الأقليات الإيرانية.. ثغرات تسمح باختراق وضرب الأمن القومي

تركيبة معقدة نجحت طهران في السيطرة عليها واستعملتها لضرب أعدائها حتى الآن

الأقليات الإيرانية.. ثغرات تسمح باختراق وضرب الأمن القومي
TT

الأقليات الإيرانية.. ثغرات تسمح باختراق وضرب الأمن القومي

الأقليات الإيرانية.. ثغرات تسمح باختراق وضرب الأمن القومي

رغم أن إيران نجحت في احتواء الحركات التحررية، وقامت باختراقها وتوجيهها خارج الحدود الإيرانية؛ بهدف إفشال مشروع مثيلاتها خارج الحدود الإيرانية الرامي إلى تشكيل دول قومية، فإن طبيعة تركيبتها من مركز فارسي شيعي وأطراف من أقليات فارسية وسنية، تعطي ثغرات أمنية لجهات معادية لإيران لإيجاد حالة من عدم الاستقرار، ووجود أقليات قومية ودينية، بالإضافة إلى مزاياها ومحاسنها، من الممكن أن يتحول ذلك إلى تهديد للأمن القومي الإيراني.
وبعد مرور سريع على التاريخ الإيراني المعاصر، نشاهد في الـ100 عام الأخيرة قيام أقليات قومية في إيران بإعلان عن إدارات ذاتية وجمهوريات في محافظات كردستان، وأذربيجان، وكيلان، الإيرانية، حيث تعتبر إيران إحدى أكبر الدول التي توجد على أرضها قوميات وأعراق وأديان متنوعة تمتلك لغات وعادات وثقافات وقيم مختلفة.
وكما هو واضح، فإن تلك القوميات تختلف فيما بينها في اللغة والثقافة والمذهب؛ وهو ما يجب أن تضعه الدولة في عين الاعتبار، خاصة مع تزايد التعداد السكاني لتلك القوميات. ويمكن تقسيم الأقليات إلى أقليات مسلمة، وأخرى غير مسلمة؛ وتتكون الأقلية المسلمة من الجماعة السنية، والجماعة الإسماعيلية، والجماعات الصوفية؛ أما الأقليات غير المسلمة فتضم المسيحية، والزرداشتية، واليهودية، والبهائية وطوائف أخرى. تركيبة القومية في إيران تتكون من الناحية الجغرافية من القسم المركزي، وهو قسم متجانس من ناحية القومية واللغة والمذهب، وقسم الأطراف، وهو قسم غير متجانس من ناحية القومية واللغة والمذهب. والقوميات في إيران تنقسم إلى ثلاث مجموعات على الشكل التالي:
المجموعة الإيرانية: وتشمل الأفغانيين، وهزارة، والبلوش، والبختياريين، والفرس، والأصفهانيين، والكرمانيين، واليزيديين، والكيلانيين، والمازندرانييين، والطالشيين، والكورد، واللر.
المجموعة غير الإيرانية: وتشمل الترك، والقشقايين، والتركمان، والمغول، والأرمن، والعرب، واليهود، والآشوريين.
والمجموعة الثالثة: تتكون من ثقافات قومية، وقبائل، وعشائر وطوائف وأعراق مختلفة أخرى.

