استطلاع.. {ديلي شو} كان مصدر إلهام للشباب الأميركي

نهاية الطريق لألمع برنامج حواري ليبرالي ساخر واجه المحافظين منذ 1999

استطلاع.. {ديلي شو} كان مصدر إلهام للشباب الأميركي
TT

استطلاع.. {ديلي شو} كان مصدر إلهام للشباب الأميركي

استطلاع.. {ديلي شو} كان مصدر إلهام للشباب الأميركي

في الأسبوع الأول من هذا الشهر، قدم المذيع التلفزيوني الأميركي جون ستيوارت آخر حلقات برنامج «ديلي شو» (العرض اليومي) في القناة التلفزيونية الفكاهية «كوميدي سنترال». بذلك، ختم ستة عشر عاما تخصص فيها في خلطة من الأخبار الجادة والنكات اللاذعة. وكانت أغلبيتها عن السياسيين. وكان الرئيس السابق بوش الابن موضوع كثير من التعليقات اللاذعة خلال سنوات البرنامج الأولى.
لم يظهر بوش في البرنامج الليبرالي. وظهر أوباما مرة واحدة. وكانت الأسئلة خلطة من مواضيع جادة ونكات ساخرة. أثناء البرنامج، تندر أوباما نفسه على ستيوارت. وقال إنه «أعظم هدية من التاريخ للولايات المتحدة».
في آخر ليلة، وفي لقطات فيديو قصيرة، ودع البرنامج عدد من السياسيين الذين لم يسلموا من لسان ستيوارت. وكان من بينهم جون كيري، وزير الخارجية، وهيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، والآن مرشحة الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية. قالت، في فيديو قصير، وهي تخاطب ستيوارت: «تنهى برنامجك، بينما بدأت أنا حملتي الانتخابية. يا لسوء الحظ».
بدأ ستيوارت البرنامج عام 1999، وسريعا، صار واحدا من أشهر المذيعين الساخرين في الولايات المتحدة بتصديه للمحافظين بالنقد اللاذع. ثم انتشرت شهرته خارج الولايات المتحدة. وصار له مقلدون، مثل المصري باسم يوسف.
في كلمة ستيوارت الختامية، شكر زملاءه، وجمهوره، وعائلته. وقال: «لا شيء ينتهي. يستمر كل شيء. لهذا، كان هذا البرنامج وقفة صغيرة أثناء محادثة لا تنتهي». وأضاف: «لهذا، لن أقل وداعًا، أو تصبحون على خير». لكنه، خلال البرنامج، وأكثر من مرة، أظهر عواطف جياشة، وسالت دموع من عينيه. البداية: كانت بداية تحول البرنامج نحو نجاح مستمر بعد ستة أيام من انتخابات عام 2000، عندما تنافس بوش الابن (الحزب الجمهوري) وآل غور (الحزب الديمقراطي). وكانت المنافسة حادة جدا، بدليل أن الفرق في الأصوات كان أقل من ألف صوت فقط. ووصلت المشكلة إلى المحكمة العليا (التي تفسر الدستور) التي حسمتها لصالح بوش.
في ذلك الوقت، قال ستيوارت في برنامجه: «نواجه واحدا من شيئين: أزمة دستورية؟ أو مسرحية فكاهية؟» وبدأ يتحول من فكاهي هاوٍ إلى خبير سياسي لا يجامل.
في الأسبوع الماضي، قالت اميلي باهر، صحافية في صحيفة «واشنطن بوست»: «من خلال النكات، برهن ستيوارت على أنه معلق لا يجامل. في الحقيقة، خلال أول سنوات برنامجه، سعى برامج (توداي) الصباحى (في تلفزيون «إن بي سي») لضم ستيوارت إليه. كان ظهور ستيوارت في ذلك الوقت مثل دواء لجنون السياسة الأميركية».
وقال رون سايمون، خبير في مركز «بالي» للإعلام (في نيويورك): «بالنسبة لكثير من الناس، كان ظهور ستيوارت مثل رسم سيريالى غير حقيقي لما كانوا يعتقدون أنه واقع حقيقي».
في عام 2000، بعد عام واحد من بداية برنامجه، حاز ستيوارت على جائزة «بيبوداي» الشهيرة في الإعلام التلفزيوني (تشرف عليها كلية الإعلام في جامعة جورجيا). وفي عام 2004، حصل عليها مرة ثانية. في حفل تقديم الجائزة الثانية، قال جفري جونز، مدير مؤسسة «بيبوداي»: «هذا دليل على أن الكوميديين يمكن أن يكون لهم دور هام. حتى عندما يحس الصحافيون والمعلقون بالقلق».

