الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

تقترح مواطنة كونية.. مواطنة ما بعد الدولةـ الأمة وتفتح «العلبة السوداء للسيادة الوطنية»

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا
TT

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

الفلسفة بصيغة المؤنث: سيلا بن حبيب نموذجًا

ما يزال الاهتمام في منطقتنا بالفلسفة بصيغة المؤنث ضعيفا جدا، ومن أجل تقريب القارئ إلى بعض الأقلام الفلسفية الصاعدة، سنخصص هذا المقال للفيلسوفة سيلا بن حبيب.
ولدت سيلا بن حبيب في إسطنبول سنة 1950. وهي أستاذة العلوم السيَاسيَّة والفلسفة بجامعة يال الأميركية، وتدير في الجامعة، برنامج الإثيقا والعلوم الاقتصادية والسيَاسيَّة. وهي عُضو الجمعيَّة الفلسفيَّة الأميركية منذ 1996. واشتغلت سابقًا مع هابرماس. وتهتمُ سيلا تحديدًا، بالنظريَّة النقديَّة والنظريَّة النِّسويَّة. كَتبَت أطروحتها في فلسفة هِيغل السيَاسية سنة 1977 (أي في النصف الثاني من عقدها الثاني)، حيثُ قَارَنت فِيهَا بين تصوُّر هيغل لمفهوم الحق والحق الطبيعي. وبعد ذلك نَاقشَت أُطروحتها في فلسفة هوبز.
تَنظُر بن حبيب إلى الفلسفة السيَاسية لا كبحثٍ في تَاريخ الفكر أو الفلسفة السياسيين، بِقدرِ ما هي اتصال والتصاق بالأَحْداث الرَّاهِنَة والمُعَاشَة، من أجل استقصائها وتحري دلالاتها، لأن التحَوُّل الكبِير الذي عَاشَتهُ في سنوات التسعينات، ساهم في تدشينها البَحث في قَضايا التعدُّديَّة الثَّقَافيَّة والمُواطَنة والهجرة داخل الاتحاد الأوروبي. وتهتم بِالرَّوابِطِ بين العقلانيَّة التواصُليَّة والأخلاق والدِيمُقراطيَّة التشَاوريَّة، حيث يلعبُ الفضاء العمومي دورًا محوريًا. ولهذا فهي بحق، مُنظِرَة ومُفكِرة تنتمي إلى الجيل الثالث للنظريَّة النقديَّة، من خلال اشتغالها مع هابرماس وأكسيل هونيث ونانسي فريزر، وجوديث بتلر. لذلك تقول عن صاحب العقلانية التواصلية: «يَعُود الفَضل لهابرماس في نحته لمفهوم العَقلانيَّة التواصُليَّة، وأَنَا بِدورِي أعتبر أن العقلانيَّة التواصُليَّة مُسَلَّمَة، وأَفْتَرِضُ مُسبَقًا، أَن كُلَ عَمَلِي يَتَمَحورُ حول صَلاحيَّة الانتِقال إلى العقلانيَّة التواصليَّة».
كتبت سيلا عن قضايا عالم المعيش، التي تُؤرقُ ملايين الأشخاص في العالم: من قَبِيل مشكلات الهجرة، الاحتلال، مخيمات اللاجئين، المقيمين، الـ«من دون أَوراق»، المُهمشِين والمَقصيين بِسبب العرق أو اللغة أو الدين أو الهُويَّة. وطَرحَت في مؤلفاتها الأخيرة: «حقوق الآخرين: الأجانب، المقيمين، والمواطنين»، و«كَونْيَّة أُخْرَى»، قضايا جوهرَّية حول الشَّرعيَّة الدِّيمُقرَاطيَّة، اللِّيبِرَاليَّة الدُّستُوريَّة، الحَق في الإقَامَة المُؤَقتَة والدَائِمَة، الحكومة العالمية، الفيدرالية العالمية... وتُقَدِم فيها حُجَجًا قويَّة لحماية الجماعات البشريَّة الهشَّة وَالضعيفة (الأجانب، المقيمين، اللاجئين...).
يَصعُبُ الإلمام بمجمل فلسفة سيلا بن حبيب لاعتبارات عدة:
- كَونُ إسهَامَاتِها مُتعدِّدَة المَشَارِب ومُتنوعَة جدًا، تتراوح بين قضايا كثيرة لا ندعي إمكانيَّة الإلمام بها جميعها في هذا المقال.
- ما يَزالُ فكر الفيلسوفة جاريًا، مما يعني أنَ مُحاوَلَة حَصرِه في هذا الاتجاه أو ذاك، إنما هو مُغَامرة كبرى في حقها.
- كَونُ وضعِهَا الخَاص، وتاريخهَا الخاص، يفرضان عليها الانخراط السيَاسي في قَلبِ المعركة، لذلك فإن مَواقِفَهَا السيَاسية تجدُ مَكانهَا كثيرًا في فلسفتهَا.