تركيبة القوميات في إيران
1 - الأذريون: تعتبر من أكبر القوميات في إيران، يسكنون في شمال غربي إيران في محافظات أذربيجان الغربية، وأذربيجان الشرقية، وأردبيل، وزنجان، وقزوين، وهمدان، وغرب كيلان. الأذريون يختلفون من ناحية اللغة مع القومية الفارسية، لكن يوجد نقطة مشركة، وهي المذهب الشيعي. الأذريون في إيران لديهم نقاط مشتركة من ناحية اللغة، القومية والمذهب مع الأذريين في جمهورية أذربيجان.
2 - الأكراد: بعد الفرس والأذريين يعتبر الأكراد ثالث قومية تعيش في إيران. الأكراد هم من عرق الهند - أوروبي ويسكنون في منطقة كردستان منذ قرابة أربعة آلاف سنة وكانوا منتشرين على أطراف بحيرة وان ومنطقة القوقاز ونهر جلة، وبمرور الزمان استقروا في منطقة كردستان. يوجد الأكراد في غرب إيران، وخصوصًا في محافظة كردستان، وجنوب محافظة أذربيجان الغربية، محافظة كرمانشاه ومحافظة إيلام. ومناطق سكناهم تعتبر امتدادًا جغرافيًا لمناطق يسكن فيها الأكراد في شمال العراق وجنوب شرقي تركيا وشمال شرقي سوريا. وتوجد أقلية أيضًا في شمال محافظة خراسان ودولة أرمنستان. يتكلم الأكراد اللغة الكردية وبلهجات الكرمانجية، والسورانية، والزازاية، والكورانية، والكلهورية. من الناحية المذهبية ينقسم الأكراد في إيران على المذهبين السنة والشيعة. أكراد محافظتي كردستان وأذربيجان الغربية الإيرانية هم على المذهب السني وأكراد محافظتي كرمانشاه وإيلام هم على المذهب الشيعي. أكراد إيران يختلفون من النواحي المذهبية والقومية واللغة عن المركز وفي المقابل ينسجمون مع أكراد الدول المجاورة لإيران، وخصوصًا العراق. يعتبر الأكراد من أقدم القوميات الإيرانية ويشكّلون في الوقت الحاضر التركيبة الأساسية من السكان في أربع دول، من بينها إيران والعراق وتركيا وسوريا؛ حيث يبلغ عدد السكان الأكراد نحو 30 مليون نسمة. وبعد الفتوحات الإسلامية اعتنق الأكراد الدين الإسلامي، مع وجود أقلية من الطوائف الأخرى التي تقطن ضواحي كرمانشاه، من أمثال الكلهر والسنجاب وأقلية كردية تعتنق المذهب الشيعي، إلا أن السواد الأعظم من القومية الكردية يعتنق المذهب السني الشافعي.
3 - العرب: يسكن العرب في القسم المركزي وجنوب غربي محافظة خوزستان الإيرانية. يقع الأعراب في غرب وجنوب محافظة خوزستان الإيرانية ويختلفون عن المركز من ناحية اللغة والقومية ويشتركون مع المركز من ناحية المذهب وهو الشيعي.
4 - البلوش: يسكن البلوش في محافظة سيستان وبلوجيستان الوقع جنوب شرقي إيران ولهم امتداد جغرافي وقومي في جنوب غربي أفغانستان وشرق باكستان. من ناجية القومية واللغة والمذهب يختلف البلوش عن المركز الفارسي الشيعي المذهب.
5 - التركمان: بالإضافة إلى موطنهم الأصلي وهو تركمانستان، يعيش التركمان في بلدان إيران، والصين، وأفغانستان، وتركيا، والعراق. ويسكنون في محافظة كلستان ومحافظة خراسان الشمالية، وبالتحديد في أقضية قوجان، وبجنورد وسرخس. من نواحي اللغة والقومية والمذهب يختلف التركمان مع المركز ولهم امتداد داخل دولة تركمانستان.
6 - اللرية: اللريّون هم قومية تعيش في غرب وجنوب غربي إيران. ينقسم اللرية إلى لر الكبرى ولر الصغرى. لر الكبرى تعيش في محافظة كهكيلوية وبوير أحمد، وفارس، وجهار محال، وبختياري، وأقسام في محافظات أصفهان، وخوزستان، ومحافظة لورستان الإيرانية، ولر الصغرى تعيش في محافظة لرستان، وإيلام، جنوب كرمانشاه ومحافظات همدان وخوزستان الإيرانية. على عكس الأكراد والتركمان والعرب والبلوش، القومية اللرية في تجانس من ناحيتي المذهبية واللغة.