* وسط الشباب
حسب استطلاع أجراه مركز «بيو» (في واشنطن العاصمة)، قال نصف الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما إن «ديلي شو» (العرض اليومي)، الذي يقدمه ستيوارت، هو مصدر أخبارهم مع نهاية اليوم.
لأن الشباب هم أكثر الذين شاهدوا البرنامج، اهتم به السياسيون، بهدف كسب هؤلاء الشباب. حتى أوباما، تردد لسنوات في الظهور في البرنامج، ثم ظهر.
في آخر ليلة، وسط تصفيق المشاهدين، بدأ ستيوارت بسؤال ساخر: «ماذا يجري؟ هل هناك شيء غريب الليلة؟» ومع تصفيق وضحكات المشاهدين، واصل: «هذه هي النهاية. هذه آخر حلقات هذا البرنامج. ما أكبرها، وأروعها، من ليلة». ثم انتقل إلى مراسليه الذين يقدمون الأخبار من داخل وخارج الولايات المتحدة. لحسن حظه، في نفس الليلة، عقد قادة الحزب الجمهوري المرشحون لرئاسة الجمهورية أول مناظراتهم في نفس وقت ليلة ستيوارت. ومن كليفلاند (ولاية أوهايو)، إذ انعقدت المناظرة، نقل مراسل الخبر، طبعا، في خلطة من جد وفكاهة.
ولأن عدد المرشحين الجمهوريين كان كثيرا، تندر ستيوارت بأنهم أكثر من عدد مراسليه. وواحدا بعد واحد، انضم إليه مراسلوه، ليغطي كل مراسل واحدا من مرشحي الحزب الجمهوري. وزادوا الفكاهة فكاهة.
وسط المراسلين، كان هناك أميركيان شرقيان، هاجر والدا كل واحد منهما من الهند:
الأول: عاصف حكيم ماندفي، ولد في مومباي، ودرس في جامعة جنوب فلوريدا، وعمر 50 عاما.
الثاني: حسن منهاج، ولد ودرس في جامعة كاليفورنيا، وعمره 30 عاما. بعد تغطية مؤتمر الحزب الجمهوري، عدد ستيوارت بعض مراسلي البرنامج خارج الولايات المتحدة. وأشار إلى اسم (مع صورة) المصري باسم يوسف، صاحب برنامج تلفزيوني يشبه برنامج ستيوارت، وأيضا، يخلط بين الجد والمرح. وزيادة في المرح، قدم ستيوارت مراسله في الفضاء الخارجي: دارث فيدار (من أفلام «حرب النجوم»).

* آخر كلماته
عكس آخر كلمات كثير من المذيعين المتقاعدين، وهي كلمات هادئة ورزينة،، كانت آخر كلمات ستيوارت عن «سخف الدنيا، وسخف الحياة، وسخف الناس» (استعمل كلمة بذيئة). وأضاف: «توجد في الحياة أشياء قليلة جدا ليس فيها سخف». وقسم السخف إلى أقسام. منها: سخف مقبول، مثل الذين يكذبون كذبات «بيضاء» (لا تؤذي أحدا، ولا توذي شيئا). وسخف وطني لكنه شرير. مثل قانون «باتريوت» (الوطنية) الذي أصدره الكونغرس بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.
وأضاف: «إذا سمعت أي شيء فيه كلمات مثل: الوطنية، الحرية، العائلة، التراث، العدل، أميركا، ادرسه جيدا. يمكن أن يكون فيه سخف كثير».
كان من أسباب نجاح ستيوارت سنوات كثيرة انتقد فيها الرئيس جورج بوش الابن. ورغم أن ستيوارت كرر التعبير عن وطنية قوية وحماسية، ركز على أن السياسيين يخدمون مصالحهم الخاصة أكثر من مصالح وطنهم.

* هذه بعض الأمثلة لسخرية ستيوارت
في عام 2000، بعد أن فاز بوش برئاسة الجمهورية، ألقى خطابا للشعب الأميركي قال فيه: «أدعو المواطنين للصلاة من أجل أميركا» (علق ستيوارت: «سبقك المواطنون»).
في عام 2004، في مقابلة في تلفزيون «سي إن إن»، قال له المذيع: «لماذا تتكلم في جدية؟ لماذا لا تضحكنا بنكاتك؟» وأجاب ستيوارت: «لست قردا».
في عام 2010، نظم مهرجانا في واشنطن اسمه: «حملة العودة إلى عقولنا، أو العيش في خوف أبدي». وفي خطاب الافتتاح، قال: «الأميركيون ليسوا مختلفين ومتناحرين كما يريد السياسيون، وكما يقول الصحافيون. ليست هذه هي الصورة الحقيقية. يجب أن نكشف أن الصورة الحقيقية هي أننا شعب يعيش في سعادة».
في عام 2011، شن هجوما عنيفا على تلفزيون «فوكس» (اليمينى)، وعلى روبرت ميردوخ، ملياردير الإعلام العالمي الذي يملك «فوكس». ومما قال: «يقف ملايين الناس في صفوف الجنسية الأميركية. لكن، لأن ميردوخ ملياردير، حصل عليها قبل هؤلاء الملايين».
في الشهر الماضي، تعليقا على ترشح ملياردير العقارات دونالد ترامب لرئاسة الجمهورية باسم الحزب الجمهوري، قال ستيوارت: «إذا فاز، سيمنح كل أميركي بيتا، أو شقة، وسيخصم قيمة كل بيت أو شقة من الميزانية الحكومية».