- اهتمامُهَا بقَضَايا العصر الأكثَر إِلحَاحًا، من قبيل الهجرة، الحدود، السيَادَة، المُواطَنة، وهي القضايا التي تعرف مُستَجَدَّات جَارية لا حصر لها.
إلا أنه رغم ذلك، أمكننا التمييز بين مرحلتين أساسيتين من تطوُّر فكر الفيلسوفة سيلا بن حبيب الفلسفي والسياسي معا:
* مرحلة ما قبل التسعينات (من القرن العشرين)، وقد مثلت الفلسفة السيَاسية الحديثة والمعاصرة مصدرَ فِكرها الفلسفي. وهي مرحلة الشباب إن جاز التعبير الالتوسيري هنا، حيث تشكل فكرها من خلال اشتغالها على عباقرة الفكر السياسي الحديث، من أمثال هيغل (أنجزت أطروحتها الأولى حول هيغل - الذي استلهمت منه الكثير من أفكارها - بعنوان: «هيغل والحق الطبيعي: بحث في الفلسفة السيَاسية الحديثة»)، وتوماس هوبز، وكانط (من خلال فحصها لمشروع السَلام الدَائم الذي أَسَست عليه أطروحاتها الحالية حول المُواطَنة الكَونيَّة، والسيَادَة ما بعد الوطنية)، ومرورا بحنا آرنت Arendt (حيث أنجزت كتابين حول فكرها - أشرنا إليهما أعلاه - موظفة بشكل كبير مفهوم آرنت الذائع الصيت: «الحق في التمتُّع بكافة الحقوق»).
* مرحلة ما بعد التسعينات، حيثُ انكبت أساسًا، على مُعالجة قَضَايا الوَضع البَشَري الأَكثَر إِلحَاحًا: النِّسويَّة، الهِجرَة، التعَدُّد الثَّقَافِي، المُواطَنة العالميَة، الدِيمقراطيَّة، العَدَالَة، السيَادَة.
نظريَّة الديمقراطيَّة
ولا تنفصل نظريَّة الديمقراطيَّة عند سيلا بن حبيب عن مشروعها الفلسفي – السيَاسي العام، فهي نظريَّة في العدالة، وفي الحق، وفي المُواطَنة الكَونيَّة التي تتأسس على منظور كُوسمُوبُولِيتي يحاول إعادة النظر في طريقة تدبير المشاكل العالميَّة المتناميَة، وأساسًا تلك المتعلِّقة بالهجرة والبيئة والمساواة، والنِّسويَّة، والمُواطنة، والتعَدُّد الثَّقَافِي. فالثَّقافات لا تتشكَّل أحاديَّة القُطب، أي بمعزل عن الثَّقافات الأخرى، بل تتشكَّل من خلال حوارها مع الثَّقافات الأخرى. وتفيد الديمقراطيَّة عندها «بناءَ جماعة سيَاسية بقواعِدَ واضِحة، يتم عبرها تحديد العلاقات بين الداخل والخارج». وفي الدِّيمقراطيَّة «يستمدُ الدُّستورُ شَرعيَّتَهُ من الإرادَة الجمعيَّة والمتَّحِدة للشَّعب». فالشَّعبُ الدِّيمقراطي يَقبلُ سُلطة القَانون، لأنَّه في الآن نفسهِ، واضع ومستقبل هذا القانون. «إن مُواطِنَ دِيمقراطيَّة ما ليس بالمواطن العالمي، بل مُواطِنٌ داخل مجموعة سيَاسية محددة، بغض النظر عَمَّا إذا كان ذلك يتعلق بدولة مركزية أو فدراليَّة أو باتحاد للدول».
ولضمان الانسجام بين التعدُديَّة الثَّقَافيَّة والكُوسمُوبُولِيتيَّة في عالم اليوم، تأخذ بعين الاعتبار ثلاثة شروط:
- التعامل بالمساواة: حيث يجب أن يتمتَّع أعضاء الأقليَّات بالحقوق المدنية والسيَاسية والاقتصاديَّة والثقافيَّة نفسها التي تتمتع بها الأغلبيَّة.
- القَبول الطوعي: حينما يولدُ فرد ما، لا يجب أن يعيَّن له دين ما أو ثقافة ما بشكل أوتوماتيكي. ولا يجب أن تترك الدولة للجماعات الحق في تقرير حياة الأفراد. فأعضاء المجتمع لهم الحق في التعبير بأنفسهم عن اختياراتهم.
- الحرية في الخروج من الجماعة والحرية في التجمع: لكل فرد الحريَّة في الخروج عن جماعته. فحينما يتزوج فرد من جماعة أخرى، فلكل منهم الحق في الحفاظ على عضويَّته. ويجب إيجاد تسويَّاتٍ بالنسبة للأزواج بين الجماعات وأطفالهم.
يطرح موضوع الانسجام بين التعدُديَّة الثَّقَافيَّة والمساواة الديمقراطيَّة نقاشات كبرى. فالشَّرط الأول يتعلق بالكثير من الثَّقافات التي تتعرض فيها الأقليَّات لاضطِهَادَاتٍ مُتكَرِّرَة من طرف الأغلبية، وحيثُ لا تَقُومُ الحكومَات بأي جُهدٍ لوقف المجازر التي يتعرَّضُونَ لهَا.