المذاهب في إيران
1 - السنة: وتعتبر الطائفة السنية من أكبر الأقليات في إيران، حيث إنها تُشكّل عشرة في المائة من مكونات الشعب الإيراني، ومما يجعل الأقلية السنية أكثر تفاوتًا من غيرها في التنوع القومي الذي تتميز به، حيث إنها تتكون من قوميات أخرى، هي البلوشية والتركمانية؛ وهما من الأقليات الكبيرة نسبيًا. ومن المؤسف أن المناطق التي يسكنها أهل السنة في إيران تعتبر من أشد المناطق فقرًا وترديًا مقارنة بالمناطق الأخرى. كما أن نسبة البطالة في هذه المناطق مقارنة أيضًا بالمناطق الأخرى تعتبر الأعلى نسبة، ومعدل التنمية الاقتصادية هو الأدنى بالنسبة لبقية المناطق الإيرانية. يضاف إلى ذلك أن سياسة الدولة الإيرانية في تلك المناطق هي الأكثر تشددًا؛ مما يدفع تلك الأقليات إلى تشكيل مقاومات تدافع من خلالها عن هويتها. وقد زادت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة حتى وصلت لمواجهات أمنية مع تلك الأقليات في مناطقهم. تتميز المناطق السنية من عدم امتدادها من الناحية الجغرافية ويفصل بينها محافظات شيعية، فبين أهل السنة في الغرب والجنوب توجد محافظتا كرمانشاه وإيلام الشيعية ويفصل بين أهل السنة في الشمال وأهل السنة في الشرق محافظة مشهد الشيعية. أهل السنة الساكنون في شرق إيران لهم امتداد جغرافي وقومي ومذهبي داخل باكستان وأفغانستان. والسنة من الساكنين في شمال شرقي إيران لهم امتداد مع أهل السنة من الساكنين في آسيا الوسطى. في جنوب إيران، السنة لهم امتداد مذهبي داخل دول الخليج. وفي غرب إيران معتنقو أهل السنة من الأكراد يمتدون ويتجانسون من أهل السنة في الشمال العراقي ويتحدون معهم من الناحية الجغرافية والقومية والمذهبية واللغة.
أ‌ - الحنفيون: يتوزع أهل السنة من المذهب الحنفي على الحدود الشرقية الإيرانية ويمتدون باتجاه الجنوب والشمال، ويبدأون من شرق محافظة خراسان وحتى جنوب محافظة سيستان وبلوجيستان الإيرانية الحدود الشرقية لإيران، ويمتدون باتجاه الجنوب ليصلوا إلى محافظة هرمزكان وعدد من جزر الخليج لغاية ميناء لنكة ومن جهة الشمال يبدأون من شرق بحر مازندران، والذي يسكن فيه التركمان ليمتد باتجاه الشمال الغربي لحافظة خراسان.
ب‌ - الشافعيون: يتوزع الشافعيون في غرب إيران، وبالتحديد في محافظة كردستان وجنوب محافظة أذربيجان الغربية الإيرانية وقسم من محافظة كرمانشاه الإيرانية.
2 - المسيحيون: عدد المسيحيين في إيران قليل جدًا ويوجدون في محافظات أصفهان، وطهران وأذربيجان الغربية وليس لهم مواقع جغرافية محددة.
3 - الزرادشتيون: يتمركز الزرادشتيون في العاصمة طهران ومحافظة يزد الإيرانية.

امتداد القوميات
خارج الحدود الإيرانية
1 - من الناحية القومية، البلوش في جنوب شرقي إيران لهم امتداد جغرافي وقومي مع ولاية بلوجيستان في باكستان.
2 - لدى القومية التركمانية في شمال شرقي إيران امتداد جغرافي وقومي مع دولة تركمانستان.
3 - الأذريون الساكنون في شمال غربي إيران لهم امتداد قومي وجغرافي في جمهورية أذربيجان.
4 - القومية الكردية لها امتداد قومي وجغرافي في العراق وتركيا وسوريا.
5 - العرب من الساكنين في جنوب غربي إيران لهم تمدد قومي وجغرافي في العراق والوطن العربي.

البعد الأمني للقوميات في إيران
1 - بعد ميلاد الدولة الإيرانية الحديثة عام 1921 والأعوام الأخيرة للحرب العالمية الثانية وبعد الثورة الإسلامية في عام 1979، وبالأخص بعد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبيرة في إيران، شهد تحرك القوميات الإيرانية باتجاه الهروب من المركز باتجاه دول جوار إيران لتشكيل دولة مستقلة. الظروف المهيئة للتدخل.
2 - وقوع إيران بين 10 دول بقوميات مختلفة ووجود 50 لغة ولهجة و5 قوميات داخلية (الأتراك، والكرد، والعرب، والبلوش، والتركمان).
3 - توجد قوميات غير فارسية في 10 محافظات حدودية، والتي تشمل محافظات (أذربيجان الغربية، وأذربيجان الشرقية، وأردبيا، وزنجان، وفارس/ القومية التركية، ومحافظة كردستان، وأذربيجان الغربية، وكرمانشاه، وإيلام/ القومية الكردية، وخوزستان، وموانئ وجزائر الجنوب القومية العربية، ومحافظة سيستان وبلوجيستان/ القومية البلوشية، ومحافظة كلستان/ القومية التركمانية.
4 - تتعدد الثقافات داخل المجتمع الإيراني (نسبة 25 في المائة من المجتمع الإيراني تتشكل من المجاميع غير الفارسية).
5 - زيادة تأثير القوميات المجاورة على القوميات المتعددة داخل إيران بعد الإطاحة بحكم حركة طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق.
6 - وجود حدود مشتركة بمسافة 8000 كم مع دول الجوار مع وجود أضعف وأفقر طبقات المجتمع في المحافظة الحدودية.