* جنيفر أرمسترونغ
قالت جنيفر أرمسترونغ، وهي ناقدة تلفزيونية في نيويورك: «عندما أعلن ستيوارت، في فبراير (شباط) الماضي أنه سيغادر برنامجه الساخر، كان ذلك صدمة ثقافية ذكرتنا بأن الحياة محدودة. لم يخطر ببال كثير منا أنه يمكننا أن نعيش دون أن نتابع ستيوارت كل ليلة، وهو يناقش قضية اليوم، ويحلل سخافة تغطية وسائل الإعلام التقليدية، ويكشف الستار عن نفاق السياسيين، ويجعلنا نضحك على الأشياء التي تجعلنا نبكي أيضا».
وأضافت: «دائما، أحب ستيوارت وصف نفسه بالصحافي المزيف، وهو وصف ذكي جعله يظهر بشخصية غير مؤذية، ولكن يضرب ضربة قاسية وقت الحاجة لها».
وكتب هوارد كيتز، محرر الشؤون الإعلامية سابقا في صحيفة «واشنطن بوست»، والآن معلق في تلفزيون «فوكس»: «يوجد سر يجب أن نبوح به، وهو أن النقاد والسياسيين كان يعجبهم أن يتعرضوا للانتقاد من ستيوارت. كان مجرد ذكر اسم واحد منهم في برنامج (دايلي شو) نجاحا كبيرا».
في عام 2009، وضعت مجلة «تايم» الأميركية، بعد استطلاع لها، ستيوارت في المركز الأول بين مقدمي الأخبار الذين وثق فبهم الأميركيون. وخلال السنوات التي تلت ذلك، صقل مواهبه السياسية، وأدرك مواطن قوته. وفاز بعدة جوائز إعلامية هامة.
وأخيرًا..
لم يكشف ستيوارت ما ينوي عمله بعد مغادرته برنامجه. لكن، خلال الأسابيع الأخيرة، تحدثت أخبار عن لقاءين سريين مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض. عندما سأل صحافيون ستيوارت، قلل من أهمية هذه اللقاءات. لكنه أضاف أنه قابل روجر ايلز، مدير تلفزيون «فوكس نيوز». وكما قالت أرمسترونغ: «تكشف هذه الاجتماعات، واللغط المحيط بها، أهمية ستيوارت، ودوره المؤثر. إنه، بالتأكيد، ليس شخصية مزيفة، ولا مصطنعة، وليس مجرد شخصية فكاهية».



«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)
TT

«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)

حين كان يذكر الفرنسيون شبكاتهم الاجتماعية، نادراً ما كان اسم «ريديت» يقفز إلى الألسنة. إذ ظلّت المنصة الأميركية، لسنواتٍ طويلة، حبيسة صورة نمطية أسهمت في تهميشها، كملجأ لعشّاق البرمجة والألعاب من الشباب المهووسين بالتقنية فقط.

أما اليوم، فقد انقلبت الصورة رأساً على عقب، وصارت المنصة التي وُلدت على الهامش من أكثر المنصّات الرقمية حيوية. وتحوّلت من فضاء يمثل «ثقافةً فرعية هامشية» يُنظر إليها بعين الريبة، إلى فضاءٍ إعلاميّ محترَم تقصده العلامات التجارية وتراقبه غرف التحرير. وبالفعل، تختصر هذا الانقلاب أرقامٌ متصاعدة، وموجة إقبالٍ فرنسية استثنائية تستحقّ التوقّف عندها.

من الظلّ إلى الواجهة

بدأت القصّة عام 2005، حين أطلق شابّان أميركيان من خرّيجي جامعة فيرجينيا، هما ستيف هفمان وأليكسيس أوهانيان - الذي هو بالمناسبة زوج نجمة كرة المضرب العالمية فانيسا وليامز -، موقعاً متواضعاً لتبادل الروابط والنقاشات التقنية برعاية حاضنة «واي كومبيناتور».

من تلك البذرة نشأت شبكةٌ واسعة من المجتمعات المصغّرة المعروفة بـ«الساب- ريديت»، لكلٍّ منها موضوعه وقواعده الخاصة، ويتولّى إدارتها متطوّعون. أما ترتيب ظهور المشاركات، فهو يجري وفق نظام تصويتٍ يرفع الجيّد ويطمر الرديء. وحتى اليوم ظل نشاط المنصة يعتمد على عمل آلاف المشرفين المتطوّعين؛ وهؤلاء يراجعون التعليقات ويحرصون على مناخ الثقة داخل مجتمعاتهم، في نموذجٍ يستند إلى المشاركة لا إلى رقابةٍ مركزية تُملَى من فوق.

هذه البنية التي لطالما عُدَّت عبئاً يبطئ انتشار الموقع بين عامّة الناس، باتت اليوم سرّ قوّته. وبعد سنواتٍ أرهقت فيها المنصّات الكبرى مستخدميها بخوارزمياتها ومحتواها المصقول حتى فقدَ عفويته، عاد الناس يبحثون عمّا افتقدوه: أي مكان للحوار المتأنّي، ولطلب النصيحة، ومقارنة تجارب حقيقية نابعة من أفراد صادقين بعيداً عن المنصّات الأخرى ومنطقها الربحي. وفي هذا المفترق وجد موقع «ريديت» موضعه الطبيعي، بعدما كانت عزلته النسبية تُحسب عليه لا له.

