص هيكل عليها.
أما الكاتب التونسي سيد الحمادي، الذي ظل دهرًا في خصام مع هيكل قبل أن يركن إلى الصمت بعد طول انتظار منه لهيكل للرد على كتابات دقيقة سبقه بها سيّار الجميّل، فيرى خلال حديث مع «الشرق الأوسط» أن «هيكل يبتعد عن مرافئ الحقيقة رغم وضوحها»، معتبرًا أنه وإن كان لهيكل من بعض توثيق صحيح خاصة في حقبة العهد الناصري فإن كشف الرئيس محمد نجيب (أول رئيس لجمهورية مصر العربية) حول تنميقه للأكاذيب يعد نقطة تستحق مراجعة لأجيال اليوم تبحث عن الحقيقة وليس الكلام بالصوت والتعبير عنها بمواقف شخصية، على حد وصفه. وأضاف أن علاقة هيكل بدول الخليج دومًا ما تكون بعيدة عن فهم الذهنية العربية لطبيعة العلاقات بين الخليجيين ومواقف الدول التي تظل، في رأي الكاتب التونسي، ثابتة، عادًا إياه «مجرد شخص يحاول قراءة التاريخ ويسعى إلى إسقاطه على سراب الوحدة الذي كان هيكل يمتصّ منه طوال عقود». ويخلص الحمادي إلى القول: «إن ما سيكسر طوق هيكل اليوم هو هيكل نفسه مهما تعدّدت النصوص ردًا عليه؛ نظير الوجودية التي ينغمس فيها دون مراعاة للأطراف الأخرى أو مناقشتها في وثائق ليست ذات صدقية، خاصة ما عرضه منها في برنامجه الذي يراه (فخًا) وبثته قناة الجزيرة».

* استنطاق الموتى
يقول هيكل في التباسات تتكرر: «إن الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، قد جرى التنازل عنها لإيران مقابل استقلال البحرين وإمساك الأقلية السنية بالحكم فيها»، زاعمًا مشاركته في مفاوضات خلال عهد جمال عبد الناصر. وكان حينها رد وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد آل خليفة ببضعة أحرف عبر الطائر الأزرق «تويتر»: «حسنين هيكل لا يستنطق إلا الموتى وأصحاب الآخرة.. إن كانت لديه وثيقة واحدة تثبت مزاعمه عن البحرين وجزر الإمارات فليبرزها.. وإلا فليصمت».
ومن السعودية، كان السفير السعودي في القاهرة ومندوب المملكة الدائم بالجامعة العربية، أحمد قطان، في منحى تفكيك هيكل بصيغة رسمية قوية، إذ قال بعد تزايد هجوم هيكل على السعودية إن «علاقة المملكة ومصر ستبقى قوية رغم أنف هيكل، فالرجل لا علاقة له بالحقائق ويقول كلامًا مغلوطًا»، في معرض إجابة عن تساؤل أثناء لقاء السفير بصحافيين أوائل شهر أغسطس (آب) الحالي.
والحقيقة أن هجوم هيكل على السعودية ليس وليد الأمس ليتكرر اليوم، بل كان منهجه منذ بواكير طلعته، إبان رئاسته لتحرير «الأهرام»، ذا توجهات تتحدى القيادة السعودية في عهد الراحل الملك سعود. وفي ما بعد تجاهل دور الملك فيصل رحمه الله بعد «نصر أكتوبر»، وكذلك دور المملكة الحاسم في تحرير الكويت، معتبرًا آنذاك أن السعودية تقود «حربًا صليبية»، لكن الصحافة المصرية فسرت خلفيات هجومه بالقول إنه «يزعجه أن تظل السعودية آمنة ومستقرة وصانعة تنمية».
هيكل عاش أزمنة الحضور الأولى التي اشتعل بريقه خلالها في ظل عبد الناصر. وكان ذراعًا إعلامية في زمن «الانتكاسة» وفشل الوحدة العربية. يشابه زمن النصر الصوتي، وبالصوت يحضر حاليًا، بأراجيف الحكواتية، فلا يزال يحاول النيل من كل وحدة عربية أو وقفات جادة لإعادة بلورتها ما لم تكن ناصرية المكان والهوى، رغم خسارتها فكرًا ومشروعًا آنذاك. وهذا بينما تسعى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، اليوم إلى لمّ الصف العربي، لمواجهة التحديات والاضطرابات، وعلى وجه الخصوص الشرق الأوسط.
من جهة أخرى، علّق السياسي المصري مصطفى الزهار، لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن ما يعاب على محمد حسنين هيكل ومسانديه أخذ تصريحاته التي تجانب بعضها الحقيقة وكأنها رأي رسمي، مشددًا على أن هيكل يحمل الكثير من المغالطات التي لا تدعم وجود بلاده وتحدياته منذ الماضي وحتى اليوم، وأن «هيكل غير جيد للحديث عن التاريخ المصري وليس العربي فقط».

* قضية التسميم المزعوم لعبد الناصر
واستشهد الزهار باتهام هيكل للرئيس السادات والتلميح إلى أنه «سمّم الرئيس جمال عبد الناصر» وفق حديثه في قناة «الجزيرة». وقال عن ذلك الاتهام إنه وبعدما رفعت عائلة السادات دعوى على هيكل تراجع عن اتهامه، واعتبر أن ما قاله أحاديث يتحدث بها المجتمع المصري، لكن الحقيقة وفق حديث الزهار أن هيكل جعلها مثار حديث رغم عدم وجود أي أدلة. ومن ثم شرح الزهار الكثير من الإشكاليات التي ترافق مقالات وحوارات هيكل، أبرزها «غياب الموضوعية في تناول الشؤون التاريخية، ومحاولته إثبات أنه يمتلك وثائق في مسيرته تغيب عن وثائق الدولة، إضافة إلى إيقاع خلافات سياسية بين الدول، وهذا أمر يحتاج إلى الدراسة والبحث لا مجرد نقل، أساء إلى كثير من الدول العربية».
وعن سر اتهاماته لدول الخليج وكيل الاتهامات لها، قال الزهار إن «مشروع هيكل لم يتخل عنه منذ ثورة الخميني في إيران ودعمه للمشروع الفارسي، الذي يحاول إلغاء المحيط بها وتعزيز العلاقة مع مصر، وكذلك تركيا»، نظرا لأسبقية هيكل في العمل مستشارا لقيادات الثورة في إيران، وهو ما عده سعيا إيرانيا لتوظيف عدد من الإعلاميين والسياسيين المصريين.
وكانت لهيكل مشاركة في صياغة كتاب معمّر القذافي «الكتاب الأخضر» الذي تحوّل منذ صدوره وحتى اليوم إلى كتاب تتقاذفه السخريات في كل البلدان العربية، لكن، ورغم الاسم الذي صنعه هيكل لنفسه في العالم العربي، يبدو أن مقولة جوزيف غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر، تروق له ويطبق مضمونها، عندما قال «الدعاية الجيدة أن تكذب وتكذب حتى يصدقك الناس». ورغم قرب هيكل من جمال عبد الناصر، فحتى الأخير لم يسلم من هجوم هيكل عليه في مقالات عديدة، ويورد المحامي المصري الراحل طلعت السادات، نجل شقيق الرئيس أنور السادات، أن هيكل كان يتوقع بعد النكسة (1967) أن يكون نائبا للرئيس عبد الناصر، وهو ما حاول تسويقه عبر علاقاته بالإعلام الغربي.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».