المُسَاواة والتنوع في عَصِر العولَمَة
لم يكن الفكر والفلسفة السياسيان يهتمان بشكل كبير بمسألة التعدُديَّة الثَّقَافيَّة قدر اهتمامهما بها اليوم، بحيث كرست معاهدة ويستفالي المنظور الأحادي للهوية والمواطنة داخل الدولة الوطنية (الدولة – الأمة) فيما يشبه الدولة – المدينة؛ رغم أن أفلاطون كان يصرخ دوما، داخل الدولة المدينة: «أنا لَسْتُ أَثِينيًّا، وَلا يُونَانيًا: أَنَا مُواطِنُ العالم»، وعلى مِنوالِه تغنى الرواقيون والكلبيون بالمواطنة العالمية والكونية. وقليلا ما استثمر هذا الإرث اليوناني في الفلسفة السيَاسية، ويعود هذا المشكل في نظر بن حبيب، إلى الفصل العبثي بين الديموس والإثنوس.
ستتعزز الدراسات حول إشكالات الهُويَّة والتعدُديَّة الثَّقَافيَّة، مع نهاية الحرب العالمية الثانية وما تلاها من بداية جديدة للعلاقات الدولية، والاعتراف بالمؤسسات الدولية والعالمية التي دافعت عن تعزيز حقوق الإنسان، وهي الإشكالات التي عالجتها سيلا في كتابها القيم: «مطالب الثقافة: المتماثل والمختلف في عصر العولمة».
يتناول هذا الكتاب إشكالية هامة طبعت النقاشات المعاصرة لتزيل الوهم الذي يرى أن الثقافات مجرد أجزاء من فسيفساء يمكن الهيمنة عليها بسهولة، ويمكن تلخيصها في السؤال التالي: كيف يمكن تطبيق الديمقراطية الليبرالية في عالم مليء بأشكال جديدة من صراع الهويات والثقافات؟
وقفت في الفصل الأول على استخدام وسوء استخدام الثقافة، لتنتقل إلى الإشكالية القديمة – الجديدة: نحن وهم، لتقترح نموذجا بديلا لتغيير السياسات المعاصرة - في الفصل الثالث - يمكن الاقتداء به في التغيير، سمته من إعادة التوزيع إلى الاعتراف. وهو الشعار نفسه الذي تبنته نانسي فريزر في كتابها: ما العدالة الاجتماعية؟ الاعتراف وإعادة التوزيع. كما وقفت فيه على مسألة التعدُديَّة الثَّقَافيَّة ومواطنة النوع الاجتماعي، وما يرتبط بها من معضلات لتقترح الديمقراطية التداولية كبديل للديمقراطية الليبرالية من خلال وقوفها على مفهوم ما بعد الدولة – الأمة.
في مقاله حول الديمقراطية التشاركية: الحدود والاستقلال الذاتي، يذهب رومان فيلي، إلى أن العولمة قد طرحت رهانات جديدة تتجاوز إطار الدولة الوطنية، بحيث إن قضايا من قبيل الهجرة والكوارث البيئية والإرهاب، تفترض حلولا تتجاوز الإطار الوطني الويستفالي، مما يعزز الحاجة إلى حكامة دولية بدأت تطرح نفسها، رغم أنها تسير عكس إرادة الشعوب. وهناك بالنسبة لسيلا بن حبيب، طريقة أخرى لتصور المواطنة الجديدة، أي مواطنة تتجاوز مفهوم مواطنة الإقامة. وعلى هذا الأساس أعادت النظر في مفهوم الضيافة الذي طرحه كانط في مشروع السلام الدائم، بحيث تستوجب المواطنة الجديدة في نظرها إعادة بناء تصور الفعل السياسي دون المرور بقطيعة قانونية بين العضو الذي ينتمي إلى الجماعة، أو غير العضو القادم إلى تلك الجماعة من جماعة أخرى (قد يكون مهاجرا أو مقيما بشكل مؤقت أو دائم أو لاجئا). هكذا، فالحدود الخاصة بدولة ما يمكن إعادة تحديدها من منظور كُوسمُوبُولِيتي – كوني يتجاوز المنظور الويستفالي. وتستدل سيلا بن حبيب على ذلك بالحركات الاجتماعية الحضرية التي تجسد نموذجا «فعلا سياسيا» خارج التمييز الكلاسيكي بين العضو - وغير العضو. وبناء عليه تقترح سيلا بن حبيب مواطنة كونية أو مواطنة ما بعد الدولة – الأمة، وما يقتضيه ذلك من ضرورة إعادة بناء أسس هذه المواطنة على نحو جذري. إلا أن الأمر لا يتعلق بـ«محو الحدود السيادية للدول وإنما طرق جديدة لتدبيرها»، أي «فتح العلبة السوداء للسيادة الوطنية».



العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق
TT

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

أفادت مواقع سورية بالعثور، صباح الخميس، على الفنانة السورية هدى شعراوي، المعروفة بشخصية «أم زكي» في مسلسل «باب الحارة» الشهير، مقتولة داخل منزلها في العاصمة السورية دمشق، ولا تزال ملابسات الحادثة طور التحقيق من الجهات المختصة.

وقالت مواقع فنية سورية إن الممثلة السورية هدى شعراوي (87 عاماً) وُجدت جثة هامدة في منزلها، مشيرةً إلى أن مصادر من عائلتها رجحت تعرضها للقتل، مع وجود شبهات حول تورط خادمتها التي يُعتقد أنها فرّت من المكان بعد وقوع الجريمة.

«أم زكي» الداية الشهيرة في مسلسل «باب الحارة» الفنانة السورية هدى شعراوي (متداولة)

من جهته، أكّد نقيب الفنانين مازن الناطور، في تصريح لمنصة «تأكد»، صحة الأنباء المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول العثور على الممثلة السورية هدى شعراوي مقتولة داخل منزلها.

وأوضح الناطور أن المعلومات الأولية الصادرة عن الطب الشرعي تشير إلى أن الجريمة وقعت ما بين الساعة الخامسة والسادسة صباح يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني)، لافتاً إلى أن المشتبه بها هي خادمة الضحية، التي لا تزال متوارية عن الأنظار حتى الآن.

القبض على المشتبه بها

وأعلن المحامي العام في دمشق، مساء الخميس، إلقاء القبض على المشتبه بها في جريمة قتل الفنانة السورية هدى شعراوي.

وقال القاضي حسام خطاب، في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا): «تم إلقاء القبض على المشتبه بها في قتل الفنانة القديرة هدى شعراوي، وقد اعترفت خلال التحقيقات الأولية بإقدامها على ارتكاب الجريمة».

وأضاف أن التحقيقات لا تزال مستمرة لكشف جميع ملابسات الحادثة.

ونقلت الوكالة عن قائد الأمن الداخلي في دمشق، العميد أسامة عاتكة، قوله: «في إطار المتابعة الفورية لحادثة مقتل المواطنة هدى الشعراوي، وردت معلومات عصر اليوم تفيد بالعثور عليها متوفاة داخل منزلها، وبعد مباشرة التحقيقات وجمع الأدلة، تبين أن الوفاة وقعت صباح اليوم نتيجة تعرّض المجني عليها لاعتداء بأداة صلبة أدّى إلى نزيف حاد، وقد نُقل الجثمان إلى الطبابة الشرعية بانتظار التقرير الطبي النهائي». وأضاف أن «التحقيقات الأولية أظهرت الاشتباه بخادمتها المدعوة فيكي أجوك، من الجنسية الأوغندية، التي غادرت المنزل عقب وقوع الجريمة، وعلى إثر ذلك، تابعت الوحدات المختصة تحركات المشتبه بها، وتمكّنت من إلقاء القبض عليها مساء اليوم، حيث أقرّت خلال التحقيق بارتكابها الجريمة، فيما تستمر التحقيقات لكشف دوافع الجريمة وملابساتها تمهيداً لإحالة الملف إلى القضاء المختص».

ونعت نقابة الفنانين السوريين الراحلة عبر بيان رسمي شاركته عبر معرفاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، قالت فيه: «فرع دمشق لنقابة الفنانين ينعى إليكم وفاة الزميلة الفنانة القديرة هدى شعراوي، وسنوافيكم لاحقاً بموعد التشييع والدفن وموعد التعزية. إنا لله وإنا إليه راجعون».

وبحسب مواقع تحدثت عن مسيرتها، دخلت هدى شعراوي عالم الفن في سن مبكرة، وبدأت عملها في الإذاعة السورية وهي في التاسعة من عمرها، وقدمت العديد من الأعمال الإذاعية المميزة، مثل مسلسل «صرخة بين الأطلال» و«حكم العدالة».