الأرقام المذهلة لتطور «ريديت»

لأخذ فكرة عن هذا النجاح، نشير إلى أنه مع مطلع 2025 تخطّت منصّة موقع «ريديت» عتبة المليار ومائة مليون مستخدمٍ شهرياً، ونحو مائةٍ وثمانية ملايين مستخدمٍ يومياً، حتى باتت - حسب منصّة «سيمراش» لتحليل المواقع سادس أكثر مواقع العالم زيارة، سابقة موقع «ويكيبيديا» نفسه.

وتؤكّد أرقام الشركة هذا النضج بوضوح. فقد دخلت بورصة «وول ستريت» قبل سنتين وحقّقت أرباحها الأولى. ثم جاءت نتائج الربع الأول من 2026 لتؤكّد قوّتها؛ إذ بلغت إيراداتها 663 مليون دولار، بزيادة 69 في المائة عن السنة السابقة، منها 625 مليوناً من الإعلانات وحدها.

كذلك حقّق الموقع ربحاً صافياً بلغ 204 ملايين دولار بعد سنوات من الخسائر. ولم يكن هذا نجاحاً عابراً، بل كان امتداداً لسبعة فصولٍ متتالية تجاوز فيها نموّه 60 في المائة. وهنا، يلخّص ستيف هفمان، المؤسّس والرئيس التنفيذي للموقع، هذه المفارقة بقوله: «لا وجود لذكاءٍ اصطناعي من دون ذكاءٍ حقيقي؛ فالمعرفة لا بدّ أن تأتي من مكانٍ ما، و(ريديت) أحد أهمّ مصادرها». ومن ثم، وصف هفمان منصّة موقعه بأنّها «المكان الأكثر إنسانيةً على الإنترنت»، مشدداً على أنّ ما يمنحها قيمتها في زمن المحتوى المصطنع هو بالضبط كونها فضاءً «يتحدّث فيه الناس إلى الناس عمّا يعنيهم حقّاً».

ستيف هفمان (غيتي)

رسالة يقرأها المعلنون

خلف هذه الأرقام، بلا شك، تكمن رسالةٌ يقرأها المعلنون جيداً. فبيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام. ذلك أن الشركات ما عادت تبحث عن الانتشار الواسع وحده، بل أيضاً عن أماكن يندمج فيها الإعلان مع الحوار، فلا يبدو غريباً أو مُقحماً. بل وذهبت «ريديت» أبعد من ذلك، فصارت تبيع أرشيفها النصّي الهائل عبر عقود ترخيصٍ تُغذّي بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي طليعة زبائنها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

صعود لافت في فرنسا

إلا أن المشهد الفرنسي يبقى أشدّ الفصول إثارة. فبيانات مؤسّسة «ميدياميتري» تضع «ريديت»، لأول مرّة، ضمن أكبر عشر منصّاتٍ اجتماعية في البلاد خلال 2025، بـ12.8 مليون زائرٍ شهرياً، ونموٍّ نسبته اثنين وسبعين في المائة في اثني عشر شهراً، وجمهورٍ تضاعف خمس مرّات خلال خمس سنوات. وبالفعل، صارت «ريديت» فرنسا ساحةً عامة تُطرح فيها شؤون السياسة والمجتمع والعمل والسكن والمال، تغذّيها مجتمعاتٌ قائمة على تبادل النقاش وعرض التجارب اليومية بصراحةٍ قلّ نظيرها في المواقع الأخرى.

وراء هذا الصعود المتميز ثلاثة أسباب: السبب الأول خطوةٌ تقنية ذكية، وهي إطلاق ترجمةٍ آلية فورية تنقل محتوى الموقع كاملاً إلى الفرنسية باستخدام أدوات الترجمة الحديثة، فباتت نقاشاته تظهر في نتائج «غوغل» بالفرنسية. وهكذا صار كثيرون من المستخدمين يصلون إلى الموقع من دون أن ينتبهوا إلى أنّهم يتصفّحون «ريديت».

وثاني سبب هو الحملةٌ الدعائية الواسعة والجريئة التي قامت بها المنصة في شوارع أكبر المدن الفرنسية كباريس، وليون، ومرسيليا وليل، وكان شعارها «بين الغرباء، نستطيع أن نتبادل أطراف الحديث». ولقد لفتت هذه الحملة الواسعة انتباه الفرنسيين إلى هذه المنصّة التي لطالما تجاهلوها.

أمّا السبب الثالث، ولعلّه الأعمق أثراً، فيعود إلى تراجع منافسٍ عريق هو منصّة «إكس»، التي فقدت نحو ستة عشر في المائة من زوّارها في فرنسا خلال سنة واحدة، وهذا بعد استحواذ إيلون ماسك عليها. إذ بلغت أدنى مستوياتها منذ بدء القياس عام 2017. وفي الفراغ الذي خلّفه هذا الانحسار تسلّلت «ريديت» ملتقطة حصّةً من جمهور النقاش العام وتبادل الأخبار.