تهديد القوميات
على الأمن القومي
1 - الموقع الجغرافي للأقوام الإيرانية: أغلبية الأقوام المختلفة والأقليات الدينية في إيران يسكنون على المناطق الحدودية لإيران يقابلها قوميات مشابهة على الجهة المقابلة في الدول المجاورة لإيران مما يسهل عملية التأثير عليها من خارج الحدود في حال وجود أزمات خارجية.
2 - وجود تمدد قومي لأقوام إيران في دول جوار إيران على الرغم من تهيئة أرضية للنفوذ داخل هذه الدول إلا أنه يعتبر أيضًا مصدر تهديد للأمن القومي الإيراني نظرًا لكونه يعطي ذريعة للتدخل.
3 - تدخل الدول الأجنبية: مسألة التنوع القومي والعرقي والمذهبي في إيران تهيئ أرضية لتدخل الدول الأجنبية وبالنتيجة يهدد الأمن القومي الإيراني.
4 - تعارض الأقوام والأديان واللغات: وجود تعارض الأديان والقوميات واللغات المختلفة في إيران يؤدي بالنتيجة إلى بروز اختلافات وإيجاد حالة من عدم الاستقرار نتيجة تعارض مصالحهم.
5 - القوميات غير المتجانسة تؤثر وبشكل رئيسي على السياسة الخارجية ودور إيران كلاعب رئيسي على مستوى المنطقة والعالم نظرًا لوجود أقوام ولغات وثقافات مختلفة في إيران مما يهيئ أرضية مناسبة للتدخل الدول المجاورة.

كيفية تعامل النظام الإيراني
مع الأقليات
1 - تم تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أساس الوحدة القومية والدينية الشيعية باعتبار أن كل الأقوام الموجودة في إيران هم من أصل فارسي واللغات هي لهجات تابعة للغة الفارسية والاعتراف بوجود معتنقي أهل السنة مع فرض حدود للنشاط المذهبي وسعي مستمر لتقليل الفوارق المذهبية في الداخل بهدف ذوبان معتنقي أهل السنة داخل المذهب الشيعي بعكس مساعي إيران في الخارج الرامية إلى تشديد الهوة بين المذهبين الشيعي والسني.
2 - التأكيد على فتح منافذ وأسواق حدودية بهدف انتعاش اقتصاد المناطق الحدودية مع إعطاء صلاحيات إدارية لتلك المناطق حسب فرضية انتعاش المناطق الحدودية من الناحية الاقتصادية يقلل من هروب الأطراف من المركز باتجاه الخارج.
3 - حماية المنتجات الزراعية والصناعية المنتجة في المحافظات الحدودية بهدف تقوية البنية الاقتصادية وإيجاد فرص العمل تنسجم مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.
4 - تعزيز فكرة القومية الفارسية واللغة والمذهب الإسلامي الواحد عبر وسائل الإعلام.
5 - استناد الدستور الإيراني وبشكل رئيسي على الدين وليس على القومية أو اللغة؛ لأن الحكومة المرتكزة على القومية والعرق واللغة يؤدي بالنتيجة إلى قيام القوميات الأخرى بالمطالبة بحقوقهم القومية.

النتيجة
1 - الأكراد، والبلوش، والتركمان، هم أكثر القوميات التي تسعى إلى الهروب من المركز والاتحاد مع القوميات الموجودة خلف الحدود؛ نظرًا لوجود امتداد جغرافي وقومي في الدول المجاورة لإيران.
2 - الأذريون هم أقل سعيًا للهروب من المركز باتجاه جمهورية أذربيجان نظرًا لوجود نقاط مشتركة قوية وهي:
‌أ - المذهب الشيعي.
‌ب - مشاركة الأذريين بشكل فعال في إدارة البلاد.
‌ج - الاستفادة من الأذريين لكبح جماح الأكراد، والبلوش والتركمان.
3 - في كل مراحل تاريخ الدولة الإيرانية، إذا كانت الدولة المركزية مقتدرة وقوية، قلت مساعي القوميات المختلفة للهروب من المركز، والعكس صحيح.
4 - حل الملف النووي الإيراني وخروج إيران من العزلة السياسية والانتعاش الاقتصادي يؤدي بدوره إلى تقوية مساعي إيران إلى حل القوميات والمذاهب واللغات المختلفة داخل القومية الفارسية الشيعية.
5 - تعتمد إيران على البحث عن حل لمشكلة القومية الكردية (أكبر القوميات المهددة للأمن القومي الإيراني) عن طريق خرق تحالف الأحزاب الكردية خارج الحدود الإيرانية ودعم أحزاب كردية معينة (حزب العمال الكردستاني كمثال) بهدف شق الصف الكردي لإيصال فكرة أن إيران هي الدولة الوحيدة الضامنة لحقوق القومية الكردية والتي تعتبرها إيران أحد المكونات الرئيسية للقومية الفارسية.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.