ورغم اعتراض أهلها الشديد على دخولها الوسط الفني، فإنها تمكنت من الحصول على موافقتهم بعد وساطة من وزير الإعلام في سوريا آنذاك.

أدّت شعراوي أكثر من 50 دوراً في المسلسلات السورية، منها مشاركاتها في أعمال مثل «أيام شامية»، و«عيلة خمس نجوم»، و«ليالي الصالحية»، و«الخوالي» و«بيت جدي». لكن الدور الأبرز في مسيرتها كان شخصية «أم زكي» في مسلسل «باب الحارة» الذي استمر أكثر من 10 أعوام، ما جعلها تُعرف بهذا الاسم في حياتها العامة.

وكان آخر ظهور إعلامي لها عبر برنامج «السؤال الأخير» على شاشة تلفزيون «الثانية» في تلفزيون سوريا، حيث استعرضت محطات من مسيرتها الفنية وتجربتها الطويلة في الدراما السورية.


صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب
TT

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على ما تفسر به ظواهر الطبيعة، فإن الحضارة اليونانية كانت واحدة من أكثر الحضارات ابتكاراً للأساطير، وهي التي نصبت آلهة أو أكثر لكل ظاهرة من الظواهر المتصلة بالوجود والمسيرة الإنسانية. إضافة بالطبع إلى أنصاف الآلهة الذين يقعون في الوسط بين الأرضي والسماوي، بين العادي والخارق، كما بين البشري وما بعد البشري.

ومع أن الميثولوجيا اليونانية لم تولد في عصر واحد ولم تتشكل على صورة واحدة، بل كانت مزيجاً من ميثولوجيا الخليقة وأصل العالم، وقصص اختلاط الآلهة والبشر، وسير الأبطال الملحميين، فإن النماذج العليا التي وضعتها للحياة والموت، وللبطولة والحب، وللجمال والألم، باتت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية، والإنسانية على نحو عام.

وحيث كان على كل واحد من الأبطال التراجيديين، أن يدفع غالياً ثمن سلوكياته وأفعاله المثيرة لغضب الآلهة، كما كانت حال بروميثيوس وسيزيف وأورفيوس وغيرهم، فقد كان على نرسيس، الصياد الوسيم العاشق لنفسه، أن يدفع كالآخرين ثمن افتتانه المفرط بجماله، وهو الذي عاقبته الآلهة بأن دفعته إلى التحديق في انعكاس صورته في الماء، إلى أن قضى غرقاً في المياه المظلمة للافتتان بالذات، قبل أن يتحول إلى زهرة جميلة تحمل اسمه.

وقد اعتبر هربرت ماركوز في كتابه «الحب والحضارة»، أن الحضارة الغربية منذ سقراط وأفلاطون وحتى عصورها المتأخرة، قد وضعت العقل في حالة مواجهة دائمة مع الغريزة، بحيث استخدم الأول بوصفه أداة للقسر والقمع وكبح الأهواء، فيما نُظر إلى كل ما ينتمي إلى منطقة الغريزة واللذة بأنه خطر على العقل وقوانين الانتظام العام والسلامة الأخلاقية. وإذا كان بروميثيوس هو الرمز الثقافي للعمل الباحث عن مردود وللإنتاجية والتقدم عن طريق القمع، فإن نرسيس وأورفيوس، الشبيهة صورتهما بصورة ديونيزيوس، كانا نموذجين للفرح والارتواء، وصوتهما «هو الصوت الذي لا يأمر أخلاقياً ولكنه يغنّي».

أما على الصعيد الأدبي، فقد تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين. وقد كان الشاعر الروماني أوفيد، من أوائل الذين أولوا شخصية نرسيس عناية خاصة، حيث أفرد له صفحات عدة من كتاب «التحولات»، متحدثاً عن الطفل ذي الوسامة الفائقة الذي كان ثمرة علاقة عشق صاعق بين ليريوبي، ربة الماء الفاتنة والإله النهر كيفيزوس، وحيث وقع نرسيس منذ يفاعته في عشق نفسه، فقد قابل بالصدود كل الآلهات الشابات اللاتي عملن على إغوائه، بمن فيهن إيكو إلهة الغابة، التي كانت الآلهة الكبرى قد غضبت منها وحولتها إلى صدى. وبعد مطاردة عقيمة بين الطرفين، قررت إيكو انتقاماً لحبها أن تتقمص انعكاس صورة حبيبها في المياه العميقة. حتى إذا انحنى ليشرب أعجبت صورته في الماء، فأغرق نفسه فيه، لتبكيه وفق رواية أوفيد، الآلهات جميعهن:

وكانت إيكو ترجّع نواحهنّ

وها هي تُهيَّأُ المحرقة

والمشاعلُ التي تُحرَّك في الأجواء

غاب الجسم

وفي مكانه نبتت زهرةٌ بلون الزعفران

تحيط بقلبها أوراق بيضاء

ومع أن شخصية دون جوان، التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في بداية القرن السابع عشر، تمتلك كثيراً من الوجوه، التي تتصل بالسلوك الماجن والتهافت الأبيقوري على اللذة ومفهوم الخطيئة والعقاب، والانقلاب الاحتجاجي على التزمت الديني ورومانسية القرون الوسطى، فنحن لا نحتاج إلى كثير من الجهد لكي نكتشف الجنوح النرجسي لهذه الشخصية، التي وقع صاحبها في عشق نفسه، جاعلاً من إغواء النساء وطلب اللذة والمجون العابث ديدنه وهاجسه المستمر.

ولم يفُت وليم شكسبير أن يتخذ من المآل المأساوي لجمال نرسيس، العبرة الملائمة لحمل الجمال على التخلي عن أنانيته القاتلة، عبر الاتحاد العميق بالآخر. وإذ يجعل من حب الذات «الوقود الكبير الذي يغذي شعلة النور الإنساني، يحث شاباً وسيماً مأخوذاً بجماله ومكتفياً به على الإنجاب، لكي لا يكون الجمال مرادفاً للعقم؛ بل للتجدد والخصب واستمرار النسل، ليضيف قائلاً:

انظر في مرآتك وقل للوجه الذي تراه

إن الوقت قد حان

لينشئ ذلك الوجه وجهاً آخر

وهكذا عبر نوافذ عمرك

سترى رغم التجاعيد زمنك الذهبي

وإلا متَّ وحيداً وماتت معك صورتك

كما بدا النزوع النرجسي واضحاً لدى أندريه جيد، الذي أظهر منذ مطالع صباه انهماماً بالغاً بالذات، واحتفاء باللذة، فضلاً عن ميوله المثلية، ثم ما لبث في فترة نضجه أن تراجع عن جنوحه السلوكي، والعيش وفقاً لما طاب له أن يسميه «نظام الطبيعة» القويم. أما كتاب «اتفاق نرسيس» الذي كتبه جيد في مطالع شبابه، فهو عبارة عن نص تأملي يستلهم فيه الكاتب أسطورة نرسيس، ليطرح أسئلة فلسفية حول الذات والهوية والجمال، حيث البطل الأسطوري يحاول دون جدوى أن يقبض على صورته في مرآة الماء. وهو إذ ينحني فوق نهر الزمن، تمر فيه وعبره جميع الأشكال، قبل أن تلوذ بالفرار، ويهتف جيد بلسانه:

أيتها الأشكال الإلهية الدائمة التدفق

من ذا الذي لا يرتقب عودة السكون ثانية

فالجنة يمكن إعادة صنعها على الدوام

وحيث تغوص المياه الأكثر كثافة

كل شيء يجهد ليبلغ شكله المفقود

وفي قصيدته المميزة ذات اللغة المتوهجة «نرسيس يتكلم»، يشير بول فاليري إلى أنه استلهم القصيدة من عبارة «إرضاء لأرواح النرجس» المنقوشة على قبر نرسيسا، ابنة الشاعر الإنجليزي إدوارد يونغ، التي قضت نحبها في ريعان الصبا بعد أن ألمّ بها مرض داهم. وإذ يحرص فاليري في الوقت ذاته، على التحدث بلسان الشابة المتوفاة، التي تعدى تماثلها مع نرسيس إطار الاسم، ليصبح تماثلاً في المصير، يكتب قائلاً:

ها أنا ذا أهلكُ بالجمال

أهلك لأنني اشتهيتُ نفسي في عريك

لكَم آسفُ على بريقكَ الصافي المنهك

أيها النبع الذي أحتضنه برقّة

حيث شربتْ عيناي من لازورد الفناء

وليس صدفة بالطبع أن يلح فاليري على الاحتفاء بشخصية نرسيس، إذ في هذا الاحتفاء ما يتعدى جمال الوجه والجسد، ليتصل باللغة نفسها، وهو الذي كان مساعداً لرائد المدرسة الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً في حركة الصنعية الجمالية التي قادته بسبب ما تستلزمه من نمنمة زخرفية، إلى التخلي عن الكتابة لعقدين كاملين من الزمن. وفاليري الباحث عن الكمال المطلق، الذي كان يعتقد بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وإنما تُترك فقط، هو الذي عاد في قصيدته «الملاك» ليكتب ما حرفيته: «الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه شيء أو يغيره شيء، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن».

تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين

يصعب الحديث أخيراً عن أثر النزوع النرجسي في الشعر الغربي، دون التوقف قليلاً عند تجربتي الشاعرتين الأميركيتين آن سكستون وسيلفيا بلاث، اللتين جمعتهما روابط كثيرة، بينها الولع بالشعر، وصداقة شخصية عكست نفسها فيما تبادلتاه من رسائل، إضافة إلى الوقوع في مرض الاكتئاب إياه، والفشل في الحياة والحب. حتى إذا عجز الشعر عن إسكات الأصوات السوداء المنبعثة من الأعماق الجحيمية للشاعرتين المطعونتين بنصال الحياة، بدا الموت انتحاراً بمثابة المرآة الأخيرة التي تلملم شتات ذاتيهما المنفصمتين، وتوحيدهما في صورة واحدة.وإذ تكتب سكستون من جوف عالمها المشوش «مرآتي الساخرة، حبي المقلوب، صورتي الأولى، ذلك الرأس الحجري للموت الذي تجاوزته وأنا أتعفن على الجدار دوريان غراي نفسي، وتلك المرآة المزدوجة التي تحدق في نفسها كأنها متحجرة في الزمن»، تحاول بلاث في قصيدتها «المرآة» الاستعانة بهذه الأخيرة، لكي ترسي ذاتها المتحولة على شكل نهائي. حتى إذا زينت لها ذاتها النرسيسية المنفصمة، وهي تحدق في مياه بالغة الاضطراب، أنها الوجه والمرآة في وقت واحد، وأنها تنزلق بلا هوادة نحو مصيرها المأساوي، هتفت قائلة: «أنا الآن بحيرة، وثمة امرأة تنحني فوقي، تبحث في أعماقي عما هي عليه حقاً، فيّ غرقتْ فتاة صغيرة، وفيّ تظهر امرأة عجوز تتوجّه نحو مصيرها كل يوم، مثل سمكة رهيبة».


سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
TT

سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»

يحوي متحف الفن الإسلامي ببرلين مجموعة من القطع الأثرية الأموية المتنوّعة، منها لوحة جدارية من الحجم الكبير، تمثّل امرأة تقف في وضعية نصف جانبية. حسب البطاقة التعريفية، اقتنى المتحف هذه القطعة خلال عام 1908 من الرسّام النمساوي ألفونس ليوبولد ميليخ، وهو أحد كبار الفنانين التشكيليين المستشرقين، ومصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، تشكّل جدارياته متحفاً حياً للفن التصويري الأموي المدني.

يقع قصير عمرة في وادي البُطم، شرق عمان، وهو منتجع ملكي يجمع بين حمّام كبير مؤلف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. يتميّز هذا المنتجع برسومه الجدارية التي تلفّ جدران حجراته وسقوفها بمجموعة هائلة من الصور المتعدّدة المواضيع. يعود الفضل في اكتشاف هذا الموقع الاستثنائي إلى العالِم التشيكي ألوييس موزيل الذي قدم عام 1898 إلى المشرق العربي على رأس بعثة للآثار، بدعم فاعل من أكاديمية فيينا. وصل هذا العالِم إلى بادية الأردن خلال هذه الحملة، وقاده أهل المنطقة من البدو إلى مبنى مهجور يُعرف محلياً باسم قصير عمرة، وفوجئ بثراء حلله التشكيلية، فعاد إليه مرتين في فترة وجيزة، ثمّ زاره ثالثة في عام 1901 لدراسته بشكل موسّع، واصطحب معه الرسّام ألفونس ليوبولد ميليخ، فأنجز مجموعة من الرسوم التوثيقية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم أكملها في محترفه في فيينا.

رسم الأبراج الفلكية والدوائر الفلكية على قبة قصر عمرة (عمرا)، أحد قلاع الصحراء الواقعة في شرق الأردن (شترستوك)

حمل الرسام النمساوي معه عيّنة صغيرة من هذه الحلل، نزعها عن جدار من جدران الموقع، ودخلت هذه العينة متحف الفن الإسلامي ببرلين في عام 1908 كجدارية مستقلّة، وكانت في الأصل تزيّن زاوية تعلو جنوب شمالي الإيوان الأوسط، وتمثل امرأة تقف منتصبة بين عمودين يعلو كلاً منهما تاج. يشكّل هذان العمودان الأبيضان قاعدة لقبّة زرقاء زُيّنت بشبكة من المكعّبات الزرقاء، وتُشكّل هذه القبّة قوساً يُعرف في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي باسم «قوس المجد». ومن أسفل هذه القبة، تنسدل ستارة طويلة، حدّدت ثناياها بخطوط حمراء. وتنفتح في الوسط، وتشكّل إطاراً في وسطه المرأة في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان لوزيتان، يعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. الذقن عريض، وكذلك العنق. الصدر ممتلئ، ويعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تماثل هذا العقد من حيث الشكل عقود الياقوت الأحمر، ويشكّل جزءاً من الحلي التي تتزّين بها هذه المرأة. يعلو الرأس شعر أسود كثيف، يكلّله بكتلة بيضاوية سوداء. وتعلو هذه الكتلة شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء. ترفع المرأة بيدها اليمنى طرف الستارة، وتشير بيدها اليسرى إلى الأسفل. يُزيّن كلّاً من هاتين اليدين سوار خطّ باللون الأسود، كما يزّين كلاً من الذراعين سوار مزدوج خطّ بأسلوب مماثل، وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة مشابهة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط.