ولكن، بجانب ما سبق ذكره، يعزو فنسان دوبوا، المسؤول عن «ريديت» في فرنسا، هذا النجاح إلى طبيعة الفرنسيين أنفسهم، قائلاً: «يعشق الفرنسيون النقاش بشغف؛ وهو ما ينعكس في الشعبية المتنامية للموقع. وهدفنا أن نرعى مجتمعاتٍ يتحاور فيها الناس حول ما يهمّهم، ويطلبون النصيحة من غيرهم، ويتعلّمون مهارةً جديدة، أو يجدون فسحةً للترفيه فحسب».

مصدر غني بالمعلومات

والواقع أن ما يزيد من قيمة «ريديت» أنّه غدا، في نظر الإعلاميين، أكثر من مجرّد ظاهرةٍ عابرة في نموّ؛ بل صار أداة عملٍ حقيقية. فهو من جهةٍ مصدر غني بالمعلومات بفضل النقاشات والشهادات التي أصبحت مادّةً خاماً قوية للمقالات والتحقيقات والتحليلات. ومن جهةٍ أخرى، مقياسٌ لنبض الواقع؛ إذ يكشف عما تتداوله مجتمعاته وما تتعرّض له من هواجس وانشغالات قد تتأخّر وسائل الإعلام التقليدية في التقاطها. ولكن، لعل أهم عناصر قوة «ريديت» اليوم «الصدقية» التي يتمتع بها، ذلك أن الظهور في الموقع لا تحكمه الخوارزمية وحدها، بل عبر تقييم وتصويت المستخدمين، حيث تكتسب المشاركة قيمتها بجدارةٍ لا بواسطة الدفع أو الدعاية.

زمن الثقة... لا الصخب

ختاماً، لم يبلغ موقع «ريديت» هذه المكانة بتقليده الإعلام التقليدي، بل لأنّه لبّى حاجةً دفينة لدى جمهورٍ سئم الشبكات الصاخبة، التي تروّج للاصطناع والتكلّف. فهو يمنح المعلنين وعداً عزيز المنال... هو مخاطبة جماعاتٍ متفاعلة من غير أن تبتلعها ضوضاء العالم الافتراضي. وأيضاً، يعيد إلى المستخدمين شيئاً من متعة الحوار المتمهّل المتخصّص، الذي يكون أصدق أحياناً من ثرثرة المنصّات المهيمنة، حيث تُوزن الكلمة بجودتها لا بسرعة رواجها.

بيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام


هل تحقّق إعادة هيكلة متاجر التطبيقات مكاسب للناشرين؟

شعار «أبل» (رويترز)
شعار «أبل» (رويترز)
TT

هل تحقّق إعادة هيكلة متاجر التطبيقات مكاسب للناشرين؟

شعار «أبل» (رويترز)
شعار «أبل» (رويترز)

يبدو أن الناشرين سيتمكنون قريباً من تحقيق عوائد مالية مباشرة عبر تطبيقاتهم، وكذلك الاحتفاظ ببيانات المشتركين، وذلك بموجب قواعد جديدة وضعتها «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA)» بدءاً من مطلع يوليو (تموز) الجاري. وتتضمن القواعد إعادة هيكلة متاجر التطبيقات بهدف «السماح للمؤسسات بتحصيل عوائد الاشتراكات دون وسيط».

قبل القرارات الجديدة، وعلى الرغم من قدرة الناشرين على بيع الاشتراكات عبر منصتي «آي أو إس iOS» أو «أندرويد»؛ فإن سياسات «أبل» و«غوغل» كانت تفرض عرض المنتجات الرقمية عبر أنظمة الدفع الخاصة بالتطبيقات، وهو ما قد يتضمن عمولات تصل إلى 30 في المائة لصالح الشركة المالكة للمنصّة.

وأيضاً، قيّدت «أبل» الطريقة التي يتاح للناشرين من خلالها توجيه المستخدمين للاشتراك خارج التطبيق، وهذه قيود قد تجعل تحويل مستخدمي التطبيقات إلى مشتركين أكثر صعوبة، وتزيد من الاعتماد القسري على أنظمة الدفع التابعة للمنصات.

تأتي قرارات «هيئة المنافسة والأسواق» عقب تصنيف متاجر التطبيقات التابعة لشركتي «أبل» و«غوغل» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ضمن الشركات «ذات الوضع الاستراتيجي في السوق»، وفقاً لقانون الأسواق الرقمية والمنافسة والمستهلكين، وهو ما يعني «إمكانية إجبار الشركتين من قِبل الجهات التنظيمية على التوقف عن إساءة استخدام هيمنتهما السوقية».

التدابير التي طرحتها «هيئة المنافسة» تهدف، في الواقع، إلى إزالة القيود المفروضة على التوجيه، مما سيسمح للناشرين بتوجيه العملاء نحو خيارات دفع خارج منصات «أبل» و«غوغل»، وتجاوز الرسوم الإلزامية التي تحددها هذه المنصات.

ولقد وصفت «هيئة» الشركتين بأنهما «تديران احتكاراً ثنائياً فعلياً، إذ تعمل 90 في المائة على الأقل من أجهزة المحمول في بريطانيا على منصاتهما».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المصري المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن النقطة الأهم في هذه القرارات هي «تبني المؤسسات علاقة مباشرة مع جمهورها، وهي العلاقة التي تفتقر إليها اليوم بسبب الاعتماد على التطبيقات». وأردف أن المستخدم حالياً يتجه إلى التطبيق لتحميله والاشتراك من خلاله، بينما تُدار عملية الدفع بالكامل داخل التطبيق المقيد من الشركتين، بل يمكنه إلغاء الاشتراك في أي وقت، من دون أن تعلم المؤسسة بذلك إلا في وقت لاحق. ثم أضاف: «لذلك ينبغي على المؤسسات أن تستثمر في بناء قنوات تواصل مباشرة مع جمهورها، مثل النشرات البريدية، وأنظمة إدارة علاقات العملاء، كي تتمكن من التعرف على المشتركين الأكثر ولاءً، وتقديم عروض ومزايا مخصصة لهم».

عمروش أوضح أيضاً أنه من خلال هذه القرارات «تنتقل العلاقة مع العميل إلى خارج متجر التطبيقات، وتصبح المؤسسة قادرة على إدارة التجربة المشتركة معه بصورة أفضل، وزيادة معدلات الاحتفاظ به، ورفع الإيرادات من خلال العروض الشخصية. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل بيانات العملاء باستمرار، ويقترح أفضل العروض لكل مستخدم، وهو ما كان يصعب تحقيقه عندما كانت العلاقة مع المشترك محصورة داخل التطبيقات فقط».

وتابع عمروش: «أعتقد أن إعادة هيكلة متاجر التطبيقات يُمكن أن تحقق مكاسب حقيقية للناشرين؛ لكن بشرط مهم، هو ألا تبقى الإجراءات شكلية عند مستوى تحسين الشفافية، بل تصل إلى كسر سيطرة المتجر على الدفع (الاشتراك)، وأن تكون العلاقة مباشرة مع القارئ».

يُذكر أن «أبل» كانت قد حدّثت إرشادات «متجر التطبيقات» (App Store) الخاص بها في الولايات المتحدة خلال مايو (أيار) 2025 بهدف السماح للمطوّرين بتوجيه المستخدمين خارج المنصة، استجابةً لأمر قضائي، وهذا بعدما رفعت شركة «إيبك غيمز» دعوى قضائية ضد «أبل» عام 2020 إثر إزالة لعبة «فورتنايت» من المتجر، وتقديم خيار دفع مباشر يتجاوز عمولة الشراء داخل التطبيق.

من جهة ثانية، شرح الحسيني موسى، الخبير المصري في تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «ولو كانت الفرصة متاحة الآن، فإن هذه القرارات لن تحقق نتائج ملموسة من دون أن يسعى الناشرون إلى تبني أنظمة اشتراكات خاصة بهم».

واستطرد موضحاً: «يتحقق ذلك من خلال الاستثمار في إدارة بيانات المستخدمين وتحليلها، لتقديم عروض مخصّصة لاهتماماتهم، ومن ثم الاحتفاظ بالمشتركين على نحو متصاعد. ومع أن البنية التحتية للمؤسسات قد لا تكون جاهزة الآن، غير أن هناك حلولاً وخدمات سحابية يمكن أن تسهم في استثمار البيانات بتكلفة أقل».

أما عن المخاوف المتعلقة برد فعل عكسي متوقع من شركات التكنولوجيا، قد يتضمن عرقلة ظهور الناشرين على متاجر التطبيقات، رأى موسى أن «الضمانة الأساسية هي أن القواعد الجديدة أعطت هيئة المنافسة صلاحيات رقابية أكبر، الأمر الذي يمكّنها من التدخل في حال مارست هذه الشركات أي شكل من التمييز ضد تطبيقات معينة، سواءً عبر تقليل ظهورها أو فرض قيود غير مبررة من خلال توقيع عقوبات».

ولكن، على الرغم من ذلك يشير الخبير المصري إلى أنه «ستظل هناك تحديات أمام إثبات أن الشركات تستهدف بممارستها المنافسة المجحفة، لا سيما إذا برّرته المنصات باعتبارات أمنية أو حماية المستخدم، وبالتالي، سيعتمد نجاح القواعد على قوة الرقابة وسرعة تنفيذها».


مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
TT

مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي

تُعدّ مقدمة النشرة الإخبارية في المحطات التلفزيونية اللبنانية مرآةً لهويتها السياسية؛ إذ تعكس توجهها التحريري وخطابها الإعلامي، وتشكل البصمة الأولى التي تميزها عن سواها. كما تكشف المقدمة موقف المحطة من أبرز أحداث اليوم قبل الانتقال إلى تفاصيلها.