واجهة قصر قصر مشطة في متحف بيرغامون للفن الإسلامي في 7 أبريل 2017 في برلين (شترستوك)

تشكّل هذه الجدارية عيّنة بسيطة من برنامج واسع، يصعُب تحديد مجمل عناصره بدقّة. تجمع جداريات قصير عمرة بين المشاهد الآدمية، الحيوانية والنباتية، وتشكل امتداداً لما نراه في سوريا الرومانية في العقود التي سبقت دخول الإسلام إلى بلاد الشام. تحتلّ هذه الرسوم مساحة كبيرة تمتدّ على مدى ما يقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج إيقونوغرافي مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية، وهو ما يجعل منها مادة استثنائية لدراسة تطور فن الرسم التصويري في القرن الثامن للميلاد، ونشوء الفن التصويري الأموي.

قدّم ألوييس موزيل قراءة أولى لهذا البرنامج في كتاب نُشر عام 1907 في مجلّدَين، ضمّ أحدهما نصّ البحث، وضمّ الآخر الصور التوثيقية التي أنجزها ألفونس ليوبولد ميليخ. بعد فترة وجيزة، قام الكاهنان العالِمان أنطونان جوسين ورافاييل سافينياك بزيارات متكررة لقصير عمرة بين 1909 و1919، والتقطا مجموعة من الصور الفوتوغرافية، صدرت في عام 1922 ضمن دراسة علمية تناولت ثلاثة مواقع أموية. في تلك السنة، أصدر العالم الكبير سالومون راينش موسوعة كبيرة خاصة بفن التصوير اليوناني والروماني ضمت 2720 رسماً تخطيطياً، وحوت هذه الموسوعة رسوماً لبعض من جداريات قصير عمرة، تعتمد على اللوحات التي أنجزها ألفونس ميليخ، وبدت هذه الجداريات يومها كأنها آخر تجلٍّ لفنون التصوير في العالم الإسلامي الناشئ. بعد بضع سنوات، أسقطت الاكتشافات الأثرية هذه المقولة، وتبيّن أن جداريات قصير عمرة تمثّل تقليداً تشكيلياً جامعاً، تحضر شواهده في قصور أموية مهجورة تقع في سوريا وفلسطين.

حظيت جداريات القصير بشهرة واسعة منذ العشرينات، وجذبت بمواضيعها الشائكة كبار المختصّين، وتوالت الأبحاث التي سعت إلى فكّ ألغازها، غير أن هذه الجداريات بقيت مهملة ومنسية في موطنها. في مطلع السبعينات، كلّفت دائرة الآثار الأردنية فريقاً إسبانياً مهمة تدعيم بناء القصير وتنظيف جداريته، فقامت هذه البعثة بثلاث حملات بين 1971 و1974، وأصدرت في عام 1975 كتاباً ضمّ 59 صورة لجدارياتها، التقطت بعد أعمال الترميم. أعاد هذا الكتاب الاعتبار إلى قصير عمرة، وفي عام 1985 تمّ إدراجه في قائمة مواقع التراث العالمي التي تعدّها اليونيسكو.

في عام 1989، عُهدت إلى «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مهمة توثيق رسوم القصير، فتولى هذا العمل على مدى سنوات، ونشر في 2007 كتاباً سعى فيه إلى تحديد مجمل البرنامج التصويري الخاص بهذا الموقع. بعد ثلاث سنوات، باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العمل في الموقع، وقام بترميم نحو 100 متر مربع من مساحة الجداريات، وكشف عن كتابة تحمل اسم صاحب المجمّع، وبات من المؤكد أن المبنى يعود إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك.

يتواصل استكشاف قصير عمرة اليوم، وتتواصل الدراسات الخاصة ببرنامجه التصويري الضخم. يبدو هذا البرنامج أشبه بكتاب ضخم مفتوح، وتحتاج كل لوحة من لوحاته الكبيرة إلى قراءة مستقلة تلقي الضوء على مكوّناتها، وتكشف عن معانيها ودلالاتها المتعدّدة.