وعادة ما يتولى رؤساء تحرير نشرات الأخبار كتابة هذه المقدمة، فتأتي في قالب مقال تلفزيوني مباشر يتضمن رأياً واضحاً أو موقفاً صريحاً من الأحداث. وفي أحيان أخرى تُحاك المقدمة بعناية من خلال انتقاء أحداث وربطها في سياق يخدم رؤية المحطة والرسالة التي ترغب في إيصالها إلى المشاهد. أما الأسلوب الثالث، وهو الأكثر صعوبة، فيرتكز على مقاربة موضوعية في اختيار الأحداث، بحيث تكون الأولوية لقيمتها الخبرية، بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع توجه المحطة أو تخدم مصلحتها.

ويعود تقليد مقدمات نشرات الأخبار في المحطات اللبنانية إلى سنوات الحرب الأهلية، حين لم تعد النشرة مجرد عرضٍ للأحداث، بل تحولت إلى منبر يعكس التوجه السياسي للمحطة وموقفها من التطورات الميدانية. وكان تلفزيون لبنان الرسمي من أوائل من اعتمد هذا الأسلوب؛ إذ كانت مقدمة النشرة تعبّر بوضوح عن موقف السلطة اللبنانية من الأحداث الجارية. ومع اشتداد الانقسامات السياسية، انعكس هذا الواقع على الشاشة نفسها، فبرز التباين بين نشرات مركزي المحطة في منطقتي تلة الخياط (بيروت الغربية) والحازمية (بيروت الشرقية). ولم يقتصر الاختلاف على طريقة عرض الأخبار، بل امتد إلى مقدمات النشرات، التي كانت تتحول أحياناً إلى سجال سياسي مباشر، يرد فيه رئيس تحرير أحد المركزين على الآخر بلغة نقدية لاذعة، في مشهد جسّد الانقسام الذي كان يعيشه لبنان آنذاك. وسرعان ما انتقل هذا التقليد إلى محطات تلفزيونية أخرى، فأصبح جزءاً أساسياً من هوية نشراتها الإخبارية. واعتمدته محطات عدة، منها «إل بي سي آي» و«الجديد» و«إم تي في» و«أو تي في» وغيرها، حتى غدت مقدمة النشرة ركناً ثابتاً في برمجة الأخبار، واستُخدمت في مراحل كثيرة منصةً لتبادل الرسائل والاتهامات السياسية بين المحطات.

وليد عبود: مقدمة النشرة

الإعلامي وليد عبّود يعد مقدمة الأخبار تعكس هوية المحطة

تعكس الهوية السياسية للمحطة

يتولى الإعلامي وليد عبود كتابة مقدمة نشرات الأخبار في تلفزيون «إم تي في»، من موقعه كرئيس تحرير، ومستنداً إلى أبرز أحداث اليوم ينسج منها نصاً يربط بين الوقائع المحلية والتطورات الإقليمية والدولية. وفي كثير من الأحيان، تفرض الأحداث الطارئة نفسها، فيجد نفسه مضطراً إلى إعادة صياغة المقدمة بالكامل، أو حتى قلبها رأساً على عقب، لتواكب المستجدات.

يقول وليد عبود في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «تمثل مقدمة النشرة الهوية السياسية للمحطة. سواء حملت رسائل مباشرة أم جاءت بصيغة غير مباشرة، فإن اختيار حدث معين وتسليط الضوء عليه، لا بد أن يعكس توجه المحطة وسياستها».

ويؤكد أنه اضطر مراراً إلى إعادة كتابة المقدمة بسبب تطورات متأخرة، كخطاب للرئيس الأميركي أو حدثٍ أمني أو سياسي مفاجئ يطول لبنان. ويضيف: «يجب أن تواكب المقدمة أي مستجدٍّ بارزٍ على الأرض، وأحياناً تتغير المقدمة بالكامل قبل خمس دقائق فقط من موعد بث النشرة».

وعن تأثيرها في المشاهد والأسلوب المعتمد لجذب انتباهه يقول: «من المهم جداً أن يدرك المشاهد التوجه السياسي للمحطة. وعادة ما يتحول إلى المحطة التي تشبهه فتكون بمثابة مرآة لمواقفه. ومن الضروري محاكاته ببساطة كي تصله رسائل المقدمة بسرعة؛ لذلك نحرص على أن تكون مكثفة، وواضحة، وسريعة الإيقاع، من دون الوقوع في الإثارة المجانية، وأن تعكس في الوقت نفسه رؤية المحطة للأحداث».

مقدمات النشرات... خصوصية لبنانية تكاد تغيب عن الغرب

يُعدّ أسلوب افتتاح نشرات الأخبار بمقدمة مكتوبة بعناية، تربط بين أحداث اليوم وتقدّم قراءة سياسية لها، من الخصوصيات التي تميّز عدداً كبيراً من المحطات اللبنانية والعربية. أما في معظم المحطات الغربية، فتبدأ النشرات مباشرة بعرض أبرز الأخبار. في المقابل، تعكس هذه المحطات توجهها التحريري من خلال طريقة اختيار الأخبار، وترتيبها، وصياغة التقارير المصورة، فضلاً عن النصوص المقتضبة التي تسبقها أو ترافقها.

أما في لبنان، فلا تخفي غالبية المحطات هويتها السياسية، بل تعلنها بوضوح من خلال مقدمة النشرة التي تشكل مساحة للتعليق والتحليل ورسم الإطار الذي ستُقرأ من خلاله أحداث اليوم. وعادة لا تتجاوز مدة المقدمة دقيقتين؛ لأن الإطالة تدفع المشاهد إلى تغيير القناة والانتقال إلى أخرى. لذلك، يحرص المعدّون على التكثيف والإيقاع السريعين، مع المحافظة على شدّ انتباه الجمهور منذ اللحظات الأولى.

بعض مقدمات الإعلامي جان فغالي لا تزال راسخة في الذاكرة الجماعية

علي نور الدين: مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة

يرى مدير الأخبار والبرامج السياسية في تلفزيون «إن بي إن»، علي نور الدين، أن مقدمة النشرة تكاد تكون ظاهرة لبنانية بامتياز. ويعزو ذلك إلى طبيعة الجمهور اللبناني المسيّس، الذي يميل إلى متابعة التحليلات وإبداء رأيه في التطورات. ويشير في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أن المقدمة تعكس الخط التحريري للمحطة، كما تمنح المشاهد خلاصة سريعة عن مضمون النشرة واتجاهها العام.

ويضيف: «لا تعتمد جميع القنوات الأسلوب نفسه في كتابة المقدمات، فبعضها يركز على إيصال الرسائل التي تعكس رؤية المحطة وتوجهاتها. لكن القاعدة الأساسية تبقى أن تكون المقدمة مختصرة، ومكثفة، وقادرة على تلخيص أبرز محاور النشرة وخطها التحريري». ويؤكد أن الاختصار دليل على الحرفية الصحافية، موضحاً: «كلما كانت المقدمة أكثر إيجازاً ازدادت قوتها، إلا إذا فرض حدث استثنائي مساحة أوسع للشرح».

ويعيد نور الدين نشأة هذا التقليد الإعلامي إلى أواخر الحرب الأهلية، وما تلاها من مرحلة اتفاق الطائف وولادة محطات تلفزيونية جديدة؛ حيث سعت كل محطة إلى إبراز هويتها السياسية واستقطاب جمهور يتماهى مع توجهاتها. ويقول: «مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة، فهي تختصر الموقف وتحدد زاوية تناول الأحداث».

وبحكم عمله في الصحافة المكتوبة أيضاً، يرى نور الدين أن «المقالة البصرية» باتت أكثر تأثيراً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يفضل الجمهور تلقي المعلومات بسرعة واختصار. لذلك، تمتلك مقدمة النشرة قدرة كبيرة على التأثير وبث التفاعل؛ لأنها تقدم قراءة سريعة للأحداث بلغة مكثفة وسهلة التداول.

ويتابع: «في النهاية، لا يمكن لأي محطة أن تكتفي بمخاطبة جمهور يشبهها سياسياً. فإذا أرادت الاستمرار، فعليها أن تتوجه إلى شريحة أوسع من المشاهدين، من خلال أسلوب مهني يجذبهم، سواء اتفقوا مع توجهها أم اختلفوا». ويختم: «أعدّ قناة (إن بي إن) من المحطات التي لا تعتمد الإثارة أو الفضائح في نشراتها الإخبارية، وهذا ما يميزها».

جان فغالي: المهنية قبل السياسة

من جهته، يؤكد رئيس تحرير نشرات الأخبار في «إل بي سي آي»، جان فغالي، الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في هذا المجال، أن المحطة تعتمد في مقدماتها خطاً مهنياً أكثر منه سياسياً، قائلاً: «نحرص في (إل بي سي آي) على الموضوعية والدقة في عرض الأخبار. لا ننحاز إلى أي طرف، إلا عندما يتعلق الأمر بانتقاد قضية تمس المصلحة العامة». ويشير إلى أن بعض المقدمات التي كتبها لا تزال راسخة في ذاكرة الجمهور، حسب رأيه، ومن بينها المقدمة التي استُهلت بعبارة «شعب بلا مخ» خلال جائحة كورونا. ويوضح: «هذا النوع من المقدمات ينطلق من موقف واضح تجاه سلوك أو حدث معين، أكثر مما يقدم مجرد تلخيص للأخبار».

ويكشف فغالي أن أي مقدمة لا تُبث قبل إطلاع إدارة المحطة عليها، موضحاً: «صاحب المحطة يتابع النشرة، ولديه أيضاً رؤيته السياسية؛ لذلك لا تمر أي مقدمة قبل موافقته».

أما عن مواصفات المقدمة الناجحة، فيختصرها بالقول: «يجب أن تكون مختصرة، وسريعة، ومكتوبة بلغة بسيطة وجمل قصيرة؛ بحيث تصل إلى جميع المشاهدين بسهولة». ويختم مؤكداً أن غياب المقدمات عن نشرات الأخبار الغربية لا يعني غياب التوجهات السياسية، مضيفاً: «لا توجد مؤسسة إعلامية من دون خط تحريري أو رؤية، لكن طريقة التعبير تختلف من وسيلة إعلامية إلى أخرى».